مبدعو قطاع غزّة… الحرّاس لا يرحلون

مليحة مسلّماني13/01/2024

بالأمس قالت نجمةٌ لضياء قلبي

يا ضِيا… لسنا مجرّد عابرين

لا تنطفئ… ما زال يمشي تحت هذا الضوء

بعض الشاردين

الحبّ أوّل ما خُلِقْتَ به

فلا تحمل سواه هديّةً للخائفين.

– الشاعرة الشهيدة هبة أبو ندى (1991 – 2023).

يمثّل مثقّفو أيّ شعب مستعمَر ومبدعوه حرّاس سرديّته الناطقة بحكايته الإنسانيّة في مواجهة المستعمِر؛ ففي حين يقتصر عمل السياسيّ وخطابه على تحقيق أهداف محدّدة، قد تجري عليها تعديلات مع الزمن، تبقى الثقافة المجال الأكثر خصوبة للإبداع، والتعبير عن الرواية، وتجديدها، واستمرار اتّساعها باتّجاهين: أفقيّ يتحقّق بالانتشار، من خلال ما يُنْجَز من نتاجات إبداعيّة، تمسّ وتخاطب ثقافات وشعوبًا مختلفة؛ وعموديّ أو رأسيّ، عبر التعمّق في المأساة الفلسطينيّة، والذهاب إلى ما وراء مظاهر الاستعمار وأرقام الضحايا وصور الدمار، وغيرها من معطيات خبريّة جامدة.

ولعلّ الفلسطينيّين، وفلسطينيّي غزّة بخاصّة، يروون اليوم نكبة أخرى، شهادة لا سماعًا، ومعاينة معاصرة لا رواية متوارثة. النكبة لا تكمن في ما تخلّفه من ضحايا ومهجّرين وأماكن مدمّرة، بل في القضاء على البنية، أو الكيانيّة الاجتماعيّة والسياسيّة، وتفكيكها، كما حصل تمامًا في نكبة 1947-1949. ومن أهمّ انعكاسات النكبة أيضًا، الّذي ألقى بثقله لعقود على المشروع الثقافيّ الفلسطينيّ برمّته، تشتّت المبدعين والنخب الثقافيّة الفلسطينيّة في بلاد مختلفة.

اليوم في غزّة نشهد اغتيال شعراء وأدباء وفنّانين وناشطين، ارتقوا في ذروات عطائهم الإبداعيّ، وفي خضمّ سعيهم نحو بلورة مسيراتهم الفنّيّة والثقافيّة. وهم ذوو تجارب غنيّة وخصبة ومتنوّعة، جديرة بالقراءة، تحليلًا لنتاجاتهم الإبداعيّة، واستذكارًا وتكريمًا. تضمّ قافلة شهداء العدوان الأخير أكثر من 21 اسمًا من مبدعي غزّة، وهو ما تسنّى توثيقه لغاية الآن[1]، فما زال هناك آلاف المفقودين تحت الأنقاض.

يتناول هذا المقال ثلاثة من مبدعي غزّة الراحلين، وهم الشهداء: هبة أبو ندى، وهبة زقّوت (1984 – 2023)، وعلي نسمان (1985 – 2023). فهؤلاء، لم يكتبوا ولم يرسموا ولم يغنّوا ولم يمثّلوا إلّا لشعورهم بأنّ لديهم رسائل أرادوا إيصالها إلى العالم عبر أعمالهم، وربّما على الفاعلين في حقل الكتابة الثقافيّة بذل مزيد من الاهتمام بأعمال مبدعي غزّة بعامّة، والراحلين منهم بخاصّة.

هبة أبو ندى… شاهدة الدهشة

هبة أبو ندى، ولجت، رغم قصر عمرها الإبداعيّ، عوالمَ كتابة وأجناسًا أدبيّة تعدّدت بين السرد قصّة ورواية وشعرًا، وهي مدوّنة أيضًا لها تدوينات عدّة على موقع «الجزيرة نت»[2]. وُلِدَتْ في عام 1991 لعائلة مهجّرة من قرية بيت جرجا المدمّرة خلال النكبة. درست الكيمياء الحيويّة والتأهيل التربويّ. أمّا اهتمامها بالأدب فقد بدأ مبكّرًا؛ تقول، في لقاء معها[3]، إنّها كتبت أوّل نصّ شعريّ عندما كانت طفلة في الصفّ الخامس أو السادس الابتدائيّ، وإنّها تميل إلى الشعر الإنسانيّ، رغم أنّها بدأت بالشعر الوطنيّ، لكنّها تشعر بأنّ الشعر الإنسانيّ يمسّ جميع الناس. كتبت كذلك الشعر الغنائيّ، الّذي تعتبره ’فاكهة الدفتر‘ في تجربتها الأدبيّة[4].

صدر لها عدد من المجموعات الشعريّة المشتركة، منها: «أبجديّة القيد الأخير»، و«العصف المأكول»، و«شاعر غزّة». تتناول في شعرها “قضايا حول المواطن الفلسطينيّ المحاصر في قطاع غزّة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، مازجة في أسلوبها مقاربات مختلفة عن الحبّ والحرب والتفاصيل اليوميّة”[5]. أمّا كتابها السرديّ الأوّل، وهو رواية «الأكسجين ليس للموتى»، الصادر عن «دار ديوان للنشر والتوزيع» في الكويت في عام 2017؛ فقد حصل على المركز الثاني في «جائزة الشارقة للإبداع العربيّ».

تصف هبة روايتها فتقول: “هي إنسانيّة من الدرجة الأولى، عشت مع أبطالها ثلاث سنوات بين الكتابة والقراءة والتعديل على العنوان والنصّ الأصليّ. وهي انعكاس للإنسان العربيّ في ظلّ الثورات العربيّة، وأتمنّى أن يجد كلّ قارئ زاويته الخاصّة في سطور الرواية”[6]. يرى أحد الكتّاب أنّ الشهيدة هبة أبو ندى برعت في العبور الجوّانيّ في شخصيّات الرواية، وفي قدرتها على أن “تصنع سردًا يتناسل من بعضه بإيقاع يدلّ على خبرة لديها في القصّ والحكي. وأيضًا في تجهيلها المتقن الفضاءين المكانيّ والزمانيّ، فأنت لا تعرف في أيّ بلد أو بلاد تحدث وقائع الرواية…”[7].

قبل السابع من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023، كانت ندى تتناول مواضيع متنوّعة على صفحتها الشخصيّة على «فيس بوك»؛ تنتقد العنف الأسريّ، وتذكّر بقصص دينيّة مسلتهِمةً منها عبرًا ودروسًا، وتتألّم لمأساة الحريق في قاعة أفراح في العراق، منتقدة سوء الأحوال العربيّة، وما تؤدّي إليه من كوارث وضحايا، تهتمّ بالفنّ التشكيليّ، وتكتب شعرًا في الحبّ، فتقول:

الحبّ سقراط القلوب

وقهوة أحلامها السمراء بنّ

لم يجفّ

الحبّ عين الأمنيات

تبيت ليلًا لا تنام ولا ترفّ

تتحوّل صفحة ندى بعد السابع من تشرين الأوّل (أكتوبر)، كما هو حال غالبيّة الفلسطينيّين، والغزّيّين بخاصّة، إلى وضع الطوارئ، ففي قطاع غزّة، كما كتبت تقول: “يتغيّر كلّ شيء في لحظة”! تنقل أخبار القصف، وتنعى صديقتها الشهيدة مريم سمير، وتعتذر إليها عن كلّ مرّة اختلفتا فيها بالرأي. تقول إنّه كلّما اعوجّ مسار العالم صحّحته غزّة، وتؤكّد قيمًا دينيّة مثل الصبر والإيمان، وطمأنينة الدعاء، ونور الشهداء في ليل القطاع المخيف والمعتم والصامت إلّا من صوت القصف.

كتبت عن الفقد والوداع، وعن قطار التطبيع الّذي ينقلب بمَنْ فيه، تسخر من أمريكا الّتي سترسل حاملة طائرات، فتقول: “بسّ نتحرّر بنعمل منها مطعم عائم في البحر”.

تكتب عن شجر العائلات الّذي يتساقط كاملًا في القطاع، عن مدينة غزّة الّتي تتحوّل إلى “مقبرة مفتوحة ممتدّة من عتبة الجامعة العربيّة حتّى منبر الأمم المتّحدة”. وكان آخر منشور كتبته على صفحتها قبل استشهادها: “نحن في غزّة عند الله بين شهيد وشاهد على التحرير، وكلّنا ننتظر أين سنكون”.

وفي السابع من تشرين الأوّل، كتبت هبة أبو ندى منشورًا تشبّه فيه عمليّة «طوفان الأقصى» بنصّ قرّاؤه شهود الدهشة؛ تقول: “أيّ كاتب مجنون هذا الّذي وضع كلّ الأحداث الصادمة في حلقة واحدة! لكنّ شبابنا لا يجيدون كتابة المسلسلات الخياليّة، يجيدون كتابة الواقع بالدم والنار! أيّتها الحلقة المهيبة لا تنتهي… كلّنا شهود الدهشة”.

هبة زقّوت… الشوق الّذي في عينيّ العمّة

في أيّار (مايو) الماضي؛ أي قبل نحو ستّة أشهر من استشهادها، شاركت الفنّانة الغزّيّة هبة زقّوت، على صفحتها الشخصيّة على «فيس بوك»، لوحة تتصدّرها امرأة بالزيّ الفلسطينيّ التقليديّ، بينما تتزيّن الخلفيّة بالريف الفلسطينيّ، كتبت الفنّانة تعليقًا مصاحبًا للوحة، هو أشبه بحكاية عنها، تقول: “وُلِدْتُ وأنا أحمل كلمة لاجئة، لم أرَ بلدتي الأصليّة أسدود، لكن كانت عمّتي علياء تجمعنا، وتحكي لنا عن أرض جدّي وبيّارات البرتقال؛ عن موسم الحصاد وبيت مليء بحبّ وحياة، كنت أرى الشوق بعينَي عمّتي وهي تروي لنا حكايات عن أيّام البلاد، وأمنيات بعودة قريبة…”.

رحلت هبة وأبناؤها، خلال العدوان الحاليّ على قطاع غزّة، لكن لم ترحل معها أمنيات العودة الّتي يتوارثها الفلسطينيّون جيلًا بعد جيل. كما تبقى رسائلها حاضرة في أعمالها الّتي لا يُعْرَف مصيرها، كما هو مصير أعمال تشكيليّي القطاع، الّتي لم تَنْجُ هي أيضًا من العدوان.

للفنّانة الشهيدة هبة زقّوت

كانت هبة زقّوت، وقبل أيّام من استشهادها، قد صوّرت فيديو تعريفيًّا لها ولرسالتها الفنّيّة[8]؛ نشرته أختها لاحقًا بعد رحيلها. حصلت على دبلوم تصميم جرافيك من «كلّيّة تدريب غزّة»، وعلى درجة البكالوريوس في «الفنون الجميلة» من «جامعة الأقصى» في عام 2007. وهي أمّ وعاملة في مدرسة حكوميّة في غزّة. بدأت مسيرتها الفنّيّة في عام 2008؛ ليسيطر الموضوع الفلسطينيّ، بأمكنته وشخوصه، على أعمالها. وهي ترى أنّ الفنّ مساحتها للتعبير عن حالات وجدانيّة وانفعاليّة أفرزها الواقع الفلسطينيّ بعامّة، والغزّيّ بخاصّة. وتعتبر أنّ الفنّ رسالتها إلى العالم الخارجيّ للتعبير عن القضيّة والهويّة الفلسطينيّتين.

تسيطر المرأة على أعمال زقّوت؛ لتشكّل في مجموعها سيرة بصريّة للمرأة الفلسطينيّة، ولفلسطين، وللفنّانة ذاتها. كما في لوحة لامرأة تحمل بين يديها حمامة يبدو رسم قلب أحمر في منتصف صدرها، ليختزل العمل معاني الحبّ والدفء، وحالتَي الحيرة والحزن أيضًا الظاهرتين في العينين وسواد الشعر والثوب. في لوحة أخرى، تحمل المرأة بحنين آلةً موسيقيّة، بينما زُيِّن شعرها الفيروزيّ بالزهور؛ لتبدو في حالة أقرب إلى الحلم، وإلى الفنّ ذاته موضوعًا يرتبط بالمرأة، وكأنّ الفنّانة رسمت اللوحة كبورتريه ذاتيّ لها.

تشكّل الأمومة موضوعًا للوحات عدّة، تظهر فيها الأمّ مع أطفالها في حالة من التلاصق والاحتضان، يحملون الحمام أو الصبّار. في لوحة أخرى، تتّشح المرأة بالكوفيّة، بينما يتمركز في أعلى الرأس رسم لقفص فيه حمامة. القفص الّذي يشير إلى السجون والحصار، والكوفيّة بدلالاتها الثوريّة المقاوِمة، رمزان عزّزا حضور الموضوع الفلسطينيّ في العمل، الّذي يشير إلى حالتين يتحرّك داخلهما الفلسطينيّ: الحصار المرادف للاستعمار، والمقاومة المرادفة للتحدّي وللوجود الفلسطينيّ ذاته.

يميل بعض أعمال زقّوت إلى التزيينيّة والاحتفائيّة، كما هو بعض أعمالها في الطبيعة، وتلك الّتي تصوّر المكان الفلسطينيّ ومدينة القدس الّتي تحضر بشكل كبير في مجمل مسيرتها الفنّيّة. تبدو المدينة بألوان زاهية واضحة، وإذ تعتمد الفنّانة أسلوبًا واقعيًّا بسيطًا، إلّا أنّها تهتمّ بشكل كبير بالتفاصيل، كقبّة الصخرة الّتي تزيّن المشهد، والنوافذ والأبواب وزخارفهما، والبيوت المتلاصقة، والقِباب، والكنائس، والمآذن، والأسوار.

للفنّانة الشهيدة هبة زقّوت

يظهر الاهتمام بالتفاصيل كذلك في بعض اللوحات عبر زخارف الثوب الفلسطينيّ، ويبدو أنّ الفنّانة كانت تسعى بجدّ إلى صياغة أسلوبها الفنّيّ وقاموسها الرمزيّ، المستلهَم من القاموس الرمزيّ الفلسطينيّ، فنعثر في أعمالها على إعادة اشتغال لرموز استخدمها الفنّانون الروّاد ومَنْ بعدهم من أجيال الفنّ الفلسطينيّ: مثل الصبّار، والحمام، والحصان، والكوفيّة، والزيّ التقليديّ، والقدس، والقبّة الذهبيّة، والمفتاح، وخارطة فلسطين.

يقول الباحث في الفنّ الفلسطينيّ، نصر الجوابرة: “تقدّم هبة زقّوت أعمالها بمنحًى يقترب من الواقعيّة البسيطة، باللون والشكل والكتلة؛ ممّا يقترب، أحيانًا، من الفطريّة. إلّا أنّ أعمالها واقعيّة حالمة بطلها الإنسان: الطفل والرجل والفتاة، في مواجهة المتلقّي، حاملًا في ملامحه المعاني ومشاعر الرفض والترقّب، وأحيانًا باحثًا عن الحياة بطائر أبيض، أو بنبتة من أرض فلسطين”[9].

علي نسمان … ’شريحة

الشهيد علي نسمان فنّان متعدّد المواهب، وممثّل شارك في العديد من المسلسلات، ومُغَنٍّ، وصانع محتوًى على مواقع التواصل الاجتماعيّ، وناشط فعّال في القضايا الوطنيّة والاجتماعيّة. وعلى تعدّد مجالات إبداعه، طغت على شخصيّة نسمان روح الفكاهة، عبر سعيه إلى تقديم قضايا ساخنة، وسياسيّة، واجتماعيّة، بحسّ كوميديّ ساخر وبسيط يقترب فيه من المتلقّين على اختلاف ثقافاتهم.

عُرِفَ بلقب ’شريحة‘، وهو اسم الشخصيّة الّتي أدّى دورها في مسلسل «القدس بوّابة السماء» (2017)، الّذي تناول معاناة المقدسيّين ونضالهم تحت حكم الاستعمار. شريحة شابّ مقدسيّ أُصيب بإعاقة ذهنيّة نتيجة التعذيب في سجون الاستعمار الصهيونيّ. برع نسمان في تجسيد الشخصيّة الّتي تعلّق بها الأطفال كثيرًا، ويقول عنها في أحد اللقاءات: “شريحة هي الشخصيّة المعقّدة المركّبة، اللّي هو بدّه يكون فجأة ’شريحة‘، اللّي مش فاهم ولا حاجة، اللّي عامل حاله فيلسوف وهو مش فاهم ولا إشي، وهو بنفس الوقت المقاتل العنيد اللّي كان في كثير من العمليّات اللّي كانت بتصير من خلف هذا الدور… كان شريحة فعليًّا مريضًا؛ لأنّه تعرّض للتعذيب، اتْعالج على يد المرابط لأنّه كان صديقه قبل ليصير مريض، ولما كان مأسِّس خليّة، استخدم شريحة، الّذي هو قنبلة الدخان اللّي كانت عامْيِه عيون الاحتلال وحتّى أهل الحارة… إنهم يستبعدوا إنّه يكون إله دور في المقاومة… هذا واحد مجنون”[10]. وهو يذكر أنّ شخصيّة شريحة مستلهَمة من قصص حقيقيّة، حول أناس اعْتُبِروا مجانين، ولكن اكْتُشِف بعد استشهادهم أنّ لهم دورًا في المقاومة.

وفي قناته على «يوتيوب»، وعلى صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعيّ، تناول نسمان، قبل العدوان الحاليّ على قطاع غزّة، مواضيع متنوّعة، بأسلوب جادّ حينًا، وكوميديّ ساخر في كثير من الأحيان؛ فيأخذ المشاهدين، كما في أحد المقاطع الّتي صوّرها، في جولة في القطاع بعد منتصف الليل، بين رفح وخان يونس ودير البلح؛ ليعرض مظاهر الأمان والاستقرار في “البقعة اللّي كلّ الناس خايفة منها”، كما يقول. يشارك الأطفال في لعب كرة القدم، ويقدّم ورودًا لفتيات صغيرات يجلسن على الشاطئ، ولعناصر شرطة المرور، يلعب الورق مع الشبّان في أحد المقاهي، ويشارك في حفل حنّاء أحد الشبّان. يتناول في مقاطع أخرى تاريخ المعاناة والنضال للحركة الفلسطينيّة الأسيرة، ومبادرات إنسانيّة لمساعدة فقراء القطاع، كما له فيلم قصير – فكرة وأداء – للتوعية حول مخاطر المخدّرات على الشباب الفلسطينيّ[11].

ولشريحة أغانٍ كثيرة، من بينها واحدة تسخر من الزنّانة، وتحكي معاناة الغزّيّين معها[12]، وهي طائرة استطلاع إسرائيليّة، تحلّق منذ سنوات في أجواء القطاع على مدار الساعة تقريبًا، وعلى ارتفاع منخفض، وتُحْدِث أصواتًا تسبّب القلق والأرق.

من بين الأغاني المنشورة على قناة نسمان على «يوتيوب»، كليب يوجّهه “لأهلنا في الداخل، أراضي 48″، بعنوان «أنا عليكم داخل»، تظهر فيه مقاطع مصوّرة من غزّة لشبّان وأطفال ونساء، يحملون يافطات كُتِبَت عليها رسائل، مثلًا: “من غزّة إلى الداخل”، و”دمنا واحد”، و”أوقفوا حرقة قلوبنا”، و”أوقفوا شلّال الدم”. تنطوي كلمات الأغنية على رسائل حول جرائم القتل المتزايدة في أوساط الفلسطينيّين، في الأراضي المحتلّة في عام 1948[13]:

يا خوية يا ابن الداخل، أنا عليكم داخل

إيّاك تشيل البارودة، تقتل فيها بالساهل

لو تعرف حرقة قلبي، وجعك وجعي وما بخبّي

أنا الْمِحْتاجَك جنبي، كمّل أنا وانت الدرب

شوف بعيونك وعيوني، هاذي عَمايِل صهيوني

صهيوني بدّه الفرقة، سمّون يا أبو الزَّرقة

بِفْرَح لما انت تقاتل، بفرح للدم السايل

يشعل الفتنة فينا، يخلّي حياتنا رهينة

عالهلاك يودّينا، ويخربط المسائل

يخوية ويا ابن عمي، ضهرك لَوَطنك نُصرة

بكرة بلتمِّ الشّملِ، ونسجد في ساحِ المَسْرى.

أمّا بعد السابع من تشرين الأوّل (أكتوبر)، فتركّز خطاب الشهيد نسمان حول العدوان وضرورة الصمود والمقاومة، ولم تغب روح الفكاهة والسخرية عن مقاطعه الأخيرة. كما في آخر مقطع فيديو نشره على منصّة «إكس»، يحكي فيه عن تدمير حيّ كامل، وعن صمود أهل غزّة ومعنويّاتهم العالية، ويسخر من ازدواجيّة الجنسيّة للإسرائيليّين الّذين يدّعون انتماءهم إلى ’أرض الميعاد‘. كما يدحض المزاعم الصهيونيّة الشهيرة حول الذبح والاغتصاب، ويقول في نهاية الفيديو، مبتسمًا، وبالتزامن مع صوت القصف: “شكرًا للعرب على هذه الهدايا… شكرًا يا حكّام العرب… شكرًا…”.

لم تمهله الحرب طويلًا؛ ليرتقي في الثالث عشر من تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي، تاركًا رسائله حول غزّة وفلسطين الإنسان والقضيّة، عبر أغانٍ ومسلسلات ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعيّ، عدا موقع «فيس بوك»، الّذي حُذِفَت صفحته عليه مباشرة بعد استشهاده. غير أنّ المبدعين، حرّاس الرواية، لا يرحلون تمامًا؛ إذ يتركون رسائلهم على جدران الوعي والذاكرة.

إحالات

[1] محمّد جميل خضر، “شهداء الطوفان من الشعراء والمبدعين: دالية القمح وظلال اليقين”، ضفّة ثالثة، 28/12/2023، https://bit.ly/3RDn0EV، تاريخ الدخول: 10/01/2023.

[2] مدوّنة هبة أبو ندى، الجزيرة، https://www.aljazeera.net/author/blueword/.

[3] “بحور القوافي… الشاعرة هبة أبو ندى”، قناة الكوفيّة، 21/04/2023، https://www.youtube.com/watch?v=qF3wkLup1Ws، تاريخ الدخول: 10/01/2023.

[4] رزان السعافين، “حوار صحافيّ مع الأديبة هبة أبو ندى”، نساء من أجل فلسطين، 12/03/2017، https://bit.ly/3TPvaMW، تاريخ الدخول: 10/01/2023.

[5] بديعة زيدان، “هبة أبو ندى … الأكسجين ليس للموتى”، الأيّام، 24/10/2023، https://www.al-ayyam.ps/ar_page.php?id=164fd55ey374330718Y164fd55e: تاريخ الدخول: 10/01/2023.

[6] السعافين، سبق ذكره.

[7] معن البياري، “هبة تروي عن ضابط مخابرات ثمّ تستشهد”، العربيّ الجديد، 27/10/2023، https://bit.ly/4aPia0a، تاريخ الدخول: 10/01/2023.

[8] يُنْظَر: صفحة وزارة الثقافة الفلسطينيّة على فيس بوك، https://bit.ly/3tBIhqw.

[9]  حديث بين الكاتبة ونصر جوابرة، 28/12/2023.

[10] “لقاء مع أبطال مسلسل “بوّابة السماء” الّذي يهدف إلى بسالة المقدسيّين”، قناة الجزيرة مباشر، 27/06/2017، https://www.youtube.com/watch?v=TXnuz2Rxr3c، تاريخ الدخول: 10/01/2023.

[11] “فيلم قصير – مشاركة من الفنّان علي نسمان للتوعية بمخاطر المخدّرات”، وزارة الداخليّة والأمن الوطنيّ، 17/10/2019، https://www.youtube.com/watch?v=Evf4xsJ54qA، تاريخ الدخول: 10/01/2023.

[12] “الزنّانة الملعونة – أداء هزليّ ساخر”، قناة علي نسمان على يوتيوب، 14/01/2018، https://www.youtube.com/watch?v=jcGgHSpxLRE، تاريخ الدخول: 10/01/2023.

[13] كُتِبَ نهاية الكليب أنّه غناء: فايز عطيّة، ولكنّ علي نسمان يظهر ويغنّي في مقاطع مختلفة من الكليب، يُنْظَر: “كليب لأهلنا في الداخل أراضي 48 – أنا عليكم داخل”، قناة علي نسمان على يوتيوب، 29/06/2023، https://www.youtube.com/watch?v=ZZWu465tiHA، تاريخ الدخول: 10/01/2023.

المصدر:

https://www.arab48.com/%D9%81%D8%B3%D8%AD%D8%A9/%D9%88%D8%B1%D9%82/%D8%A2%D8%AE%D8%B1/2024/01/10/%D9%85%D8%A8%D8%AF%D8%B9%D9%88-%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%B9-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%B3-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%B1%D8%AD%D9%84%D9%88%D9%86?fbclid=IwAR3Q6t71xoNzgvglOK0PH3X6hmvStM0YTX9nbdAjeaZ4Xqn30TdZqbLQwS0

الشهيد الفنان علي نسمان (1985-2023)

عن مليحة مسلماني

شاهد أيضاً

علم نفس الشباب

عالم الإجتماع الدكتور مصطفى حجازي في غنى عن التعريف ، من أشهر كتبه كتاب ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *