الصرخة الأولى، أو لماذا يبكي الأطفال: تأملات حول ترامب

آرون شوستر

ترجمة محمود الصباغ

استهلال

أليس لافتاً للنظر أن يصوّت نحو 74 مليوناً من الأمريكيين للرئيس ترامب في انتخابات العام 2016؟

أليس لافتاً أيضاً أن هذا الرئيس المثير للجدل لم يقم بأي حرب خارجية، بخلاف معظم من سبقه، وبخلاف “طبيعته” و”شخصيته”؟

بعيداً عن السياسة وتعقيداتها، يبدو أن فترة لرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب سوف تثير الكثير من الحبر، فضلاً عن ” الكوميك” الذي رافقها،  ولعله ستكون هناك فرصة سانحة له للعودة من جديد وبالتالي إسالة حبر غزير عنه حوله.

يحلو للمختصين في التحليل النفسي مقاربة شخصية ترامب من زوايا متعددة استناداً إلى تكوينه الشخصي والنفسي، إلى حد وصفه بأنه متهور، شديد المزاجية، لا يلتزم بالقواعد واللباقة التي يبديها رجال السياسة في العادة، ويعاني من “اضطراب نرجسي”، لا يصلح لأن يكون رئيس دولة بحجم وأهميّة الولايات المتحدة؛ وبمثل هذا وصفه السيناتور تيد كروز بقوله، أثناء الحملة الرئاسية للعام 2016 إن الرئيس ترامب “نرجسي على مستوى لا أعتقد أن هذا البلد قد رآه على الإطلاق من قبل”. وفي السياق ذاته، كانت الطبيبة النفسية “باندلي لي” قد اعتبرت، في رسالة نشرتها نيويورك تايمز في نهاية العام 2017  أن هناك ” أكثر من مجرد حالة من عدم الاستقرار النفسي لدى ترامب؛ الذي بدأ يبتعد عن الواقع في تصرفاته، ويمر بحالة من تقلب السلوك؛ الذي لا يمكن التنبؤ به، وأنه بدأ يميل إلى العنف كوسيلة للتأقلم مع هذه الحالة”.

ويفسّر البعض ذلك بسبب عمله الطويل نسبياً (نحو اثني عشر عاماً) في تقديم برنامجه الشهيرThe Apprentice فيما يعرف بتلفزيون الواقع، الأمر الذي ساهم في تعلقه بالشهرة وحب الظهور.

مازلنا نتذكر ما قاله الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك في خطابه الأخير من أنه ” لم يكن ينتوي الترشح” للرئاسة كتتويج لحالة إنكار وذهول عمّا يدور حوله، ولعلّ هذا يشبه موقف الرئيس ترامب من عدم اعترافه بهزيمته أمام منافسه جو بايدن، وهذا ليس غريباً عليه على كل حال، كما يقول البروفيسور دان ماك آدامز في حوار مع قناة الجزيرة ( 17.12.2020)  الذي يرى أن ترامب “لم يعترف قط بالهزيمة في أي شيء في حياته، سواء كنت تتحدث عن إفلاسه في التسعينيات أو عن الأخطاء العديدة التي ارتكبها في مجال الأعمال التجارية والاستثمارية. هو يعتقد بصدق أنه كان دائماً منتصراً. وهو يتبع ذات النهج طيلة حياته، ولن يكترث بأي حقائق أو واقع يقول عكس ذلك”.

تعج المقالة، على صغر حجمها بالكثير من المصطلحات والعبارات والكلمات التخصصية والمحلية، وقد حاولت قدر المستطاع -ضمن حدود معرفتي- توضيحها بهوامش مستقلة منفصلة عن هوامش المقالة الأصلية.

بقي أن نشير إلى أن أرون شوستر؛ كاتب المقالة -حسب كتالوك التعريف- فيلسوف وكاتب مقيم في أمستردام، عمل أستاذاً زائراً في شيكاغو في العام 2016 وهي السنة التي أصدر كتابه  The Trouble With Pleasure: Deleuze and Psychoanalysis

رغم وعورة اللغة وغرابة الاستعارات فيها إلا أنها مقالة ماتعة تفتح نوافذ عديدة للتأمل في سلوك السياسيين “الكبار” من حولنا

…….

قارن العديد من النقاد والصحفيين والمواطنين المهتمين بين طباع ترامب وطباع الأطفال. فهل هو أول رئيس طفل للبلاد يتصرف بحكم منصبه مثل “جلالة الطفل His Majesty the Baby” على حد قول فرويد[1]؟

سنحاول، هنا، تفسير صبيانية ترامب بتفصيل أكثر تجريداً، بدءً من تأمل عام لمقولات علم نفس الطفل ذات الصلة، لا سيما التي تناقش موضوع بكاء الرضيع، ثم سننتقل لتحري إحدى نظريات الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط المثيرة للاهتمام والمتعلقة بصراخ الطفل.

قوى رهيبة

ما إن يبلغ الطفل العادي سنتين من العمر حتى يكون قد بكى نحو أربعة آلاف مرة(1). ويمكن للطفل المصاب بالمغص الصراخ لساعات متتالية دون توقف، أن يحول حياة والديه إلى جحيم وجنون . ورغم حجم الألم والمعاناة الناجمة عن بكاء الأطفال، ربما أسوأ ما في الأمر ما يتعلق بممارسة الفلسفة. كما اشتكت، في هذا السياق، إيلوايز Heloise [2]: “من يستطيع التركيز على أفكار الكتاب المقدس أو الفلسفة ويكون قادراً -في ذات الوقت- على تحمل بكاء الأطفال، والمربيات حولهم يحاولن تهدئتهم بالتهويدات، وكل هذا الصخب المصاحب لحركة الرجال والنساء داخل المنزل؟”(2). في هذه الحالة، لا مناص للفيلسوف إلا من انتقام واحد ووحيد: تحويل العقبة المزعجة، أي بكاء الطفل، أمام التأمل الفلسفي إلى موضوع نظري بحد ذاته.

لماذا يبكي الأطفال الرضع؟

يرى المحلل النفسي الإنجليزي دونالد وينيكوت أن بكاء الطفل الرضيع يحتمل أربعة دوافع متميزة: الإشباع والألم والغضب والحزن(3). ربما يكون الدافع الأول هو الأقل توقعاً: يؤكد وينيكوت كيف يكون البكاء مصدر متعة للرضيع، لأنه، مثل أي نشاط حركي، يلعب دوراً حيوياً (وهذا ما يتفق مع قول أرسطو: “يخطأ من يحاول منع الطفل من البكاء والصراخ، يخطأ لأنه لا يدرك كيف يساهمان في نموه، وكيف يعملان على تمرين جسده بطريقة ما. فإجهاد الصوت له تأثير قوي مماثل لتأثير حبس النفس أثناء تأدية مجهود عنيف”)(4).

الدافع الثاني للبكاء هو الألم، وهو بمنزلة إعلان صاخب للتعبير عن مدى التبرم والوجع الجسدي، وغالباً ما ينجم عن الجوع؛ أو يكون الجوع أحد أهم محفزاته، علماً أن الجوع بحد ذاته لا يولد لدى الرضيع رغبة إيجابية اتجاه الطعام، بل يعبر، في الحقيقة، عن أزمة جسدية، حيث يعاني الجسم من مأزق الجوع، وهذا ما يدفع الرضيع للبكاء؛ سعياً لتخفيف هذا الألم.

الدافع الثالث هو الصراخ الذي يتم التعبير عنه بنوبة غضب وعويل تسيطر على الطفل فينفجر في البكاء حتى يرزقّ لونه. ورغم أن الطفل الهائج قد لا يمكن السيطرة عليه، إلا أن للغصب جانباً إيجابياً يؤكده وينيكوت؛ فعلى الأقل يعبّر الغضب عن درجة معينة من الإيمان أو الثقة بالآخر، باعتباره قادراً على الاستجابة لصرخاته وتغيير الوضع المسبب للغضب. وتظهر رغبة تغيير هذا الوضع عند الطفل بصراخه، فالطفل الذي لا يشعر بالغضب هو في الواقع طفلٌ محبط كمن أصيب بخيبة أمل، وسوف يقتصر في تذمّره على أنين مكتوم أو يضرب رأسه بالحائط. ثم سيتوقف في النهاية عن البكاء تماماً ويغرق في صمت مطبق.

أخيراً، هناك بكاء الحزن، والذي يمثل تقدماً كبيراً في النمو النفسي للطفل.

وفي حين يكون الغضب -في الغالب- رد فعل مباشر على الإحباط، ينطوي الحزن والأسى على فهم أكثر تعقيداً لعلاقة الذات بالآخر. فدافع بكاء الحزن يعبر عن دراما التعلق والفقد برمتها. ولعل البكاء الحزين ليس إلا لفتة شعرية بسيطة، ولعله يوفر أحد منابع الموسيقى الرئيسية: إنه محاولة تعزية للذات، أغنية غير سعيدة، يغنيها الرضيع لنفسه يعبر بها عن الخسارة وعدم الرغبة في البقاء بمفرده في مواجهتها.

ولكن هل تصنيف الدموع هذا يجسد تماماً ما نفهمه من نحيب الرضيع؟

إن ما يفتقده شرح وينيكوت الدقيق والشامل هو الشعور بمدى جنون بكاء الطفل الرضيع، وبعده المغرق في المبالغة وحتى الشيطاني، والذي يجعل جميع أكثر التفاسير النفسية ترشيداً تتهاوى أمامه وتتحطم. وكما قال لودفيغ فيتغنشتين ذات مرة: “من يستمع بروية لبكاء رضيع سيعرف أن ثمة قوى نفسية، وقوى مرعبة، تسكن بداخله، قوى تختلف تماماً عن أي افتراض يحتمل وجوده في العادة. إنها قوى غضب عميق وألم وشهوة للدمار”(5).

كانت هذه القوى الغامضة والرهيبة، “المختلفة تماماً عن أي افتراض يحتمل وجوده في العادة” هدفاً لمنحى آخر كامل من نظريات التحليل النفسي، بدءً من الفكرة الفرويدية عن دافع الموت، مروراً بمقولات التحليل النفسي عند الأطفال لميلاني كلاين التي ركزت على القلق البدائي والسلوك العدواني والهجمات والرد على الهجمات. ولخصت حنّة سيغال رؤية كلاين السريالية حول الصراعات النفسية الداخلية لدى الطفل الرضيع على النحو التالي: ثمة رضيع جائع، يشتعل غضباً مستعراً، فيصرخ ويركل، كما لو أنه، في الواقع، يتخيل نفسه يهاجم الثدي فيمزقه ويدمره، ويمتحن صراخه فيشعر به يمزقه ويؤذيه بصفته هجمة مضادة ترتد عليه من الثدي الممزق. لذلك، هو لا يعاني فقط من العوز والجوع فحسب، بل يشعر بألم الجوع وصراخه بصفته هجوماً عدوانياً عليه(6).

وفي هذا الصدد نستذكر قول فيتغنشتين الشهير: “لو تمكن الأسد من الكلام، فلن نتمكن من فهمه”(7).

وماذا عن الطفل الرضيع؟

ماذا لو استطاع الكلام!، هل نفهمه؟. هل سيتحدث عن التهام الأثداء والقضبان العدوانية؛ كما ترى كلاين؟

إذا كانت القوى الرهيبة الكامنة داخل الطفل تتحدى الفهم الشائع، وتخلق فجوة بين عوالم الرضع والبالغين، فإن هذه القوى لا تُهزم تماماً من خلال التربية والتعليم ولكنها تظل، بمعنى ما، بداخلنا كجزء منا. فما الذي يمكننا فهمه -وراء الدوافع الأكثر وضوحاً وصراحةً، عندما يبكي شخص بالغ أو ينتحب أو يصاب بنوبة غضب مثل طفل؟ وماذا لو فعل الرئيس ذلك على سبيل المثال؟

شكوى الطفل الرضيع

أرغب في التركيز، هنا، على تفسير معين لبكاء الرضيع، يتضمنه بعض التعليقات الهامشية لإيمانويل كانط الذي كان له تأمل نظري غريب بعض الشيء؛ غير أنه مثير للاهتمام حول بكاء الطفل الرضيع، تأسيساً على فلسفته الأخلاقية ومفهومه عن حرية الإرادة عند البشر.

عندما يبكي الطفل، وفقاً لكانط، فهو ليس كمن يمرّن رئتيه؛ كما لا يكون في موقعٍ يعبّر فيه عن ألم جسدي ما، فضلاً عن أن بكاءه ليس غضباَ أو حزناً وتأسّي على فقيد… لا؛ ليس الأمر كل هذا، إنما بكاؤه في الحقيقة نوع من الحكم يصدره إزاء الظروف القاهرة المحيطة به والتي هي (غير عادلة) لوجوده.

وإذن يجب إضافة فئة خامسة إلى قائمة دوافع دموع وينيكوت؛ أي دافع البكاء بسبب الظلم [حسب الموقف الكانطي إياه].

يقول كانط: “يبدو الوليد الذي انتزع نفسه للتو من رحم أمه على وشك دخوله للعالم بصرخات عالية، بما يخالف جميع الحيوانات الأخرى، وذلك لأنه ببساطة يعتبر عدم قدرته على استخدام أطرافه كنوع من الإعاقة والتقييد، وبالتالي يعلن على الفور عن مطالبته بالحرية (وهو تمثيل لا يمتلكه أي حيوان آخر)”(8). ويتابع كانط: حقيقة شعوره بعدم الارتياح لا يرجع إلى ألم جسدي ولكن إلى فكرة غامضة (أو تمثيل مشابه لها) عن الحرية ومعوقاتها، أي الظلم، وهذا ما يتم الكشف عنه بعد بضعة أشهر بعد الولادة من خلال الدموع التي تصاحب صراخه؛ كتعبير عن السخط عندما يسعى جاهداً للاقتراب من أشياء معينة أو بشكل عام يسعى فقط لتغيير وضعه ويشعر بعجزه عن القيام بذلك. هذا الدافع للحصول على ما يريد وتحويل أي عائق أمامه كإهانة يتميز بشكل خاص بنبرته، ويظهر خبثاً تجده الأم ضرورياً لمعاقبته، لكنه عادة ما يرد على عقابها بصرخات أعلى. وذات الشيء يحصل عندما يقع في شر أعماله كما يقال.

تلعب صغار الحيوانات الأخرى، مثلما يتشاجر صغار البشر مبكراً مع بعضهم البعض، ويبدو الأمر كما لو أن مفهوماً معيناً للعدالة لدى البشر (يتعلق بالحرية الخارجية) يتطور إلى جانب حيوانيتهم[3] animality، وليس شيئ مكتسب يمكن تعلمه تدريجياً(9).

يتصور كانط مشهد الطفل الباكي كنوع من المحاكمة. إذ سرعان ما يكتشف الطفل نفسه، عند خروجه مندفعاً إلى العالم، محاصراً داخل شكل غير مريح ويفتقر للتجهز الجيد؛ فضلاً عن عجز التحكم في حركته، فأطرافه تتمايل ذات اليمين وذات الشمال على غير هدى أو ترتيب، ولا يمكنه حتى الوقوف باستقامة منتصباً، ويبدو كطفلٍ عاجزٍ فعلاً؛ إلا أنه يمتلك، في الوقت عينه، إشارة غامضة أو تلميح لقوة ما بداخله، وشعور بحريته الداخلية. ويأتيه وعي الحرية هذا بالمقاومة المفروضة عليه: فما يلتفت انتباهه نحو إرادته الحرة؛ إحساسه بالإعاقة. فيدرك حريته بقدر ما يحرم منها. ولهذا يكون بكاءه ليست مجرد صرخة تعبر عن الضيق أو الاضطراب، بل تمثل شكوى حقيقية: إنها إدانة وضع يعتبره غير عادل. فغضبه له ما يبرره وشكواه حقيقية. ونظراً لأن شكواه لا تتعلق فقط بهذا الحادث أو ذاك وإنما بالحالة العامة السيئة التي يعيشها، فيبدو الأمر كما لو أن حكمه كان حكماً ضد الوجود ذاته. وإذا ما استطاع الأطفال الرضع التحدث، فقد يقولون، بطريقة شبه إغريقية، “ما كان يجب أن نولد هكذا.. ليتنا ولدنا على غير هذا الحال!” لماذا نسلم الإرادة الحرة لكتلة لحم عديمة الفائدة؟ -هذا هو ظلم الولادة.

تجربة الجسد الأصلية عند الرضيع هي تجربة عائق وعقبة وقيود؛ وهي أيضاً ما تعنيه عبارة “لا أستطيع”، لو شئنا الالتفاف حول وصف هوسرل الظاهراتي phenomenological للتجسد باعتبار “أستطيع” عبارة أولية primordial[4](ربما يكون هذا هو أصل الاعتقاد القديم بأن الجسد سجن الروح).

في الواقع، الصراخ هو أحد الأشياء القليلة التي يمكن للرضيع القيام بها بفعالية: ومن ثم فالصراخ تعبير فعلي عن الحرية على هيئة إدانة وانتقاد للحرمان من الحرية. وهنا، يعترف كانط بأن المولود الجديد ليس لديه بعد القدرات المعرفية لإصدار مثل هذا الحكم، لكنه يستدرك فيقول ما إن يصل الرضيع إلى عمر ثلاثة أشهر تقريباً حتى تكون دموعه التي ترافق بكاءه شاهداً على وعي أولي ناشئ بتعرضه للظلم. يبدو الأمر كما لو أن كانط قد تخيل الرضيع شخصاً بالغاً صغيراً تعيساً يجانبه الحظ كيفما التفت، ولكن من عجيب المفارقات أن يكون شخصاً بالغاً أكثر صبيانية من أي طفل (أو على الأقل الطفل الذي يدرسه علم النفس عادة): الطفل الكانطي مخلوق سريع الغضب وساخط للغاية ومفعم باستياء أخلاقي متفجر. قد نوسّع هذه الفكرة إلى أبعد من ذلك: ألا يتكون سن الرشد [البلوغ] بعد ذلك من إعادة تشكيل مستمر لهذه المحاكمة وتكرار هذه الشكوى، ومحاولة لتصفية الحسابات وإثبات “أستطيع” [مقلوب الهوسرلية] في ضوء هذه الصفقة الخام المروعة الأولى؟

كتب فرويد عن حالة عجز الرضيع (Hilflogiskeit)، التي تجعله يعتمد كلياً -جسدياً وعاطفياً- على والديه وعلى القائمين على رعايته. واعتمد “لاكان” على تنظيرات سيكولوجيا الطفل في عصره لوصف التكوين التخيلي للأنا في مرحلة المرآة: يحقق جسد الرضيع المجزأ وغير المتسق درجة من السيطرة على نفسه من خلال وحدته المتوقعة كما تنعكس الصورة gestalt في المرآة. وعمل “دولوز” على تعديل هذا النظام بتمييزه بين الأشياء الجزئية والجسد دون أعضاء: يستجيب الجسم لتجزئته بتأسيس جسم ناعم خالٍ من الاحتكاك وخالٍ من الأجزاء المزعجة والمتمردة[5]. بينما ينطلق كانط من ذات الفكرة الأساسية حول عجز الرضيع، لكنه يرسم صراعاً مختلفاً. فطفله عالق بين عجز جسده المعقول، من ناحية، وتخيل -بمعنى الحدس- مبكر لدوره فائق الحساسية، من ناحية أخرى.

ورغم عجزه عن فعل الكثير، اللهم باستثناء الركل والصراخ والرفس، إلا أنه لديه بالفعل وعياً غامضاً بنفسه ككائن عقلاني حر في تحديد غاياته الخاصة. وهذا ما يعطي ضجيجه شدة خاصة: فصرخة طفل حديث الولادة ليست مجرد تعبير عن ضيق وتبرم فحسب؛ بل هي أيضاً صوت سخط وغضب ساطع. ليس لأن هناك ما يؤلمه، ولكن لأن هناك ما يزعجه: ربما لأنه يريد التحرك ويشعر بعجزه عن ذلك كأنما هو مغلول بقيد سلب منه حريته(10).

من بين فئات وينيكوت، سوف تكون صرخة الطفل الكانطي هي الأقرب إلى فئة الغضب، لكنها صرخة غضب ضد الظلم، والشعور بالسرقة أو الغبن. لهذا السبب يعتبر بكاء الطفل ظاهرة إنسانية شديدة الوضوح [عن سواها من الظواهر الحيوانية المحيطة بنا]. فبالنسبة لكانط، الحيوانات ليست حرة ولا تملك شعوراً بالعدالة أو الظلم، ومن ثم فهي تلعب بطريقة سهلة وخالية من الهموم ولا تعاني من أي مشاكل، بينما يظهر البشر واثقين من أنفسهم و”مشاكسون” عملياً منذ البداية. علاوة على ذلك، هذه الحرية ليست شيئاً “يتم تعلمه تدريجياً”، كما أنها ليست اكتساباً ثقافياً ولكنها جزء من بنية العقل الفطرية المتأصلة. إنها تحدد الطبيعة البشرية. وإذا كانت الثقافة تتشكل من صقل الطبيعة [الطبيعة البشرية]، وتطوير العقل الفطري للإنسان وحسه الأخلاقي (قدرتنا على فعل الخير من أجل الخير ذاته)، فهناك أيضاً ما هو متمرد في الطبيعة البشرية على الثقافة فيقاومها، ويرفض بعناد مسار الخير الأخلاقي.

وعلى عكس الصورة المعتادة، ليس هذا الاستياء نتاج اندفاعات غريزية برية حيوانية (كالجوع والجنس) التي تقاوم التعليم والانضباط، ولكنه شيء إنساني بصورة غريبة: هو شغف أكثر توهجاً وعناداً نحو الحرية. تكشف نوبات غضب الرضيع عن الجانب المظلم للحرية الإنسانية. لا يتردد كانط في الإشارة إلى “خبث” الطفل[6]Bösartigkeit، (وهو المصطلح الذي يستخدمه للتعبير عن الشر الجذري في كتابه  “الدين في حدود مجرد العقل”) للإشارة إلى الإرادة الطفولية التي تريد فقط ما تريد، والتي تسلك طريقها الخاص بكل عناد وتدافع بشراسة عن نفسها ضد أي تأثير أو تدخل خارجي. ويمثل هذا تبايناً آخراً مع شرح وينيكوت عن دافع غضب الطفل. فالرضيع الكانطي لا يريد المساعدة وليس لديه ثقة في الآخر. ولا يمكن مواساة ألمه لأنه لا يبحث عن العزاء. فهو في غضبه يفضل تدمير الآخر لو كان قادراً على ذلك.

كانط مع ترامب

كيف يمكن لما سبق مساعدتنا في إلقاء الضوء على الأزمة التي تتكشف حالياً في السياسة الأمريكية؟

غالباً ما يتهم ترامب بالسلوك الطفولي: فهو نرجسي، حساس للغاية تجاه النقد، ليس لديه أي شعور باللياقة، يخلو من التعاطف، تافه، قاسٍ ضيق الأفق، لا يقرأ، لا يستمع، لا يستطيع مقاومة تبادل الإهانات أو الدخول في مشاجرات تافهة تذكر بمشاجرات تلاميذ المدارس، كما أنه يفتقر إلى التحكم في انفعالاته. إنه مثل طفل متطلب يحتاج دائماً إلى لفت الانتباه، ومن السهولة بمكان التأثير عليه والتلاعب به من قبل شخصيات قوية (بانون، بوتين). ويمكن اختصار معرفة كل هذا بما نقرؤه من عناوين الصحف الرئيسية؛ من قبيل: “نوبات غضب دونالد ترامب الطفولية تهدد بإخراج رئاسته عن مسارها حتى قبل أن تبدأ”، “التسريبات القادمة من بيت ترامب الأبيض تصور الرئيس كطفل غير مدرك”، وقد نشرت نيويورك تايمز مقالاً بعنوان “عندما يقود طفل العالم”(11).

وربما ليس من قبيل المصادفة -والحال هذا- أن يكون حظر هجرة المسلمين [إلى الولايات المتحدة] تحوّل أيضاً إلى حظر دخول الأطفال.

نتذكر الطفل ذو الخمس سنوات الذي احتجز باعتباره يشكل تهديداً أمنياً، أو الرضيع المقرر خضوعه لعملية جراحية حرجة في طهران.

هناك شيء قريب جداً في شخصية الطفل، شيء قريب جداً من طبائع ترامب العصبية. لقد تم تصويره في صورة طفل يقود شاحنة صغيرة، مما حفّز ظهور كتاب ساخر بعنوان “الرئيس وشاحنة الصبي الكبير The President and the Big Boy Truck. كما ظهرت صورة له في شريط رسوم متحركة بعنوان الرئيس الرضيع The Boss Baby. وقدم أرنولد شوارزنيغر مؤخراً تفسيراً لطيفاً في سياق خلافه المستمر مع ترامب: “أعتقد أنه مغرم بي”، هكذا قال حاكم كاليفورنيا السابق، محوّلاً الرئيس إلى صبي صغير خجول إلى درجة يشعر بالحرج من التعبير عن  مشاعره نحو فتاة بطريقة أخرى غير شدها من شعرها، أو -في هذه الحالة- نشر تغريدات لئيمة تنطوي على خبث.

وأود هنا اقتراح تفصيل مفاهيمي أكثر تجريداً عن صبيانية ترامب، مع الأخذ على محمل الجد، من ناحية صغيرة، ملاحظة فيتغنشتين حول القوى المروعة التي تؤثر في الرضيع، ومن ناحية أخرى، الأخذ في الاعتبار صورة كانط عن “طفل الحرية” البغيض (حيث يمكن للمرء أن يسمع  صدى التأثير الواضح لأنشطة سابقة من قبيل بطاطا الحرية Freedom Fries أو جمعية الحرية Freedom Caucus أو حزب الحرية Freedom Party)[7].

يغضب ترامب من كل ما يعوق حريته -مثل الطفل الكانطي، المليء بالغضب تجاه جسده الأخرق الثقيل وغير الناضج-. وهو ليس مستاءً فحسب، بل يغمره أيضاً شعور عميق بالسخط الأخلاقي. فكل ما يعارضه غير عادل، وألمه مصاغ بلغة الحق. وقد بلغ هذا ذروته في تصريحه الأخير، وهو أمر سخيف للغاية بحيث لا يمكن التعليق عليه: “لم يوجد سياسي في التاريخ، وأقول هذا بثقة كبيرة، نال معاملة أكثر سوءً وظلماً مما حصل معي”. وعلى النقيض من الطفل الكانطي، ليس جسد ترامب المادي هو الذي يعيقه، أو لنقل ذلك بشكل أفضل، يضطهده، بل هو جسم الدولة ذاته غير المتماسك؛ أي القوانين والمحاكم والدستور أولاً وقبل كل شيء، ومن ثم المسؤولين المنتخبين الآخرين، والقادة العسكريين، ومجتمع الاستخبارات، ورؤساء الوكالات، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وعلماء المناخ، وخبراء الميزانية، ومن يسربون المعلومات في الداخل، وما إلى ذلك.

البيروقراطية الفيدرالية بأكملها، دون أن ننسى هاجسه الطاغي وهلعه الأكبر bête noire، أي وسائل الإعلام الإخبارية (التي باتت توصف الآن باللقب الستاليني “أعداء الشعب الأمريكي”). تشكل هذه العناصر المتباينة مجتمعة الجسد السياسي غير المرغوب فيه بالنسبة لترامب. إنهم يمثلون، مجتمعين، الكثير من العقبات أمام إرادته الحرة التنفيذية، إنهم الجسد السياسي -أو لنستخدم أفضل كلمة ترامبية، الجسد السياسي “الغبي”- الذي يقيد إرادة الرئيس بشكل مؤسف.

بالنسبة لترامب، ليست الدولة الديمقراطية أكثر من جسد ممزق [8]corps morcélé يتناثر إلى أجزاء متفرقة، ومجموعة غير عملية وعديمة الجدوى من الأعضاء دون تماسك وإتقان يراه منعكساً في الصورة البديلة المثالية لستيف بانون (إذا كان ترامب قد نأى بنفسه مؤخراً عن بانون، فليس إلا ليؤكد تحت وطأة الغيرة سيطرته على نموذجه ومنافسه).

مع كل فورة إعلامية وأمر تنفيذي وصخب على تويتر، يعبر عن ازدراء عميق لهذا الجسم السياسي؛ وحنقه على المؤسسات، بما في ذلك أكثر المؤسسات الأساسية، أي [مؤسسة] اللغة ذاتها[9].

لإعادة صياغة فيتغنشتين: إذا كان ترامب يستطيع التحدث، فهل نفهمه؟

بالمقارنة مع تلعثمات جورج دبليو بوش اللغوية، التي أصابت الحقيقة بين الحين والآخر -لنتذكر بعضاً من كلاسيكياته مثل “أعداؤنا مبتكرون وواسعو الحيلة، وكذلك نحن. إنهم لا يتوقفون أبداً عن التفكير في طرق جديدة لإلحاق الضرر ببلدنا وشعبنا، ولا نحن نتوقف أيضاً” أو “لقد أساءوا تقديري؛” -يظهر خطاب ترامب روحاً شاعرية طليعية بشكل غير متوقع. لقد قال خلال الحملة الانتخابية: “أعرف الكلمات، لدي أفضل الكلمات”. على الرغم من أنه يبدو تفاخراً بمهاراته الخطابية، إلا أنه يلمح إلى ما هو أكثر قتامة. فامتلاك أفضل الكلمات لا يعني بالضرورة مفخرة تعليمية (“ارتدت أفضل المؤسسات التعليمية عالية المستوى Ivy League”) أو براعة بلاغية (والتي يتم دحضها فور النطق بها -هذه، بساطة، أسوأ الكلمات). هذا بالأحرى تبجح موجه ضد اللغة، ودائريتها العدوانية، أو هجوم على المبدأ الأساسي الذي ينظم الخطاب السياسي، أو أي خطاب على الإطلاق: أي أن الكلمات مهمة.

يبدو الأمر كما لو أن ترامب يحلم بلغة غير مقيدة بالكلمات، مثل جسد غير معاق بالأعضاء أو دولة دون سيادة القانون أو رأس مال بلا حدود – مساحة رمزية زلقة تماماً، خالية من المحتوى والقيود ذات المغزى. وقدمت لنا كلمة “covfefe” [10]من تغريدة [ترامبية] انتشرت على الفور، الاسم المناسب لهذه المساحة الرمزية الجديدة الجريئة: يقدم خطأ ترامب المطبعي في تويتر مقلوباً فرويدياً [11]: فبدلاً من زلة يتنصل منها المرء لأنها تشير إلى حقيقة غير مريحة، تتحول إلى زلة يفخر بها صاحبها لتأكيد سيطرته المطلقة على المعنى واللامعنى، واللذان يتفقان تماماً كما يرغب.

من المفارقات الساخرة أن في لغة covfefe، المكونة من أفضل الكلمات، تظهر فيها أحد المصطلحات، أي لفظ “غبي” بمكانة مميزة، وهي كلمة تستخدم لنزع الشرعية عن المعارضين ليس فقط لأنهم مخطئون ولكن لأنهم يقعون خارج عالم الحقيقة والباطل وبالتالي لا يستحقون النقاش المنطقي. أحد الأشياء المربكة حول ترامب هو أنه إلى جانب الافتراءات المحسوبة والكذب، والتي لها على الأقل ميزة التشدق بالحقيقة، هناك جمود من الغباء، فلغة covfefe محصنة ضد الجدل والحجج.

ووفقاً لشعار فلسفي معروف، “اللغة تتحدث”، تكثف هذه العبارة تأملاً كاملاً حول اللغة باعتبارها اللغة التي تفلت من سيطرة الأنا الفردية عبر  توفير أفق الوضوح والتجربة. نحن نستخدم اللغة، ولكن ليس بطريقة نختارها بالضبط. علينا الانحناء لقواعدها ومعانيها، فهي تشكلنا حتى عندما نستخدمها.

هنا ليست “اللغة تتكلم” ولكن “اللغة – تسمع! تسمع لي أنا سيد الكلمات”. ولعل هذا يعني شيئاً واحداً فقط: تدهور اللغة بشكل عام.

يجب أن تصبح اللغة والحقيقة والواقع الرمزي مادة مرنة، لإعادة تشكيلها وفقاً لإرادة السيد. وتنم هذه المرونة، في ذات الوقت، عن صلابة وتكرار مبتذل، حيث يتم اختزال كل الكلام بشكل فعال إلى وظيفة وحيدة: تمجيد الذات. يجب أن تخدم الكلمات ترامب تماماً كما يفعل اسمه. ومن هنا جاء البناء المجزأ، المضحك والمخيف على حد سواء، لواقع ما بعد الحقيقة الجديد المكون من مراسيم غير مقروءة (بانون)، وخطاب مشوه وحديث مزدوج (سبايسر)، وحقائق بديلة (كونواي). في النهاية، يمكن أن تكون هناك كلمة واحدة هي أفضل الكلمات.. “ترامب” نفسه كعلامة تجارية.

لنرى كيف يصف تزفيتان تودوروف “تفسير كانط الغريب للصرخة الأولى للطفل حديث الولادة”:

“إذا بكى الرضيع، فهو لا يبكي للحصول على ما هو ضروري للحياة والوجود؛ بل ليحتج على تبعيته للآخرين، بصفته موضوع كانطي، يولد الإنسان تواقاً للحرية”(12). يفهم بكاء الطفل، عادة، على أنه نداء  للمساعدة. إنه استجداء، طلب، استدعاء، شكل بدائي من التواصل ينبع من ضغوط الحياة ومقتضياتها. ويعكس كانط هذا المنظور رأساً على عقب. فأولاً، صرخة الطفل الرضيع ليست استغاثة عون ومساعدة بل صرخة تكشف عن عجز الآخرين. فهي تضع الآخر تحت الضغط؛ الآخر الذي لا يعرف الاستجابة لمكر الطفل أو التعامل معه.

هل يتم تجاهل الطفل (“استراتيجية الأبوة والأمومة” التي تبناها أوباما، والتي تنص على أمل استقرار الطفل وسكونه من تلقاء نفسه) أم يتخيل قتله (انظر إلى العديد من اليساريين الغاضبين) أو ينعي هزيمته أمامه (دموع الحزن الذاتي التي يتوسل بها وينيكوت) أم ينظم احتجاجاً جماعياً ضده (الإشارات الواعدة للاحتجاجات الجماهيرية المبكرة)؟

والأمر الذاتي الذي يظهر في مقلوب كانط لمنظور الصرخة في أنها لا تمت بصلة بما هو “ضروري للحياة والوجود”، فهي لا تهتم بشكل أساسي بالاحتياجات الحيوية، ولكنها تعبر عن مقت تبعية الذات لغيرها وإصرارها غير المشروط على فعل ما تريد. ولهذا السبب يمكن لنوبات غضب الطفل أن تكون مزعجة للغاية: وبينما يمكن للرضيع الوقوع تحت تأثير محرض أو محفز مثل حادثة صغيرة أو إحباط بسيط، فسوف يلامس غضبه المطلق. (هنا نجد سمة أخرى من سمات ترامب: أي انتكاسة أو إهانة يمكن أن تؤدي إلى انفجار وغضب شديد).

فما هو المطلق للطفل الرضيع؟

هل يعني أن يكون كائنٌ مستقلٌ تماماً لا يعتمد على أي شيء، بعيداً عن جميع الروابط والقيود ( كلمة “مطلق” بالمعنى الاشتقاقي التمثيلي تعني فك الروابط أو قطعها).

لعل المطلق يعني التخلص من العقبات الخارجية وعدم الاعتماد على الغير لتحقيق الإرادة؛ بمعنى حلم الاستقلال التام، والذي سوف يعني، كما فهمه كانط: “العيش منتشراً في البرية”، في “حالة حرب مستمرة” (هذا خيال مدمر، مليء بالغضب والألم)(13).

ولأن جسد الطفل الرضيع عديم الكفاءة هو مصدر بؤسه، فالحركة محورية في هذه الرؤية: هو يتمنى أن يكون حراً بلا عوائق، متحرراً من القيود، للتنقل والانسياب بسهولة وحرية.

تقودنا هذه الفكرة المطلقة نحو مطرح مثير للاهتمام.

فما يتطلبه الاهتمام النقدي منا ليس الخصائص الصبيانية لترامب؛ وإنما الطريقة التي يجسد بها فنتازيا طفولية معينة. ففي عالمنا هناك شيء واحد يتوافق مع هذا الخيال من الحرية المطلقة هو المال.

وهذا بالضبط ما عمل نورمان براون على تحليله في العام 1958؛ أي البنية النفسية للرأسمالية، باعتبارها جذابة وتستغل المخيلة الفنتازية للاستقلالية الطفولية والتي تنبع من عجز الطفل البيولوجي والقلق المصاحب لتبعيته لوالديه لرعايته والحفاظ على حياته. حيث يجد الرضيع نفسه، في البداية، في علاقة محض سلبية مع الآخر مجردة من أي نشاط، يكون عرضة لتهديدات الخسارة والفقد والانفصال والموت. وللهروب من هكذا صعوبة، نراه يبني عالماً فنتازياً داخلياً مجرداً من أي فقد أو تبعية، مما يجعل نفسه سيداً لعوالمه الخاصة -ولكن على حساب إغراق نفسه في الشعور بالذنب والدَّين، وهو حمل ثقيل من الجهد النفسي يتطلبه الحفاظ على خدعة، بالأحرى وهم السيطرة على الذات.

يظهر الرضيع الكانطي الحر، في احتجاجه على تبعيته، كسلف لطفل فرويد السيكولوجي، الهارب من التبعية والعجز ليرتمي في أحضان العصاب.

وفقاً لبراون، تعتبر الفنتازيا الطفولية “مشروع الخلق causa sui”بامتياز[12]، حلم أن يكون كائنٌ ذاتيٌ، بولد نفسه ينفسه ذاتياً، ويديم نفسه ذاتياً.

يمكن تعريف هذه الفنتازيا، بأبسط أشكالها، “التي نشأت في مرحلة الطفولة ولكنها تنشّط كامل التاريخ البشري”، بـ “الرغبة في أن يكون المرء أباً لنفسه”(14). (وإذا كانت هذه الفنتازيا مرتبطة بقوة بالرأسمالية، فذلك لأن المال يقدم الدائرة النهائية المطلقة لإنتاج الذات، والتي يطلق عليها ماركس “التوالد الذاتي لرأس المال”). فإذا كان هناك شيء واحد يصر عليه ترامب بفخر هائل، فسوف تكون عصاميته، نجاحه بسبب موهبته الطبيعية، وليس بسبب ثروة والده وعلاقاته بأي حال من الأحوال. فهو، كما يرى نفسه، مسبب لنفسه.. أب لها، ولا يدين بالفضل لأحد.

والجانب الآخر من هذه الاستقلالية الفنتازية هو الحاجة المهووسة للتقدير وتعظيم الذات: الدافع المستمر غير المنقطع لتمجيد الذات من خلال الآخرين. وبالتالي؛ يجسد ترامب اكتمال المثال الأعلى النيوليبرالي المتفوق والمتمايز، الذي لا يشير في نهاية المطاف إلا إلى نفسه، أي خواء أفضل الأمور وأعظمها. وفي الواقع، إذا كان ثمة ما هو عظيم لدى ترامب، فسوف يكون بلا شك الطريقة التي استغل بها عصابه الطفولي وضخّمه / رفعه إلى أبعاد مجيدة.

وبدلاً من أن يدمره العصاب، فقد حوله إلى كرة هائلة تتدحرج مدمرة من وما يعترضها: لا ريب أنه مشهد مبتذل مخدوم بشكل قهري تمكن من لصق علامته التجارية عبر العالم وكأنه يقول: “العرض هو” ترامب “ويتم بيعه بالكامل في كل مكان. لقد استمتعت بالقيام بذلك وسأستمر في الاستمتاع، وأعتقد أن معظم الناس يستمتعون به”(15).

وإذا كان ترامب هو فنتازيا طفولية بامتياز، فمن هو البالغ؟

سنجد هذا البالغ الكبير، ضمن النظام السياسي اليوم، الناشط السياسي المنتمي ليسار الوسط أو يمين الوسط، وهو شخص فصيح وواضح وحساس أخلاقياً وعقلاني بامتياز.

شخص سياسي مليء بحكمة الاستسلام للطريقة التي تسير بها الأمور -ضرورة التقشف، والعولمة، وعدم المساواة والتفاوت في الثروات، والحرب الدائمة كسبيل للسلام- لكنه مليء بأمل غير متيقن تماماً بشأن المستقبل. وفي الواقع، ليس ترامب، بالنسبة لهذه الطبقة السياسية، سوى طفل مبتذل وعنيف ومتعجرف. لكن انتصاره اللحظي عليهم لا يعني ببساطة تراجعاً أو تحولاً إلى أوقات أكثر قتامة. وإنما يكشف عن الجانب القبيح للنظام الذي طالما دعموه وخدموه.

يرمز ترامب إلى دمج رأس المال الخاص وسيادة الدولة، بحيث تصبح الدولة في النهاية جزءً من علامة ترامب التجارية؛ تتحول الديمقراطية الأمريكية -كاستعارة-  إلى جعل ترامب شبيهاً بثقافة شرائح اللحم المشوية جيداً في مار لاغو- قرب منصة عالمية يقدم بها برنامجه الواقعي بعرض متواصل.  حيال هذا؛ من منا لا يرغب في الصراخ بشدة.؟

إنما يتعين علينا هنا أن ننأى بأنفسنا عن جوقة النقاد الذين يدينون صبيانية ترامب؛ فالمشكلة في الصورة الساخرة للرئيس POTUS كطفل صغير هي أنها تؤدي إلى طمأنة النخب الحالية بأنهم، وهم وحدهم فقط، الكبار- اقرأها البالغون- الحقيقيون. [تعبير POTUS اختصار لعبارة رئيس الولايات المتحدة President of the United States -المترجم]

هذا النوع من السخرية الراضية هو أحد الأشياء التي أعاقت الديمقراطيين خلال الانتخابات، والتي برهن ترامب من خلالها عن حصانته منها بشكل ملحوظ. ومن ناحية أخرى، من شأن الكوميديا السياسية الحقيقية تخطي الانقسامات السياسية وتشويه ما يسمى بالوسطيين المستنيرين والواقعيين ذوي التفكير اليميني إلى جانب القوميين والشعبويين المبتذلين.

ببساطة، ما يكشفه الصبي ترامب هو الافتقار إلى فكرة قابلة للتطبيق عن النضج السياسي اليوم، والحاجة الملحة إلى إعادة اختراع مرحلة البلوغ لسياسة القرن الحادي والعشرين.

ثمة درس مزدوج هنا: لا تقلل من شأن ترامب من خلال وصفه بالرضيع، ولكن كن حذراً أيضاً من الرضا الذاتي لأولئك الذين يعتبرون أنفسهم كباراً- اقرأها بالغين راشدين- بالفعل.

……

المصدر: https://www.e-flux.com/journal/83/140999/primal-scream-or-why-do-babies-cry-a-theory-of-trump/

هوامش المترجم

[1]تستخدم عبارة “His Majesty the Baby” عند وصف السلوكيات الطفولية؛ واستخدمه فرويد في سياق بحثه في “النرجسية” حيث تصل درجة افتتان الوالدين المفرط والمنحاز لطفلهما ولو على حساب الآخرين؛ مما سينعكس الأمر مستقبلاً على سلوكه. كما تحمل العبارة مجازات ساخرة لتوصيف سلوك الأشخاص الذين يتصرفون بغرور وأنانية دون أي اعتبار لمن حولهم، وفي سياق المقالة سوف تشير إلى سلوك الرئيس ترامب الصبياني المتقلب وغير المسؤول، مما جعل موقع الرئاسة الأمريكية يتحول من مكان جدّي ومنضبط إلى ما يشبه منصة تهريج لصبي مدلل ومغرور يصفق له الجميع.

[2]”Abelard and Heloise”: من أشهر قصص الحب الأوروبية في العصور الوسطى (القرن الثاني عشر) التي جمعت بين إيلوايز Héloïse d’Argenteuil  وبيتر  Pierre Abélard. كانت إيلوايز تعيش في كنف عمها فلوبير الكاهن في كنيسة نوتردام. وكانت شغوفة بالعلم والمعرفة، وكان بيتر أستاذها فأحبا بعضهما وأنجبت منه  ولداً وتزوجا سراً بسبب قوانين تلك الفترة التي كانت تمنع زواجهما، وما إن انكشف أمرهما حتى فصلا عن بعضهما قسراً وأجبر أبيلار على الرهبنة وتعرض للاعتداء وقطع أعضائه التناسلية من طرف أقارب الفتاة، بينما أرسلت إيلوايز للدير، بقيت مراسلاتهما الشهيرة -التي استمرت نحو عشرين عاماً ما بين عامي 1115 و1132- مثالاً لتراجيديا الحب والعاطفة المتوقدة العميقة.

[3]لعل كلمة الحيونة animality” تشير إلى السلوك الحيواني أو الطبيعة الحيوانية للإنسان؛ كالاندفاعات البرية وردود الفعل الغريزية كالغضب غير المبرر أو الشهوة أو السعي للعنف دون غاية محددة أو تفكير معقول، ويستخدم كانط الكلمة للإشارة إلى الجانب الأساسي والطبيعي في طبيعة الطفل، الذي يظهر في شكل سخطه وتمرده ضد العوائق التي تقف في طريق تحقيق رغباته وحريته، كدلالة على فكرته حول حرية الإرادة ورغبة الإنسان في الاستقلال والتحرر من القيود، والتي يمكن تفسيرها بمعنى “الحيوية” أو “النشاط” بدلاً من “الغريزة”. وأتت الكلمة في النص لتشير إلى التقاطع بين الأطفال الصغار وصغار الحيوانات بلعبهم وشجارهم ومشاكستهم. وسوف ينعكس هذا في تطور مفهوم العدالة لدى الإنسان. فشعور الطفل بعدم الارتياح لا يكون بسبب علة جسمانية بل بسبب غموض فكرة الحرية وعوائقها، أي ما يعني الظلم، وسوف تعني الدموع المصاحبة لبكاء الطفل شعوراً بالسخط يشعر به الطفل عندما يجد نفسه عاجزاً عن الحركة وهذا ما يمثل إهانة له (لا يشعر الحيوان بهذه الإهانة لأنه لا يمتلك دلالة أو شعور بمعنى العدالة والظلم، فضلاً عن قدرته على تحريك كامل أعضاء جسمه منذ لحظة ولادته، لذلك لا يبكي الحيوان في حين يملأ الرضيع الأفق صراخاً وعويلاً، ويكون جزء  أصيلاً منه وليس مكتسباً).

[4]primordial  بمعنى “الأصلي” أو “الأولي”، ويرتبط فهم هوسرل للأولي أو الأصلي بتجربة الوعي الأولية، بمعنى التجربة الأساسية أو البادئة الأولى التي تشكل أساس فهمنا للواقع ولذواتنا. وعادة ما يستخدم للإشارة إلى الجوانب الأساسية والأولية للتجربة الإنسانية أو للظواهر الفلسفية. في هذا السياق، يستخدم الكاتب مصطلح “primordial” للتأكيد على التجربة الأولية للجسم كعرقلة أو عقبة، والتي تعكس التجربة الأساسية للطفل قبل أن يكتسب مهارات الحركة والتفاعل. وسوف يقصد بها هنا الطبيعة الأصلية للجسم والخبرات الحيوية التي يمر بها الطفل الرضيع، وكيف يتعامل معها ويستجيب لها قبل اكتسابه للمهارات “البشرية” ، وكيف يواجه العقبات والعراقيل التي تحول دون قدرته على القيام ببعض الأمور مثل الكبار. وحين يريد الكاتب الالتفاف على وصف هوسرل الظاهراتي phenomenological للتجسد باعتبار “أستطيع”، فهو يميل إلى التعارض مع وصف هوسرل للجسم بأنه “أستطيع”، حيث يُظهر أن الجسم يعبر عن قدرته على التحرك والتفاعل بالبيئة. ويعكس التناقض بين وصف هوسرل هذا ووصف كانط لمحنة الجسم لدى الطفل كعقبة أو عرقلة  ( بمعنى “لا أستطيع”). ويستخدم الكاتب هذا التناقض لتسليط الضوء على طبيعة تجارب الطفل الأولية وتفاعله مع العالم المحيط به.

[5]Hilflogiskeit  كلمة ألمانية تعني “العجز التام” استخدمها فرويد ليصف عجز الرضيع، الذي يجعله يقع تحت رحمة غيره (والديه أو المربية.. وما إلى ذلك). ومن الواضح أن الرضيع حديث الولادة غير قادر على الاعتناء بنفسه بمفرده بل يحتاج إلى غيره للبقاء حياً؛ وتنطوي هذه الحقيقة على تناقض تام مع معنى الحرية والاستقلالية التي تعتبر جوهرية عند كانط؛ عندما أشار إلى فكرة الحرية وحالة العجز، حيث يتعين على الرضيع الاعتماد على الآخرين. من ناحية أخرى، يرى فرويد أن “تصور” العجز التام إنما يتأسس من حالة الوهم التي يمر بها الرضيع حين يعتقد أنه محور الكون وأنه على الآخرين العناية به (ها قد عدنا من جديد إلى “جلالة الطفل” حيث يرتبط العجز هنا بالانعكاسات النفسية لطموحات وتوقعات الوالدين بأن يكون وليدهما المركز الرئيسي لاهتمامهما ورعايتهما. ويؤكد فرويد أن حالة العجز الأولي والاعتماد التام على الآخرين جزءً من التطور النفسي الطبيعي للطفل، والذي سيؤثر في تكوين شخصيته وعلاقاته في المستقبل).

استفاد “لاكان” من الأدبيات النفسية لسيكولوجيا الطفل كي يطور ما أشار إليه بـ “وصف مرحلة المرآة” حين يكتشف الطفل تماسكه ووحدته ككيان وموضوع واحد عير مجزء، وسوف يساهم هذا لاحقاً في تكوين الانطباع الأولي عن “الأنا”. يرى “لاكان” أن هذه المرحلة مهمة في تشكيل الهوية الشخصية حيث يبدأ الطفل في تطوير الوعي بالذات وفهمه لنفسه ككيان متميز عن الآخرين. واستخدم الكلمة الألمانية “جشطلت Gestalt” للإشارة إلى الشكل الكلي أو الهيئة الشاملة للشيء، فالطفل -في سياق نظرية المرآة- سوف يعمل على تجميع قطع جسده المجزأة لتكوين وحدة واحدة شاملة تشبه الصورة في المرآة.

يعيدنا هذا إلى هوسرل ومعنى التجربة الأصلية للجسد كتجربة “أستطيع”، حيث يشير إلى قدرة الشخص على القيام بالأنشطة والحركات وحيث يحقق الطفل درجة من السيطرة على نفسه من خلال الوحدة المتوقعة كما تنعكس الصورة في المرآة، ويمثل هذا التكوين الأساسي للأنا والتحول من حالة “لا أستطيع” إلى “أستطيع”.

في الوقت الذي اعتبره فيه دولوز أن الجسم يتفاعل مع تجزئته partial objects عن طريق إنشاء جسم “بدون أعضاء”(Body without Organs)، وهو مفهوم فلسفي مهم في عمله يشير إلى الجسم كمجموعة من التيارات اللامتناهية والقوى الداخلية، ويهدف إلى التخلص من الهيكلية التقليدية للجسم والتحرر من القيود والقوى التي تحد من الحركة والتجربة بهدف إنشاء جسد ناعم وخالٍ من القيود يمكن من خلاله التعبير عن الذات بحرية دون قيود الأعضاء المحددة أو الهياكل التقليدية.

لا تشكل الأشياء الجزئية partial objects (أي العناصر المكونة للجسد) -حسب دولوز- هياكل وبنى محددة أو منظومات وظيفية مثل الأعضاء Organs؛ فعلى سبيل المثال يمكن أن تشمل الأشياء الجزئية بعض المكونات التشريحية الفردية مثل اليدين والقدمين والرأس والثدي والقضيب، ولكن دون أن يعني هذا انتظامها بهيكل أو بنية محددة؛ وبذلك يمكن فهم الجسم -وفقاً لتفسير الأشياء الجزئية-  بصفته مجموعة عناصر فردية أكثر من كونه مجرد مجموعة من الأعضاء الفردية، ويمكن لهذه المجموعة من العناصر أن تكون متنوعة في تجربتها ووظائفها.

يتيح تنظير دولوز هذا استكشاف فكرة الجسم والهوية بشكل أكبر من خلال التركيز على الجوانب الجزئية وغير المنظمة من الجسم، مما يوفر نظرة جديدة على كيفية تشكيل الهوية والتجربة الذاتية.

[6]”Bösartigkeit” كلمة ألمانية تعني “الشر” أو “الخبث” أو بالجمع “الشرور”. والمعنى الكانطي لها في المقالة يدل على الشر أو الشرور التي يمكن أن تتجلى في سلوك الطفل وتمرده على الضوابط الخارجية ومحاولته للقيام بما يريد دون مراعاة للآخرين أو للقيم الأخلاقية.

[7]يستخدم الكاتب عبارات ذات طابع محلي تخص الثقافة الأمريكية  مثل  “Freedom Fries” و”Freedom Caucus” و”Freedom Party”. وهي مجازات تعكس جوانب من الثقافة الأمريكية المرتبطة بالحرية والاستقلالية؛ فعلى سبيل المثال ظهر تعبير Freedom Fries في العام 2003 أثناء حرب العراق وتوتر العلاقات بين الولايات المتحدة وفرنسا بسبب موقف الأخيرة المعارض للحرب حين قامت بعض المطاعم الأمريكية باستبدال عبارة “French fries” (البطاطا المقلية الفرنسية) بعبارة “Freedom Fries” (البطاطا المقلية الحرة) كنوع من تأييد موقف الإدارة الأمريكية والتنديد بالموقف الفرنسي الذي اعتبره البعض تجاوزاً للحدود فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية. كما قام البعض بحملة لمقاطعة المنتجات الفرنسية؛ تضمنت دعوات لعدم شراء النبيذ والجبن والمياه المعدنية والعطور المنتجة في فرنسا. أما مصطلح Freedom Caucus فهو تكتل سياسي أمريكي يتكون من أعضاء محافظين من الحزب الجمهوري في مجلس النواب، يسعون إلى تعزيز الحرية الاقتصادية والحد من قوى الحكومة. ويعتبرون من الجماعات القوية داخل الحزب ولهم تأثير كبير على سياسته وتشريعاته. وتستخدم الصحف الأمريكية وبعض الشخصيات هذه الاستعارات الثقافية للتعبير عن مواقف بعض الأطراف إزاء حدث داخلي أو خارجي. وسوف يشير تعبير Freedom Party بلا شك إلى الحرية التي تتمتع بها الولايات المتحدة في إدارة مصالحها دون أي إملاءات أو اعتبارات خارجية غير أمريكية.

[8]”corps morcélé” جملة فرنسية تعني “جثة مقطعة” أو “جسم مقسم”، ولعل مجازها هنا يشير إلى فكرة عدم التماسك أو الانقسام في الهياكل السياسية أو الاجتماعية.

[9]يقصد الكاتب بعبارة language itself أن اللغة هي أيضاً مؤسسة، وبالتالي سيكون الغضب والسخط موجهاً نحوها أيضاً، وهكذا تتحول اللغة إلى وسيلة تواصل وإلى مفهوم عام بآن معاً مما يجعل الشخص الذي يقف ضد ما هو “عام” يحارب اللغة ويعارض قواعدها وأحكامها الداخلية الناظمة لها، وهذه ظاهرة عامة منتشرة في جميع المجتمعات تقريباً، فالاعتراض على قيود اللغة وضوابطها -يشبه الاعتراض على المؤسسة وقوانينها البيروقراطية- فإذا ما رغب أحدهم بمقاومة “النظام” فسوف يعمل منطقياً على مقاومة أنساقه التي تعبر عنه ومن بينها لغته. والنظام -كما نعلم- هو أحد المفاهيم العقلية الأساسية التي تدل على الترتيب وعلى مكونات متفاعلة فيما بين حدود النظام تميزه عما يحيط به، وسوف نحتاج إلى الكثير من “التجريد” للوصول إلى وصف دقيق له، من قبيل ما يفسره دو سوسير أثناء شرح العمليات المنطقية اللازمة لنقل المعرفة الإنسانية ” الحسية أو المعنوية” من الواقع إلى الذهن على هيئة أفكار وتحليل وتركيب وتأويل وتمثل؛ وغيرها.

ويخلق النظام علاقات تبادلية مفتوحة فيتحول إلى نسق، أي إلى “نظام مفتوح” من أجل تحقيق هدف معين، ولذلك لا بد عند بناء أو تشكيل “نظام” معين مراعاة وحدة الهدف أو الأهداف. فالنظام لا يمكن أن يكون نظاماَ دون هدف أو أجندة (عدة أهداف مترابطة غير متعارضة).

باختصار؛ كل نسق نظام وليس كل نظام نسق (يتعين ذلك من خلال مفهوم الانفتاح والانغلاق، فالنسق نظام مفتوح والنظام نسق مغلق). وهذا يعني وجود نوعين أو نمطين رئيسيين للنظام: مغلق ومفتوح. فالأول محافظ بطريقة ما ولا يتفاعل مع محيطه، ويصدّ أي نوع من المؤثرات الخارجية، وتكون ردة فعل هذا النوع ناتجة من داخله فقط؛ والعلاقة مع الزمن، كمستقبل، علاقة خطية تسير باتجاه واحد من داخل النظام نحو المحيط دون العكس؛ أما ‏النظام المفتوح، “أي النسق” فهو الذي يتفاعل مع محيطه عن طريق مؤثرات تؤمن التفاعل بينه وبين المحيط وفق علاقة متداخلة لتحقيق هدف أو أهداف النظام سواء كانت هذه العلاقة انعكاسية أو تماثلية أو متعدية أو مترابطة.

[10]نص التغريدة هو: “despite the constant negative press covfefe”. ظهرت يوم 31 أيار 2017؛ ومن الواضح أن كلمة covfefe خطأ كتابي إذا لا توجد مثل هذه الكلمة في اللغة الإنكليزية أو أي لغة أخرى. حذف الرئيس ترامب تغريدته بعد نحو ست ساعات من نشرها، لكنه أشار إلى تعمده صياغتها بتلك الطريقة التي ظهرت بها. غير أن معظم وسائل الإعلام لم تصدق روايته وافترضت أن الأمر خطأ واضح وأنه كان يقصد” كتابة كلمة “تغطية coverage”. ولم يمنع هذا من قيام السكرتير الصحفي للبيت الأبيض شون سبايسر، من القول: “أعتقد أن الرئيس ومجموعة صغيرة من الناس يعرفون بالضبط ما كان يقصده”

[11]يتجلى المقلوب الفرويدي هنا في استخدام ترامب الساخر للغة، حيث يبدو أنه يحلم بلغة تكون غير مقيدة بالكلمات، وهذا يشير إلى رغبته في التحكم المطلق في المعاني وتشكيلها وفقاً لرغبته، دون الالتزام بالقيود اللغوية العادية. وعندما يرتكب خطأ مطبعياً في تغريدته ويخلق كلمة مثل “covfefe”، فهو يستخدمها كطريقة لتأكيد سيطرته على المعنى واللامعنى، والتي يرغب في تشكيلها بما يتماشى مع إرادته ورؤيته. والأصل الفرويدي هنا يتمثل في التفاخر بالزلة بدلاً من الاعتذار عنها أو التواري؛ أو “الانزلاق” بلغة فرويد، فالتباهي الترامبي بالسيطرة على اللغة، بغض النظر إن كانت بمعنى أو بلا معنى، يشبه فكرة الانزلاق الفرويدي، حيث يبدي ترامب فخره بزلة لسانه بدلاً من التنصل منها، مما يعكس رغبته في التحكم الكامل في اللغة وتشكيلها وفقاً لرغبته.

[12]مصطلح “causa sui” تعبير لاتيني معناه “السبب بذاته” أو “السبب الذاتي”، بمعنى النشوء الذاتي دون مسبب خارج الذات، ويشير -فلسفياً- إلى الحلم الأولي الذي يعود إلى الطفولة، حيث يسعى الفرد إلى أن يكون سبب مكون لذاته بشكل كامل، فيصبح بمقدوره التحكم في ذاته وتوجيه حياته بالكامل دون الحاجة إلى الاعتماد على أي جهة خارجية أو قوة أخرى، كما يستخدم لوصف الرغبة في الاعتماد الكامل على الذات والتحكم الذاتي التام. ويستخدم في اللاهوت للدلالة على وجود الإله  الذاتي “السبب بذاته”، هذا الإله موجود دون الحاجة إلى سبب أو مسبب خارجي، وهذا قريب من الأفكار التي طرحها “ليبنيتز” حول علة الوجود الإلهية والكيفية التي يكون فيها الرب “سبب في ذاته”

…..

هوامش الكاتب

1Tom Lutz, Crying: A Natural and Cultural History of Tears (New York: W.W. Norton, 1999), 160.

2Abelard and Heloise, The Letters and Other Writings, trans. William Levitan (Indianapolis: Hackett Publishing, 2007), 71.

3Donald Winnicott, “Why Do Babies Cry?” chap. 9 in The Child, The Family, and the Outside World (Cambridge, MA: Perseus, 1964/1987), 58–68.

4Aristotle, Politics, in Complete Works, vol. 2, ed. Jonathan Barnes, trans. Benjamin Jowett (Princeton: Princeton University Press, 1984), book 7, chap. 17, 1336a.

5Ludwig Wittgenstein, Culture and Value, ed. Georg Henrik von Wright, trans. Peter Winch (Oxford: Blackwell, 1998), 4.

6Hanna Segal, Introduction to the Work of Melanie Klein (London: Karnac, 1973), 13.

7Wittgenstein, Philosophical Investigations, trans. G. E. M. Anscombe (Oxford: Blackwell, 2008), 190.

8Immanuel Kant, Anthropology From a Pragmatic Point of View, in Anthropology, History, and Education, eds. Günther Zöller and Robert B. Louden, trans. Robert B. Louden (Cambridge: Cambridge University, 2007), 369, original emphasis.

9Ibid., 369–370fn, original emphasis.

10Ibid., 423fn.

11David Brooks, “When the World Is Led by a Child,” New York Times, May 17, 2017. A pair of psychologists responded by arguing that the comparison is unfair and insulting to children; don’t read Trump’s viciousness into the behavior of normal kids. As satisfying as this riposte is, the comparison can prove revealing when one refers to the darker or more demonic figure of the baby found in Kant, Wittgenstein, and psychoanalysis, as opposed to today’s developmental psychology.

12Tzvetan Todorov, Life in Common: An Essay in General Anthropology, trans. Katherine Golsan and Lucy Golsan (Lincoln: University of Nebraska, 2001), 5–6.

13Kant, Anthropology From a Pragmatic Point of View, 369.

14Norman O. Brown, Life Against Death: The Psychoanalytical Meaning of History (Middletown, CT: Wesleyan University Press, 1958), 285.

15 Glenn Paskin and Donald Trump, “Interview with Donald Trump,” Playboy, March 1990.

Aaron Schuster is a philosopher and writer, based in Amsterdam. He was a visiting professor at the University of Chicago in 2016. He is the author of The Trouble With Pleasure: Deleuze and Psychoanalysis (MIT Press, 2016).

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

بيان بيدرسون في الذكرى السنوية “للصراع السوري”

في  ذكرى ” الثورة المغدورة”، لا يجد هذا الفَقِيه الأممي ما يقدّمه للسوريين سوى  الإصرار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *