الرئيسية > أدب > يوسف سامي اليوسف…حين أخضع الشعر العربي لجلسة تحليل نفسي
الصورة من موقع المدن

يوسف سامي اليوسف…حين أخضع الشعر العربي لجلسة تحليل نفسي

إعداد وليد يوسف

استهلال:

نشرت منصة “المدن” الإلكترونية مقالاً هاماُ للأديب والناقد بشير البكر، في عددها الصادر، اليوم الإثنين 24 كانون الثاني/يناير 2022 تتناول، في عجالة، المنهج النقدي عند الراحل يوسف سامي اليوسف، (والدي).

لا أخفيكم أن ما كتبه الأستاذ بشير أثار في  داخلي مشاعر مختلطة ما بين حزن ثقيل يرخي سدوله على ما نحن فيه  الآن وبين ما هو مطبوع في ذاكرتي عن تلم القترة التي تتحدث عنها المقالة حين يستعرض بشير البكر وصف بيتنا والذي كان، بفضل والدي رحمه الله، مركزاً ثقافياً مفتوحاً على مدار الوقت، يقصده الكتاب الجدد من سوريا ومن خارجها. وبين هذا وذاك يتجدد، مثل جرح لا يشفى، حزني، بالأحرى حزننا، على سوريا وعلى أوطاننا التي صارت لاتشبه حلمنا مع الأسف.

كل الشكر للأستاذ بشير البكر على موضوعيته وإنصافه

وليد يوسف.

********

يوسف سامي اليوسف…حين أخضع الشعر العربي لجلسة تحليل نفسي

بشير البكر

يوسف سامي اليوسف، ناقد فلسطيني ذو بصمة خاصة ومنجز متميز، ركّز في عمله على دراسة الشعر العربي، وأصدر كتباً عديدة: “في الشعر الجاهلي”(1975)، “الغزل العذري”(1978)، “بحوث في المعلقات”(1978)، “الشعر العربي المعاصر”(1980)، و”ما الشعر العظيم؟”(1981). ولم يعتمد في أبحاثه على مناهج الآخرين، الغربية منها أو العربية. ورغم أنه اعتمد التحليل النفسي كخلفية لدراساته، إلا أنه امتلك نظرة خاصة، قامت على ثقافة موسوعية ومعرفة بالتراث العربي والأدب الإنكليزي، بحكم معرفته اللغة الإنكليزية التي درسها، ودرّس بها في مدارس وكالة الغوث(الأونروا) في مخيم اليرموك بدمشق التي قدم إليها اليوسف فتى عمره في حدود عشرة أعوام، بعد نكبة فلسطين ومغادرة العائلة قرية “لوبيه” قضاء طبريا.

حفر اليوسف لنفسه مجرى نقدياً خاصاً، بعيداً من الأكاديميا، وكانت البداية من قراءة المعلقات برؤية جديدة. وأشير هنا إلى أن الجانب الأهم في دراساته الخاصة بالشعر العربي القديم، يقوم على قاعدتين أساسيتين. الأولى هي الاستفادة من النظريات النقدية المعاصرة التي راجت في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. والثانية، امتلاك الجرأة الكافية لكسر القواعد الدارجة في دراسة الشعر العربي، التي كانت في غالبيتها تتم وفق أساليب مدرسية، تعتمد مناهج كلاسيكية لم تعد صالحة، وهي في أغلب الأحيان تتناول النصوص بالشرح والتفسير من الخارج وتخضعها للنظريات، من دون أن تدخل في صلبها، وتخضعها للتشريح، وشرح المسألة في أحد أحاديثه التي أدلى بها في وقت متأخر: “في مقالاتي هذه أوظف أكبر قدر من المناهج في دراسة الشعر الجاهلي، ودمجت هذه المناهج بعضها ببعض، بحيث يمكن أن تتعايش – جميعًا- في المقالة الواحدة على الرغم من طغيان هذا المنهج أو ذاك في بعض الأحيان”.

اعتمد اليوسف في دراساته للشعر الجاهلي والعذري، منهجين في الوقت ذاته. البنيوي(دراسة النص)، والمقارن. وكونه اعتمد أدوات التحليل النفسي في تحليل عوالم القصيدة، وتقصي الحال الخاصة بالشاعر، صارت الدراسة النقدية تتضمن، للمرة الأولى، مفردات مثل “الإحباط الجنسي”، “الكبت”، الإغتراب، “الإحساس بالذات”، “النفي”، “البعد الوجودي”، و”المعادل الموضوعي”. وفي نظرته البنيوية، قدّم قراءات مختلفة للعديد من المعلّقات، مثل امرؤ القيس وطرفة بن العبد وعنتره بن شداد، وميز بين المدخل الطللي، ومسار المعلقة لدى كل منهم، من خلا دراسة الظروف الاجتماعية التي أحاطت بكل منهم، وشروط المحيط العام الانسانية والبيئية وحتى العوامل الانثربولوجيه، وقارن بين هذا النمط من الشعر الكلاسيكي، وما عرفه الشعر الإنكليزي لدى كبار شعراء القصيدة الكلاسيكية مثل وليم بليك، صامويل تايلر كولردج، جون كيتس، وبيرسي بيش شيللي، وصولاً إلى المعاصر صاحب “الأرض اليباب” والمعادل الموضوعي ت.إس. إليوت، وذهبت المقارنة نحو الموضوعات التي اختلفت ما بين عالمي الشعر العربي والإنكليزي.

لذلك، تركت دراساته وترجماته صدى طيباً، وتأثيراً سريعاً لدى الحداثيين والشباب، وردود أفعال عكسية لدى الكلاسيكيين، لأنه شكّل خروجاً على السائد، وتجاوزاً للمعايير النقدية التي كانت متداولة وشائعة، خصوصاً في المناهج المدرسية. لكن اليوسف لم يكترث للتهميش الذي تعرض له، ومضى في دراساته وتطوير منهجه وأفكاره، وساعده في ذلك أن عمله تركز على دراسة الشعر العربي، ولم يتغرب عن بيئته أو يستورد نظريات من الخارج، ولذلك بقي ضمن منطق الأصالة والمعاصرة. وجاءت دراسته للغزل العذري تطويراً كبيراً لدراساته في الشعر الجاهلي، والتي كرس لها اليوسف جهداً ووقتاً، يقول عنه في مقدمة الكتاب: “سلخت زهاء سنتين من عمري في كتابة هذه المقالة المطولة العزيزة علي، مع أنها قد لا تتميز بأية سمة استثنائية”، ومردّ ذلك أن العذريين “أنجزوا أخصب مرحلة غزلية في تاريخ الشعر العربي”، حسب توصيفه. لكن العناية التي أولاها اليوسف لهذا التيار في الشعر العربي، تعود إلى التضامن مع الحب المقموع والمستحيل، بوصفه حقاً ممنوعاً من طرف الرقابة والاستبداد، اجتماعياً أو سياسياً.

ويُسجَّل لليوسف الفضل في الأثر الكبير الذي أحدثه بدراساته الجريئة والقيمة، وما فرضته من تطوير كبير في المناهج الدراسية والنقدية، والتي تغيرت كلياً بعدما بدأ نشر بحوثه وكتبه، وصارت الدراسات التي تعرضت للشعر العربي القديم تتحرج كثيراً في تناوله من منظور المعايير القديمة، بل أخذت تخضع النص الكلاسيكي لمعايير حداثية، فتأتي النتائج جديدة في الشكل والمضمون، وبات دارجاً أن “النص العظيم هو ذاك الذي يتناسب مع أمزجة متباينة، ويصلح للقراءة في أماكن كثيرة وأزمانٍ طويلة”، كما يقول اليوسف. وكان من اللافت جداً التجاهل الرسمي للمنجز الكبير الذي حققه الكاتب (حوالى 30 كتاباً)، وفي الوقت ذاته، الاستجابة الواسعة من الوسط غير الرسمي، الذي استقبل بحفاوة ما قدمه اليوسف من تجديد، ولعب لصالحه أنه جاء من خارج الوسط الأكاديمي والإعلامي المهيمن في تلك الفترة، كما كان مستقلاً من الناحية الاقتصادية، بفضل عمله مدرساً للانكليزية.

ويمتاز اليوسف بأنه ليس ناقداً فحسب، بل هو صاحب أطروحة نقدية جديدة، فنَحت لغته ومصطلحاته ومفاهيمه الخاصة التي امتازت بأنها أكثر جاذبية من تلك التي سادت أو سبقت زمنه، وتجاوزت دراساته الشعر القديم، وتنوعت حين ذهب نحو التصوف ودرس النفري وابن الفارض، وتقدم نحو الزمن الحاضر، فدرس تجربة غسان كنفاني، وكتب مذكراته في “تلك الأيام”. وما قام به اليوسف ليس بلا إطار نظري وقيمي، فهو بدأ بدراسة الماضي كي يستطيع فهم بقية المراحل الثقافية العربية، وليربط الماضي بالحاضر، لذلك انطلق من دراسة الشعر الجاهلي بوصفه “البدائية العربية” الموجودة في تلك النصوص.

أصبح اليوسف خلال وقت قصير علَماً من أعلام الثقافة في سوريا، بدءاَ من النصف الثاني من السبعينيات. وتحول منزل “ابو الوليد”، وهو الإسم الذي كان يطلق عليه تودداً، إلى مركز ثقافي مفتوح على مدار الوقت، يقصده الكتّاب الجدد من سوريا وخارجها، وساعد في تكوين حلقة مفتوحة من حوله أنه ناقد حداثي، ذو نفَس نقدي معارض. ولا يوجد صاحب تجربة أدبية في سوريا من جيل السبعينيات، وما تلاها، لم يتردد على اليوسف، ويستفيد من آرائه، وتجاوز تأثيره النطاق الثقافي الضيق إلى الجسم الطلابي الذي كان يتعلم اللغة الإنكليزية على يديه في مدارس الأونروا (الكرمل) وسط مخيم اليرموك، الذي غادره حين اشتدت المواجهات العسكرية داخله في بدايات الثورة السورية، وتشرد مرة أخرى وهو في سن لا يستطيع معها تحمل مشاق الرحلة الجديدة التي قادته إلى مخيم نهر البارد في شمال لبنان، فرحل هناك عن عمر لم يتجاوز 75 عاماً، بعيداً من بيته ومكتبته.

لم يكن مرور اليوسف عابراً، بل هو مرور شخصية نيتشوية مسكونة بحس المغامرة الفكرية، حولت النكبة إلى مصدر قوة لنفسه ومحيطه، وهو ما جاء في واحد من أحاديثه قبل رحيله بعامين: “لم يؤسسني أفلاطون ولا أرسطو، ولا كانط ولا هيغل، ولا الدكتور جونسن ولا ت.س. إليوت الناقد، ولا الآمدي ولا الجرجانيان، وإنما أسستني النكبة الفلسطينية، أو الكارثة التي حلت بفلسطين سنة 1948”.

المصدر: https://www.almodon.com/culture/2022/1/24/%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81-%D8%B3%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D8%B3%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D9%81%D8%B1-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A?fbclid=IwAR2PdgyKvNJ6hpb–O7qcTVUtuYm_kVPbCNcZsiNDYsZj-tESmpH5irnV3k

 

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

حوارات الترجمة: محمود أبوحامد

صدر حديثاً عن دار كنعان للدراسة والنشر في دمشق، كتاب “حوارات الترجمة” للكاتب والصحافي الفلسطيني/ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *