الرئيسية > أدب > تحية إلى أمل دنقل: رسائل بين الجنوبيّ.. وحبيبته عبلة
أمل دنقل وعبلة الرويني

تحية إلى أمل دنقل: رسائل بين الجنوبيّ.. وحبيبته عبلة

رحلة البحث عن 35 جرام تفاهُم بصُحبة المجنونة الصغيرة

الرسالة ما قبل الأولى

بعد محاولاتٍ بائسة من الصحفيّة المبتدئة وقتها أن تلتقي الشاعر المُخضرم (أمير شُعراء الرفض)، لتُجري معه حوارًا لصالح جريدة «أخبار اليوم» لا تضمن تمامًا أنه سيُكلل بالنشر، فالشاعر اليساريّ لم يكُن وقتها خفيفًا على قلب من بيدهم أمر النشر من عدمه في الجريدة الحكوميّة، احتمل (جارسون) مقهى (ريش) مأوى الشاعِر المُفضل أول عربون الرسائل بين «أمل» و«عبلة» خطّت الصحفيّة فيها: )الأستاذ أمل دُنقُل.. يبدو أن العثور عليك مُستحيل، يسعدني الاتصال بي في جريدة الأخبار، ويُشرفني أكثر حضورك)، لتترُكها الصحفيّة في حضرة فتى المقهى المُرشِد يحرُسها ويُعطيها للشاعِر الليليّ، ليكتفي الشاعر بإسعادها، حد وصفها في كتابها عنه (الجنوبيّ)، مادّا بذلك أوائل حِبال الود بين الشاعر والصحفيّة باتصاله بها على «تليفون» الجريدة.

الرسالة الأولى والثانية من أمل دنقل إلى عبلة

من بين هدايا الصداقة الأولى، أهدى أمل لعبلة نسخة من ديوانه «العهد الآتي» قبل أن يُنشَر، وبخطوط مُلونة ومنمّقة اتخذ صفحته الأولى موضعًا لرسالة مُقتضبة تليق بين صديقين ما لبثت معرفة العمل أن تحوّلت إلى صداقة بينهُما: “إلى صديقتي المُشاكسة، العزيزة جدًا علىّ، رغم أني لستُ عزيزًا عليها”.
لكن على مايبدو أن ديوان «العهد الآتي» كان قد استحلى أن يكون محلاً لرسائل أمل وعبلة، فعلى نسخة الديوان المنشورة عن دار مدبولي عام 1975، وبعدما أصلح بعد أخطاءها المطبعية، كتب لها رسالةً قصيرة مُعلنًا عن تحوّل الصداقة مابينهما إلى محبّة وليدة: “إلى الآنسة عبلة الرويني، كان من المُمكن أن تكون صديقتي، لكن عنادها حطم هذا الاحتمال، أرجو أن يكون هذا الكتاب عند حسن ظنها، مع تقديري لشاعريتها”

 الرسالة الثالثة

أمل، الذي لم يكُن مولعًا بالنثر تمامًا، اجتذبته محبة عبلة إلى ميدان النثر، فنظم لها خطابًا يُعلن لها عن حُبها له فيه، تقول عبلة في كتاب «الجنوبي» «أمام عدم قدرته على الإفصاح عن مشاعره بشكل صريح راح يكتُب لي».

صباح الخير
في المثلث الشمسي الممتد من الشباك إلى زاوية سريري أراك متمددة في الذرات الذهبية والزرقاء والبنفسجية التي لا تستقر على حال، تمامًا كنفسيتك ومع ذلك ابتسم لك وأقول صباح الخير أيتها المجنونة الصغيرة التي تريد أن تلف الدنيا على أصبعها، والتي تمشي فوق الماء وتريد ألا تبتلّ قدماها الفضيتان.
المسافة بين أمس واليوم لقاؤنا الممتد طريق ينشق في قلبي، في كل مرة أضطر إلى أن أتركك أحس أن لقاءنا الأول هو لقاؤنا الأخير، والعكس صحيح.. لا أعرف تماماً لماذا هذا الإحساس، لكني أرجح أنه نابع من إحساس بتقلبك الدائم وبحثك المستمر عن الحزن، لا أريد أن أفكر كثيراً في خلافاتي معك، فهذا الصباح أجمل ما فيه أنه يقع بين موعدين، بين ابتسامتين من عينيك، صحيح أنهما سرعان ما تنطفئان، لكني أسرقهما منك، وأحتفظ بهما في قلبي، وأتركك تغضبين وتغضبين.
حسنا لا يهم؛ فلقد عوَّدت نفسي على أن أعاملك طبقاً لإحساسي وليس طبقاً لانفعالاتك، أحبك ولا أريد أن أفقدك أيتها الفتاة البرية التي تكسو وجهها بمسحة الهدوء المنزلي الأليف.

صباح الخير أخرى، سأحاول أن أعود للنوم؛ فالساعة الآن لم تتجاوز العاشرة، هناك أربع ساعات باقية على موعدك، وأنا لم أنم جيداً، سأحاول أن أنام، أن آخذك بين ذراعي، وأخبئ رأسك العنيد في صدري لعله يهدأ ولعلي أستريح.

الرسالة الرابعة

وبالرغم من نجاح عبلة في إنزال شاعر الرفض عن عرش التمنُع، إلا أن ذلك لم يمنع من بعضِ «مُبارزات الديَكة»، بل الكثير منها حد وصف عبلة، وفي ذلك كتب لها أمل:
«لو لم أكن أحبك كثيرا لما تحملت حساسيتك لحظة واحدة.. تقولين دائما عني ما أدهش كثيرا عند سماعه، أحيانا أنا ماكر، وأحيانا ذكي، رغم أنني لا أحتاج إلى المكر أو الذكاء في التعامل معك؛ لأن الحب وسادة في غرفة مقفلة أستريح فيها على سجيتي، ربما كنت محتاجا إلى استخدام المهارات الصغيرة معك في بداية العلاقة؛ لأنني كنت أريد أن أفهمك بحيث لا أفقدك، أما الآن فإنني أحب الاطمئنان الذي يملأ روحي عندما أحس بأن الحوار بيننا ينبسط ويمتد ويتشعب كاللبلاب الأخضر على سقيفة من الهدوء.
أكثر شيء أخافه هو تربيتك أو بالأحرى حياتك، ففي العادة تبحث كل الفتيات اللاتي لهن مثل ظروفك من الأمان في البيت والعمل عن قدر من القلق والانشغال وأنا لا ألومك في هذا بل وأصنعه لك متعمداً في كثير من الأحيان.
إنني أحتاج الكثير من الحُب، وكثير من الوفاء، وكثير من التفاني إذا صح هذا التعبير، ولكنك لا تعطيني أي شئ، لدرجة أني أحسست أني محتاج إلى كلمة حُب رفضتِ أن تنطقيها، وإذا طلبت منك طلبًا صغيرًا فأقرب شئ إلى لسانك هو كلمة الرفض.. إن قلبك قِفر جدًا لا يستطيع أن يكون وسادة لمُتعب أو رشفة لظمآن.

الرسالة الخامسة، ردود عبلة على أملها

على الشاطئ الآخر من رسائل أمل المُطوّلة المُسهِبة، جاءت رسائل عبلة تلغرافيّة قصيرة من جنس الطابع الصحفيّ الغالب عليها، والمُطعّم بشاعريّة مُميّزة رُبما اكتسبتها من طول مُلازمة أمل، فجاءت رسائلها على النحو التالي:
«كلما قرأت أشعارك أحس أن مكانك الطبيعي في صفوف الانقلابيين، ولهذا فأنت شاعرٌ جيد وعاشق شرير»
«نواظب بشكل جدي على قهوة الغضب الصباحيّة (كل مابيننا غضب وعناد ساطع) نشربها صامتين، يزهر الفنجان من بنهما: حبنا، والموت المُبكر»
«جلس اليوم أمامي في المترو شاب جميل الملامح، نظر إليّ وابتسم، أحست أن ابتسامته تغتالك من الخلف فتجهمت مدافعة عنك، أتمنى أن تكون جواري في مترو الغد لأبتسم لكل الملامح الجميلة، وأغتالك وحدي»
«الغفران ليس من طبيعتي، والنسيان أيضًا ليس من طبيعتي، لكنك حين تدخُل كالسيف في دوائر حلمي، أتحول إلى مساحات للحُب والغفران».

«أحبك.. أكثر اتساعًا من رؤئ عينيك، أكثر قربًا من مسامات جلدك، عصفور ينطلق من أطراف أصابعي، هاربًا من ضيق الحروف الأربعة»
«تسألني كل الفروع المُتسلقة فوق الأيام بلا جذر: ولماذا هو؟ لأنه لا يستطيع أن يكون أنتم».
«يسألني قلبي بعفوية شديدة: من هو؟ أرسمك امتدادًا».

الرسالة السادسة

وعلى ما يبدو أن أمل في مرّات التجأ إلى طابع عبلة التلغرافيّ في رسائلها، لكن هذه المرة وسّط بينهما في هذه الرسالة الغاضبة مكتب البريد، وبمزيد رسميّة كتب لها: «الآنسة عبلة الرويني.. صفحة المسرح بجريدة الأخبار: أرجو إرسال 35 جرام ثقة، التفاهم مطلوب، مع إلغاء التفكير السابق، أخطرونا تلغرافيا.. أمل».

الرسالة السابعة

وفي مرّات كانت رسائل أمل لعبلة مناجاة نفس أكثر منها حديث حبيبين، لتتمتع بدرجة عُليا من مُصارحة الذات، بل وتعرية الذات والتحدُث عن أدق تفاصيل شخصية الشاعر ومخاوفه، كما كتب لها في هذه الرسالة:
«إنني لا أعتقد أن الشاعر في قلبي تقاسم الكينونة مع القاتل في أعماقي، لقد قتلت عبر سنوات العذاب كل أمل ينمو بداخلي قتلت حتى الرغبات الصغيرة، والضحك الطيب، لأنني كُنت أدرك دائمًا أنه غير مسوح لي بأن أعيش طفولتي، كما أنه من غير المسموح أن أعيش شبابي.
كنت أريد دائمًا أن يكون عقلي هو السيد الوحيد، لا الحُب ولا الجنس، ولا الأماني الصغيرة، لقد ظللت لا أقبل كلمة رقيقة من امرأة لأنني أضطر عندئد إلى الترقق معها، وهذا يعني بلغة إحساسي التودُد لها، وهو يمثل الضعف الذي لا يغتفر.
وقد لاتعرفين أنني ظللت إلى عهد قريب أخجل من كوني شاعرًا، لأن الشاعر يقترن في أذهان الناس بالرقة والنعومة وفجأة تطلُبين مني دفعة واحدة، أن أصير رقيقًا وهادئًا وناعمًا يعرف كيف ينمق الكلمات».

رسالة أمل دنقل الأولى، كاملةً

بلبل..

لست من هواة كتابة الخطابات، لكنني كلما تحدثت إليك نشأ سوء تفاهم، ربما بسبب لهجتي الحادة في الكلام، وربما بسبب تسرعك في فهم ما أعنيه. على كل حال، أود في البداية أن أخبرك أنني كنت أَمْس على وشك أن أقطع علاقتنا.. كنت مصممًا على ذلك حتى اللحظة الأخيرة في المترو، عندما اكتشفت أنك تبكين.. لقد هزتني دمعتك اليتيمة هزة عنيفة.. على عكس ما تعتقدين، فإن الضعف في الحب وفي المشاعر يؤثر فيَّ تأثيرًا عميقًا.. في هذه اللحظة فقط ندمت على المشاجرة التي حدثت بيننا.

لا تتصوري يومًا أنني يمكن أن أتنازل عن الولاء الكامل في الحب.. إذا كنتِ تحبينني فيجب أن يكون ولاؤك كاملًا لي، وفي الوقت الذي أعطيكِ أنا فيه كل الإحساس بالإخلاص والولاء.. فإنك تحاولين أن تخلقي لديَّ انطباعًا بالعكس.. دائمًا تقولين أنك لا تحبينني، ودائمًا أنت مستعدة للتخلي عني.. سواء كان هذا وحدنا أو أمام الآخرين.. وليكن معلومًا لديك أن علاقة الحب تخصني أنا وأنت فقط.. ولا يهمني كثيرًا ما يقوله الناس، ولكنك أنت حريصة على عيون الآخرين وعلى أفكارهم عنك.. والناس يلعبون دورًا رئيسيًّا في حياتك.. ماذا يقولون عنك؟ ماذا يفهمون من تصرفاتك؟ وأنت تعطين الأولوية لرأي الناس على علاقتك بي، وهذا شيء يضعف من علاقتي بك، لأنني لم أتعود الاهتمام كثيرًا في هذه الأمور الخاصة بآراء الآخرين.

وإذا تجاوزنا هذه النقطة فإن كبرياءك الشخصي يلعب الدور الرئيسي في ردودك الجافة على كلامى..أنت تتوهمين اللباقة شيء غير هام في حديثك معي.. والحب يا آنستي يحتاج إلى ذكاء كبير لاستمراره.

أنا أعرف أنك تحبينني.. ولكن ردودك الجافة فقط كفيلة بأن تهدم عش زوجية كامل وليس مجرد علاقة حب. ولولا أنني أعرف أنك لا تقصدين المعاني الحقيقية للكلمات لكنت قررت أن أتركك منذ بداية علاقتنا، ولقد حاولت كثيرًا أن أُفهمك أنه لا يوجد كبرياء خاص لكل منا، إن كبرياءك من كبريائي. واللحظة التي أحس أنك تقدمين فيها تنازلًا لي هى اللحظة التي أحس أنك تحبينني فيها حقيقةً، ولكنك ما تزالين حتى الآن مصرة على أن تخفي عواطفك الحارة نحوي.. وإذا اضطررت يومًا ما إلى إظهارها فإن ذلك يكون مجرد رد على عواطفي…..

كل هذا الكلام قلته لك من قبل، ويؤسفني بعد مرور حوالي 10 شهور على تعرفي بك فإنني أكرر لك نفس الكلام.. هل هو سوء فهم منك أم أنك تأخذين كلامي معك على محمل غير محمل الجد. لا أدري، ولكنني أعرف أنني وصلت إلى حالة من التشبع الكامل بالنسبة لتصرفاتك… لاحظي أنني أصبحت أعرف ردودك على كل جملة أقولها لك تقريبًا.. وأعرف ردود أفعالك على كل تصرف أقوم به. أليس معنى ذلك أنك لا تستطيعين التجديد في علاقتك بي.. إذا لم نقل أنك لم تتغيري جوهريًّا على الإطلاق في هذه العلاقة التي تربطك.. وعلاقة الحب التي لا تغير الإنسان من الداخل تعتبر في حقيقة الأمر علاقة فاشلة. أو علاقة سطحية. وهذا هو ما أعتقده في علاقتي بك. نتيجةً لكل التصرفات التى تتصرفينها. إني أحتاج إلى كثير من الحب وكثير من الوفاء وكثير من التفاني إذا صح هذا التعبير ولكنك لا تعطينني أى شيء.. لدرجة أنك إذا أحسست أني محتاج إلى كلمة حب رفضت أن تنطقيها.. وإذا طلبت منك طلبًا صغيرًا فأقرب شيء إلى لسانك هو كلمة الرفض. إن قلبك فقير جدًّا لا يستطيع أن يكون وسادة لمتعَب أو رشفة لظمآن. والمشكلة الأساسية أنك تتعاملين معي كما كنت تتعاملين مع الآخرين.. أهلك وأصدقائلك ومعارفك. لا، الحب علاقة مختلفة.. على الأقل علاقة الحب بي يجب أن تكون مختلفة.. إنني لا أبحث فيك عن الزهو الاجتماعي ولا عن المتعة السريعة العابرة.. ولكني أريد علاقة أكون فيها كما لو كنت جالسًا مع نفسي في غرفة مغلقة. هذا إحساس لا أظنك تستطيعين فهمه لأنك لو كنت تفهمينه لما أضطررت الآن بعد عشرة شهور لأكتب هذا الخطاب لك.

وتقبلي…

 

أمل

رسالة أمل دنقل الثانية، كاملةً

بلبل

لو لم أكن أحبك كثيرًا لما تحملت حساسيتك لحظة واحدة.. تقولين دائمًا عني ما أدهش كثيرًا عند سماعه، أحيانًا أنا ماكر، وأحيانًا ذكي، رغم أنني لا أحتاج إلى المكر أو الذكاء في التعامل معك؛ لأن الحب وسادة في غرفة مقفلة أستريح فيها على سجيتي، ربما كنت محتاجًا إلى استخدام المهارات الصغيرة معك في بداية العلاقة؛ لأنني كنت أريد أن أفهمك بحيث لا أفقدك، أما الآن فإنني أحب الاطمئنان الذي يملأ روحي عندما أحس بأن الحوار بيننا ينبسط ويمتد ويتشعب كاللبلاب الأخضر على سقيفة من الهدوء.
أكثر شيء أخافه هو تربيتك أو بالأحرى حياتك، ففي العادة تبحث كل الفتيات اللاتي لهن مثل ظروفك من الأمان في البيت والعمل عن قدر من القلق والانشغال، وأنا لا ألومك في هذا بل وأصنعه لك متعمدًا في كثير من الأحيان.
ولكن لا تنسي أنني رجل بدأت رحلة معاناتي من سن العاشرة، وفي السابعة عشرة اغتربت من كل ما يمنح الطمأنينة حتى الآن، وأعتقد أن السهم الوحيد الذي يمكن أن يصيبني في مقتل سوف يجيء من امرأة، ولذلك اتسمت علاقاتي دائمًا بالرفض.
كنت أستغرق في الحب لكنني في صميمي كنت هاربًا من التمسك به، وأحيانًا كانت تصرفاتي واختباراتي لمن أحب توحي للناظر من الخارج بالجنون، ونقلتُ لك منذ البداية أنني أطلب ولاء مطلقًا، لكنني قلت لك أيضًا إنك لو عرفتني جيدًا فلن تتركيني، إنني أحس بالرقة النبيلة التي تملأ أعماقك كسطح صافٍ من البللور، لكنني أخشى دائمًا أن يكون هذا مؤقتًا، لقد علمتني الأيام أن القلب كالبحر لا يستقر على حال.

لقد قتلتُ عبر سنوات العذاب كل أمل في الفرح ينمو بداخلي.. قتلت حتى الرغبات الصغيرة والضحك الطيب؛ لأنني كنت أدرك دائمًا أنه غير مسموح لي بأن أعيش طفولتي، كما أنه من غير المسموح أن أعيش شبابي.. كنت أريد دائمًا أن يكون عقلي هو السيد الوحيد، لا الحب ولا الجنس ولا الأماني الصغيرة.. لقد ظللت حتى أعوام قليلة أرفض أن آكل الحلوى، وأنها في نظري لا ترتبط بالرجولة، وظللت لا أقبل كلمة رقيقة من امرأة؛ لأنني أضطر عندئذ إلى الترقق معها، وهذا يعني بلغة إحساس التودد لها، وهو يمثل الضعف الذي لا يُغتفر، وقد لا تعرفين أنني ظللت إلى عهد قريب أخجل من كوني شاعرًا؛ لأن الشاعر يقترن في أذهان الناس بالرقة والنعومة، وفجأة ها أنت تطلبين مني دفعة واحدة أن أصير رقيقًا وهادئًا وناعمًا يعرف كيف ينمِّق الكلمات.
اللحظات الوحيدة التي يمكن أن أكون نفسي أنا، وأؤمن أيضًا أنك ستكونين نفسك أنت معي، هي اللحظات التي تحرصين على رفضها، لا أعرف لماذا لكنني أحترم رفضك هذا؛ ليس لإيماني بما ترددينه عن المجتمع والناس، لكنني لا أستطيع أن أجبر إنسانًا على أن يكون صادقًا معي إلا إذا أراد هو ذلك، وما دام لم يهب لي هذا الصدق من تلقاء نفسه، فمن العبث التحايل والتسلل إلى لحظات الصدق النورانية التي اكتشفت فيها ذاتي القلقة، وأريد أن يستمر هذا الاكتشاف معك إلى ما لا نهاية.
لا أحب النثر كثيرًا، لكن هذه القضية الشديدة الخصوصية تجعلني على مفترق الطرق عن مدى استعدادك لتحمل هذا الذئب المتوحِّد الذي يلبس دائمًا عباءة القط أو الكلب الذي يتودد إلى صاحبه..
وأعتقد أن هذا التشبيه سخيف، ولكنه ليس أسخف مني عندما أشرح نفسي بهذا القدر من الوقاحة النفسية مع فتاة من المفروض أنها تحبني، وبالتالي تفهمني أكثر مني.


رسالة أمل دنقل الثالثة، كاملةً

صباح الخير
في المثلث الشمسي الممتد من الشباك إلى زاوية سريري، أراك متمددة في الذرات الذهبية والزرقاء والبنفسجية التي لا تستقر على حال تمامًا كنفسيتك، ومع ذلك أبتسم لك وأقول صباح الخير، أيتها المجنونة الصغيرة التي تريد أن تلفَّ الدنيا على أصبعها، والتي تمشي فوق الماء وتريد ألا تبتل قدماها الفضيتان.
المسافة بين أمس واليوم -لقاؤنا الممتد- طريق ينشق في قلبي، في كل مرة أضطر إلى أن أتركك أحس أن لقاءنا الأول هو لقاؤنا الأخير، والعكس صحيح.. لا أعرف تمامًا لماذا هذا الإحساس، لكني أرجح أنه نابع من إحساسي بتقلبك الدائم وبحثك المستمر عن الحزن، لا أريد أن أفكر كثيرًا في خلافاتي معك، فهذا الصباح أجمل ما فيه أنه يقع بين موعدين، بين ابتسامتين من عينيك، صحيح أنهما سرعان ما تنطفئان، لكني أسرقهما منك، وأحتفظ بهما في قلبي، وأتركك تغضبين وتغضبين.حسنًا لا يهم؛ فلقد عوَّدت نفسي على أن أعاملك طبقًا لإحساسي وليس طبقًا لانفعالاتك.. أحبك ولا أريد أن أفقدك أيتها الفتاة البرية التي تكسو وجهها بمسحة الهدوء المنزلي الأليف، هل تصدقين أنني أصدِّق كل مواعظك الأخلاقية الصارمة؟؟ لو صدقتِ أنت أني أصدق لألقيتني في أول سلة مهملات معلقة في أعمدة الشارع، ولو صدقتُ أنا خُطبك البليغة لقدمت لك طلبًا لعضوية جمعية مكارم الأخلاق، وتركتك تتزوجين رئيسها المبجَّل.

أحبك كثيرًا، لا أعرف الحالة التي أحبك عليها ولا أريد أن أعرف، لكنني أحسُّ بالحب لك في كل الحالات، حتى عندما ينشط عقلك ويتصاعد في أبخرة الأوهام والتحليل العصبي والتنقيب في أشياء لا وجود لها، أحبك مبتسمة وغاضبة، حاضرة وغائبة، راقصة المشية أو هامدة الجسد، حتى عندما تقولين لي لا أحبك فإنني أحبك؛ لأنني أعرف أن هذا معناه عكس ما تقصدين تمامًا يا حبيبتي الصغيرة..
صباح الخير أخرى.. سأحاول أن أعود للنوم؛ فالساعة الآن لم تتجاوز العاشرة، هناك أربع ساعات باقية على موعدك، وأنا لم أنم جيدًا، سأحاول أن أنام، أن آخذك بين ذراعيَّ، وأخبئ رأسك العنيد في صدري لعله يهدأ ولعلي أستريح.

برقية التلغراف

ترى عبلة أن أمل لم يكن حادًّا كما يتصور بعضنا إلى هذه الدرجة، بل كان العنف قناعًا يخفي به ضعفه الإنساني. «إنه دائم الخوف من أن يكتشف الآخرون كم أنت رقيق، فيدوسونك بسنابكهم»، مثلما كتب أمل ذات يوم عن صديق له، وكأنه يكتب عن نفسه.
كانت الرقة عند دنقل شعورًا إنسانيًّا عميقًا، هي نبل المشاعر. هذه الحدة كانت تخفت تمامًا عندما كان يستمع إلى الغناء. كان يعشق فايزة أحمد عشقًا خاصًّا، ومحمد عبد الوهاب، وأيضًا فيروز. عندما جاءت فيروز إلى القاهرة لتغني في عام 1976، ذهبت عبلة إلى البروفة الجنرال لتغطيها لصالح جريدة «الأخبار». بدأت البروفات متأخرة، وفي الساعة الواحدة طلبت عبلة أن تنصرف، لأنها تسكن بعيدًا والوقت متأخر، ولا يزال متبقيًا أكثر من ساعتين من غناء فيروز. طلبت من أمل أن يقوم معها لتوصيلها. نظر إليها: «هو لازم أوصلك، ولا ممكن أقعد أسمع فيروز؟».
لم يكن أمل يستمع إلى الغناء فقط، وإنما كان يغني أحيانًا عندما يطلب منه الأصدقاء ذلك، كان يدرك أن صوته لا يصلح للغناء، لكن ما كان يهمه فكرة الغناء نفسها.
في مرة أخرى، عندما علم أن الرويني ستذهب كي تجري حوارًا مع محمد عبد الوهاب، تحمس لمقابلته معها، وكانت حجته أنه سيذهب معها كمصور. كانت تمتلك كاميرا فقيرة رخيصة يستخدمها الأطفال، وعندما دخل أمل على عبد الوهاب بدأ في ممارسة دور المصور، وعبد الوهاب ينظر إلى هذا الشخص نظرة ريبة، وكذلك إلى كاميرا الأطفال التي يلتقط بها الصور.
لم يكن الخلاف بين أمل وعبلة في طريقة التعبير عن المشاعر والحب، وإنما امتد، أحيانًا، إلى السياسة.
عندما كتب أمل قصيدته الشهيرة «خطاب غير تاريخي على قبر صلاح الدين»، سأل عبلة عن رأيها فأجابت: «لا أستطيع أن أُعجَب بقصيدة تدين عبد الناصر». قال لها: «إنني لا أكره عبد الناصر، ولكن في تقديري دائمًا أن المناخ الذي يعتقل كاتبًا أو مفكرًا لا يصح أن أنتمي إليه أو أدافع عنه. إن قضيتي ليست عبد الناصر، حتى لو أحببته، ولكن قضيتي دائمًا هي الحرية».
* الصورة برقية أرسلها امل دنقلة لعبلة عبر التلغراف يعبر من خلالها عن غضبه تجاه تصرفات عبلة معاه.. كان مندفعاً و متوغلاً في حبه مع عبلة، و كانت عبلة على سجيتها تتصرف بحب لكن دون اندفاع شديد كما الأمل.

……….

في ذكرى رحيله.. أمل “كهلٌ صغير السن*

I

رحل أمل وعاش شعره، مات الألم والوحدة واليتم، واستمر شعره في الصمود والحياة، انهزم السرطان، انتصر أمل، هزمه بالشعر، بالفرح المختلس.
32 عامًا على رحيل أهم شعراء مصر، والوطن العربي “أمل دنقل”، من خلال هذا المقال، نستعرض واحدة من أهم قصائد أمل، قصيدة عمرها يقترب من الخمسين عامًا، كتبت في عام 1967، بعد الانقطاع عن كتابة الشعر لمدة 4 أعوام، انقطاع للقراءة والبحث، عندما كان في الإسكندرية، ليكتب بعد ذلك ديوانه الأول “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” 1969، والتي منها هذه القصيدة، قصيدة “يوميات كهل صغير السن”.

قسم أمل القصيدة لــ 13 مقطعًا، يتحرك فيهم وكأنه يرصد سيرة حياة، ربما تداخلت سيرته الذاتية في القصيدة، في تداخل ناتج عن الصراع بين أمل والشعر، بين الواقعي والخيالي، بين ما حدث وما كان سيحدث، يتحرك بين الوحدة والأصدقاء وفتاة الليل والحب والزواج.

أول مرة قرأت القصيدة، لم أكلمها، قرأت المقطع الأول واكتفيت، بادر ذهني وقتها، سؤالًا كيف استطاع أمل أن يكمل القصيدة، أن يكتب 11 مقطعًا آخرين، في المقطع الأول يختصر أمل الحالة العامة للقصيدة، كأنه يضع موسيقى تصويرية للقصيدة، نحن أمام المذهب، يسمح بتكراره بعد كل مقطع.

يبدأ القصيدة بجملة “أعرف” هذا اليقين الصادق، يقين أمل بنفسه وشعره، ثقته فيما يكتب، كما قال في الفيلم الوثائقي “الغرفة رقم 8″، أنه جاء للقاهرة ليقول شعرًا وعلى العالم أن يسمعه، رغم اليقين في البداية والثقة، لكنه الفشل، الموت بالبطيء، التحلل.

أعرف أن العالم في قلبي.. مات!
لكني حين يكف المذياع.. وتنغلق الحجرات:

أنبش قلبي، أخرج هذا الجسد الشمعي
وأسجِّيه فوق سرير الآلام.
أفتح فمه، أسقيه نبيذ الرغبة
فلعل شعاعا ينبض في الأطراف الباردة الصلبة
لكن.. تتفتت بشرتُه في كفي
لا يتبقى منه.. سوى: جمجمةٍ.. وعظام!“

المشهدية الدائمة في شعر أمل، وخاصة هنا، كأنك ترى مسرحية من عدة فصول، يتغير الديكور والممثلين، ويبقى الراوي/ المخرج يتحرك بحرية كاملة، يضع الكاميرا في أماكن جديدة وغريبة، وأيضًا كعادة أمل في اختيار الألفاظ والكلمات المعبرة، يستخدم أمل الكلمات بميزان ذهب، لا كملة زائدة ولا ناقصة، والموسيقى الحاضرة دائمًا في كل مقطع.

فتاة الليل.. بين الحلم والواقع

يحب أمل فتاة الليل، يحب معانتها، يرى ما وراءها، يرى فيها رصدًا للواقع والحياة بكل ما فيها من اختلافات وتناقضات، كتب أمل كثيرًا عن فتاة الليل، كتب أشكالًا وقصصًا متباينة، هنا وفي المقطع الثاني يصور أمل، اختلاف النهار والليل عند فتاة الليل، حلم النهار الجميل، حلم الفتاة العادية، الزواج والتنزه، «حالمةً.. بالصيف في غُرفات شهر العسل القصير في الفنادق ونزهةٍ في النهر.. واتكاءةٍ على شراع!»، اختار أمل أشعة الشمس الهادئة الجميلة والأشجار، اختار جوًا جميلًا وهادئًا يناسب الحلم الجميل «تنزلقين من شعاعٍ لشعاع وأنت تمشين –تُطالعين- في تشابك الأغصان في الحدائق».

وفي لحظة واحدة، يجذبك أمل من ياقة قمصيك، يشعل النار في الحدائق وأنت فيها، يقلب الحلم لكابوس، يدخل بك في ظلام الليل والعمل، «..وفي المساء، في ضجيج الرقص والتعانق تنزلقين من ذراعٍ لذراع! تنتقلين في العيون، في الدخان العصبِيِّ، في سخونة الإيقاع»، كم الشفقة والألم والتعب في جملة تنزلقين من ذارع لذراع، «وفجأة.. ينسكب الشراب في تحطم الدوارق يبل ثوبك الفَرَاشيَّ.. من الأكمام حتى الخاصرة!» انقلب المشهد، رغم كل هذا التعب والمعاناة في المشهد إلا أن أمل يؤكد على حب الحياة على البهجة رغم كل ما يحدث،

« ثم.. تواصلين رقصك المجنون.. فوق الشَّظَيَات المتناثرة!!»

II

التصالح مع الوحدة
في المقطع الثالث والرابع، يرصد أمل فكرة الوحدة، المصالحة مع الوحدة، كان الرصد في المقطع الأول غريبًا، رصد خارجي للحالة، لما يحدث في الجوار، وما يحدث في الداخل أيضًا، رصد آثر الفعل لا الفعل، القطة والصباح والذقن النابتة، يكره الوحيد دائما ما يفكره بأنه وحيد «والخطو المتردد فوقي ليس يكف».
دائمًا كان أمل يهيم على وجه في شوارع وسط البلد، حتى بعد الزواج، لم يتغير المشهد، ما تغير فقط هو أن عبلة أصبحت رفيقته الدائمة في كل مكان، يحب أمل الحزن الوحدة، يجيد التعبير عنها.

في الشارع
أتلاقى –في ضوء الصبح- بظلِّي الفارع:
نتصافح.. بالأقدام!“

أمل.. الحب

الحب من أهم وأقيم العلاقات التي يقدسها أمل، ويهابها أيضًا، كما قال في رسائله لعبلة الرويني بعد ذلك، «ولكن لا تنسي أنني رجل بدأت رحلة معاناتي من سن العاشرة، وفي السابعة عشرة اغتربت من كل ما يمنح الطمأنينة حتى الآن، وأعتقد أن السهم الوحيد الذي يمكن أن يصيبني في مقتل سوف يجيء من امرأة، ولذلك اتسمت علاقاتي دائماً بالرفض» لذلك دائمًا عندما يكتب أمل عن الحب، بكل أنواعه وتطوراته وعبثه وجنونه وضعفه وكبريائه، يكتب بكل جمال وعذوبة.
في المقطع الخامس، الحبيبة في الغرفة المجاورة، الحبيبة تهم بالرحيل، لا يوضح أمل أي تفاصيل عن العلاقة، هل هي علاقة عابرة، أم أكثر من ذلك، هل هو رحيل نهائي أم مؤقت، ترك أمل ذلك للقارئ، ضع أنت كل ذلك التفاصيل، ولكن الشعور واحد، استطاع أمل أن يرصد المشهد الحركي أكثر من النفسي، حتى ما كتبه بين الأقواس «(يومان، وهي إن دخَلت: تشاغلَت بقطعة التطريز بالنظر العابر من شباكها إلى الإفريز..بالصمت إن سَألت!)»، ينهي أمل المقطع/ المشهد، وكأن الإضاءة تتلاشى، والبطلة تختفي تدريجيًا..

«حتى تلاشى خطوها.. في آخر الدهليز»
بكيت حاجتي إلي صديق“

هكذا قال أمل في نفس الديوان، تحديدًا في قصيدة “السويس”، هنا في المقطع السادس يرصد أمل هذه الجملة بالتفصيل، الشرح الوافي، الحركة هي المسيطرة والبطل، الصورة السينمائية في أبهى وأقوى صورها، وتجسيدها، في شعر أمل ستجد التفاصيل الصغيرة مثل «(تثب القطةُ من داخل صندوق الفضلات)»، يستخدم أمل الاستمرارية في وضع كابوسي درامي حزين، «حتى تصبح قبضتيَ المحمومةُ خفاشًا يتعلق في بندول!»، الموت بالبطيء دائمًا شاغل عقل أمل، الزمن هنا هو البطل، «يتدفق من قبضتي المجروحة خيطُ الدم.. يترقرق.. عذبًا.. منسابًا.. يتساند في المنحنيات»..

ينفثئ السمّ..
يتلاشى البابُ المغلقُ.. والأعين.. والأصوات
..
وأموتُ على الدرجات!!“
من الشغف إلى الملل “الزواج
من المقطع السابع وحتى قبل الأخير، يحكي أمل قصة زواج، من البداية وحتى النهاية الدرامية والملل والصمت وربما الطلاق، البداية من التعارف الصامت في مكان العمل، عن الجمال رسم مشهد الغزل الصريح بكل عذوبة، مازالت الحركة هي البطل الرئيس، المشهدية مسيطرة على القصيدة، مع جملة «وعندما ترشقه بنظرة كظيمة فيسترد لحظةً عينيه: يبتسم في نعومة وهي تشد ثوبها القصير فوق الركبتين!»، لا تملك إلا أن تبتسم..

يريح عينيه على المنحدر الثلجي، في انزلاق الناهدين!
(.عينيه هاتين اللتين
تغسل آثارهما عن جسمها – قبيل أن تنام – مرتين)!”

III

“الفقر حالة إياكِ والسقوط فيها”، هكذا قال أمل لعبلة وهو يبستم عندما سألته ولماذا الشكولاتة، كان أمل استدان ليشتري سندوتشات وعلبتين سجائر، وهكذا قال قبل أن يقابل عبلة ويتزوجها.

“.. في آخر الأسبوع
كان يعد –ضاحكًا– أسنانها في كتفيه
فقرصت أذنيه..
وهي تدس نفسها بين ذراعيه.. وتشكو الجوع

كان أمل محبًا للصمت، يجلس بالساعات صامتًا، في بداية نزوحه إلى القاهرة، كانت السينما هي المكان المفضل والملجأ من زحام وضجيج المدينة، تحكي عبلة إنه كان يجلس مع أمه بالساعات دون أي كلام، وعندما سألته عن ذلك قال: “إن ذلك أجمل ما فيها.. إنها تعرف كيف تصمت معي، ربما ذلك يفسر أيضًا صمته مع عبلة في البيت أيضًا، أمل عندما يرتاح مع شخص لدرجة قريبة جدًا، فإنه يفضل الصمت، كما قال في قصيدة “سفر ألف دال”، “أتحسَّسُ وجهكِ (هل أنت طفلتيَ المستحيلةُ أم أمِّيَ الأرملةْ؟)

حين تكونين معي أنتِ:
أصبح وحدي..
في بيتي!“

يقلب أمل الموازين، لا ترتيب هنا ألا بما يراه أمل، يرصد مشكلة الحمل، قبل مقطع ليلة الزفاف، يرصد أمل فكرة الإنجاب، وكيف يواجه الفقر هذه المشكلة، يواجه أمل وزوجته المتخيلة المجتمع، في هذا المقطع، تتصاعد الدراما، لحظة غضب من أمل، لحظة مواجهة المجتمع، والمصارحة، ولا تنسى الحركة والموسيقى في الكلام.

أفهمته أن القوانين تسن دائمًا لكي تُخرق
أن الضمير الوطنيَّ فيه يُملي أن يقل النسل
أن الأثاث صار غاليًا لأن الجدبَ أهلك الأشجار
لكنه.. كان يخاف الله.. والشرطةَ.. والتجار!“

بعد الزفاف، والزواج، يرصد أمل ملل الزواج وانطفاء الحب ولهفته بكل خفة، «مذ علقنا – فوق الحائط – أوسمة اللهفة وهي تطيل الوقفة في الشرفة!»، صورة جميلة، تتخيل أن للهفة أوسمة تعلق على الحائط، أعتقد أن الفضول في إنك ترى تلك الأوسمة أقوى من مسحة الحزن الساكنة في الجملة، وكيف تتصاعد المشاكل على نفس المستوى من الخفة والجمال.

واليوم قالت إن حبالي الصوتية تُقلقها عند النوم!
.. وانفردت بالغرفة!!“

في المقطع الأخير، يعيد أمل نفس المقطع الأول، المذهب الرئيس، الموسيقى الخلفية للقصيدة، تأكيدًا على كل ما سبق، على كل هذه الآلام والوحدة واليتم والفشل في الحب أو الزواج، أو الصداقة، ولكنه يضيف له كلمة واحدة، كلمة واحدة تجعلك ترى المشهد من زاوية جديدة، كلمة واحدة تفتح لك أسرار القصيدة، كلمة تؤكد أن كل ما سبق ليس مرتبطًا بوقت أو شخص أو مكان، هو شيء يحدث يوميًا، الحديث مع الذات قبيل النوم، التفكير فيما مضى ومصارحة الذات ومكاشفتها، وربما كان يقصد أمل النوم الأكبر.. الموت.. الرحيل..

لكن.. تتفتت بشرتُه في كفي
لا يتبقى منه سوى.. جمجمةٍ.. وعظام!
………………………………………….
وأنام!!“

حين ترينني عاجزًا، تمني لي الموت.. فهو رحمتي الوحيدة” آخر ما قاله أمل لزوجته وحبيبته ورفيقته وصديقته عبلة الرويني.
…..

* مقاطع من مقالة كتبت في مجلة التقرير عام 2015 ::

عن شريف الحاح حسين

Avatar

شاهد أيضاً

بين هذا وهذا\ نصوص تقول

I مغنّي صديقي الذي امتهن الأغاني نثر الحانه فوق حطام المدينة ورحل II حور عين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *