من دفاتر عادل الأسطة (12) زكريا محمد و “عصا الراعي”: القضيـة عامـة والحـل فـردي

في العام ٢٠٠٣ أصدر زكريا محمد (داوود عيد) روايته الثانية «عصا الراعي» التي لم تحظَ بتلقٍ نقدي حظيت به روايته «العين المعتمة» (١٩٩٦)، وقد يعود السبب إلى تاريخ صدورها، حيث كانت انتفاضة الأقصى في ذروتها ولم تقاربها الرواية التي ركزت صفحاتها الأولى على عبارة «القضية عامة والحل فردي»، وهذا ما كان يغاير السائد في زمن النشر، فمن سيواصل قراءة رواية تكرر شخصياتها هذه العبارة في لحظة كانت التضحية بالذات عنوانها وكانت الضفة الغربية وقطاع غزة يشهدان مقاومة عنيفة أسفرت عن اجتياح المدن ومحاصرتها وتقطيع أوصالها؟
يعود الزمن الروائي إلى ما بعد أوسلو ١٩٩٤ وقبل انتفاضة الأقصى في آخر أيلول ٢٠٠٠.
في هذه الفترة شهدت الضفة هدوءا واستقراراً باركه أكثر العائدين وحذر منه أقلهم ممن لم يستسيغوا بعض العبارات التي صار يرددها قسم من الفدائيين القدامى الذين سألوا عن امتيازات شخصية وخلاص فردي.
في المقهى يجري النقاش بين بعض رواده من المهتمين بالشأن العام «الفوضى، انعدام المقياس، غياب القانون، انهيار القيم»، ويقترح عادل على أنا السارد، وهو زكريا، أن يشارك معهم في البحث عن الذهب.
يكون النقاش عادياً لكنه ينتهي بجملة مرعبة تهز السارد من الأعماق «المشكلة عامة والحل فردي» فيغضب ويتألم في اللحظة التي يكون فيها عادل متفائلاً:
«يا زلمة.. ما تكبر الأمور. المشكلة عامة والحل فردي».
تتكرر الجملة في الصفحات الأولى غير مرة «القضية عامة والخلاص فردي» و «القضية عامة والحل فردي» وتدفع السارد إلى إعادة تعريف ذاته من جديد:
«من أنا؟ وماذا كانت حياتي؟ وإلى أين أسير؟ ثم: ما هو الوطن؟ أهو روح الإنسان تتركز في كلمة واحدة، أم هو كلمة لإرسال الناس إلى الموت؟ أم لعله وهم عليك أن تعبره حتى تكتمل؟ ثم: أكنت أجري، في الحقيقة، وراء وطن أم كنت أقاد إلى منجم أعمل فيه بالسخرة؟».
يقنع عادل السارد بالبحث عن الذهب مع شخص ثالث «وهكذا من أبو رامي التخطيط، ومن عادل آلة الكشف عن الذهب، ومني بعض المعرفة التاريخية عن خط انسحاب الجيش العثماني من فلسطين. رحنا نبحث عن الذهب، نبحث بنهم.
أليس الخلاص فردياً؟
أليس على كل واحد أن يبحث عن ذهبه؟».
هذه الافتتاحية تذكر برواية كنفاني «رجال في الشمس» (١٩٦٣) التي انتهت بموت الفلسطينيين الثلاثة في الخزان الذاهبين إلى الكويت بحثاً عن خلاص فردي.
بعد أربعين عاماً من نضال الفلسطينيين وبحثهم عن حل جمعي لقضيتهم يعود قسم منهم لينشد حلاً فردياً: الذهب والمال، فالمشكلة عامة. ويكاد السارد يجن لهذا، ولكنه هو الذي فضل العزلة، بعد أن امتلكه اليأس مما آلت إليه الأوضاع، يوافق على اقتراح عادل إلا أن الأمور تسير باتجاه مختلف.
السارد هو الابن الثاني لأسرة ريفية من قرية اللبن الغربي فقدت ابنها الأكبر ولم تفقد الأمل في العثور عليه، وتعقد أملها على الابن الثاني لينجز مهمة العثور على أخيه، فيبدأ البحث، علما أنه توصل إلى أن المسؤولين «لا يهتمون بالمفقودين ولا بذويهم» وأن عليه أن يفعل ما فعلته أم علي التي ظلت تبحث عن أخيها المفقود إلى أن استرجعت جثته من مقابر الأرقام – إن كانت الجثة جثته. عندما يسألها السارد إن كانت الجثة لأخيها تصمت طويلاً ثم ترد:
– ما زلت أشعر أن أخي حي، لكنني أذهب وأزور قبره يومياً.
– ولو جاء أحد وقال لك إن أخاك حي؟
– ألف الدنيا كلها من جديد.
وتبكي وتتركه فيخجل من قوتها ومن إرادتها ومن وفائها ويخجل من يأسه وتعبه، وينسى البحث عن الذهب ليواصل البحث عن أخيه، بخاصة بعد أن أعلمته أخته أن امرأة من قرية ثانية رأت أخاه في لبنان فحملها رسالة لأهله تأخرت عشر سنوات في إيصالها، وبعد أن أخذ الرجل الفضولي الذي التقى به في المقهى وهرب منه يرسل له رسائل يكتب فيها:
«يا للعيب، تبحث عن الذهب وتنسى أخاك» و «أخوك تحت نظرك، وأنت لا تراه!» و»أيها الأعمى ألا ترى/ أخوك».
البحث عن الأخ يدفعه إلى البحث عن المرأة التي أتت بالخبر وعن الرجل الفضولي الذي يرسل له الرسائل فيعتقد لوهلة أنه قد يكون أخاه.
في هذه الأثناء يبحث أيضاً في الأسطورة والتاريخ عن قصص مشابهة أو متناقضة لقصته وقصة أخيه؛ قابيل وهابيل، جلجامش وأنكيدو، عيسو ويعقوب، الزير سالم وكليب، ويصغي أيضاً إلى قصص واقعية مثل القصة التي أخبره بها صديقه خالد عن صديقه إياد وأخيه الأصغر أيمن؛ تارة تتشابه بعض القصص مع قصته وطوراً تتناقض أو تكون معكوسة. تتشابه قصته وقصة الزير، فالأخ الصغير يبحث عن الكبير، وتتناقض مع قصة جلجامش وقصة إياد، فالأخ الكبير فيهما هو من يفقد الأخ الصغير.
يموت الأب ويقتل المستوطنون الرجل الفضولي ولا يعثر السارد على أخيه وينسى البحث عن الذهب ويستمر الاستيطان وتبقى المشكلة العامة ولا خلاص فردياً وتنتهي الرواية بالسطرين:
«كنت أرغب في الموت
أرغب فيه حتى النهاية».

المصدر

https://www.al-ayyam.ps/ar_page.php?id=162e8f3by372150075Y162e8f3b&fbclid=IwAR2dqldMc42f-IJnwzkyZX0IEhiw8kpF5j3YaKa-XNDosoSMfkZFdFa9a0w

تم النشر بإذن من الكاتب

عن د.عادل الاسطه

شاهد أيضاً

تداعيات حرب 2023/ 2024: تـداعـيـات قـراءة روايـة ابتسام عازم «سفر الاختفاء»

عندما كتبت عن يافا نبهني بعض القراء إلى رواية ابتسام عازم «سفر الاختفاء» (2014). وعندما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *