السلوك الاستعماري وصور الإبادة الجماعية في غزة

أرييلا عائشة أزولاي

ترجمة محمود الصباغ

I.

عرضت وكالة رويترز صورة لمشهد من شارع الرشيد في غزة وأعطتها عنواناً “ما قبل وما بعد”. وسرعان ما انتشرت في إسرائيل بصفتها صورة  النصر على حماس. ولو كان يدرك الجناة أنها دليل على فعلتهم؛ لكانوا أخضعوها للرقابة؛ بحيث لا تستخدم لإدانتهم بارتكاب عمليات إبادة للفضاء المكاني* spaciocide الغزّي،  بيد أن الإعلام الإسرائيلي عمد إلى الترويج لها بنشوة فخر، بدلا ًمن حظرها، بنشوة فخر تعلن عن عدم قدرة الفلسطينيين  “الكزدرة” على طول شارع الرشيد في مدينة غزة بعد الآن، ومن ثم -وعلى نطاق أوسع- لا يمكنهم العودة إلى الجزء الشمالي من القطاع، الذي أصبح أرضاً خالية من الفلسطينيين.

والآن، وبعد كل هذا الدمار صارت بعض النداءات والهتافات التي تصدح بها حناجر الملايين من الناس في أنحاء العالم؛ في الشوارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي ؛مثل: “وقف إطلاق النار الآن” و”رفع الحصار” و”أوقفوا القتل”؛ ضرورات ملحة لوضع حد فوري للقصف والتدمير الإسرائيلي في القطاع، رغم عدم استجابة الحكومات الليبرالية في الغرب لهذه النداءات، فضلاً عن موقف قادة مؤسسات الوسط الأكاديمي إلى المنظمات الطبية وهيئات الرعاية الصحية؛ بل على العكس من ذاك، نرى تعمد هذه الجماعات تحويل  هذه المطالب بحدودها الدنيا، أي وقف القتل، إلى تصريحات وبيانات مثيرة للجدل. وفي الواقع، اتخذت الحكومات المؤسسات الغربية تدابير حملة إيديولوجية من الإرهاب، كمحاولة إجرائية لإقناع العالم بأن العنف الذي يشن على غزة ليس إبادة جماعية، واستخدمت اتهامات معاداة السامية سلاحاً ضد من يرفض هذه الادعاءات والخلط بين اليهود والإسرائيليين.

ليس ثمة شيء يمكن تسميته بصورة image  الإبادة الجماعية. إنما يمكن استخدام الصور “بصيغة الجمع” ، الملتقطة مع الوقت، لدحض الشروط والمصطلحات الحوارية  التي تنكر التمييز العرقي لجماعة [إنسانية] وتحولها إلى هدف وموضوع عنف الإبادة الجماعية. وتتمثل النقطة التي أنطلقُ منها؛ بإمكانية الإقرار بجرم الإبادة الجماعية عندما يتم تحويل جماعية [سكانية] معينة إلى “مشكلة” يصار إلى صياغة “حلول” عنيفة لحلها؛  ضمن مفردات الطرد والاحتجاز والإضعاف القسري والسجن والقتل والتدمير والإبادة.  وعليه سيكون منطق منظومة الإبادة الجماعية هو النظام  الذي ينتج أشكال العنف هذه ويزرعها ويتاجر بها ويستخدمها ويشرعنها؛ ويضفي، في ذات الوقت، الطابع الاجتماعي على مواطنيه بحيث ينظرون  إلى منطق الإبادة الجماعية، الذي يمارسه النظام، من واقع الضرورة اللازمة لتأمين حمايتهم ورفاههم.  وهذا ما حصل فعلاً حين كنا -وما زلنا- نشاهد، خلال الأسابيع القليلة الماضية، تعرض الفلسطينيين في قطاع غزة لإبادة جماعية.

وفي غضون ذلك، أطلقت آلة الدعاية الإسرائيلية حملتها الأخيرة لإسكات الرافضين لرواياتها، التي تتعارض مع ما يرونه ويسمعونه ويتذكرونه ويفكرون فيه عند متابعتهم وسائل الإعلام غير الغربية. واستخدمت الحكومة الإسرائيلية الصور ومقاطع الفيديو التي التقطت في السابع من تشرين الأول لتلفيق، بالأحرى تصنيع الموافقة  على استخدام آليات عنف الإبادة الجماعية ضد قطاع غزة والفلسطينيين على نطاق أوسع. وعرضت الحكومة مجموعة من صور ومقاطع فيديو مدتها سبع وأربعون دقيقة للصحفيين المتعاطفين معها وبعض رجالات الدولة وجماعات الضغط في نحو أربعين دولة لحشد الدعم العالمي لتعزيز عنف الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين وتعزيز حملة الترهيب والعقاب العالمية ضد كل من يعارض أو “يسيء فهم” هذه الحرب المفترضة ضد الإرهاب، والتي هي في الغالب حرب موجهة ضد العرب والمسلمين.

لكن الصور، بحد ذاتها، لا تحمل -أو تملك- حقيقة فطرية**؛ بل تستمد نسغ حياتها في مجتمع ما وتتعايش -أو لا تتعايش- مع  المعنيين فيها. ورغم ألم صور السابع من تشرين الأول، ورغم عدم القدرة الآن على وقف أو منع العنف المنقوش عليها، إلا أنه يمكن التعامل معه. فاندلاع العنف ضد من يعيشون على الجانب الآخر من الجدار لا ينفصل عن حالة الإبادة الجماعية التي يجب إعادة بنائها فيما يتعلق بما تبقى خارج إطار كل صورة تم التقاطها بين البحر والنهر. وحقيقة أن صور العنف التي تستهدف الإسرائيليين تستخدم كدليل حاسم على شرعية رد إسرائيل هي في حد ذاتها شهادة على هذه الإبادة الجماعية التي تستهدف الفلسطينيين.

ولا يعد جديداً على إسرائيل تنظيم معركة صور تسعى من خلالها إلى إنكار عنفها والتعتيم عليه وتوسيع نطاقه، بل كانت هذه المعركة أداة لهذا النظام منذ بدايته في العام 1948، عندما تم تسويغ استخدام عنف الإبادة الجماعية لتدمير فلسطين من خلال الصور التي “انتصر” فيها “الحل المنتصر الناجح” المتمثل بقيام دولة لليهود في نظر القوى الإمبريالية الأورو أمريكية.

لقد فرض تدمير فلسطين ومحاولة دفنها تحت دولة إسرائيل -وبالتالي عرقلة، بالأحرى تقويض عودة وتعويض الفلسطينيين- شرطاً لإبادة جماعية في الفضاء بين النهر والبحر. وهذا الشرط يعدّ فطرياً [انظر الهوامش -المترجم] للأنظمة الاستعمارية الاستيطانية، يحافظ عليه ويؤمن تأبيده المستعمِرين الذين يسعون إلى إدامته بأي ثمن لضمان عدم التشكيك بما فعلوه بحق الفلسطينيين وما  استولوا عليه منهم [لعل المقصود هنا ما استولت عليه إسرائيل، بالقوة، من ممتلكات تخص الفلسطينيين كجزء من المقاربة الاستعمارية الاستيطانية في مسار السيطرة على فلسطين-المترجم]. وفي الحقيقة يشغل المستعمِرون والمستعمَرون مواقع positions  تؤثر على مواقفهم وآرائهم من حيث تموضعهم، بغض النظر عن مقارباتهم الفردية لحالة العنف هذه. وليس غريباً عن عالم الصور رؤية الاختلاف في مواقفهم، وكذلك في تعرضهم للعنف ومدة هذا التعرض.

II.

يختلف في صورة شارع الرشيد  “ما بعد” عن العديد من الصور التي التقطت خلال الأسابيع القليلة الماضية في قطاع غزة. وهناك صور أخرى، تم التقاط معظمها بواسطة الهواتف النقالة لفلسطينيين كشهادة عيان وتنبيه العالم إلى العنف الذي تشنه إسرائيل ضدهم، وتركز الصور على الفلسطينيين المضطهَدين ومنازلهم ومؤسساتهم.  وعلى النقيض من ذلك، تبرز صورة شارع الرشيد حالة الإبادة الجماعية بحد ذاتها، ومع ذلك يجدر بنا  التأكيد على حقائق الصورة؛ فهي تعبر عن صورة مكان تم ترحيل سكانه -إما قتلوا أو شوهوا أو جرحوا أو رحلوا- لا لسبب سوى أنهم فلسطينيون.

وحتى حتى كتابة هذه السطور (8 كانون الأول 2023)، انتهكت أراضي القطاع بأكثر من 25000 طن من المتفجرات -أي ما يعادل قنبلتين نوويتين- ألقيت من الجو وقذائف أطلقها آلاف الجنود الذين لم يرفضوا الأوامر بتدمير عوالم بأكملها في غزة.  لقد عمد الجنود الذين قادوا الدبابات فيما يشبه موكب إمبراطوري [استعماري] إلى تدمير عوالم أجبر سكانها على المغادرة إن لم يكونوا قد قتلوا بالفعل. إنهم يقاتلوا حماس الشيطانية، التي يقارنونها بالنازيين لتبرير أفعالهم، بينما ينكرون أنهم هم أنفسهم يرتكبون إبادة جماعية ضد الفلسطينيين. لكن بالطبع، لا ينبغي لهذا الانطباع عن “ما قبل” و “ما بعد” تضليلنا، فصورة  “ما قبل: تنص أيضاً على العنف الإسرائيلي في ارتكابه الإبادة الجماعية.

لم تكن غزة قبل العام 1948، مجرد قطاع ضيق معزول، بل كان سكانها يتمتعون بحرية الحركة في منطقة فلسطين الكبرى بأكملها. ولكن مع عزلها عن باقي أجزاء فلسطين في العام 1948، تحول حتى البحر المفتوح إلى حدود تراقبها البحرية الإسرائيلية، مما قيد سبل ووسائل عيش السكان.

وقبل حملة الإبادة الجماعية الحالية، عاش أكثر من نصف اللاجئين في قطاع غزة في ثمانية مخيمات مكتظة، وتسمح كثافة القطاع بوجود طريقين رئيسيين فقط يربطان شمال القطاع بجنوبه. وبتدمير غزة الآن، محت القوات العسكرية الإسرائيلية خمسة وسبعين عاماً من الذكريات المحفورة في المنطقة  وهي تمثل في الحقيقة جروح وندوب “حلول” الإبادة الجماعية المتعددة المفروضة على سكان القطاع.

إن تدمير هذا الأرشيف الجغرافي المادي geophysical للنكبة، والطرد الجماعي الثاني لمن أصبحوا فعلياً مادة أرشيفية، أي الفلسطينيين الذين هم على دراية بكل جزء وقطعة منه- يتسق مع عنف الإبادة الجماعية، ويسعى إلى محو الأدلة على جرائم هذا العنف.

الإسرائيليون الذين دمروا هذه العوالم جعلوا أنفسهم أسياد هذه الأرض الباكية، وأسياد الحق الحصري في تصويرها [فوتوغرافياً]. والهدف ضمان  منع أي فلسطيني من التقاط صور ذاتية لهم أو لمنفذي الجرائم ضدهم  هناك [لعل ما تقصده الكاتبة هنا عدم السماح للفلسطينيين بالتوثيق المباشر للنشاط التدميري؛ ومشاهد القتل الإسرائيلي ضد أماكن وسكان القطاع  في سياق المعركة الدائرة كي لا تستخدم ضدهم فيما بعد -المترجم] . ولكن، ورغم هدف إسرائيل الاستعماري  المتمثل في احتكار معنى أفعالها والقضاء على التعددية والتنوع البشري من مجال التصوير الفوتوغرافي، ما زلنا نقر بالجرائم التي تظهرها هذه الصور. ونحن نعلم أنه حتى قبل بضعة أيام؛ كان ثمة عالم هناك، قبل أن يُعتبر سكانه زائدين عن الحاجة لكونهم فلسطينيين. ورغم مشاهدتنا للطريقة التي داست بها الدبابات وجه الأرض، إلا أننا نرى أيضاً  رفض التربة للاستسلام والنسيان؛ فما زلنا نسمع دموع وآهات وأنين الناس.

ورغم إقامة جدران فصل مختلفة في الأرض الواقعة بين البحر والنهر -بما في ذلك ثمانية عشر عاما ًمن الحكم العسكري، وتكريس الحدود التي تمنع العودة، وتحويل الأرض المتصلة إلى مجموعة أرخبيلات من الجيوب المحاطة بحواجز ونقاط تفتيش وأسوار وجدران إسمنتية- فما زال العنف العرقي العنصري المنهجي والقوانين التفاضلية التفريقية  التي يفرضها النظام الإسرائيلي هناك، ينظم ويؤثر على حياة جميع السكان. والأكاذيب المتأصلة ووجود الدولة العسكرية وحدهما فقط يمكنهما خلق وهم بإمكانية قيام الفئة المسؤولة عن إنشاء بالحفاظ على هذا النظام العرقي العنصري، وحمياته من عواقب أفعاله القمعية. ومن الواضح أن مستوى التعرض للعنف يختلف باختلاف الفئات العرقية التي تتعرض للسلوك العنصري؛ بيد أن كل ما يتم فعله  للتأثير على حياة الفلسطينيين يؤثر أيضاً على الإسرائيليين ويعرضهم للخطر.  ولم يغيّر هجوم حماس المؤلم في 7 تشرين الأول هذا الوضع، بل كشفه.

وما أعقب ذلك هو حملة مكثفة كان القصد منها إضفاء طابع أساسي على عنف منفذيها كدليل على هوية حماس ومطابقتها مع العنف؛ ومن خلفها جميع الفلسطينيين. ومن ثم، استخدام حزن الإسرائيليين سلاحاً لمواصلة إنكار مواقفهم ومواقعهم وأفعالهم كمستعمِرين ومشغِّلين لتقنيات الإبادة الجماعية. إن الاعتراف بمثل هذه الدعوة ليس مبرراً للهجوم أو تقليلاً للضرر والأذى، كما أنه ليس دليلاً على عدم التعاطف مع ضحايا الهجوم، كما يميل الإسرائيليون إلى تفسيره. بل هو بالأحرى الإصرار على تذكر أن هذا الهجوم، وهذه الإبادة الجماعية التي تلته، كان يمكن منعها لو كفّ هذا النظام الانتحاري القائم على الإبادة الجماعية عن الوجود. إن الاعتراف بالجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين قبل السابع من تشرين الأول ومعارضة  إبادتهم يمثل الحد الأدنى المطلوب فيما لو كنا نهدف إلى تخيل مستقبل مشترك خالٍ من أفعال الإبادة في هذا المكان. وسوف يكون من الضرورة بمكان إعادة بناء التاريخ الاستعماري الاستيطاني المديد في هذه البقعة من الأرض، لبناء تصور عن كيفية إلغاء نظامه وإعادة فلسطين  إلى كونها مكاناً غنياً بالتنوع البشري، علينا أن نضع في اعتبارنا على الدوام أن التاريخ لم يبدأ في السابع من تشرين الأول.

III.

استخدمت القوى الإمبريالية الأورو أمريكية تقنية التقسيم الإمبريالية، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بصفتها جزءً من الجهود لتأمين نفوذها في الشرق الأوسط. وأوكلت مهمة فلسطين للفريق الصهيوني الأوروبي. وفي غضون ذلك، مثّل وعْد إقامة دولة صهيونية في فلسطين “حلاً” آخراً، لـ “المسألة اليهودية” التي يزيد عمرها عن قرن في أوروبا، والتي كان لا بد من “حلها” مرة أخرى في نهاية الحرب عندما لم يتم تفكيك الأجهزة  العرقية العنصرية في أوروبا. مكّنت، في تلك الأثناء، القوى الإمبريالية الأوروبية الأمريكية القادة الصهاينة الذين يهدفون إلى إقامة دولة ذات سيادة في فلسطين واعترفت بهم كممثلين وحيدين لليهود؛ حيث لم تكن أوروبا قادرة على التحكم وإدارة العديد من اليهود الذين تركوا مشردين في معسكرات في أوروبا بعد الهولوكوست -والذين كانوا لا يزالون غير مرغوب فيهم في أوروبا وغير مرحب بهم في الولايات المتحدة-. وهكذا تجمعت مصالح الجميع؛ لأن الغرب لم يرغب في خسارة هذه المستعمَرة الثمينة، الواقعة في قلب العالم اليهودي الإسلامي. وحوّلت القوى الأوروبية الأمريكية أعداءها -الفلسطينيين- إلى أعداء لليهود، كجزء من حملتهم الرامية إلى منع حق السيادة الأصلي. وقبل ذلك، لم تكن هناك عداوة تاريخية جديرة بالذكر بين اليهود والفلسطينيين، وبشكل أعم بين اليهود والعرب والمسلمين. ولقرون عديدة، لم يكن ثمة تعارض بين الهوية الفلسطينية واليهودية؛ والهوية اليهودية والعربية. لقد عاش اليهود مع المسلمين في المنطقة الأوسع منذ ما قبل ظهور الإسلام وكانوا جزءً من العالم العربي.

تأسست منظمة الأمم المتحدة في نهاية الحرب العالمية الثانية، لتكون أداة رئيسية تعمل على تسهيل فرض “نظام عالمي جديد”. وسعت إلى إضفاء الشرعية على عمليات التقسيم [الإمبريالي] وترحيل  السكان “ترانسفير”، ومنح هذه الإجراءات ترخيصاً واعترافاً باسم القانون الدولي. فأعلنت الأمم المتحدة، بعد عامين من تأسيسها، عن خطتها لتقسيم فلسطين في تشرين الثاني 1947. وصيغ مشروع القرار بمساعدة لجان استعمارية؛ مثل اللجنة الأنجلو أمريكية، واقتراحه كصيغة “حل” دون النظر إلى إرادة غالبية سكان فلسطين والمنطقة الأوسع (المقسّمة بالفعل والواقعة تحت  السيطرة الاستعمارية الفرنسية والبريطانية)، حيث يعيش العديد من اليهود غير الصهاينة.

أعطى قرار الأمم المتحدة هذا الضوء الأخضر لبعض الجماعات الصهيونية المسلحة  لتنفيذ القرار باستخدام مجموعة من تقنيات الإبادة الجماعية؛ وكانت النتيجة تدمير فلسطين والفلسطينيين كشعب، ومعهم أراضي أجدادهم وعاداتهم وتراثهم.

طرد معظم سكان فلسطين المسلمين والعرب من الدولة القومية الجديدة التي بنيت مكانها ولم يسمح لهم بالعودة، حتى يومنا هذا، ومن بقي منهم بين البحر والنهر  تعرضوا للتهجير القسري المتواصل والترحيل إلى مواقع منفصلة مختلفة  باعتبارهم مكونات غير مرغوب فيها في الدولة العرقية العنصرية. طمست حملة الإبادة الجماعية الأولى هذه ضد الفلسطينيين عبر اعتراف الأمم المتحدة بتشكيل دولة إسرائيل كسردية انتصار للغرب وللصهيوني على حد سواء؛ وكصيغة “حل” قومي للشعب اليهودي. وبهذا المنطق، تحول المسلمون والعرب إلى تهديدات محتملة للسيادة اليهودية المزعومة. ومنذ ذلك الحين، وُلد ملايين الأطفال -بمن فيهم أنا- كإسرائيليين. وُلدوا كبيادق في لعبة  الإنكار المنظم لتدمير فلسطين وكأدوات دعم للحملة العالمية للاعتراف باليهود الإسرائيليين كسكان شرعيين لفلسطين.

وكانت نتيجة تقاطع المصالح هذا بين القوى الصهيونية والإمبريالية الأوروبية الأمريكية القضاء على فلسطين واستبدالها بدولة إسرائيل بالتوازي مع خلق سردية عداء تاريخي اعتبرت الأحداث بصفتها جزءً من صراع بين “طرفين”، ونزاع بين جماعتين وهويتين: “الفلسطينيون”، الذين  حُرموا من الاعتراف بهم بصفتهم ناجين من حملة إبادة، والهوية الثانية تمثل “الإسرائيليين”، الذين كانوا على وشك الاختراع في العام 1948، من خليط من صهاينة ويهود فلسطينيين وناجين من الإبادة. غير أنه إذا كان هناك في تلك اللحظة “طرفان”، فلا بد أنهما المستعمِرون والمستعمَرون. ويقع في قلب الهوية الاستعمارية المخترعة التي يتقمصها الإسرائيليون حالة إنكار عنف الإبادة الذي مكنهم من الحلول محل الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم. وهكذا، يكمن في قلب الهوية الإسرائيلية الفكرة الداخلية المتأصلة بأن الفلسطينيين هم أعداء اليهود وليس أولئك الذين سلبهم الصهاينة. واستثمرت الدول الإمبريالية التي تدعم المصالح الصهيونية، منذ إنشاء إسرائيل، في إبقاء الإسرائيليين أعداء للفلسطينيين وفي طمس الاختلافات بين الإسرائيليين واليهود بشكل كبير.

ومنذ نهاية تشرين الثاني 1947، تم تدمير المشهد المكاني الفلسطيني واحداً تلو الآخر وتحويله إلى أنقاض لمنع عودة الفلسطينيين إلى ديارهم التي طُردوا منها.  كما عملت آلية التدمير المنهجي على تسهيل اختراع ذاكرة إسرائيلية يمكن بموجبها طمس واضمحلال فلسطين منها؛ لتظهر فقط كاسم عدو داهم. وإلى جانب طرد نحو 60,000 فلسطيني من حيفا وحدها، بدأ الصهاينة في تدمير قلب المدينة والذي يشمل حوالي 220 مبنى.  وما تم التقاطه في الصورة ليس علامات حرب بقدر ما هي سياسة استعمارية، أي تحويل حيفا إلى مدينة يهودية بحيث لا يتعرف عليها الفلسطينيون أنفسهم والذين بالكاد يبلغ عددهم 30,000 بقوا هناك، وبالتالي خلق مشاعر لديهم  توحي بأنهم  يعيشون في غير وطنهم.

حيفا، تشرين الثاني  1948. الصورة: AP Photo/Jim Pringle

وبالإضافة إلى ما يمكن قراءته من صورة حيفا، فهي أيضاً صورة عامة لحالة إبادة جماعية حوّلت بها إسرائيل منذ قيامها في العام 1938 البلدات والمدن والقرى التي يعيش فيها الفلسطينيون إلى أنقاض، مما أدى في الوقت ذاته إلى تدمير سبل عيش الفلسطينيين وتراثهم وحقوقهم وتاريخهم وأحلامهم وذكرياتهم. ويوفر هذا الشرط، الذي ينص عليه النظام العنصري المقام في هذا المكان، دليلاً ثابتاً على قابلية سلب وانتزاع حياة الفلسطينيين في أي لحظة. كما يؤكد أيضاً على تعرض محاولات إعادة بناء المساحات الفلسطينية للاختزال، بصورة دائمة، بفعل الإبادة الجماعية. ويكشف هذا الشرط عن نفسه في صور لا حصر لها التقطت على مر السنين، حيث يكون الفلسطينيون موضع استهداف دائم. لقد حددت عقارب الساعة العالمية، برعاية الأمم المتحدة، الخامس عشر من أيار 1948، يوماً للاحتفال بولادة إسرائيل، بينما طمست روايات الفلسطينيين  عن إبادتهم؛ وتعرضت للتشويه والاستبدال بسرديات أخرى.  وبهذا؛ فقد  ازدهرت مؤسسات الثقافة والتعليم لتعزيز هذا الموضوع الاستعماري المخترع حديثاً، أي الموضوع الإسرائيلي، الذي تقوم هويته على طمس ذكرى ولادته.

IV.

يحذر المؤرخ عومير بارتوف، في العديد من المقابلات العامة وفي مقال له في نيويورك تايمز [ للمزيد، انظر هنا https://www.nytimes.com/2023/11/10/opinion/israel-gaza-genocide-war.html ]، من احتمال تحول الهجوم الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة إلى إبادة جماعية؛ ويدعو إلى إدانة الهجوم “فبل وقوعه”، بدلاً من إدانته “بعد فوات الأوان”. ويقتبس بارتوف بعض التصريحات المنشورة للعديد من المسؤولين العسكريين الإسرائيليين وأعضاء الحكومة والتي، كما يكتب، تظهر فيها نية صريحة للإبادة الجماعية. لكنه يقوّم الأمر بصورة  إن ما يحدث على الأرض في غزة ليس إبادة جماعية: “لا دليل على حدوث إبادة جماعية حالياَ في غزة، رغم الاحتمال الشديد لجرائم حرب، وحتى جرائم ضد الإنسانية”.

عندما يناقش بارتوف العنف الفعلي، فهو ينحّي جانباً، بطريقة ما، نوايا الإبادة الجماعية هذه، ويختار  بالأحرى تصديق خطاب الجيش الإسرائيلي -بالتنسيق مع مجموعة محامين وغيرهم من المتخصصين في القانون الدولي- لوصف أفعال الجيش. ويكرر بارتوف رواية الجيش كدليل على أن أفعاله لا تعكس النوايا المعلنة صوتاً وكتابةً: ويصر القادة العسكريون الإسرائيليون على محاولتهم الحد من الخسائر في صفوف المدنيين، ويعزون الأعداد الكبيرة من القتلى والجرحى بين الفلسطينيين إلى تكتيكات حماس المتمثلة في استخدام المدنيين كدروع بشرية ووضع مراكز قيادتهم تحت الهياكل الإنسانية مثل المستشفيات. وهكذا، بينما لا يمكننا القول باستهداف الجيش للمدنيين الفلسطينيين بشكل صريح، فإننا، من الناحية الوظيفية واللفظية والخطابية، قد نكون أمام عملية تطهير إثني يمكن تحولها بسرعة إلى عملية إبادة جماعية.

فلسطينيون يفرون من شمال غزة، 10 تشرين الثاني 2023. الصورة: رويترز/إبراهيم أبو مصطفى

ما يدفع بارتوف إلى التأكيد على أن ما يراه لا يتناسب مع تعريف الأمم المتحدة للعام 1948 لوصف لإبادة الجماعية: “نية التدمير الكلي أو الجزئي لمجموعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، على هذا النحو” – هو ثقته في الطريقة التي يبرر بها مرتكبو عنف الإبادة الجماعية أفعالهم وينسبون عواقبها علناً، وبلا خجل، إلى حماس.

إذا كان بارتوف يسعى لكتابة مقال عن التطهير  الإثني للفلسطينيين، وهو ما يعترف بحدوثه حالياً، فسوف لن أجادله، لأن مصطلح التطهير الإثني مناسب للاستخدام هنا، من بين (وإلى جانب) مصطلحات أخرى. ولكن، ونظراً إلى تاريخ استخدام الإبادة الجماعية التي ارتكبت ضد اليهود واستثنائها الحصري، فإن استغلال سلطته كمؤرخ للإبادة الجماعية واللغة المحدودة لوثيقة الأمم المتحدة المذكورة للحكم بأن ما يحدث في قطاع غزة ليس إبادة جماعية -والقيام بذلك  الحكم بناءً على أدلة مقدّمة من الجناة- إنما هو مشاركة فعلية في مصطلح “الإبادة الجماعية” واستخدامه  بشكل صنمي أيقوني والاحتفاظ به لحالات استثنائية لا يكون الغرب فيها هو الفاعل المباشر -كما في حالتي رواندا أو البوسنة.

بدلا من تكرار لغة التعابير الإسرائيلية عن نية الإبادة الجماعية، أريد الإشارة إلى صمود واستمرار هذه التعابير وانتشارها عبر التاريخ وفي المجتمع الإسرائيلي. وبصفتي وُلدتُ وترعرعتُ في المستعمَرة الصهيونية في فلسطين، سمعتُ تكرار مثل هذه التعابير بانتظام، سواء بطرق شفوية أم مكتوبة، في الأماكن العامة والخاصة، من قبل رجال الدولة والأفراد العاديين. وقد سمعها أيضاً  أشخاص أكبر مني سناً منذ العام 1948. لقد تم تنشئتهم اجتماعياً لرؤية الفلسطينيين يتحملون عنفاً مفرطاً مرة إثر مرة، ودائماً إلى جانب  تبريرات تحجب طبيعته الإبادية بهدف القضاء عليهم كجماعة لها تاريخها ورغباتها ومظالمها وأحلامها.

ويتطلب منا استمرار وديمومة هذه التعابير المفتوحة إعادة تشكيل مبنى الإحالة الزمني لمصطلح الإبادة الجماعية. وتمكن الأبعاد الزمنية المنسوبة إلى التعريف القانوني للإبادة الجماعية من رفض فعل الإبادة التي ارتكبتها الأنظمة الاستعمارية الغربية وإنكارها وإضفاء الشرعية عليها وتبريرها. ولا تشكل عمليات الإبادة الجماعية هذه حدثاً منفصلاً ولكنها تتكشف بمرور الوقت وتشترك في مدتها مع عمر النظام الذي يرتكبها.

وبدلاً من افتراض أنه “لا يزال لدينا وقت” للتحذير من الإبادة الجماعية، يتعين علينا التراجع وننادي بنفاذ الوقت؛ وإعادة النظر في الوقت الذي يفر من بين أصابعنا. لقد أدت الإبادة الجماعية بالفعل إلى انقراض العديد من جوانب الحياة الفلسطينية ، لذلك يجب الاستمرار في الصراخ بصوت عالٍ بأن ما يحدث ليس سوى إبادة جماعية والعمل على وقفها!

تتمتع الإبادة الجماعية الاستعمارية الاستيطانية بطابع غامض نظراً لأنها غالباً ما ترتكب من قبل ما يسمى بالأنظمة الليبرالية “الديمقراطية” التي تدعمها جماعة من المواطنين -جماعة واحدة من بين جماعات أخرى تحكمها- تعتقد أنه حتى لو كانت حكومتهم تستخدم تقنيات عنصرية عنيفة ضد رعاياها المستعمَرين، إلا أن أسس النظام تقوم على قواعد ديمقراطية وعادلة. كان هذا ما حدث في الأمريكتين، وفي الجزائر، وما يحدث في فلسطين، حيث قامت الجهات الفاعلة الاستعمارية بتأسيس أنظمتها والحفاظ عليها باستخدام تقنيات إبادة مختلفة. تعمل عبر آليات معرفية تبقي العناصر، والتي يمكن أن تشهد معاً على الإبادة الجماعية، منفصلة. والنقطة الواجب تقويمها تكمن في الاستخدام المستمر عبر عقود من الزمن لعنف الإبادة الجماعية ضد فلسطين والفلسطينيين كجماعة. هذا ما ينبغي تقويمه وليس كل حدث متفرق تتكون منه صيرورة الإبادة الجماعية؛  فحدث الإبادة الجماعية يعبر عن نتيجة تراكمية لنظام الإبادة الذي بني ضد الفلسطينيين بهدف القضاء عليهم.

إن نظام الخطاب الشمولي المنتظم حالياً في إسرائيل، والذي يحول الحقيقة إلى “محتوى إرهابي” ويبحث عنها أو يعيد إنتاجها  على شكل  إجرامي من  “الاستهلاك”، لم يظهر بالأمس. فالآليات الإمبريالية الاستعمارية العالمية موجودة بالفعل لطمس وتشويه الحقيقة ولوم وترهيب ومراقبة ومعاقبة من يعارض المعنى الحقيقي للنظام المفروض في فلسطين. وفي ظل هذا النظام، تم التخلص من الفلسطينيين وترحيلهم إلى معسكرات احتجاز  تسى مخيمات لاجئين، حيث تأثرت حياتهم هناك بالأزمة الإنسانية والموت البطيء، وفي غضون ذلك، تشكلت المواطنة الإسرائيلية لمنع عودة سكان المخيمات هؤلاء وتعويضهم، وبالتالي استقطاب وتحشيد جميع جوانب الحياة الإسرائيلية. ولا زلنا بحاجة إلى المزيد من الدراسة والبحث للتعرف على  الطريقة التي خان بها المؤرخون وغيرهم من المثقفين على مستوى العالم الفلسطينيين من خلال الامتثال لرواية النصر لظهور هذا النظام في العام 1948.

V.

الإبادة الجماعية ليست في طليعة الصور، رغم إمكانية تتبعها داخلها. وإذا ما رغبنا في رؤية ما وراء  الصور المنفصلة لجثث الضحايا، فسوف نلاحظ نموذجاً وبصمةً تركها الاستخدام المنهجي لتقنيات الإبادة الجماعية على المستعمَرين. وتكشف كل هذه الصور عن غاية واحدة: هدف إسرائيل في إبعاد الفلسطينيين عن الأرض الواقعة بين البحر والنهر والقضاء على أساليب حياتهم ومعيشهم اليومي، وبصمتهم على تراب الأرض، واستقلالهم الذاتي، وكرامتهم، وسبل عيشهم.  وتشهد الوفرة المفرطة لصور الفلسطينيين على هذا الهدف. لم يبدأ تصوير الفلسطينيين بهذه الكثافة على الفور في العام 1948. قليلة هي صور طرد الفلسطينيين إلى غزة وإنشاء “قطاع غزة” باعتباره “حلا” لفصل واحتواء 200000 فلسطيني طردهم الصهاينة من أجزاء أخرى من فلسطين. وبينما كنت أعيد البناء بصرياً في كتابي “من فلسطين إلى إسرائيل: سجل فوتوغرافي لتشكيل الدولة From Palestine to Israel: A Photographic Record of State Formation  ” (2011)، وجدت كيف أجبر المهجرين على الدخول إلى هذا الشريط الضيق من الأرض حيث كان يعيش حتى ذلك الحين ما يقرب من 75,000 فلسطيني فقط. وبعد فترة وجيزة من إغلاق المنطقة خلف الأسلاك الشائكة، اندلعت أول أزمة إنسانية.

كانت هذه هي النتيجة المتوقعة للاستخدام المشترك لتقنيات الإبادة الجماعية المتمثلة في الطرد والحجز والقتل. عددٌ قليلٌ جداً من الصور تقاطعت مع العقدين الأولين من وجود الدولة. التقط معظمها في مخيمات للاجئين في البلدان المجاورة. وفيها يظهر الفلسطينيون كلاجئين بلا عوالم، محرومين من العالم الذي عاشوا فيه بكامل طاقتهم  في فلسطين. وتلاقت، خلال هذه الفترة، المصلحة الصهيونية في بناء الدولة مع احتياجات أوروبا لتبرئة نفسها من الإبادة الجماعية التي ارتكبتها خلال الحرب العالمية الثانية وتقديم نفسها بصفتها محررة اليهود. في ظل هذه الظروف، أرسى الصهاينة، بالتنسيق مع الإمبرياليين الأوروبيين، إسرائيل كأمر واقع. وفي عام 1967، ورغم احتلال إسرائيل لغزة والضفة الغربية وأجزاء من سوريا، قاوم سكان مخيمات اللاجئين التي شيدت فيها لعدة سنوات. ورداً على ذلك، استخدمت إسرائيل تقنيات الإبادة الجماعية لتدمير الفلسطينيين وتهجيرهم داخلياً، ونفذت “حلولاً” مختلفة للقضاء عليهم كجماعة والتخلص من قوة عملهم.

أصبحت غزة تدريجياً مثل الضفة الغربية، أكبر استوديو للتصوير الفوتوغرافي العسكري المفتوح في العالم. حيث يمكن، هناك، تحويل الفلسطينيين في أي لحظة إلى موضوعات لما يعرف عموما باسم “صور حقوق الإنسان”. واستهدفت القوات الإسرائيلية سكان قطاع غزة بوسائل عنيفة تهدف إلى الإبادة من خلال شن هجمات عسكرية مستمرة (بأسماء مثل “عمود السحاب Pillar of Defense ” و”إعادة الصدى Returning Echo ” و”الرصاص المصبوب Cast Lead “) كل بضعة أشهر، أو في بعض الأحيان بشكل متكرر. وخلال الانتفاضة الأولى، أصبحت غزة منجماً ثرياً فوتوغرافياً حقيقياً ومختبراً مذهلاً لأسلحة جديدة تستخدم ضد الفلسطينيين وكذلك تغاضي الغرب عن ممارسة هذه التقنيات علناً. ومن قلب هذا المنجم الغني، تم استخراج مئات الآلاف من صور الفلسطينيين، ونشرها، ومناقشتها، وتداولها، وشرائها، وبيعها، وعرضها في الأرشيفات الصحفية ومجموعات المتاحف وأرشيفات المنظمات غير الحكومية، وما إلى ذلك. ورغم العديد من الاختلافات البارزة بين العديد من الصور، إلا أن السمة المشتركة بينها تقريباً تظهر الفلسطينيين وكأن حياتهم لا قيمة لها ويمكن التخلص منها بسهولة دون مراعاة لحقوقهم وكرامتهم الإنسانية، بحيث  لا يشكل قتلهم خللاً ما أو اضطراباً أو انقطاعاً، بل على العكس؛ سيكون قتلهم تأكيداً على سهولة التخلص منها. وعندما يتم التقاط صور للإسرائيليين أيضاً في الإطار، فإنهم يظهرون في الغالب كجنود “في الخدمة”، وكلاء للدولة وقانونها ونظامها.

عادة ما يتم  إبداء ملاحظات على مثل هذه الصور من منظور  إنساني يركّز على مأزق الضحايا بدلاً من التركيز على النظام والتقنيات المستخدمة لإنتاج هذه الظروف، إن مثل هذه الملاحظات والتعليقات التي تشير بصرياً إلى الدعوة لتقديم المساعدات الإنسانية بدلاً من إدانة نظام ينتهك القانون الإنساني، إلى عوامل تطبيع وتشجيع قبول تصور حياة الفلسطينيين بأنها حياة بلا قيمة ويمكن التخلص منها بسهولة . وفي العام 2005، عقب إعلان إسرائيل نيّتها الانسحاب من غزة، فرضت على القطاع “حلاً” آخراً”؛ أي تحويله إلى أكبر معسكر اعتقال على وجه الأرض. وقد تحقق ذلك باستخدام تقنية السجن المادي التي تعزل القطاع عن باقي أجزاء فلسطين وعن العالم، مما يخلق حالة عامة من الموت البطيء للسكان، والتي يمكن تسريعها في أي لحظة، كما شهدنا في أعقاب السابع من تشرين الأول. وخلافا لتصريحات عملاء هذا النظام السجني بأنهم لم يعودوا يحكمون غزة، تواصل دولة إسرائيل شن الهجمات من البحر والجو والبر مع إبقاء الفلسطينيين معزولين عن العالم.  وما يحدث الآن هو إبادة للفلسطينيين، الذين لطالما تم تسويقهم  بصفتهم مواضيع هشة في صور انتهاكات حقوق الإنسان أمام أعين العالم دون الاعتراف بهم كضحايا لعنف الإبادة الجماعية الاستعمارية.

لم تصغ مشاريع تدمير غزة في السابع من تشرين الأول. لقد كانت الخطط قيد الإعداد والتحضير لسنوات قبل ذلك، وكانت تنفذ على نطاقات صغيرة وكبيرة منذ العام 1948. وفي الواقع، يختلف عنف الأسابيع القليلة الماضية عن أي عنف سبقه من حيث حجم الرعب وتركيزه. وكذلك من حيث حجم مقاومة ملايين الأشخاص حول العالم الرافضين للسردية الاستعمارية الإمبريالية التي تستخدمها إسرائيل والولايات المتحدة لتبرير هذا العنف. لكن ما شهدناه خلال الأسابيع القليلة الماضية لا يمكن فهمه بمعزل عن الاستخدام المنهجي لتقنيات الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين على مدى السنوات الخمس والسبعين الماضية. ويبدو أن من وضع وأعد خطط العنف هذه انتظر الفرصة المواتية لتنفيذها. وكما قال العديد من الجنرالات والسياسيين في النظام الاستعماري الاستيطاني على مر السنين، فإن الجيش الإسرائيلي كان بحاجة فقط إلى المناسبة  التي تبرر تدخله. وحالما تأتيهم فسوف يهملون على قطف ثمارها.

VI.

كتبت حنّة أرنت في تقريرها عن محاكمة أدولف أيخمان بأن “الإبادة الجماعية هي إمكانية؛ أو احتمال حقيقي للمستقبل” ، وبالتالي ، “لا يوجد شعب على وجه الأرض… يمكنه الشعور بثقة معقولة تضمن استمرارية وجوده “.

لا تمثل الحكومات الاستعمارية الإمبريالية الإنسانية؛ بل تمثل منطق منظومتها العنصرية، مما يمنحهم حقوقاً إمبريالية لدعم بعضهم البعض عندما يستخدمون عنف الإبادة الجماعية. إن الملايين التي تجوب الشوارع في  أنحاء العالم، فيغلقون الطرق، ويحتجون أمام مكاتب ومصانع مصنّعي الأسلحة، ويمنعون شحنات الأسلحة، ويسيرون بأعداد غير مسبوقة دعماً للفلسطينيين.. هؤلاء جميعهم  يعرفون أن النظام الإنساني يتعرض للهجوم مرة أخرى. ويؤكدون أنه  لا ينبغي لنا التعثر في الاعتراف بالإبادة الجماعية التي تحدث الآن. فإذا مرت موجة عنف الإبادة الجماعية هذه أيضاً دون إقرار، وإذا ظل نظام الإبادة الجماعية الذي يرتكبها دون تساؤل، فلن يكون الفلسطينيون وحدهم في خطر؛ بل سيصبح المزيد من الناس في أوضاع غير آمنة أيضاً.

سوف تكون مناقشة حنّة أرندت للجرائم ضد الإنسانية مفيدة هنا.  فهي تقول إن هذه الجرائم مكتوبة على أجساد ضحاياها، لكنها ترتكب أيضاً ضد المجتمع الذي شنت باسمه، أي ضد قانون المجتمع، وعلى نطاق أوسع ضد نظام إنساني يحدده تنوعه.

لقد دُمرت فلسطين لأن الصهاينة لم يرغبوا في وجود الفلسطينيين بينهم. ومن المفترض أن النظام الذي أقامه الصهاينة يجسد نية الإبادة الجماعية هذه. إن تطبيق قانون عرقي عنصري، وهو  بحد ذاته إهانة للتنوع البشري، هو سبب وجود هذا النظام منذ العام 1948. وهو يقوم على قواعده، وهذا القانون هو الذي يجب إلغاؤه بين النهر والبحر حتى يكون جميع السكان أحراراً. ويجب إلغاؤه من أجل الفلسطينيين، حتى يتمكنوا من استعادة حقوقهم في العودة للعيش في فلسطين وإعادة بناء عالمهم؛ وهكذا أيضاً، يجب إلغاؤه من أجل اليهود الإسرائيليين، حتى يتمكنوا من تحرير أنفسهم من الصهيونية، وتحرير أنفسهم من موقع الجناة في نظام الإبادة -النظام الذي يلزمهم الآن بتجسيده في ظل الإبادة الجماعية هذه- واستعادة التاريخ اليهودي المتنوع الذي حرموا منه عندما أجبروا على تجسيد هوية إسرائيلية ملفقة  تتعين بدرجة عدائها للفلسطينيين.

يملك الإسرائيليون خيار التصرف كمواطنين في نظام الإبادة الجماعية الخاص بهم وتأييدهم تحويل السابع من تشرين المأساوي إلى ذريعة لهذا النظام، أو استعادة مكانتهم كأعضاء في إنسانية مشتركة ورفض أساس الإبادة الجماعية لنظامهم؛ كما فعل البعض حتى الآن.

كان من الممكن للصور الإبادة الجماعية التي ظهرت خلال الأسابيع القليلة الماضية أن تلهم نتائج مختلفة؛ مثل إجبار الإسرائيليين على الاعتراف بأنهم مستوطنون والتغلب على الاعتقاد الخاطئ بأن ممارسة عنف الإبادة الجماعية يمكن أن يبقيهم في مأمن تام من مقاومة المستعمَرين، أو إثارة حركة شعبية تدعو إلى إضراب عام ضد النظام الاستعماري. أو حركة احتجاجية ترفض دعم وتنفيذ أعمال الإبادة الجماعية والخدمة في جيشها الذي تتضح نواياه لجهة  ارتكاب إبادة جماعية. كان من الممكن منع تدفق الصور التي يمارس فيها عنف الإبادة الجماعية المتواصل ضد الفلسطينيين في أي لحظة -بشكل رئيسي في غزة فحسب، ولكن أيضاً في الضفة الغربية-، لو لم يتم تطبيع استخدام مثل هذه التقنيات وتبريرها وإضفاء الشرعية عليها كوسيلة لاستهداف الفلسطينيين.

ولعل ما يجعل عنف الإبادة الجماعية الحالي هذا كاشفاً ترديده وتكراره للحظة الافتتاحية التي تأسس فيها نظام الإبادة الجماعية هذا.  لقد طٌرد في العام 1948، نحو 750,000 فلسطيني -غالبية سكان البلاد- في فترة تزيد عن عام. والآن، في غضون أسابيع قليلة، وبسرعة مصنع للموت، هُجر أكثر من 1.5 مليون فلسطيني -كانوا يعيشون ضمن معسكر اعتقال فعلي أو غيتو أو سجن، وأصيب أو أبيد ما بين 1% و 2% من السكان.

والآن.. عادت الصور الثابتة غير الملونة التي التقطت في فلسطين خلال نكبة عام 1948 تنبض بالحياة بطريقة غريبة ومؤلمة ولكن على هيئة صور متحركة وملونة.

لا يمكن تسمية الصور القادمة من غزة -على الأقل عندما لا تكون إسرائيل قد قطعت الكهرباء والإنترنت- صوراً حقيقة على وجه الدقة، لأنها لأشخاص ينادون بوقف الإبادة الجماعية في أشكال مستطيلة غير مادية. هذه ليست صوراً منفصلة لما حدث؛ ولكنها مكبرات صوت بصرية تدعونا إلى الاعتراف بالإبادة الجماعية المستمرة عقوداً وإلى وقفها الآن. إن الاعتراف بالإبادة الجماعية يعني أيضا رفض أي حلول أخرى للإبادة الجماعية في غزة وفلسطين بمجرد توقف هذا القتل.[ تبدو الفقرة الأخيرة واضحة إلى حد ما؛ ولعل الكاتبة تقصد بها أن الصور القادمة من غزة لا تشبه الصور الفوتوغرافية بالأسود والأبيض عن نكبة 1948، فهي لم تعد تأتينا صور ثنائية الأبعاد؛ بل صور مجسّمة وملونة، وهي لم تعد منفصلة عن الحدث كونها متحركة وغير ثابتة  “مشاهد فيديو” وهي بالتالي بمنزلة “مكبر صوت” بصري  تطالبنا بالإقرار بالإبادة الجماعية والعمل على وقفها، ورفض أي حل غير ذلك -المترجم]

……

هوامش المترجم

*إبادة الفضاء المكاني: لا يعتبر مصطلح “spaciocide” راسخاً بعد في الدراسات الاجتماعية والجغرافيا الحضرية وتاريخ الحروب.. وما إلى ذلك من المواضيع ذات الصلة، وبالتتالي لا يوجد تعريف معياري نقيس به دقته أو عدم دقته. تشتق الكلمة باللغة الإنكليزية من كلمة  “space” (الفضاء) و كلمة “genocide” (الإبادة)، مما يشير إلى فكرة تدمير أو إبادة  “كتلة” المكان أو الفضاء أو المشهد المكاني. ويرتبط بشكل مباشر بالنزاعات والحروب أو بالسياسات التدميرية للبيئة والفضاءات الطبيعية أو الثقافية. كما قد يستخدم في سياقات أخرى اجتماعية وثقافية لتوصيف مشاهد التدمير أو الاختفاء القصدي المنهجي لنسيج عمراني أو هويات مكانية معينة و كنتيجة لحروب أو نزاعات أو سياسات معينة. ومن المفيد ترسيخ هذا المصطلح للتعبير عن السياسات الإسرائيلية الحالية في قطاع غزة  والتي تشمل، من بين أمور أخرى، التدمير المنهجي للبنية التحتية والممتلكات الحضرية والمساحات الجغرافية. كما يمكن الاستعانة بالعديد من المصطلحات الدقيقة لزيادة فهم ما تقوم إسرائيل مثل مصطلح التهجير المكاني ني (Spatial Displacement) للإشارة إلى عملية على النقل القسري أو التهجير السكاني وتغيير الطبيعة المادية الجغرافية للمكان، ومصطلح تدمير المشهد الحضري (Urban Scene Destruction): للإشارة إلى تدمير العناصر الحضرية والبنى التحتية، وتدمير المساحات الجغرافية (Geospatial Destruction): للتأكيد على التدمير في السياق الجغرافي، واستهداف المدن (City Targeting): للإشارة إلى التوجيه المنهجي للهجمات نحو المدن والمناطق الحضرية وهي جميعها تعابير تخضع لسياقات النص الذي تستخدم فيه والاحتمالات اللغوية في اللغة المعنية لتحديد المصطلح  المناسب في الترجمة. من قبيل استخدام عبارات معينة للدلالة على  احتكار صور الدمار مثل  “اختطاف الصور” (image capture) أو “اختزال الصور” (image reduction) بما يعكس فكرة أن الصور الملتقطة  تكون مختارة بعناية لتظهر الجوانب الخاصة التي يرغب الفاعلون تسليط الضوء عليها، متجاوزين الصور الكاملة أو المتعددة التي قد تكون أكثر تعقيداً أو تعبر عن موضوعات غير مرغوبة. في سياق المقالة نرى أن البروباغاندة الإسرائيلية عمدت إلى “الإبادة الصوَرية” (Visual Genocide) لوصف هذه العملية التي تستهدف تشويه الواقع وتوجيه الرؤية العامة بطريقة معينة عبر اختيار صور معينة وتقديمها بشكل مشوه. ** لعل الكاتبة تقصد من استخدام كلمة ” فطري innate“؛ في سياق شرط الإبادة الجماعية الذي تتحدث عنه بصفته جزء جوهرياً وأصيلاً في المنظومة الاستعمارية، وليس جزءً أو نتاجاً لشرط أو ظرف خارجي أو حدث طارئ.

….

العنوان الأصلي: Seeing Genocide

المصدر: https://www.bostonreview.net/articles/seeing-genocide/

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

المؤتلف والمختلف بين الولايات المتحدة وإسرائيل في السياسات العنصرية المنهجية

نهلة عبدو ترجمة محمود الصباغ يكمن التشابه الكبير بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الدافع الرئيسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *