الحرب الإسرائيلية الفلسطينية: لمَ هذا الالتفاف الغربي حول آخر مستعمرة استيطانية

جوزيف مسعد*

ترجمة محمود الصباغ

لم ولن يكون نقل حاملة طائرات أمريكية متطورة إلى شرق المتوسط، الحدث الأول من نوعه  الذي يتم فيه إرسال سفن أمريكية أو أوروبية لحماية  [تجمع] المستعمرين في فلسطين؛ حين يأمر لويد أوستن -وزير الدفاع الأمريكي- في اليوم الثاني من الحرب بين المقاومة الفلسطينية والمستعمرين الإسرائيليين، بإبحار حاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس جيرالد آر فورد  USS Gerald R Ford,، الأكثر تقدماً في الترسانة الحربية الأمريكية والتي يرافقها طراد صواريخ موجّه وأربع مدمرات صاروخية موجهة أيضاً -وطاقم عسكري من 5000 عنصر، باتجاه شرق المتوسط كدعم واضح لنظام الفصل العنصري  الاستيطاني  الاستعماري الإسرائيلي. كما سترسل الولايات المتحدة لاحقاً حاملة طائرات أخرى تدعى  يو إس إس نورماندي USS Normandy رفقة طراد صاروخي موجه مجهز بمدافع بحرية، وأربع مدمرات أخرى هي: يو إس إس توماس هودنر USS Thomas Hudner ، ويو إس إس راماج USS Ramage ،  ويو إس إس كارني USS Carney ، ويو إس إس روزفلت USS Roosevelt. ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أضاف وزير الدفاع أوستن أن الولايات المتحدة ستعمل على تعزيز  سلاح الجو في المنطقة بطائرات F-35 المقاتلة الأكثر تطوراً في العالم، بالإضافة إلى أسراب الطائرات المقاتلة F-15 و F-16 و A-10. فضلاً عن تلميحات أخرى أشار إليها [الوزير] أوستن بخصوص العناصر القتالية [ الأمريكية] المتمركزة في القواعد العسكرية الأمريكية في الدول العربية المجاورة، كالأردن والبحرين وقطر والمملكة العربية السعودية.

وفي الوقت الذي يظهر فيه مثل هذا الحشد العسكري، على الأرجح كاستعراض قوة، فإذا اختارت الولايات المتحدة الانخراط المباشر في  استخدام قاذفاتها ضد الفلسطينيين، فمن غير المحتمل أن تعترض،  الأنظمة العربية، أو تستطيع الاعتراض على مثل هذا الإجراء. وأضاف أوستن أن إدارة [الرئيس] بايدن “ستزود  الجيش الإسرائيلي، على وجه السرعة، بمعدات وموارد إضافية، بما في ذلك الذخائر؛ وسوف تبدأ المساعدة الأمنية الأولى في التحرك نحو إسرائيل ابتداءً من اليوم [الأحد] لتصل في الأيام المقبلة”.

الدفاع عن [تجمع ]المستعمرين

وكما أشرنا في مستهل قولنا، ليس جديداً إرسال سفن أمريكية أو أوروبية لحماية المستعمرين في فلسطين. نحن نعلم من التاريخ كيف أسست مجموعة متعصبة من البروتستانت الأمريكيين البيض المعروفة باسم ديكسون Dicksons “مستعمرة الإرسالية الأمريكية” في يافا في العام 1854.  وقد تعرضوا لمقاومة من قبل الفلسطينيين الأصليين الذين هاجموا مستعمرتهم في العام 1858، وقتلوا عدداً منهم. فقامت الولايات المتحدة، إثر ذلك، بتوجيه الفرقاطة البخارية  يو إس إس واباش USS Wabash، التي وصلت قبالة السواحل الفلسطينية وهي ترفع العلم الأمريكي وتطلب من العثمانيين محاكمة القتلة. وبعد عقدين تقريباً  من هذه الحادثة ، قام الألمان بإجراء مماثل للدفاع عن مجموعة ألمانية استعمارية بروتستانتية متعصبة. فخلال الحرب العثمانية الروسية (1877-1878)، وصلت السفن الحربية الألمانية إلى الساحل الفلسطيني بنيّة الدفاع عن المستعمرين الدينيين الألمان، المعروفين باسم  فرقة فرسان المعبد  Templersفيما لو تعرضوا للهجوم. وحاول القنصل الألماني، في هذا السياق، إجبار العثمانيين على الاعتراف بمستعمرات هذه الفرقة، وهو ما رفضه العثمانيون. وفي واقع الأمر، كان طموح فرقة “فرسان المعبد” تحويل فلسطين إلى دولة مسيحية بروتستانتية، وتوقعوا منحها لألمانيا في نهاية الحرب. لكن ذلك لم يتحقق بطبيعة الحال. وبعد ثلاثة عقود سوف يهاجم الفلاحون الفلسطينيون المستعمرات الألمانية، في أعقاب انتفاضة  1908 [لحركة] “تركيا الفتاة Young Turks ” في القسطنطينية. فأرسل الألمان سفينة حربية إلى حيفا للدفاع عن المستعمِرين في حال تعرضوا لهجمات أخرى .

المعركة المباشرة الفورية

مرت قبل أيام الذكرى الخمسين لحرب تشرين [أكتوبر]، وبهذه المناسبة أفرجت إسرائيل، قبل بضعة أسابيع،  عن عدة  وثائق سرية حول الحرب مع مصر وسوريا، اللتين شنتا هجمات مفاجئة على شبه جزيرة سيناء في الجبهة المصرية؛ ومرتفعات الجولان في الجبهة السورية، لتحريرهما من السيطرة الإسرائيلية. وكشفت آلاف السجلات عن مداولات حكومية ومشاورات عسكرية وسياسية ومحاضر اجتماعات لجان الكنيست بالإضافة إلى العديد من المراسلات الإسرائيلية  مع الحكومات الأجنبية بشأن سير الحرب. وأظهرت هذه الوثائق تنفيذ الولايات المتحدة أكبر عملية نقل سلاح في تاريخها كاستجابة لطلب إسرائيل الحصول على الدعم العسكري،. وكشف هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الأمن القومي آنذاك، في مقابلة حديثة مع جيروزاليم بوست، عن تصورات الإدارة الأمريكية للأوضاع بقوله: “كنا مصممين منذ البداية على منع نصر عربي من أي نوع”.. وكنا مقتنعين تماماً، منذ اللحظات الأولى للحرب، بقدرتنا على إعادة الأمور إلى نصابها والحفاظ عل الوضع الراهن… لقد اعتمدنا في أولى نقاشاتنا حول الحرب على حقيقة أن ميزة [التفوق] العسكري تقف إلى جانب إسرائيل”، ولما تبين أن هذا التصور لم يتحقق على النحو المطلوب، أصبح من الضروري الاستجابة للطلبات الإسرائيلية المحمومة لإعادة إمدادها بالعتاد العسكري المطلوب. ويضيف كسينجر: ” كان ثمة مشكلتان منفصلتان، المعركة المباشرة الفورية والمعركة طويلة الأمد. وكان على إسرائيل، في المعركة  المباشرة، العمل على وقف تقدم العدو والذهاب في هجوم يسبق أي تدخل دبلوماسي أمريكي مهم، وعملتُ على حث الإسرائيليين لبدء هجومهم على بعض الجبهات – وقلتُ لهم سوف لن نقوم بأي إجراء دبلوماسي إلا بعد نجاح هجومهم ذلك”.

مع بداية حرب تشرين [أكتوبر] 1973 أرسلت الولايات المتحدة على الفور حاملة الطائرات فرانكلين ديلانو روزفلت  Franklin Delano Roosevelt إلى شرق المتوسط للانضمام إلى حاملة الطائرات الأمريكية إندبندنس Independence ، التي كانت متمركزة  هناك منذ وقت سابق. كما طلب من حاملة الطائرات جون إف كينيدي John F Kennedy الانضمام إلى بقية القوات البحرية الأمريكية هناك. وتم تعزيز ذلك عبر جسر جوي أمريكي هائل لنقل المعدات العسكرية إلى جانب نصيحة كيسنجر حول كيفية مواصلة المعارك والتأكيد على الدعم الدبلوماسي الأمريكي. وترافق هذا مع دعم واسع من وسائل الإعلام الأمريكية شديدة العنصرية والمعادية للعرب والمؤيدة لإسرائيل، التي نشرت على نحو عدائي سردية الضحية الإسرائيلية التي لا تزال قائمة حتى اليوم فضلاً عن بروباغاندة مؤثرة عن مهاجمة مصر وسوريا إسرائيل نفسها، بينما استهدف الهجوم، في الواقع، الأراضي المصرية والسورية التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967.

التعاطف العنصري

وحالياً؛ تأمل الإدارة الأمريكية تكرار أدائها الناجح في العام 1973. وفي الواقع، ظهر دعم  وسائل الإعلام الأمريكية القوي لنظام الفصل العنصري واضحاً وبلا خجل منذ اللحظة التي ردت فيها المقاومة الفلسطينية على إسرائيل. حيث يهيمن على هذه الشبكات الإعلامية ووسائط التواصل الاجتماعي نفاقها المعتاد وتعاطفها العنصري مع ضحايا الحرب الإسرائيليين اليهود والتزام الصمت إزاء الضحايا الفلسطينيين. وتعهد وزير الخارجية الأمريكي الحالي أنتوني بلينكين في اليوم الأول من الحرب “بتعزيز أمن إسرائيل”، مثلما تعهد سلفه كيسنجر من قبل، كما “شدد على دعم الولايات المتحدة الراسخ لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”. وتسير هذه الحملة المعادية للفلسطينيين anti-Palestinian على ذات المنوال في الغرب، في ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، كما كانت منذ العام 1948. ولا تزل ملتزمة بذات الحجم من دعم مستعمَرة المستوطنين الإسرائيليين وهزيمة الفلسطينيين الأصليين الرافضين للاستعمار، مهما كانت التحديات. وهكذا ردد الألمان على مسامع الزعماء اليهود المتعصبين في إسرائيل أن برلين [تقف] “إلى جانبكم”. وكذلك فعلت فرنسا بذات الحماس والمشاعر المتعاطفة مؤكدة أنها “تقف إلى جانب إسرائيل والإسرائيليين”، بينما أعلن القادة البريطانيون أن المملكة المتحدة “تدعم إسرائيل”.

ليس من قبيل المصادفة أن تكون هذه الدول قد تأسست بالأصل كمستعمرات استيطانية، كما هو حال الولايات المتحدة، أو هي بلدان استعمارية عملت على إنشاء مستعمرات استيطانية عنصرية بيضاء وعملوا ما في وسعهم لدعمها بالمزيد من العنف على مدار نحو مئة عام؛ من تسعينيات القرن التاسع عشر إلى ثمانينيات القرن العشرين، عندما انتصرت عليهم مقاومة السكان الأصليين وقلبت الوضع في نهاية المطاف؛ مثلما حدث في مستعمرات ناميبيا وتنجانيقا وروديسيا وجنوب أفريقيا والجزائر وتونس وكينيا، على سبيل المثال لا الحصر.

ولكي لا يغيب عن بالنا الطبيعة العنصرية لإسرائيل نذكر في هذا الصدد وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت الفلسطينيين في اليوم الثالث من الحرب بأنهم “حيوانات بشرية”. وبالنظر إلى إسرائيل بصفتها آخر مستعمرة استيطانية في آسيا أو إفريقيا تحكمها قوانين ومؤسسات عنصرية، يرى الغرب في بقائها معقلاً أخيراً له لدعم العنصرية والاستعمار الاستيطاني خارج حدوده ضد  الجحافل الهمجية غير الأوروبية المقاومة للسيطرة الاستعمارية التي تملك تصميماً قوياً للتخلص من هذه السيطرة . وفي حين يظهر التدخل العسكري الغربي المباشر المحتمل والمشاركة في الحرب لدعم إسرائيل ليس أكثر من خطاب وبروباغاندة واضحة، تبدو المشاعر العنصرية التي تقف وراء هذا الدعم حقيقية تماماً.

يسعى هذا التحالف الغربي المحموم، بكل ما أوتي من قوة ومهما كانت التكلفة، إلى منع الفلسطينيين من نيل حريتهم. ولكن إذا كانت الأيام القليلة الماضية قد تمخضت عن شيء يذكر فلا بد أنه لا يمكن وقف السعي الفلسطيني من أجل الحرية ومقاومته للقمع الاستعماري.

….

المصدر: https://www.middleeasteye.net/opinion/israel-palestine-why-west-rally-around-last-settler-colony

…….

*جوزيف مسعد أستاذ السياسة العربية الحديثة والتاريخ الفكري في جامعة كولومبيا، نيويورك. وهو مؤلف العديد من الكتب والمقالات الأكاديمية والصحفية، ترجمت كتبه ومقالاته إلى اثنتي عشرة لغة. من أهم مؤلفاته:

Colonial Effects: The Making of National Identity in Jordan

Desiring Arabs

The Persistence of the Palestinian Question: Essays on Zionism and the Palestinians

Islam in Liberalism

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

بيان بيدرسون في الذكرى السنوية “للصراع السوري”

في  ذكرى ” الثورة المغدورة”، لا يجد هذا الفَقِيه الأممي ما يقدّمه للسوريين سوى  الإصرار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *