العرق والاستعمار الاستيطاني والمراقبة: حالة الحكم الإسرائيلي في فلسطين

رونيت لينتين

ترجمة: محمود الصباغ

استهلال

تتحدث الباحثة الاجتماعية رونيت لينتين (المولودة في حيفا 1944)، عن تحديد نظرية نقدية ذات أبعاد متعددة الأوجه لدولة إسرائيل، وتتمثل هذه الأوجه فيما يقترحه، أولاً، الفيلسوف السياسي الإيطالي “جورجيو أغامبين” عن “دولة الاستثناء”، وثانياً، من خلال طرح “ديفيد ثيو غولدبرغ” عن “الدولة العرقية”، وأخيراً تأملات باتريك وولف لمفهوم “المستعمرة الاستيطانية”. ثم تنتقل، بعد ذلك، للنظر في كتابات الباحث الفلسطيني إيليا زريق بشأن دور “تقنية” المراقبة التي تستخدمها إسرائيل للسيطرة على الفلسطينيين في فلسطين الانتدابية ( بقسيمها الأربعيني والستيني). وترى لينتين في نظريات “حالة الاستثناء” و”الاستعمار الاستيطاني” قصوراً من نوع ما لجهة تسليط الضوء -أو حتى إعادة الاعتبار التنظيري- لمفهوم ونظرية العرق/الأعراق، وهي تبرر ذلك بالالتصاق الوثيق لتلك المقولات بالنزعة المركزية الأوروبية، ولا تتوقف لينتين عند هذه الأبحاث، بل توجه نقداً واضحاً لبعض “التنظيرات”  المركزية الأوروبية لبعض الباحثين الإسرائيليين مثل إيلان بابيه وأورين يفتحئيل اللذان يركزان على المقاربة “الإثنية” بصورة خاصة، بدلاً من الحديث الصريح عن المقاربة العرقية وذلك في سياق نقاشهما لدولة إسرائيل وعلاقتها مع الفلسطينيين والأرض الفلسطينية. ولذلك تلجأ لينتين إلى الاستشهاد بأبحاث المنظر الأمريكي الكسندر وييليي وانتقاده للإنتاج النظري الغربي بخصوص مفهوم حالة الاستثناء ومفهوم البيوبوليتيك بعدم التركيز على العرق، مما يضع العرق في مقدمة هذا التحليل لحرب إسرائيل ضد الفلسطينيين.

تولي لينتين أهمية خاصة لعمل إيليا زريق حول أهمية المراقبة في السيطرة على فلسطين والفلسطينيين -أينما وجدوا- كمستعمرة استيطانية معززة بالعنصرية العرقية، والتأكيد الذي أشار إليه أغامبين بأن الخط الفاصل بين المواطنين وغير المواطنين هو خيط رفيع جداً.

يركز المقال على توسيع استراتيجيات المراقبة لتشمل المنتقدين لإسرائيل، بما في ذلك اليهود الإسرائيليين والمنتقدين الدوليين واليهود في الشتات، لاسيما حملة المراقبة الممولة ضد أنصار حملة المقاطعة  BDS، لإظهار الدور الحاسم الذي يلعبه الخطاب الأمني الإسرائيلي وممارسات جمع المعلومات في الحفاظ على ما يطلق عليه باتريك وولف “منطق الاستبعاد” الذي تتبعه المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية، والذي، يتميز بالعنصرية الواضحة

بقي القول أن الباحثة رونيت لينتين تحمل الجنسية الإيرلندية/ الإسرائيلية وعملت كأستاذة مشاركة في قسم العلوم الاجتماعية في كلية ترينيتي -دبلن حتى تقاعدها في العام 2014، وساهمت بالعديد من بحوث الاجتماع السياسي المتعلقة بالعرق والإثنية والصراع  أثناء إدارته قسم العلوم الاجتماعية ما بين 1997 و2012، ولها العديد من الدراسات المتعلقة بالصراع في فلسطين والقصية الفلسطينية والاستعمار الصهيوني والنزعة العرقية والهجرة في إيرلندة، فضلاً عن دراسات أخرى عن الجندر والإبادات الجماعية والهولوكوست. وهي من أنشط المناصرين للقصية الفلسطينية ومدافعة شرسة عن حق عودة اللاجئين وتؤيد مقترح “الدولة الواحدة” كحل نهائي للمسألة الفلسطينية وإنهاء الحالة الاستعمارية الصهيونية هناك.

في كانون الأول/ ديسمبر 2016، أعلن نفتالي بينيت، وكان وزيراً للتعليم في إسرائيل آنذاك، عن خطة تتضمن وضع مبادئ توجيهية أخلاقية جديدة للأكاديميين الإسرائيليين، وتعتبر هذه الخطوة الأحدث ضمن سلسلة طويلة من مبادرات كان قد أطلقها زعيم حزب “البيت اليهودي” اليميني، بهدف جعل مؤسسات التعليم العالي في إسرائيل “أكثر ولاءً للدولة”. وأتت هذه المبادرة عقب حظر الوزير زيارة مجموعة ناشطة، تدعى “كسر الصمت -جنود إسرائيليون يتحدثون عن الأراضي المحتلة”، إلى المدارس بهدف الحديث عن أنشطة الجنود غير المشروعة في الأراضي المحتلة (http://www.breakingthesilence.org.il/ (accessed 25 January 2017)) (Adamkar,2017)، كما كان من أهدافها توبيخ المعلمين المنتقدين للجيش الإسرائيلي [سوف نقتصر هنا على هذه التسمية وليس التسمية التي تعتمدها الكاتبة أي قوات أو جيش الدفاع لإسرائيلي- المترجم]، وحذف رواية تصور قصة حب يهودية فلسطينية من مناهج مادة الأدب في المدارس الثانوية. وتحمل المبادئ التوجيهية المقترحة شبهة خاصة وسوء طوية اتجاه السلوك الأكاديمي، لاسيما أن الشخص المكلف بصياغتها لم يكن إلا “آسا كاشر” أستاذ الفلسفة الذي صاغ، قبل ذلك، المبادئ التوجيهية الأخلاقية للجيش الإسرائيلي (Roth,2016). وكان كاشر هذا قد نال اهتماماً دولياً في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على غزة في العام 2014، الذي قُتل فيه 2251 فلسطينياً غزياً (70% منهم مدنيون، بينهم 551 طفلًا و299 امرأة) (http://gaza.ochaopt.org/2015/06/key-figures-on-the-2014-hostilities/ (accessed 17 May 2017))، عندما أقر بموافقته على سلوك الجيش آنذاك، بناءً على مفاضلته بين حياة الجنود على حياة “المدنيين الفلسطينيين”، موضحاً رضاه عن سلوك الجيش خلال المجزرة التي خلفت وراءها غزة حطاماً وآلاف من الجرحى وتشريد الكثير من السكان. وبرغم تصنيفه كشخص أكاديمي حائز على عدة جوائز وعضو في العديد من الجمعيات، بما في ذلك مركز أورشليم للدراسات الأخلاقية والمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، وعلى الرغم من الإشادة به باعتباره “يؤمن رقابة مستمرة على بوصلتنا الأخلاقية الوطنية” (http://www.israelhayom.com/site/newsletter_article.php?id=4804 (accessed 27 January 2017))، إلا أن تكليف مؤلف مدونة أخلاقيات الجيش بمراقبة مؤسسات التعليم العالي في إسرائيل يمثل مشكلة كبيرة، وتتساءل الفيلسوفة الإسرائيلية عنات مطر، في هذا الصدد،Matar (2016) “ما الذي يجعل آسا كاشير “ضميراً لإسرائيل.. ما الذي يتمتع به عن غيره”، وهي تشكك في ملائمته ليكون ضمير إسرائيل رغم أنها لم تشدد على المستوى العالي للمراقبة التي تتطلبها مثل هذه الإرشادات.

وسوف نبدأ في هذا المقال بعرض نظري نقدي موجز يسلط الضوء على نقاط ثلاث تتعلق بدولة إسرائيل باعتبارها: [سوف نستخدم في هذه الترجمة كلمتي إسرائيل ودولة إسرائيل بصورة تبادلية للدلاية على المفهوم ذاته، أي الكيان الصهيوني القائم حالياُ في فلسطين- المترجم]

  1. دولة استثناء (Agamben,2005)
  2. دولة عرقية (Goldberg,2002,2009)
  3. مستعمرة استيطانية (Wolfe,2006).

ونظراً لأن نظريات دولة الاستثناء والمستعمرة الاستيطانية لم تسلطا الضوء على مفهوم العرق، فسوف أضع حالة الدولة العرقية في مقدمة ومركز تحليلي للحرب الدائمة التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وسوف أضع في اعتباري مقولات المنظر الأمريكي الأفريقي ألكسندر وييليي Alexander Weheliye (2014)  التي ننتقد الدراسات المتعلقة بالمركزية الغربية حول  مسائل الاستثناء والسياسة الحيوية(1). وسوف تركز المقالة أيضاً على ما كتبه إيليا زريق Zureik (2016)  عن دور المراقبة التي تستخدمها المستعمرة الاستيطانية العرقية الإسرائيلية في السيطرة على كلٍ من مواطنيها الفلسطينيين في إسرائيل والفلسطينيين في الأراضي المحتلة والمحاصرة. دون أن ننسى الرقابة المفروضة على المعارضين الإسرائيليين واليهود، كما يظهر في إجراءات الوزير بينيت، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من المبادرات القانونية الأخيرة. وسوف أصل، بناء على ذلك، إلى استنتاج موجز حول توسيع نطاق استراتيجيات مراقبة منتقدي السياسات الإسرائيلية، بمن فيهم المواطنون الإسرائيليون ومنتقديها من الخارج، مع إشارة خاصة إلى المراقبة الممولة جيداً ضد مؤيدي حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، وسوف يعتمد هذا على تأكيد أغامبين (2008) عن ضآلة الخط الفاصل بين من هم مواطنين ومن هم غير مواطنين. وسوف يكون هدف المقال إدخال مفهوم العرق في تحليل الحالة الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية من خلال نقد ما أعتبره تنظيرات مركزية أوروبية لبعض الباحثين الإسرائيليين، مثل: إيلان بابيه وأورن يفتحئيل، الذين يركزون على المقاربة الإثنية ethnicity بدلاً من المقاربة العرقية race في تنظيراتهم عن إسرائيل، يضاف إليهم بعض الباحثين الأوروبيين البيض مثل جورجيو أغامبين الذي اقتصر تدخله النظري المثمر، على مقدمات عن العرق في تحليل ما يطلق عليه الظروف العرقية المحددة والذي يستخدم فيها، كمعيار، نظام معسكر الاعتقال النازي، في حين يشيح نظره بعيداً عن  الحالة الاستعمارية والحالة الاستعمارية الاستيطانية وتصفية الاستعمار.

هل دولة إسرائيل حالة استثناء عرقية؟

ستكون البداية من خلال تحديد السياق النظري للتوجهات النقدية لأساليب سيطرة إسرائيل على فلسطين، في ضوء تصعيد حربها الدائمة ضد الفلسطينيين، وهو تصعيد يشكل تطوراً مثيراً للاستنكار في تاريخ سياساتها الاستعمارية والقمعية وواقع الاحتلال والحصار، وتعتبر هذه السياقات النظرية إسرائيل: أولاً دولة استثناء (Agamben, 2005)، وثانياً، دولة عرقية (Goldberg, 20022009)، وثالثاً، مستعمرة استيطانية(Wolfe, 20062016). ويمكن النظر إلى إسرائيل، المحكومة بشبكة تشريعات طوارئ معقدة وممارسات الاستثناء والضرورة والأمن وخطاب الضحية اليهودي، كمثال مدرسي لأطروحات الفيلسوف السياسي جورجيو أغامبين Agamben (2005) عن “دولة الاستثناء” (بمعنى كل من الحالةétat  والظرف condition). وتتضمن حالة الاستثناء في إسرائيل / فلسطين توسيع سلطات الحرب العسكرية لتشمل المجال المدني، وتعليق اللوائح الدستورية التي تحمي الحريات الفردية (Zreik, 2008)(2). ويتبع أغامبين، بطريقة لافتة، في كتابه” الإنسان المستباح والحياة العارية Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life (1995)” قول المنظّر النازي كارل شميت عن الطريقة التي يتحول بها معيش الجماعات السكانية، بسبب حالة الاستثناء، إلى مجرد “حياة عارية”، سواء كانت هذه الجماعات مستبعدة أم مقيدة داخل النظام السياسي. ويبني أغامبين أفكاره أيضاً على الكتابات النظرية للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Foucault (2003)  عن النزعة العرقية العنصرية كإشارة إلى القطع  بين ما يجب أن يعيش وما يجب أن يموت.

وأستطيع الزعم كيف قامت إسرائيل بتأسيس تقنيات حكومية لشرائح وفئات عرقية عبر تدابير وإجراءات إدارة فصل وتمييز واستبعاد السكان، منذ أيام  “الخطة دالت Plan D” الصهيونية للعام 1948 لما أطلق عليه المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه Pappe (2006) إشكالية “تطهير فلسطين إثنياً”، وصولاً لسياسات الاحتلال المستمرة في الأراضي الفلسطينية  المحتلة منذ العام 1967، ومنع عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم أثناء وبعد نكبة العام 1948(2). وشبّه الجغرافي السياسي الإسرائيلي أورين يفتحئيل Yiftachel (2016) التصنيف العرقي للمواطنة في فلسطين / إسرائيل بسياسات الفصل العنصري في جنوب إفريقيا: فاعتبر اليهود مواطنين “بيض”، والعرب في إسرائيل مواطنين “ملونين” (جزئياً)، وفلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1967 يمثلون “السود”، لا يمتلكون أية حقوق سياسية. غير أن استخدام مصطلح “الإثنية” في السياق الإسرائيلي يمثل إشكالية(4) منهجية. ويبدو أن مصطلح إيلان بابيه “التطهير الإثني” الذي بات شائعاً الآن، والذي ظهر أساساً للتعبير عن أحداث حرب البوسنة في تسعينيات القرن الماضي، والذي يستخدم الآن لوصف الاستيلاء الصهيوني على فلسطين، يؤسس لاعتبار اليهود والعرب الفلسطينيين مجموعات إثنية متجانسة رغم التباينات الإثنية الواضحة بينهم. وينظر يفتحئيل إلى إسرائيل كدولة “إثنوقراطية ethnocracy ” (2006) مفترضاً فيها التجانس الإثني أيضاً. ويغفل كلا التحليلين مقولة العرق في السياق الفلسطيني-الإسرائيلي، على الرغم من حجة غيلمور Gilmore (2007) التي ترى بأن التصنيفات والفئات -وكلاهما جزء مركزي عند النظر في أسلوب الحكم والسيطرة الصهيونية على فلسطين كما تجادل هذه المقالة- هي في ذات الوقت شرط مسبق ونتيجة لنزع وتجريد الإنسان من صفته العرقية.

تغرق التصنيفات العرقية اللاإنسانية إسرائيل، بما في ذلك تصنيف الفلسطينيين سكان إسرائيل، والفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال والحصار، وفلسطيني الشتات، الذين يعيشون -معظمهم- في مخيمات اللاجئين منذ نكبة العام 1948. وتكثر التصنيفات العرقية أيضاً بين المواطنين الفلسطينيين: وهكذا، يعيش، على سبيل المثال، أكثر من نصف سكان إسرائيل البدو البالغ (عددهم 160 ألفاً تقريباً) في “قرى غير معترف بها”، نرفض الدولة توفير هياكل تخطيطية لهم وتمتنع عن تقديم أهم الخدمات الأساسية بما في ذلك المياه، والكهرباء وتعبيد الطرق وبناء المدارس، فضلاً عن قيامها بهدم قراهم دورياً  بهدف نقلهم إلى مراكز حضرية حكومية http://www.acri.org.il/en/category/arab-citizens-of-israel/negev-bedouins-and-unrecognized-villages/ (accessed 25 January 2017)) . وترقى الاختلافات العرقية الداخلية إلى تصنيفات عرقية بين اليهود أنفسهم -بين اليهود الأوروبيين الأشكناز البيض واليهود الشرقيين “المزراحيم” العرب السود وكذلك اليهود الإثيوبيين، رغم أن الفصل العرقي العنصري بين اليهود الإسرائيليين والعرب الفلسطينيين هو الذي يمكّن إسرائيل، في النهاية، من ضمان عيش المستوطنين اليهود في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأيضاً اليهود الإسرائيليين الذين يعيشون في فلسطين المحتلة منذ العام 1948، التي تعرف أيضاً باسم دولة إسرائيل، حيث يعيشون على حساب الفلسطينيين الآخرين، أو كما يصف فوكو Foucault (2003: 255) الأمر، بمنزلة إقامة “علاقة بين حياتي وموت الآخر”. وتؤكد هذه التصنيفات سيطرة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والسلطات المدنية، بآن معاً، على المواطنين الفلسطينيين والرعايا المحتلين، بما في ذلك مراقبة جهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك) المتواصلة لهم(3)، وانتظام مداهمات القرى والمنازل الفلسطينية وإقامة الحواجز وبناء الجدار الفاصل وحظر التجول، وهدم المنازل والقرى، ونقل السكان، والاعتقالات الواسعة النطاق والاعتقال الإداري غير المقيد، وحجز وتعذيب  الأطفال القاصرين الفلسطينيين. وتبلغ ذروة هذه الممارسات من خلال الأعداد المتزايدة لعمليات الإعدام خارج النظام القضائي، بما يعني خضوع الفلسطينيين التام للسيادة الإسرائيلية، واعتبارهم موضوعاً لهذه السيادة.

ونظراً لتغاضي نظرية أغامبين عن التعيين الدقيق لمقولة العرق، فينبغي اقتران تصور إسرائيل كدولة استثناء، بالتنظير لها كدولة عرقية عنصرية تستبعد عرق وتحتفي بآخر لخلق تجانس يمكن تسميته وفقاً لغولدبرغ Goldberg (2002: 16)، بـ “عدم التجانس من خلال الإنكار”. ويشدد غولدبرغ على سياسات فرض العرق على الآخر  “فقط من خلال التكوين العرقي للخارج والآخر.. حيث يصبح الداخل -الذات- محدداً عنصرياً” (2002: 23). ومن المفارقات هنا تحول الآخر، بمجرد تكوينه عرقياً، إلى تهديد يتطلب من الدولة احتوائه والسيطرة عليه. وتتحقق مهمة التجانس والاحتواء والسيطرة ليس فقط من خلال تقنيات حكومية مختلفة ومنظومات المواطنة وضوابط الحدود وتصنيفات التعداد السكاني الإحصائي، ولكن أيضاً باختراع التاريخ والتقاليد التي تبني ذاكرة الدولة والاحتفالات والتصورات الثقافية، واستحضار أصول الماضي (في حالة إسرائيل، استحضار إسرءيل الكتابية). ومن هنا استطاعت الصهيونية خلق دولة عرقية عنصرية بامتياز عبر تخيّل إسرائيل بوصفها “أوروبا البعيدة عن أوروبا”، علماً أن الصهيونية بحد ذاتها نشأت من بنات أفكار يهود أوروبا الوسطى والشرقية، ومعظمهم من اليهود الاشتراكيين العلمانيين الذين، رغم إلحادهم، قاموا بحشد وتجييش الوعود الكتابية والدين اليهودي لصالح قضيتهم لإنشاء جولة عرقية بامتياز. ويصبح الاستثناء هنا هو القاعدة وتمكّن حالة الطوارئ المستمرة تعزيز قاعدة واحدة: (الحياة) للمواطنين اليهود في الدولة (وكذلك الشعب اليهودي من جميع أنحاء العالم الذين يحق لهم الحصول على الجنسية عند الهجرة إلى إسرائيل)، كما تعزز قاعدة أخرى (الموت، والتهديد بالقتل والطرد) لرعايا الدولة الفلسطينيين وغيرهم من غير اليهود، الذين لا يحق لهم أن يحملوا جنسية الدولة والذين أصبحت حياتهم “عارية”(Shenhav, 2006). ويدعو غولدبرغ هذه الحالة بـ “الفلسطنة العرقية” Goldberg (2009: 139): “لا يُعامل الفلسطينيون كما لو كانوا مجموعة عرقية، وليس فقط كحالة مماثلة لمجموعة عرقية، ولكن  بوصفهم مجموعة عرقية محتقرة وشيطانية”.

ويفسر غولدبرغ  كيف تعبر الصهيونية عن حتمية التحديث التي سيكون اليهود بموجبه حديثين أيضاً ومعاصرين (على الرغم من كونهم شعب كتابي قديم)، في حين ينتمي الفلسطينيون إلى عصر ما قبل الحداثة، وهم بحاجة إذن إلى الرسالة الحضارية التي ستجلبها لهم الصهيونية -ولكن دائماً ضمن سياق مهمتها الاستعمارية. ومن المفارقات الغريبة لشعب يحفل تاريخه بالاضطهاد العنصري، أن تتبنى الإيديولوجية الصهيونية ذاتها مقولات “العرق اليهودي”، وتنشأ “شعباً يهودياً” متجانساً رغم الاختلافات العرقية والدينية اليهودية الواضحة (Sand, 2009)، مع اعتبار الذات اليهودية والحالة العرقية الأخرى جزءً تاماً غير قابل للفصل من الفكر الصهيوني وممارساته. ويقرأ فالك Falk (2006) تاريخ الصهيونية كمشروع تحسين عرقي eugenic race، غايته إنقاذ المجموعة الجينية اليهودية من الانحطاط الناتج عن العيش في الشتات. وأدت معاداة السامية إلى عرقنة اليهود بوصفهم “عرق” منفصل يمكن تبرير اضطهاده بمنطق وحجة بيولوجية، بينما لعب الإيديولوجيين الصهاينة، الذين تبنوا مصطلحات الفولك* volk -(أمة عرقية شكلها “الدم والطين”)- دوراً فعّالاً في إنتاج ذخيرة صهيونية عن التصنيف والتصور الفولكي” الشعبي” volkish وهذا النمط من التفكير العرقي هو المسؤول، بلا ريب، عن منظومة المواطنة العرقية والهجرة في إسرائيل الذي يحبذ جلب “يهود” المنافي، بموجب قانون حق العودة، الذي أقرّ في العام 1950، القائم على اليهودية الأرثوذكسية، وينطبق على الأشخاص الذين أمهاتهم أو جدة أمهاتهم يهودية، وتم تغييره لاحقاً- استجابة للقلق الإسرائيلي بعد حرب 1967 واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان (Wolfe, 2016) بحيث صار ينطبق على من لديه جد يهودي(6) (Hayeem, 2010). ويُمنح المهاجرون اليهود حق المواطنة بناء على حق الدم jus sanguinis  فضلاً عن مزايا مالية واجتماعية وإعفاءات ضريبية سخية بما يضمن ضرورة تكوين أغلبية يهودية في إسرائيل. وعلى العكس من ذلك، يحرم حوالي 7 ملايين لاجئ فلسطيني من حق العودة إلى ديارهم وأرضهم  (http://imeu.net/news/article0038.shtml, (accessed 27 January 2017))  -وهو حق معترف به بموجب قرار الأمم المتحدة 194 واتفاقية جنيف والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (Hayeem, 2010). وثمة 160 ألف فلسطيني بقوا في الأراضي التي احتلها الصهاينة في العام 1948 أطلق عليهم لقب “عرب إسرائيل”، حُرموا من هويتهم الفلسطينية، وخضعوا لنظام الحكم العسكري، بناءً على لوائح الحكومة العسكرية وأنظمة الدفاع (الطوارئ) الانتدابية للعام 1945، التي تلغي القواعد الأساسية لحق التعبير والحركة والتنظيم والمساواة، رغم السماح لهم بحق التصويت والترشح.

وفي حين يمكن قراءة مقولة أغامبين عن حالة الاستثناء باعتبارها تستند إلى تعليق القانون عن طريق وضع الإنسان العاجز أو المستباح homo sacer خارج القانون، فسوف أزعم، بالتوافق مع غولدبرغ Goldberg (2002)، أن القانون، بعيداً عن كونه معلقاً، يعمل في الواقع في خدمة الدولة العرقية، كما يجادل غولدبرغ: “الدول العرقية.. ملزمة بالضرورة بالتعبير القانوني.. (و) تعتبر نفسها مفهومة ومصاغة  ويتم إدارتها والحفاظ عليها من خلال سيادة القانون”. ويصر غولدبرغ على اعتبار القانون يخدم “الخيال القومي لخلق التجانس”، ومع إشارة خاصة إلى الدول الاستعمارية الاستيطانية، “يستميل منطق الشرعية حالة الاغتراب العنصري القومي.. في دوافعهم لتشكيل الدولة” (Goldberg, 2002:139–40). وبرغم زعم هذه الدول المثالية بالعدالة، فسوف يختزل القانون الناس إلى مجرد  موضوعات، ويؤسس تصنيفات وترتيبات عرقية. ولا تشكل إسرائيل استثناءً في هذا الصدد. إذ تشمل الأمثلة على القوانين العنصرية الإسرائيلية، إلى جانب قانون العودة للعام 1950:

أ)  قانون أملاك الغائبين (1950) الذي يمنح الدولة أملاك الفلسطينيين المطرودين والمصادرة أثناء وبعد نكبة العام 1948، والذين يعتبرون، في نظر القانون، “غائبين حاضرين”

ب) قانون الصندوق القومي اليهودي (1953) “وكالة شراء الأراضي”، الذي يتكلف الصندوق بموجبه بإدارة الأراضي العامة في إسرائيل، بما في ذلك مساحات كبيرة من أراضي الفلسطينيين المهجرين (http://www.badil.org/en/al-majdal/item/1404-mahajneh-jnf-and-israeli-law (accessed 15 January 2017))، الذي يحظر بيع الأراضي لـ “غير اليهود”، أي الفلسطينيين، وتأجيرها مباشرة أو بالباطن وامتلاكها.

ج) سلطة الأراضي التي تأسست في العام 1960 والتي تسيطر على 93% من الأراضي باعتبارها “ملكية عامة، أي ممتلكات تابعة للدولة أو للصندوق القومي اليهودي أو لسلطة التطوير”، نيابة عن ما يسمى بـ” الأمة اليهودية”، مما يعني منح مواطني إسرائيل الفلسطينيين ملكية 7% فقط من الأرض (http://www.globalresearch.ca/israel-s-discriminatory-land-policies/14579 (accessed 28 January 2017)).

ويذكر المركز القانوني لحقوق الأقليات العربية في إسرائيل “عدالة”، قائمة من 50 قانوناً إسرائيلياً يميز عرقياً وعنصرياً المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل في جميع مجالات الحياة، بما في ذلك حقوق المشاركة السياسية، والحصول على الأراضي، والتعليم، وموارد ميزانية الدولة، والإجراءات الجنائية. وتنتهك بعض القوانين على وجه التحديد حقوق الفلسطينيين الذين يعيشون في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 واللاجئين الفلسطينيين. وتستبعد هذه القوانين الفلسطينيين “من حق امتلاك الأرض، وتحول مواطنتهم من حق إلى امتياز مشروط؛ وتقيد  قدرة المواطنين العرب وممثليهم البرلمانيين على المشاركة في الحياة السياسية للبلاد؛ تجريم الأفعال أو الخطاب السياسي الذي يشكك في الطابع اليهودي أو الصهيوني للدولة؛ وتمنح امتيازات للمواطنين اليهود أثناء عملية توزيع موارد الدولة” (Adalah, 2012). وأحدث إضافة إلى التشريع العنصري الإسرائيلي هو مشروع قانون الدولة القومية المثير للجدل، والذي ينص على أن إسرائيل هي “الوطن القومي للشعب اليهودي” وأن الحق في تقرير المصير في الدولة هو حق يخصهم وحدهم فقط. كما يلغي القانون اللغة العربية كلغة رسمية، على الرغم من أن “المتحدثين بها لهم الحق في الحصول على خدمات الدولة بلغتهم” (Lis, 2017a). في حين أن مشروع القانون لا يُخضع الديمقراطية للطابع اليهودي للدولة، كما فعلت إحدى النسخ السابقة، يجادل الباحث القانوني أيال غروس (مشيراً مرة أخرى إلى الإثنية ethnicity وليس العرق race) بأن مشروع القانون غير ديمقراطي لأن “ربط تقرير المصير وتماهي الدولة مع مجموعة إثنية معينة داخلها، على حساب مساواة الآخرين وإحساسهم بالانتماء، لا يعتبر أمراً  راسخاً في قانون أو ممارسة الدول الديمقراطية” (Gross, 2017). وغالباً ما تلغي هذه القوانين قرارات المحكمة العليا التي تمنحهم أي حقوق مدنية، وتخنق حرية التعبير وتكوين الجمعيات، وتمارس التميز على أساس الانتماء القومي، ودعم الاتهامات الجنائية والإجراءات العقابية التي يحرض عليها الكنيست ضد أعضائه العرب المنتخبين، إلى جانب تقييد وصول المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل إلى موارد الأرض.

كل هذا يعني استخدام إطار قانوني يستند إلى التمييز العنصري العرقي في الدولة العرقية الإسرائيلية لتكريس التمييز ضد المواطنين الفلسطينيين، والرعايا المحتلين والمحاصرين. وفي ذات الوقت تضع هذه الدولة نفسها فوق القانون الدولي وتنأى بنفسها بعيداً عنه، مما يجعلها دولة استثنائية بامتياز. ويتجاوز بن نفتالي وآخرون Ben-Naftali et al. (2005)  عبر استكشاف قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، النظر في تخلي إسرائيل عن واجباتها كسلطة احتلال والتركيز على شرعية وقانونية الاحتلال ذاته، الذي يعتبرونه حالة استثناء غير قانونية تطمس الحدود بين النظام الطبيعي للمساواة السيادية بين الدول والاستثناء (أي الاحتلال). ويقدم ويب بولمان Webb-Pullman (2013)  حججاً إضافية بالقول في عدم انخراط إسرائيل في معظم البروتوكولات الاختيارية للاتفاقيات الرئيسية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها، ورفضها قبول الاختصاص القضائي لأي من لجان هذه الاتفاقيات الدولية، مما يعني عدم إمكانية اللجان المعنية تلقي شكاوى معينة،  أو التصرف بناء على هذه الشكاوى أو ادعاءات ضدها، بما في ذلك الاستخدام الواسع النطاق للتعذيب”. هذا التخلي من جانب واحد لا يعني فقط تعريف إسرائيل كحالة استثناء بامتياز، ولكنه يعني، على مستوى مادي أكثر، وقوع جميع إجراءات الحكومات الإسرائيلية، مثل الاعتقال الإداري دون محاكمة، واحتجاز القصر، والتعذيب، وهدم المنازل والقرى، ونقل السكان والإعدام، خارج نطاق النظام القضائي، وتنفيذها دون رقابة أو توبيخ من القانون الدولي، مما يجعلها دولة استثناء عرقية عنصرية.

تفكيك الاستثناء: الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي

تعرضت نظرية أغامبين عن حالة الاستثناء إلى عدة انتقادات بسبب المقاربة المركزية الأوربية لها وعدم الاهتمام بالنزعتين الاستعمارية  والاستعمارية الاستيطانية، على الرغم من فائدة مقولاته  بخصوص التنظير لحالة الاستثناء الإسرائيلية التي تضع الدولة فوق القانون المحلي والدولي وخارجه عند الحديث عن المواطنين الفلسطينيين والمواطنين المحتلين والمحاصرين. (Svirsky and Bignall, 2012Wolfe, 2016). ولعل هذا ما يدفعني إلى استكمال تحليلات أغامبين وغولدبرغ من خلال التنظير لإسرائيل كمشروع استعماري استيطاني (على سبيل المثال،Wolfe, 2006,2016)، وهدفه الرئيسي المتمثل في الاستيلاء على أراضي السكان الأصليين وليس استغلالهم.

إن تعريف إسرائيل كاستعمار استيطاني يتعارض مع الصورة الذاتية التي رسمتها الحركة الصهيونية لنفسها باعتبارها رداً عادلاً على معاداة السامية الأوروبية التي مكنت من توطين “شعب بلا أرض” في “أرض بلا شعب”(4)، على الرغم من استعمارها أرض مستوطنة بالفعل، وهي تصوغ نفسها-أي الصهيونية- صراحةً في مصطلحات استعمارية استيطانية. وهكذا، فإن كلمة ييشوف יישוב -والتي كانت تطلق على كيان المستوطنات اليهودية لفترة ما قبل الدولة في فلسطين- يعني حرفياً “الاستيطان” باللغة العبرية، وتحدث الإيديولوجيون الصهاينة الأوائل صراحةً عن “المستعمرات اليهودية” التي ستحل محل القرى والأحياء الحضرية الفلسطينية القائمة (Benvenisti, 2002: 263). وعلى عكس الحالة الاستعمارية التقليدية، المتعلقة باستغلال السكان الأصليين، يتمحور الاستعمار الاستيطاني حول استبدال السكان الأصليين، وهو يحل دائماً محل ما يدمره. ويعني هذا الأمر في فلسطين، استبدال الصهاينة بساتين الفلسطينيين بالصنوبريات الأوروبية المستوردة (التي أطلقوا عليها شعار “لنجعل الصحراء تزهر”)، واستبدال القرى والأحياء الفلسطينية المأهولة بالمستوطنات اليهودية وبالطرق والمتنزهات الوطنية، واستبدال أسماء الأماكن الفلسطينية بأسماء عبرية، ويقام في الوقت الحاضر حملات يومية لاستبدال قرى البدو الفلسطينية، التي يعتبرونها “قرى غير معترف بها”، بمساحات مخصصة لبناء مستوطنات حضرية وريفية يهود فقط، وميادين مناورات الجيش، ومساحات خضراء -وهذا ما يمثل السياسات الحكومية الاستعمارية الاستيطانية التقليدية.

ويعتبر الاستعمار الاستيطاني، من خلال تفسيرات مختلفة لعبارة terra nullius (أرض بلا شعب)، مشروعاً متمحوراً حول الأرض. ويرى “وولف” أن الاستعمار الاستيطاني قائم على أساس تأمين الأراضي من خلال “الإبادة الجماعية المنظمة”، كما يتضح من طرد 800 ألف فلسطيني من أرضهم أثناء وبعد نكبة العام 1948، واحتلال الضفة الغربية وغزة وسيناء والجولان في العام 1967، كما يقوم على الاستغناء التدريجي عن العمال الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وزيادة السيطرة العسكرية والمدنية على الأراضي المحتلة. والمثال المؤثر هو بناء ما يسمى بـ “جدار الفصل”، والذي، كما يجادل “وولف”، يمثل تعبيراً ملموساً عن الانفصال المكاني، مما يجعل الفلسطينيين أقل ما يمكن أهميةً ومعرضين للاستغناء عنهم أكثر فأكثر وتحويل غزة والضفة الغربية تدريجياً إلى محميات وغيتوات (Wolfe, 2006: 404). وبخلاف المستعمِرين العاديين، يأتي المستعمِرون الاستيطانيون بهدف البقاء، مؤكدين سيادتهم على المكان بموجب القانون الغربي “منطق الإقصاء”، الذي لا يهدف إلى التدمير بل إلى إنتاج الحياة، وذلك بدمج الشعوب الأصلية والثقافات والأراضي في جسد الأمة المستوطِنة (Morgensen, 2011). وهكذا، بينما استمر المستعمِرون الصهاينة على أراضيهم واعتبروا المستعمرة الجديدة “أرضهم” التي أعطيت لهم بوعد إلهي، كان عليهم ممارسة السيطرة والمراقبة على معيش السكان الأصليين الفلسطينيين، لتمكين المستعمِرين اليهود من العيش على حساب المواطنين الفلسطينيين. ويلاحظ “وولف” كيف منعت النظرة المركزية الأوروبية العميقة لأغامبين من رؤيته للسياق الاستعماري، وركز بدلاً من ذلك على مركزية نموذج الأمن في حالة الاستثناء، التي تستخدم الأمن كـ “أسلوب طبيعي للحكومة” (Agamben, 2005). وفي الواقع، يعتبر الخطاب الأمني و “التهديد الوجودي” ومفهوم الضحية اليهودية مسائل مركزية في السياسات العرقية الإسرائيلية. وبينما تعتبر إسرائيل نفسها ملاذًا لـ “الأمة اليهودية”، فهي تنظر إلى السيطرة على فلسطينيي العام 1948 وفلسطيني 1967 وفلسطيني الشتات كأمر حتمي ولدته ضرورة طارئة، والتي، كما يقترح أغامبين، تؤسس وتضمن الوضعية التي يحتاجها القانون لتمرير شرعيته وبقائه.

يخلق النظام الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي مناطق استثناء ثابتة، كما شوهد في مذابح غزة في العام 2014، والتي تم تصويرها كحالة خارجة عن أي اعتبارات إنسانية. وأحد أمثلة الاستثناء يتمثل في نظام المحاكم العسكرية المنفصلة المخصصة  لمحاكمة الفلسطينيين المحتلين، بما في ذلك العديد من الأطفال القُصَّر، وهو النظام “الذي يعمل بدون شفافية تقريباً ويخضع لإشراف داخلي شديد التراخي ونادراً ما يتعرض لأي تدقيق عام” (Yesh Din, 2013). مثالٌ آخر على الاستثناء الاستعماري الاستيطاني يتمثل في الطبيعة البيروقراطية الاستعمارية للاحتلال ونظام التصاريح اليومي عند كل نقطة تفتيش في الضفة الغربية (Berda, 2012).Top of Form

نقد الحياة العارية: من الاستعمار الاستيطاني إلى التشكيلات العرقية

تعتبر النزعة العرقية أداة مألوفة لنزع الصفة الإنسانية عن الحياة الطبيعية الإيديولوجية، بينما تنتج، في ذات الوقت، ممارسة نزع الصفة الإنسانية عن الناس إلى تصنيفات عرقية. وتقوم هذه الثقافة، بدورها، باعتماد الدولة العلمانية الحديثة على التصنيف، إلى جانب النزعة العسكرية كوسيلة من وسائل حفظ تماسك التصنيف (Gilmore, 2007: 243–244). ويبدو أن البناء النظري لتقويم إسرائيل كدولة استثناء عرقية يعد أمراً منطقياً، بيد أنه ينبغي استخدامه بشكل نقدي “حاضراً أو غائباً”. وينتقد سفيرسكي وبيغنال في كتابهما Agamben and Colonialism ، مشروع أغامبين كونه مشروعاً راسخاً يستند بقوة إلى الفكر السياسي الغربي، حيث يتم تصوره دون الإشارة إلى ظاهرة الاستعمار ومناهضته، وتجاهله للمداخلات النقدية للشعوب المستعمَرة المشاركة في أعمال تصفية الاستعمار، على الرغم من أنهما لا يعطيان امتيازاً للعرق مثل أغامبينSvirsky and Bignall (2012). لذلك، ويناء على “الفلسطنة العرقية” لغولدبرغ (2009)، وتأملات “وولف” النظرية عن “الآثار العرقية” للكولونيالية، ونقد وييليي Weheliye (2014) لجهة عدم اهتمام أغامبين بـ “التشكيلات المعرقنة” سوف أفترض في العرق عنصراً مركزياً لتحليل الحكم الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي للفلسطينيين.

ويشير نقد وييليي الرئيسي لنظريات أغامبين وفوكو الغربية المتمحورة حول الاستثناء والحياة العارية والسياسة إلى قابليتها للنقل عالمياً باعتبارها لا تتحدث من وجهة نظر عرقية صريحة، ولا تعتبر العنف السياسي كعملية اجتماعية وسياسية معنية بالتمايز والتفريق والهرمية المنعكسة على الجسد البشري. وسوف أشير بأن مثل هذه العمليات تستخدمها دولة إسرائيل في عرقنة المواطنين الفلسطينيين المحتلين والمحاصرين وفي الشتات، على الرغم من أن التحليلات القليلة للاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي تولي مقولات العرق أهمية ما، رغم  الاختلافات العرقية الواضحة بين الإسرائيليين اليهود والمواطنين الفلسطينيين الخاضعين الذين تم تشويههم من خلال وصفهم بـ “عرب إسرائيليين”، وأخيراً، الفلسطينيين المحتلين واللاجئين غير البشر أو المجردين من الإنسانية، بالإضافة إلى المواطنين البدو الذين يعيشون في “قرى غير معترف بها”. وكما يشير غيلمور Gilmore (2007: 244)، تعتمد الدولة الإسرائيلية على التصنيفات العرقية، التي تدمجها مع العسكرة كوسيلة يحفظ من خلالها التصنيف على تماسكه.

يفترض “وولف” في كتابه الذي نشر بعد وفاته، بالأجناس كآثار للتاريخ الاستعماري الذي يعيد إنتاج علاقات عدم المساواة باعتبارها أساسية لفهمه للاستعمار الاستيطاني:  فـ “العرقنة تمثل استجابة للأزمة التي تحدث عندما يتعرض المستعمِرون للتهديد بضرورة مشاركة الفضاء الاجتماعي مع المستعمَرين” (Wolfe, 2016: 14). ونظراً لضرورة الحفاظ على الهرمية والاستثناءات، فسوف تترك مهمة التجانس  للمستعمِرين. ويذكرنا “وولف” بالتجانس باعتباره تقسيم، وتولي المستعمِرين البيض الحكم. ويقودني استحضار “وولف” للعرق في تنظير الاستعمار الاستيطاني إلى نقد وييليي لنظريات أغامبين ذات النزعة الأوروبية المتمركزة حول الاستثناء والحياة العارية التي تستند أساساً إلى معسكرات الإبادة النازية، دون إعطاء اعتبار لسابقاتها الاستعمارية (مثل الاستعمار الألماني المتجاهَل لناميبيا والإبادة الجماعية، انظر(Zimmerer, 2005).. يفترض أغامبين في الإنسان المستباح Homo Sacer (1995)، بشكل متناقض أن فئة الـ Muselmann  “مسلمين” (وهو مصطلح يستخدم لسجناء معسكرات الاعتقال الذين وصلوا إلى الحضيض، والذين تم تسميتهم على هذا النحو لأنهم، مستنفدون تماماً لقوة الحياة، ويظهرون جاثمين كما لو أنهم مسلمون يؤدون صلواتهم) تتجاوز العرق، حتى على الرغم من أنها فئة عرقية صريحة تشير إلى المسلمين. يجادل وييليي باعتماد تحليل أغامبين على عدم رؤية التشكيلات العرقية. وتشدد وجهة نظر وييليي حول دراسات السود، ذات الصلة بشكل كبير بتحليل فلسطين، على عدم كفاية توظيف المعسكرات النازية لتفسير العرق كنظرة مركزية أوروبية من الناحية النظرية، عندما يخلق البشر العرق لصالح البعض وعلى حساب البشر الآخرين (كما يوضح وولف في تحليله للاستعمار الاستيطاني). ويستشهد وييليي بالمنظرة النسوية الأمريكية الأفريقية هورتنز سبيلليرز Spillers (2003)، التي تشدد على عدم إدراج التشكيلات العرقية لرحلات العبودية القسرية  middle passage، وعبودية المزارع وقوانين جيم كرو العنصرية، في معظم تصورات كتلة القوانين البيو سياسية  للحداثة، وعدم الإدراج هذا يسلط الضوء على مدى الروتينية في إضفاء الطابع الوحشي على الجسد الأسود وكيف أنه لا يزال قائماً في عالم (الغرب). وقول سبيلليرز أن الجسد الأسود تأسس روتينياً من خلال “العمل المحسوب بالحديد والسياط، والسلاسل، والسكاكين، ودوريات الكلاب، والرصاص”، وهذا يدفعني إلى اقتراح مماثل، على عكس ما تدعيه إسرائيل بالحاجة إلى محاربة “الإرهاب الفلسطيني” في حربها القمعية ضد الفلسطينيين، بإنشاء  الجسد (اللحم) الفلسطيني روتينياً من خلال العمل المحسوب بالامتصاص (الإسفنج)، والرصاص المطاطي والمعدني، والغاز المسيل للدموع، ومعدات مكافحة الشغب، والقصف الجوي والهجمات البرية وأنظمة المحاكم العسكرية والتعذيب والسجون والاعتقال الإداري وهدم المنازل والقرى ونقاط التفتيش والجدار العازل والإعدامات خارج نطاق القضاء.  إن هذه الممارسات، كما أؤكد، هي نتيجة مباشرة لعرقنة الفلسطينيين العنصرية بوصفهم شعباً أضعف وأقل قيمة ينكر عليهم المستعمِرون الاستيطانيون حقهم في أراضيهم. إن القواعد والأنظمة وممارسات التمييز العرقي على الجسد الفلسطيني لا توضح فقط منطق الروتين بل أيضاً وبدرجة أكبر المنطق الاستثنائي لمستعمرة المستوطنين الإسرائيليين العنصريين. كما توضح عدم كفاية التنظيرات الأوروبية المتمركزة حول الاستثناء والحياة العارية وحدها لفهم المركزية العرقية المرتبطة بالجسد في سياق فلسطين-إسرائيل، والتي تظهر في تقنيات المراقبة والتحكم الخاصة بالتصنيف والهرمية ونقل السكان وعمليات الهدم الواسعة النطاق، وتمتد إلى سياسات إسرائيل الاستيطانية غير القانونية. وتم إدخال آليات المراقبة والتحكم والسيطرة هذه من قبل المستعمِرين الصهاينة المستوطنين قبل إقامة دولة إسرائيل بفترة طويلة من خلال الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية قبل وأثناء وبعد النكبة، ونفي الحقوق الفلسطينية.

ويستمر الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي كما يشهد التاريخ الطويل لمصادرة أراضي البدو الفلسطينية. وفي سياق طرد البدو من رفح (جزء من قطاع غزة) في أوائل السبعينيات، وفي سياق الهدم الوحشي في كانون الثاني/ يناير 2017 للقرية البدوية “غير المعترف بها” أم الحيران لتمكين بناء مستوطنة صهيونية دينية(8)، يفترض المدوّن الإسرائيلي إيدان لانداو أن العنصرية هي السبب الوحيد لطردهم: “مهندسو الطرد طمعوا في أراضي البدو. أنا أستخدم مصطلح “عرقي” لأن سياسة الاستيطان غير العرقية لم تكن ستشهد أي تناقض بين بقاء البدو على أراضيهم وبين إقامة المستوطنات اليهودية. إن الإصرار على طرد السكان العرب من الأرض… كشرط مسبق للاستيطان اليهودي يفضح الجانب العرقي العنصري المتأصل في المشروع الصهيوني (Landau, 2017). والأهم من ذلك، لابد ، من أجل بناء التراتبيات العرقية وتحقيق مستويات عالية من الفصل العنصري، من استخدام مستعمرة المستوطنين العنصريين لتقنيات المراقبة المستمرة، كما سوف أناقش الآن.

العرق والاستعمار الاستيطاني والمراقبة

تتأسس المراقبة على نظرة الآخرين، ويعتبر التعريف العرقي للسكان الأصليين السمة الرئيسية لمنظومة المراقبة في المناطق المستعمَرة(Zureik, 2016: 95). يفترض عالم الاجتماع الفلسطيني إيليا زريق المستعمَرة كمختبر لتطوير واختبار تقنيات المراقبة، ويرى بأن المراقبة سمة رئيسية من سمات الاستعمار والاستعمار الاستيطاني، ويشدد على نجاح تقنيات المراقبة العسكرية في إسرائيل، بما في ذلك إجراء التعداد، وصنع الخرائط، والتنميط العرقي (بالإضافة إلى تجنيد المتعاونين الفلسطينيين من خلال نظام معقد من التهديدات والمكافآت التي تمارسها وكالة الأمن الإسرائيلية، انظر Cohen, 2010)  وقد أثبتت هذه التقنيات نجاحها  في السيطرة على السكان الفلسطينيين وقمع المعارضة الفلسطينية.

نشأت تقنيات المراقبة في البيئات الاستعمارية، وكانت تقنية المراقبة الرئيسية البانوبتيكون**- panopticon – اختراعاً استعمارياً تطور على الحدود أوروبا الاستعمارية مع الإمبراطورية العثمانية. كما يشير ميتشل Mitchell (1988: 35)، “لم يتم بناء معظم نماذج البانوبتيكون في شمال أوروبا، بل في أماكن بعيدة مثل الهند المستعمَرة”. في الواقع، نقل البريطانيون آليات المراقبة مثل بطاقات الهوية وصنع الخرائط وتصنيفات التعداد السكاني من الهند إلى فلسطين خلال الثورة العربية 1936-1939 للتعامل مع المعارضة العربية للحكم الاستعماري والهجرة الصهيونية غير الشرعية (Zureik, 2016: 98–9). ويستشهد زريق بالكاتبة لاليه خليلي Khalili (2013) التي تؤكد بأن الاختلاف بين إسرائيل والأماكن الاستعمارية الأخرى يتمثل في استخدام إسرائيل لأسلوب إحاطة وتقطيع أوصال الأراضي الشاسعة كوسيلة سيطرة سهلة عبر استخدام الآليات المادية المجسدة كأبراج المراقبة والحواجز الأمنية التي استخدمها البريطانيون لمواجهة الثورة العربية والتي طورتها إسرائيل ولا تزال تستخدمها لضبط احتلال فلسطين. وتتمثل الأداة الرئيسية للمراقبة والتحكم هنا في جدار الفصل، الذي يستخدم ليس فقط لمنع ومراقبة مرور الناس بين المدن والقرى والمستشفيات والمدارس والجامعات وأماكن العمل الأخرى الفلسطينية، ولكن أيضاً، كما يشدد بومان Bowman (2003: 129) على وضع الفلسطينيين بعيداً عن أنظار السكان اليهود الإسرائيليين -المستوطنين والمواطنين على حد سواء- من خلال نظام الطرق الخاص باليهود فقط. وتجدر الإشارة إلى أن الجدار -الأداة الرئيسية للفصل والمراقبة- أدى إلى مصادرة 10% من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية (Zureik, 2016: 99).

تستخدم إسرائيل منذ تأسيسها وسائل أخرى إلى جانب وسائل المراقبة المادية مثل الجدار الفاصل ونقاط التفتيش وأبراج المراقبة المستخدمة للسيطرة على تحركات السكان الفلسطينيين المحتلين، ويلاحظ زريق أهمية تقنية المراقبة الإحصائية للحكم الاستعماري، والتي يصفها فوكو Foucault (2009: 100) بـ “علم الدولة”. استخدم الحكم الاستعماري الإحصائيات لإنشاء معايير خاصة تشمل تصنيف الأرض والسكان وأشكال أخرى من حفظ السجلات ذات الآثار الخطيرة على إدارة السكان المحرومين من حقوقهم. ويذكرنا زريق بقدرة الإحصائيات على “تصنيع” الناس، ولا يعد استخدام الدولة الإسرائيلية للتعداد السكاني في “تصنيع” الفلسطينيين الواقعين تحت حكمها استثناءً. ووفقاً لـ ليبلر Leibler (2011)، استبعد الإحصاء السكاني الإسرائيلي الأول في العام 1948 بعض الفلسطينيين الذين بقوا في المنطقة بعد النكبة، وبالتالي لم يُحسبوا كمواطنين. وحتى يومنا هذا، يُصنف الفلسطينيون الذين تغيبوا لأغراض التعداد السكاني في العام 1948 بأنهم “غائبين حاضرين” وتم الاستيلاء على ممتلكاتهم وأراضيهم من قبل “الوصي على أملاك الغائبين” وهي هيئة قانونية تعمل بموجب قانون عمره 63 عاماً يسمح لإسرائيل بمصادرة ممتلكات “الغائبين” والمنازل المملوكة لفلسطينيين، ويبعث مثل هذا التصنيف رسالة خطيرة ويعتبر عقبة في طريق عملية السلام (Prusher, 2013). في بعض الحالات، يستمر أحفاد هؤلاء “الغائبين الحاضرين” في الإقامة في مناطق “غير معترف بها” دون إمكانية الوصول إلى منازلهم الأصلية. وكرر الإحصاء السكاني للعام 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة ما حصل في العام 1948 بتقليل عدد السكان المقيمين في الأراضي المحتلة وإنكار حق العودة للسكان الفلسطينيين الذين تغيبوا عن منازلهم يوم التعداد لأغراض الدراسة أو العمل أو السفر. علاوة على ذلك، لم يتم تسجيل الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة الذين نزحوا خلال القتال ولم يعودوا إلى ديارهم في الوقت المناسب للتعداد أو كانوا يقيمون في الخارج.

وهكذا.. فبالإضافة إلى 800 ألف فلسطيني نزحوا خلال النكبة، أدت حرب العام 1967 إلى نزوح 900 ألف فلسطيني غيرهم، وفقاً لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) (Zureik, 2016: 102).

تتضمن تصنيفات التعداد السكاني في أطر البيئات الاستعمارية بناء الهوية، مما يتيح فرز وترتيب بيانات التعداد السكاني وتصنيفها لتعكس رغبات واحتياجات السيادة الاستعمارية. وفي الحالة الإسرائيلية، كما في الحالة البريطانية، لا يمكن تنفيذ الحكم الاستعماري من خلال السجلات وحدها، بل يحتاج الأمر إلى وجود سلطة محلية متمثلة في زعماء القرى يتم تعيينهم من قبل إدارة الحكم الاستعماري، وتوزيع الامتيازات واستخدام التهديدات لتجنيد المتعاونين. ووفقاً لوثائق كوهين Cohen (2010) للفترة 1948-1967، استخدمت إسرائيل رقابة مشددة من أجل بناء “هوية عربية إسرائيلية” وعلى الجانب المقابل محو الهوية الفلسطينية عبر تجنيد شبكة من المتعاونين الفلسطينيين الذين كانوا يراقبون (ويبلغون السلطات الإسرائيلية عن) الفلسطينيين الذين ينتقدون الدولة ويشاركوا في أعمال المقاومة. وكانت المدارس هي المجالات الرئيسية التي عمل فيها أولئك  المتعاونون؛ حيث يبلغ التلاميذ عن معلمين تحدثوا عن حق اللاجئين في العودة، ويبلغ المعلمون عن زملائهم الذين انتقدوا نظام الحكم العسكري 1948-1966، ويبلغ المدراء عن تلامذتهم: “كان الهدف الرئيسي جعل الناس يشعرون بأن عيون وآذان السلطات” مفتوحة على مصراعيها لخلق القلق والصمت. وكان من المفترض أن يولد “العربي الجديد” -العربي الإسرائيلي- من هذا الصمت” (Cohen, 2010: 13). ويذكرنا كوهين أن هذه المراقبة المستمرة من قبل الدولة كانت مدعومة من قبل بعض الشخصيات العامة الفلسطينية التي كانت بمثابة عيون وآذان السلطات في مجتمعاتهم.

ساد هذا الوضع خلال السنوات الأولى للدولة ودعم حجة زريق Zureik (2016: 103) بأن الليبرالية تبرر معاملة السكان الأصليين كمجموعة أدنى من حيث القيم والعقلانية والمطالبات بالأرض، وغالباً ما تحكم الحكومات الاستعمارية من مسافة بعيدة تهمل من خلالها على جمع المعلومات من خلال المخبرين المحليين، وإجراء التعداد السكاني ورسم الخرائط الوطنية. ويشير بيردا Berda (2012) بأن المراقبة الاستعمارية تمثل تحولاً من السيطرة على الأرض إلى إدارة السكان. ويعتبر إنشاء أنظمة قانونية مزدوجة ومنفصلة، أي نظام المحاكم المدنية للمستعمِر، ونظام المحاكم العسكرية للمستعمَر، سمة أخرى محددة للمراقبة والسيطرة من قبل الإدارة الاستعمارية (Shenhav and Berda, 2009).  كما تعتبر الخرائط أداة مهمة أخرى للمراقبة والتأثير والهيمنة، لا سيما عند استخدامها لإبراز الماضي ووصف الحاضر من أجل غرس قيم المستعمِر في الشباب، وتعمل هذه الخرائط على بناء وجهات نظرنا حول الواقع وتخلق الأرض بدلاً من مجرد عكسها (Zureik, 2016: 103)،  حيث كان رسمها حجر الزاوية في المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني بوصفها أداة للمطالبة بالأراضي المستعمَرة كوطن كتابي للمستوطنين. ويشرح بابيهPappe (2006)  كيف أنشأ الصندوق القومي اليهودي( وهو الجهة اليهودية المكلفة بشراء أراضي الفلسطينيين لتسهيل استعمار البلد)، في أوائل القرن العشرين، سجلاً مفصلاً لجميع القرى العربية بهدف صريح هو “المساعدة بشكل كبير في استرداد الأرض “(التشديد مضاف). وكانت النتيجة ظهور “ملفات القرى”، وهي أرشيف اكتمل في أواخر الثلاثينيات، مما سهل الاستيلاء الصهيوني على فلسطين في العام 1948. ويتضمن “ملف القرية” تسجيلاً طبوغرافياً لتخطيط القرية، ومسحاً “للأصول العبرية” للقرية إن وجدت (كجزء من مطالبة الصهاينة بملكية ما اعتبروه “أرض الميعاد”)، وصوراً جوية، وخريطة تفصيلية تحتوي موقعها، وطرقها، وجودة أراضيها، وينابيع المياه، ومصادر الدخل الرئيسية، والتكوين الاجتماعي والسياسي، والانتماءات الدينية، وأسماء المخاتير(5)، والعلاقات مع القرى الأخرى، وأعمار الأفراد الرجال، والأهم من ذلك، مؤشر عداء القرويين أو عدمه للمشروع الصهيوني. وقد أدت هذه العناصر الأخيرة إلى تأجيج “أبشع الفظائع في القرى، مما أدى إلى إعدامات جماعية وحالات تعذيب” (Pappe, 2006: 17–19).

الخرائط إذن أدوات مراقبة سواء في تثبيت المطالبات الاستعمارية أو في مقاومتها. ووفقاً لتقرير صدر في العام 2013 بعنوان، (ضحايا سردياتنا؟ تصوير “الآخر” في الكتب المدرسية الإسرائيلية والفلسطينية Victims of our Own Narratives? Portrayal of the “Other” in Israeli and Palestinian School Books) ، تبين أن 76% من خرائط الكتب المدرسية للمدارس الإسرائيلية تظهر عدم وجود حدود بين الأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، ولا تظهر تسميات للمناطق الفلسطينية. ويتم تقديم هذه الخرائط كخرائط لإسرائيل، و “يمكن اعتبار غياب الحدود بين إسرائيل وفلسطين كإشارة ضمنية أن المناطق الفلسطينية هي جزء من دولة إسرائيل”. على الجانب الفلسطيني، تُظهر 4% فقط من الخرائط في الكتب المدرسية الفلسطينية الخط الأخضر الذي يفصل الأرض الفلسطينية عن إسرائيل أو تسمى المنطقة الواقعة غرب الأرض الفلسطينية المحتلة باسم “إسرائيل” -مما يدل على مقاومة الشعوب المستعمَرة للخرائط الاستعمارية من خلال صنع الخرائط (Sherwood, 2013).

يؤكد زريق Zureik (2016: 108–109) بأن الأساس والمبرر المنطقي للمراقبة في البيئات الاستعمارية يسترشد بالاستبعاد من خلال فرض القيود على التنقل والوصول. كما يشدد على عدم اهتمام إسرائيل، بوصفها سلطة احتلال استيطاني استعماري، بإدارة السكان ورفاهيتهم بقدر اهتمامها بالسيطرة على الأراضي التي يقيمون فيها وعليها واستبعادهم والاستيلاء عليها. كما تهتم السلطة الاستعمارية، في ذات الوقت، في التحكم بجمع البيانات وتصنيفها وهذا هو سبب استخدام التوثيق الهوياتي كأداة أخرى من أدوات للمراقبة. ويؤكد زريق خشية الفلسطينيين من مصادرة بطاقات هويتهم، لأنهم بدونها يتعرضون للتهديد الدائم بالطرد أو فقدان حقوق الإقامة. وتعمل بطاقات الهوية، في الواقع،  كسيف ذو حدين: فهي تسهل مراقبة السكان المحتلين، الذين قد يُطردون بدونها. تم إدخال بطاقات هوية إلزامية تحمل الانتماءات العرقية للمواطنين في إسرائيل في العام 1949. وحتى العام 2002، كان حاملو بطاقات الهوية يُصنفون على أنهم “يهود” أو “عرب” أو “دروز”، نظراً للإصرار الصهيوني على الطبيعة اليهودية للدولة، “الجنسية الإسرائيلية” في حد ذاتها غير موجودة، وبالتالي فهي غير مسجلة في وثائق الهوية الإسرائيلية الداخلية، على الرغم من النداءات القانونية العديدة التي تطالب الدولة باستبدال الدين بالانتماءات القومية – معتبرة الدين كعلامة عنصرية عرقية. في العام 2002، تم استبدال بطاقات الهوية التي تحمل انتماءات عرقية ببطاقات بيومترية مرجعية وفقاً لقواعد البيانات الحكومية المشتركة. وتميّز بطاقات الهوية المرمّزة بالألوان بين المجموعات السكانية، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفقاً للوضع، مما يمكّن الدولة من مراقبة الرعايا الفلسطينيين ورصد تحركاتهم: الفلسطينيون المقيمون في القدس الشرقية  يحملون (بطاقات الهوية الزرقاء بالبادئة 08)؛ والفلسطينيون المقيمون في الأراضي الفلسطينية المحتلة يحملون (البطاقات البرتقالية مع البادئة 09)؛ أما الفلسطينيون المنحدرون من أصول مقدسية شرقية لكنهم غير مقيمين فلهم (بادئة 086). علاوة على ذلك، يحظر القانون الإسرائيلي منذ العام 2002 لم شمل الأسرة لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة إذا تزوجوا من مقيمين إسرائيليين وكانوا ذكوراً دون سن 35 أو إناثاً تحت سن 25 (Halabi, 2011).

تعتبر بطاقات الهوية، من حيث أهميتها القصوى لسكان الأراضي الفلسطينية المحتلة نتاجاً مشتركاً لثلاث بيئات سياسية: الحكم الإداري والعسكري الإسرائيلي، واتفاقات أوسلو للعام 1993 التي نقلت الإدارة اليومية للأراضي إلى السلطة الفلسطينية التي تصدر بطاقات الهوية الخاصة بها، ونظام القدس الشرقية الذي يصدر بطاقات الهوية بألوان مختلفة لفئات مختلفة من السكان الفلسطينيين كما هو مفصل أعلاه. وهكذا تصبح بطاقات الهوية أدوات أساسية لتجسيد  التمييز العرقي والمراقبة، وتسهل منح التصاريح أو حجبها والتحكم في حركة الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، حيث تصبح أدوات أساسية في مصفوفة السيطرة الإسرائيلية، التي تنظم التنقل والإقامة، وإن لم تمنح حقوق المواطنة. تماشياً مع نظام المواطنة العرقي في إسرائيل. وكما يقترح  (Tawil-Souri (2011: 220، مقتبس في Zureik, 2016: 111)، يوفر نظام بطاقة الهوية وسيلة ” تقنية منخفضة ومرئية ومادية وملموسة” للممارسة السلطة الاستعمارية.

وتعتبر مراقبة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أحد التقنيات الفظة والقاتمة التي تهدف إلى السيطرة على الرأي العام المعارض سواء داخل دولة إسرائيل أو/و الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهكذا، خلال الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة في العام 2014، طُرد مئات الفلسطينيين من وظائفهم بسبب التعليقات السلبية على وسائل التواصل الاجتماعي حول الهجوم على غزة. ووفقاً لعضو الكنيست الإسرائيلي الفلسطيني أحمد الطيبي، “استدعت سلطات الأمن الإسرائيلية، للتحقيق والاستجواب، جميع عرب 1948 تقريباً الذين كتبوا أي شيء ضد الهجوم الإسرائيلي على غزة على صفحات الفيسبوك” (Nazzal, 2014). وتتواصل مراقبة استخدام الفلسطينيين لوسائل التواصل الاجتماعي، كما يفصل تقرير صدر في العام 2016 عن المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية (مدى) (http://www.madacenter.org/news.php?lang=1&id=288# (accessed 1 February 2017)) عدة محاكمات لصحفيين فلسطينيين، الإشارة إلى المراقبة المفرطة التي تؤدي إلى الاعتقالات الاستباقية والاستجواب والاحتجاز بسبب منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي التي تعبر عن آراء سياسية تعتبر أنها “تحرض على المقاومة”. وقام مسؤولو فيسبوك، بالتواطؤ مع السلطات الإسرائيلية، بإزالة حسابات مديري وصحفيي شبكة شهاب وشبكة القدس الإخبارية التي تضم أكثر من 12 مليون مستخدم (ISM Palestine, 2016). ولعل أشهر حالات مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي هي اعتقال الشاعرة والمصورة والناشطة الفلسطينية دارين طاطور بسبب حالة نشرتها على فيسبوك في العام 2015 خلال موجة النضال الشعبي للفلسطينيين، في القدس وغزة والضفة الغربية. وداخل دولة إسرائيل نفسها. وكان السبب الرئيسي لإدانة طاطور قصيدة نشرتها على موقع يوتيوب بعنوان “قاوم يا شعبي قاوم”. وبحسب الناشط السياسي الإسرائيلي يوآف حيفاوي، “لا يوجد شيء غير قانوني في هذه القصيدة، ولا حتى حسب القوانين الإسرائيلية. لكن السياق الذي جاءت فيه القصيدة كان هو المهم، حيث نشرت طاطور القصيدة على خلفية اشتباكات بين شبان فلسطينيين وقوات الاحتلال. وصوّر هؤلاء، بحسب النيابة ووسائل الإعلام الإسرائيلية، كفلسطينيين متورطين في نشاط إرهابي” (Haifawi, 2016). وقد وضعت طاطور، وهي مواطنة إسرائيلية، رهن الإقامة الجبرية منذ أكتوبر 2015، وعلى الرغم من المناشدات التي وجهها مئات الكتاب والنشطاء الدوليين، حتى وقت كتابة هذا التقرير، لا تزال قيد الإقامة الجبرية المنزلية، ويجب أن ترتدي سواراً إلكترونياً في الكاحل ومحظوراً عليها استخدام الإنترنت (http://imemc.org/article/dareen-tatours-prosecution-for-poetry-continues-in-nazareth-court/ (accessed 1 February 2017)). وهكذا منذ “ملفات القرى” قبل العام 1948، استخدمت مستعمرة المستوطنين الإسرائيليين تقنيات المراقبة العنصرية ضد الفلسطينيين الأصليين. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، مع الدعم الدولي المتزايد للنضال الفلسطيني، وسعت إسرائيل من شبكة مراقبتها على نطاق أوسع، واستهدفت المعارضين الإسرائيليين واليهود في الشتات، وكذلك الداعمين الدوليين لفلسطين بشكل عام وحملة BDS بشكل خاص.

الخلاصة: من حالة الرعية إلى حالة المواطن مواطن

أشارت افتتاحية هآرتس (17 كانون الثاني 2017) إلى أن “المقاطعة لأسباب سياسية أداة مشروعة تندرج تحت حماية حرية التعبير السياسي”، وأتت هذه المقالة التحريرية بعد موافقة لجنة الداخلية والبيئة في الكنيست على مشروع قانون يحظر منح تأشيرات الدخول أو تصاريح الإقامة للأجانب الذين يدعون إلى مقاطعة إسرائيل أو المستوطنات. لذلك، سأستحضر البيان الرسمي لصحيفة هآرتس لدعوة المواطنين الإسرائيليين الذين ينتمون إلى معسكر السلام لمناشدة المجتمع الدولي لفرض مقاطعة على إسرائيل (Hammerman, 2017)  بينما تتعاون جميع مؤسسات التعليم العالي الإسرائيلية ومعظم الأكاديميين الإسرائيليين مع الحكومة من خلال إجراء البحوث الداعمة للدولة وسياساتها بدلاً من انتقادها، فضلاً عن البحث والتطوير في الأسلحة والمعدات الأمنية، وتقديم برامج مصممة خصيصاً للأفراد العسكريين والأمنيين، والتمييز ضد الأكاديميون والطلاب الفلسطينيون (Hever, 2009)، والاقتباس أعلاه للمفكرة الإسرائيلية البارزة إيلانا هامرمان يوضح أن ليس كل الأكاديميين الإسرائيليين يدعمون الاحتلال وأن البعض يؤيد مقاطعة إسرائيل. وتخشى الحكومة الإسرائيلية مثل هذا الدعم، وفي الفاتح من شباط 2017، وبعد وقت قصير من مبادرة وزير التعليم الإسرائيلي لتوجيه الفيلسوف آسا كاشير بوضع مبادئ توجيهية أخلاقية لمؤسسات التعليم العالي، تم اقتراح مشروع قانون في الكنيست، إذا تم إقراره، من شأنه إلغاء تمويل الجامعات الإسرائيلية التي توظف محاضرين يدعمون المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل؛ لا أستطيع أن أتخيل مستوى المراقبة الذي قد يتطلبه هذا الأمر (Lis, 2017b).

قدمت في هذا المقال تحليلاً ثلاثي الأبعاد لحكم إسرائيل المواطنين الفلسطينيين، والمواطنين الفلسطينيين  الواقعين تحت الاحتلال والحصار، أولاً حالة الاستثناء، وثانياً الدولة العرقية، وثالثاً، المستعمرة الاستيطانية. وواصلت تسليط الضوء على التركيز الضئيل لمسألة العرق في تحليل السيطرة والمراقبة الإسرائيلية على السكان الفلسطينيين.  وسوف أختم بالقول إن تركيز المراقبة تحول من الاستهداف الحصري للرعايا الإسرائيليين المستعمَرين إلى التركيز أيضاً على المعارضة من المواطنين الإسرائيليين وعلى الانتقاد من جانب يهود الشتات والمجتمع الدولي. ووفقاً لأغامبين Agamben (2008)، يكاد لا يفصل شيء بين اللاجئ (وكذلك الشخص المستعمر والمحتل) والمواطن، من خلال تعرضهم إلى إجراءات الرقابة والمراقبة التي تمارسها إسرائيل، وسلسلة القوانين التي سنّتها دولة إسرائيل مؤخراً ضد المعارضين الإسرائيليين واليهود ومظاهرات منظمات حقوق الإنسان. حيث تم سن قوانين مختلفة مؤخراً تهدف إلى تصنيف النشطاء الإسرائيليين واليهود والدوليين المناهضين للاحتلال بالمعارضين والإرهابيين المحتملين. وتشمل هذه القوانين ما يسمى بـ “قانون المنظمات غير الحكومية” للعام 2016 ، الذي يهدف إلى وصم المنظمات الإسرائيلية اليسارية ومنظمات حقوق الإنسان بأنها وكلاء لقوى أجنبية من خلال إجبارها على التصريح علناً عن أي تمويل أجنبي (Schaeffer Omer-Man, 2016)؛ وما يسمى بـ “قانون مكافحة فيسبوك” الذي من شأنه تمكين المحاكم من إصدار أوامر لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وغوغل ويوتيوب وتويتر بإزالة المحتوى الذي تعتبره إسرائيل يهدد الأمن الشخصي أو العام أو أمن الدولة (https://www.middleeastmonitor.com/20160713-israel-launches-anti-facebook-bill/ (accessed 1 February 2017)).

لن تنجح إجراءات المراقبة والعنصرية في خدمة المستعمرة الاستيطانية العرقية العنصري قط، حيث تصور إسرائيل نفسها كضحية مع استمرار احتلالها الأرض وحصارها للمواطنين والتمييز ضدهم وضد المعارضين الإسرائيليين. وأحد الأمثلة المؤثرة هو استراتيجيات المراقبة التي تمولها الدولة بسبب الحرب التي أعلنتها إسرائيل صراحة على مؤيدي حملة المقاطعة. وهنا يعتبر الدور الذي تلعبه الخطابات الأمنية وممارسات جمع المعلومات والمضايقة أمراً حاسماً للحفاظ على ما يسميه باتريك وولف Wolfe (2016) “منطق الاستبعاد” للاستعمار الاستيطاني، والذي، كما يجادل، هو منطق عنصري للغاية.

حملة إسرائيل ضدBDS ، التي وصفها رئيس الوزراء نتنياهو في اجتماع طارئ للمانحين في لاس فيغاس في حزيران 2015 بأنها معركة ضد نزع الشرعية عن إسرائيل (http://www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-4665676,00.html (accessed 1 February 2017))، أدت إلى تكليف جلعاد إردان، وزير الشؤون الاستراتيجية والدبلوماسية العامة، بمحاربة حملة المقاطعة، وتحذير السفراء الأجانب بألا ينظروا ” إلى حملة المقاطعة BDS على أنها تهديد لإسرائيل فقط.. بل هي تهديد للمجتمع الدولي، ولكل من يقدر حقوق الإنسان والحريات” (Ahren, 2016). وقد خلقت الحملة المناهضة لحركة BDSوالتي بلغت ميزانيتها 100 مليون شيكل إسرائيلي (26.5 مليون دولار) سلسلة من المبادرات القانونية، مما يدل مرة أخرى على استخدام القانون في خدمة الدولة العرقية. ففي كانون الثاني 2017، وبناءً على مراقبة دعم كل من المواطنين والزوار لمقاطعة إسرائيل، وافقت لجنة الداخلية في الكنيست في البداية على مشروع قانون يمنع إصدار تأشيرات الدخول وتصاريح الإقامة في إسرائيل للزوار الأجانب الذين يدعون عن علم مسبق وعلناً لمقاطعة إسرائيل أو المستوطنات، وللمواطنين الذين يمثلون المنظمات التي تطالب بمقاطعة إسرائيل أو مؤسساتها أو الأراضي الخاضعة لسيطرتها، أي المستوطنات اليهودية في فلسطين المحتلة (Lis, 2017c).

لم يكتب أغامبين الكثير عن مسألة السيادة الإسرائيلية كحالة استثناء, ورغم قلة ما كتبه، فمازالت أفكاره قادرة على تقديم بصيص أمل، ولو خافت، في “ما وراء حقوق الإنسان”، حيث يفترض إمكانات المقاومة، والتخلص من الدول القومية التي مثلها مثل المستعمرات الاستيطانية، وإن كانت تستخدم العرق والمراقبة للتمييز بين اللاجئ والمستعمر والمواطن، فإنها تستهدف الجميع، في نهاية المطاف، في مواجهة المعارضة كما أشرت في هذا المقال. وفي العام 2008، بينما كان أغامبين يكتب مقالته، “طردت دولة إسرائيل 425 فلسطينياً، ليجدوا أنفسهم في نوع من “المنطقة الحرام no-man’s land “***. يشكل هؤلاء الأشخاص، وفقاً لرؤية حنّة أرنت، “طليعة شعبهم”. غير أن أغامبين لا يرى في الفلسطينيين في المنفى رعايا معرضين للتمييز العرقي ولاهم نواة لدولة فلسطينية مستقبلية. بل يصر على أن تلك “المنطقة الحرام التي يتواجدون فيها بوصفهم لاجئين قد بدأت بالفعل منذ هذه اللحظة بالارتداد إلى أراضي دولة إسرائيل من خلال خردقتها وتجويفها”. ويختتم: ” إن البقاء السياسي للبشرية الذي يمكن تصوره اليوم يكمن في عالم تكون فيه مساحات الدول مخترقة ومخردقة ومشوهة طوبولوجياً، حيث يكون المواطن قادراً على التعرف على اللاجئ بأنه هو أو هي،”(Agamben, 2008: 95).

….

العنوان الأصلي: Race and surveillance in the settler colony: the case of Israeli rule over Palestine

الكاتب:  Ronit Lentin

المصدر: Palgrave Commun 3, 17056 (2017). https://doi.org/10.1057/palcomms.2017.56

Humanities & Social Sciences Communications

هوامش المترجم

* volk كلمة ألمانية معناها الأولي: حشد من الناس غير معروف عددهم، وتأتي في صيغة الجمع للتعبير عن أفراد الشعب (بمعنى الأمة) الذين ينتمون إلى مجموعة عرقية واحدة. أصبحت كلمة “فولكيش” في سياق تطور المعنى  التاريخي له في ألمانيا، تشير إلى أحد الحلول المقترحة لتشكيل “الأمة الألمانية” لاسيما في الفترة ما بعد العام 1808 إثر  احتلال نابليون لألمانيا. حتى أن البعض اعتبرها تعني “حب الوطن” كما يقول يوهان فيخته. من أهم مشتقات هذا المصطلح والتي لاتزال تستخدم على نطاق واسع في معظم لغات العالم تقريباً كلمة “فولكلور” للتعبير عن الاهتمام الوطني العاطفي بالتاريخ المحلي والشعبي و”العودة إلى الأصل” … إلخ

**panopticon  “البانوبتيكون” هو مفهوم تأديبي تم إحيائه في شكل برج مراقبة مركزي موضوع داخل دائرة من زنازين السجن. من البرج ، يمكن للحارس رؤية كل زنزانة ونزيل لكن لا يستطيع النزلاء رؤية البرج. لن يعرف السجناء أبدًا ما إذا كانوا مراقَبين أم لا. كان الفيلسوف الإنكليزي أول من نظّر لمفهوم “البانوبتيكون” في نهاية القرن الثامن عشر إثر زيارته إلى مدينة كريشيف (تتبع الآن روسيا البيضاء) عندما تعرف على طريقة المراقبة المستمرة للعمال، ومن هنا أتت الكلمة  من الإغريقية وهي تعني “رؤية الجميع” .  اللافت للنظر في البانوبتيكون أن الحارس لا يمكنه عملياً  مراقبة جميع غرف السجن في ذات الوقت، لكن ما هو مدهش أن النزلاء لا يعلمون هذه الحقيقة (لا يعلمون كيف ومتى يتم مراقبتهم), فبالتالي يتصرفون كما لو ـهم جميعاً مراقبون في جميع الأوقات، وهذا ما يدفعهم إلى التنظيم الذاتي كإجراء دفاعي.  يظهر المخطط النموذجي للبانوبتيكون على هيئة مبنى دائري ضخم مجهر في وسطه ببرج مراقبة بحيث يمكن للحراس مراقبة النزلاء منه، اعتقد بنثام إمكانية تطبيق هذا نظام المراقبة هذا في المستشفيات والمصحات والمدارس والإصلاحيات على حد سواء.

***No man’s land المنطقة الحرام أو المحرمة، الأصل هي منطقة موضع نزاع بين طرفين، دون أن يكون هناك سيطرة فيها على أحدهما  لأسباب تعود للخوف أو الشك. يعود أول استخدام للمصطلح إلى القرن الرابع عشر الميلادي، لوصف منطقة كانت تقع خارج أسوار لندن الشمالية، كان يتم فيها إعدام المجرمين وترك جثثهم مقطعة فيها كتحذير لمن يحاول الخروج عن القانون، ونظراً لعدم وجود أي ادعاء بملكية هذه المنطقة فقد أطلق عليها اسم (No man’s land)  وأصبح المصطلح، بحلول القرن الثامن عشر، يستخدم للتعبير عن منطقة صغيرة تستعمل في السفن يتم فيها خزن بعض الأدوات كالحبال وغيرها.

ملاحظات

1- أنا مدين بمفهوم “الحرب الدائمة” إلى ياسبر بور (انظر Mikdashi and Puar, 2016)

2- المصطلح العربي الفلسطيني النكبة يعادل ما يسميه الإسرائيليون “حرب الاستقلال”، انظر على سبيل المثال، Masalha (2012). خلال النكبة، تم اقتلاع أو طرد 800 ألف فلسطيني بوحشية من جذورهم أو طردهم أو إجبارهم على الفرار أو قتلهم بدم بارد. بالإضافة إلى ذلك، تم تدمير 531 قرية و 11 حياً حضرياً في تل أبيب وحيفا والقدس ومدن أخرى، هذا دون التطرق إلى الذاكرة الجمعية لسكان تلك الأماكن ولأحفادهم الذين لا يزالون يعتبرونها بيتوهم الشرعية (http://www.globalresearch.ca/israel-s-discriminatory-land-policies/14579, accessed 28 January 2017).

3- جهاز الأمن الإسرائيلي، الذي تأسس بعد تأسيس الدولة بفترة وجيزة، على الرغم من أنه تم سن تشريعه فقط في العام 2002. وتشمل واجباته واسعة النطاق حماية أمن الدولة، واستجواب المشتبهين بالإرهاب، وتوفير المعلومات الاستخباراتية للعمليات في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومكافحة -التجسس والحماية الشخصية للشخصيات العامة والمباني الحكومية. كل هذا يعطيه دوراً مركزياً في السيطرة على حياة السكان الفلسطينيين المحتلين والمحاصرين. (https://www.shabak.gov.il/english/Pages/default.aspx, accessed 30 January 2017)

4-  على الرغم من نسب إدوار سعيد في كتابه المؤثر  المسألة الفلسطينية The Question of Palestine (1980: 9) هذا الشعار، عن طريق الخطأ، إلى الكاتب الصهيوني إسرائيل زانغويل، فقد تم استخدامه بالفعل منذ العام 1843 من قبل رجل دين مسيحي  إصلاحي (Garfinkle, 2009: 265).

5- اللغة العربية لرئيس المجلس المحلية لبلدة أو قرية.

6- من الجدير بالذكر أن إيلان بابيه يرفض التصور النظري لإسرائيل كدولة استثناء، ويرى أن هذا التعبير ينطبق فقط على الديمقراطيات المتدهورة، بحجة أن إسرائيل ليست ديمقراطية يحكم عليها من خلال معاملتها غير المتكافئة لمواطنيها الفلسطينيين والرعايا الفلسطينيين المحتلين. ويقترح كبديل، التنظير لإسرائيل كدولة “مخابرات” قمعية (Pappe, 2008).

7- انظر ألنا لينتين Lentin (2004: 74–75) حول استبدال “الإثنية” بـ “العرق” و “العنصرية” بـ “النسبية الثقافية” في أعقاب “لجنة الخبراء العالمية” لليونسكو بعد الحرب العالمية الثانية والتي نتج عنها في نشر بيان اليونسكو بشأن العرق والتحيز العرقي.

8- بشكل أساسي لاستيعاب المهاجرين من الاتحاد السوفيتي السابق في التسعينيات، وكان عدد كبير منهم ليسوا يهوداً وفقاً لتعاليم اليهودية الأرثوذكسية ولكن تم قبولهم لأن لديهم أقارب يهود، وذلك لزيادة الأغلبية اليهودية في إسرائيل (Hayeem, 2010)

9- وفقاً لملخص تارابوت، كان بدو أم الحيران يعيشون في وادي زبالة الذي أيعدوا منه في العام 1948 بعد ذلك عدة مرات لتسهيل بناء المستوطنات الإسرائيلية، ومثل قرى البدو الأخرى “غير المعترف بها”، فإن منازلهم كانت تهدم بشكل منتظم من قبل قوات الأمن الإسرائيليةhttp://www.tarabut.info/he/articles/article/al-qian-umm-al-hiran/, accessed 31 January 2017).

المراجع

Adalah (2012) New Discriminatory Laws and Bills in Israel. Adallah: Haifa.

Adamkar Y (2017) The destruction of democracy: The ‘Breaking the Silence’ law unanimously approved by the Knesset, Walla 8  ـJanuary, http://news.walla.co.il/item/3029757?utm_source=facebook&utm_medium=sharebutton&utm_term=social&utm_content=facebook&utm_campaign=socialbutton, accessed 8 January 2017.

Agamben G (1995) Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life. Stanford University Press: Stanford, CA.

Agamben G (2005) State of Exception. University of Chicago Press: Chicago, IL London.

Agamben G (2008) ‘Beyond human rights’. Social Engineering15, 90–95.

Ben-Naftali O, Gross AM and Michaeli K (2005) Illegal occupation: Framing the occupied Palestinian territory. Berkeley Journal of International Law23 (3): 551–614.

Ahren R (2016) Israeli minister calls BDS a danger to the whole world. Times of Israel 23 March, http://www.timesofisrael.com/minister-boycott-movement-a-threat-to-the-whole-world/, accessed 1 February 2017.

Benvenisti M (ed) (2002) The Morning After: The Era of Peace – No Utopia. Carmel and Hebrew University: Jerusalem, Israel.

Berda Y (2012) The Bureaucracy of the Occupation: The Permit Regime in the West Bank, 2000-2006. The Van Leer Institute Hakibbutz Hameuchad Publishing House: Jerusalem, Israel.

Bowman G (2003) Israel’s wall and the logic of encystization: Sovereignty exception or wild sovereignty? European Journal of Anthropology50, 127–137.

Cohen H (2010) Good Arabs: The Israeli Security Agencies and the Israeli Arabs 1948-1967. University of California Press: Oakland, CA.

Falk R (2006) Zionism and the Biology of the Jews. Resling: Tel Aviv, Israel.

Foucault M (2003) Society Must be Defended: Lectures at the Collège de France, 1975-76. Allen Lane: London.

Foucault M (2009) Security, Territory, Population, Lectures at the Collège de France 1977-1978. Palgrave MacMillan: Houndmills, UK.

Garfinkle A (2009) Jew centricity: Why the Jews Are Praised, Blamed, and Used to Explain Just About Everything. John Wiley and Sons: London.

Gilmore RW (2007) Golden Gulag: Prison, Surplus, Crisis, and Oppression in Globalizing California. University of California Press: Berkeley, CA.

Goldberg DT (2002) The Racial State. Blackwell: Oxford.

Goldberg DT (2009) The Threat of Race: Reflections on Racial Neoliberalism. Wiley-Blackwell: Malden, MA.

Gross A (2017) Israel’s nation-state bill is undemocratic. Haaretz 11 May http://www.haaretz.com/opinion/.premium-1.788553, accessed 17 May 2017.

Haifawi Y (2016) Poetic injustice: Palestinian poet arrested over Facebook post. 972 Magazine, 17 April https://972mag.com/poetic-injustice-palestinian-poet-arrested-over-facebook-post/118641/, accessed 1 February 2017.

Halabi U (2011) Legal analysis and critique of some surveillance methods used by Israel. In: Zureik E, Lyons D and Abi-Laban Y (eds). Surveillance and Control in Israel-Palestine: Population, Territory and Power. Routledge: London.

Hammerman I (2017) Why I, as a proud Israeli, want the world to boycott us. Haaretz 29 January http://www.haaretz.com/opinion/.premium-1.767900, accessed 30 January 2017.

Hayeem A (2010) Israel unfair law of return. The Guardian 11 March, https://www.theguardian.com/commentisfree/2010/mar/11/israel-return-jews-palestinians, (accessed 27 January 2017.

Hever S (2009) Academic Boycott of Israel and the Complicity of Israeli Academic Institutions in Occupation of Palestinian Territories. Alternative Information Centre: Jerusalem, Israel; Beit Sahur, http://www.alternativenews.org/, accessed 4 February 2017.

ISM Palestine. (2016) Surveillance, censorship and arrests of activists using social media in Palestine. 26 October https://monitor.civicus.org/newsfeed/2016/10/31/Surveillance-censorship-and-arrests-of-activists-using-social-media-in-Palestine/, accessed 1 February 2017.

Khalili L (2013) Time in the Shadows: Confinement and Counterinsurgencies. Stanford University Press: Stanford, CA.

Landau I (2017) Rafah expulsion and the Zionist doctrine of unknowing. 26 January https://idanlandau.com/2017/01/26/rafah-expulsion-and-zionist-doctrine-of-unknowing/ (accessed 29 January 2017.

Leibler A (2011)” You must know your stock”: Census as surveillance practice in 1948 and 1967. In: Zureik E, Lyons D and Abu-Laban Y (eds). Surveillance and Control in Israel/Palestine. Routledge: London.

Lentin A (2004) Racism and Anti-Racism in Europe. Pluto Press: London.

Lis Y (2017a) Israeli lawmakers back contentious Jewish Nation-State bill in heated preliminary vote. Haaretz 10 May http://www.haaretz.com/israel-news/1.788393, accessed 17 May 2017.

Lis Y (2017b) Israeli bill would cut funds to universities with lecturers backing boycott. Haaretz 3 February http://www.haaretz.com/israel-news/.premium-1.769255, accessed 4 February 2017.

Lis Y (2017c) Israel law makers move to ban settlement-boycott advocates from entering country Haaretz 12 January http://www.haaretz.com/israel-news/.premium-1.764528, accessed 1 February 2017.

Masalha N (2012) The Palestinian Nakba: Decolonising History, Narrating the Subaltern, Reclaiming Memory. Zed Books: London.

Matar A (2016) What enables Asa Kasher? www.wisdom.weizmann.ac.il/~oded/PS/anat.doc, accessed 1 February 2017.

Mikdashi M and Puar JK (2016) Queer theory and permanent war. GLQ: A Journal of Lesbian and Gay Studies22 (2): 215–222.

Mitchell T (1988) Colonising Egypt. American University in Cairo Press: Cairo, Egypt.

Morgensen SL (2011) The biopolitics of settler colonialism: Right here, right now. Settler Colonial Studies1 (1): 52–75.

Nazzal N (2014) Palestinians targeted for social media use in Israel. Gulf News 24 July http://gulfnews.com/news/mena/palestine/palestinians-targeted-for-social-media-posts-in-israel-1.1363596, accessed 1 February 2017.

Pappe I (2006) The Ethnic Cleansing of Palestine. Oneworld Publications: Oxford.

Pappe I (2008) The mukhabarat state of Israel: A state of oppression is not a state of exception. In: Lentin R (ed) Thinking Palestine. Zed Books: London.

Prusher I (2013) Israel’s Absentee Property Law Exposes an Absence of Morality in Jerusalem. Haaretz 7 July http://www.haaretz.com/blogs/jerusalem-vivendi/.premium-1.528427, accessed 30 January 2017.

Roth N (2016) Former IDF ethicist tapped to censor ‘political speech’ in Israeli universities. 972 Magazine 9 December http://972mag.com/former-idf-ethicist-tapped-to-censor-political-speech-in-israeli-universities/123600/, accessed 10 December 2016.

Said E (1980) The Question of Palestine. Times Books: New York.

Sand S (2009) The Invention of the Jewish People. Verso: London.

Schaeffer Omer-Man M (2016) How Israel is turning anti-occupation activists into dissidents. 972 Magazine 2 July http://972mag.com/how-israel-is-turning-anti-occupation-activists-into-dissidents/120425/, accessed 31 January 2017.

Shenhav Y (2006) The imperial history of ‘state of exception’. Theory and Criticism29, 205–218.

Shenhav Y, Berda Y (2009) The colonial foundations of the state of exception: Juxtaposing the Israeli occupation of the Palestinian territories with colonial bureaucratic history. In: Ophir A, Givoni M and Hanafi S (eds). The Power of Inclusive Exclusion: Anatomy of Israeli Rule in the Occupied Palestinian Territories. Zone: New York.

Sherwood H (2013) Israeli and Palestinian textbooks omit borders. The Guardian 4 February https://www.theguardian.com/world/2013/feb/04/israeli-palestinian-textbooks-borders, accessed 30 January 2017.

Spillers H (ed) (2003 [1987]) Mama’s baby, Papa’s maybe: An American grammar book. In: Black, White and in Color: Essays on American Literature and Culture. Chicago University Press: Chicago, IL.

Svirsky M and Bignall S (eds) (2012) Agamben and Colonialism. Edinburgh University Press: Edinburgh, UK.

Tawil-Souri H (2011) Orange, green and blue: Colour-coded paperwork for Palestinian population control. In: Zureik E, Lyons D and Abu-Laban Y (eds). Surveillance and Control in Israel/Palestine. Routledge: London.

Webb-Pullman J (2013) Israel: Immune or Impugnable? Palestinian Media Agency 26 March http://alray.ps/en//index.php?act=post&id=93#.Vy8l-75HN_k, accessed 15 January 2017.

Weheliye AG (2014) Habeas Viscus: Racializing Assemblages, Biopolitics and Black Feminist Theories of the Human. Duke University Press: Durham, NC; London.

Wolfe P (2006) Settler colonialism and the elimination of the native. Journal of Genocide Research8 (4): 387–409.

Wolfe P (2016) Traces of History: Elementary Structures of Race. Verso: London.

Yesh Din. (2013) Military Courts. http://www.yesh-din.org/cat.asp?catid=5, accessed 3 February 2-17.

Yiftachel O (2006) Ethnocracy: Land and Identity Politics in Israel/Palestine. University of Pennsylvania Press: Philadelphia, PA.

Yiftachel O (2016) Call apartheid Israel by its name. Haaretz, 11 February http://www.haaretz.com/opinion/.premium-1.702597, accessed 18 January 2017.

Zimmerer J (2005) Annihilation in Africa: The ‘race war’ in German South West Africa (1904-1908) and its significance for a global history of genocide. GHI Bulletin37, 51–57.

Zreik R (2008) The persistence of the exception: Some remarks on the story of Israeli constitutionalism. In: Lentin R (ed). Thinking Palestine. Zed Books: London.

Zureik E (2016) Israel’s Colonial Project in Palestine: Brutal Pursuit. Routledge: London; New York.

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

المؤتلف والمختلف بين الولايات المتحدة وإسرائيل في السياسات العنصرية المنهجية

نهلة عبدو ترجمة محمود الصباغ يكمن التشابه الكبير بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الدافع الرئيسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *