منمنمات

الكاتبة والشاعرة السورية مي عطاف

الناشر : سلسلة الإبداع العربي . 2023

أعترف وأنا أقرأ القصص القصيرة للمبدعة مي عطاف كان إحساسي ( لا أعرف كيف أفسره ) أنني أقرأ شعراً ، وقلما إنتابني هذا الإحساس ، ولو أردت أن أضع عنواناً آخر لمنمنمات مي عطاف لكان ( نور يُضيئ قلب امرأة ) . ففي كل القصص ثمة خيط واحد خفي يجمعها هو توق المرأة للحرية ووعيها العميق لأعماقها الغنية بالحب والرغبة والنشوة التي سحقها المجتمع بقسوة وظلم تحت شعارات زائفة تدعي الحرص على شرف المرأة وحمايتها ، ثمة عبارة إستوقفتني في إحدى القصص ( جسد المرأة مُقدس ، كأن جسد الرجل بغاء ) .

في العديد من قصص ( منمنمات ) مي عطاف طرافة ممتزجة بسخرية لطيفة أبدعت مي في توظيفها لكشف تخلف العقلية الإجتماعية في عالمنا العربي خاصة فيما يخص المرأة . ففي القصة الأولى بعنوان ( جدتي ) تكتب مي : جدتي أحنى ظهرها ثدياها ، كان لها ثديان ضخمان لدرجة أنني كنت في صغري مُضطرة أن أسبقها بمترين لأرى وجهها وأنا أقف قريبة منها . وجدتي قادرة على إغفاء كل الناس على صدرها حليبها طعام للجياع ومظلة تقي حر الشمس وهطول المطر . الجدة التي تبقى صامته في حضرة زوجها لأنه إغتصبها وأنجبت منه طفلة ، جدها يكره البنات ، في مقطع مؤثر في نهاية قصة جدتي : جدتي بحسها المُتصل بالأم الأولى تقول : اللي خلفت بنات لا يمتن ، وتُكمل بغصة حتى لو متن . ومن قبر الجدة جرت ينابيع الحليب .

تتقن مي عطاف فن القصة القصيرة فهي لا تستسرسل في السرد ولا تسقط في غواية وفخ اللغة التي تُغوي بالإسترسال ، كل قصصها تنتهي بدون أي تعليق منها أو إصدار حكم قيمة أو شرح ، كما لو أنها تدعو القارئ ليكون شريكاً لها في التفكير والإحساس ، هي تحكي له القصة ونقطة على السطر .

في العديد من قصص ( منمنمات مي عطاف ) يتكرر ذكر الثدي . ففي قصة ( الحبر العارف ) يفيض ثديا المرأة المتزوجة بالحبر ، يخاف الزوج من هذا السائل الأزرق المتدفق من ثديي زوجته هي تخاف أيضاً ويظنان أن ثمة مرض خبيث أصابها ، لكن الطبيب يقول لها كل الفحوص الطبية طبيعية وهذه الحالة غريبة ، قصة إبداعية حقاً حين تكتب ( هل للغة أمكنة تكتسب منها المعنى ، في العيادة ثدي وفي أمسية ثقافية نهد ) للثدي معنى الأنوثة المبدعة وتنتهي القصة : نظرت لصدرها الأزرق ولإمتداده زرقة السماء وهي تردد القصيدة مع زوجها ( طلبت منه أن يقرأ القصيدة معها ) . هنا تتركنا مي عالقين في أسئلة كثيرة وفي الخجل من أفكارنا أيضاً ، فالمرأة ليست مجرد ثدي للإرضاع ولشهوة الرجل ، الثدي الذي يعني المرأة ويتماهى معها يُبدع ، كم تغنى شعراء بأثداء النساء ، يا سلام على فتنه الشعراء أذكر أنني قرأت دراسة عن نزار قباني وصف الثدي في قصائدة بخمسين صفة وهو شاعر مبدع . لكن نحن نعاني من إنفصام الشخصية فيفتننا شعر نزار قباني في وصف الثدي ، لكننا نحتقر المرأة إذا إنكشف جزء من ثديها ونتهمها بأبشع الصفات . المرأة عند معظم الرجال ( عند بعض النساء أيضاً ) هي امرأة الخيال حيث يسمح الرجل لنفسه بإطلاق العنان لشهواته وتهويماته . ولكن المرأة في الواقع سواء أخته أو زوجته أو أمه فالثدي هنا مصدر غواية ورذيلة .

تبدع مي عطاف في وصف حرمان العوانس تكتب ( العوانس يُغلفن أجسادهن بكفن الشرف ) شرف الرجل في عالمنا العربي مرتبط بجسد المرأة ، لكن شرف المرأة كحبل المشنقة مرتبط بمفاهيم يضعها الرجال مدعومين بقوانين أحوال شخصية وبآيات دينية ، في إحدى القصص بعنوان ( رشة ملح ) هي أقرب للنثر الشعري حيث تبدع مي في وصف مشاعر امرأة أرملة لديها خمسة أولاد نسيت أنوثتها ( الأنثى بي غلفتها الأمومة ) لكنها تعشق شاباً في الثالثة والعشرين من عمره وتتفجر الرغبات المكبوته لعقود وتعيش مع الشاب حباً يجعلها تطير من السعادة تقول المرأة الأم الأرملة  : بكيت بكيت من فرط أنوثتي ، وتُصبح الحياة أسهل مع الحب وتمتلك شجاعة وصف نشوتها وهي تمارس الحب عاريين . لكن العلاقة تنتهي لأسباب لا ترى الكاتبة من داع لذكرها وتختم القصة : أصوات أولادي وصخب أحفادي وأعوامي التسعون تجمعت في أغنية كلما سمعتها فاض نهري مُشتاقاً لأشجاره وتعتقد إبنتي أن دموعي ماء لعجوز هرمة .

في إحدى القصص تحكي الكاتبة عن رجال أحبتهم قالت أن أحد الرجال كان شاعراً تقول : مرة أحببت شاعراً وقلتُ سيحل اسمي محل ليلى ، ألهمته إحدى وعشرين قصيدة ، ولم يذكر اسمي في قصيدة واحدة ، ما بقي من ذكراه هو معرفتي لأنواع الشعر ( يكثر خيره ) .

في قصص مي عطاف مقاطع من أغاني لفيروز ووديع الصافي ، تختار تلك الأغاني لتغني الشخصية ، فنحن نغني حين نفرح أو نحزن أو لتبديد الضجر .

ومن أجمل وأعمق القصص التي قرأتها بعنوان ( أحداث 11 سبتمبر ) القصة تحكي عن شابة في الثلاثين أحبت شاباً يصغرها بعامين ، وكانا يلتقيان سراً تقول ( أسوأ الأماكن كانت أكثر أماناً ) ويلتقيان في مكان بعيد ( وادي قنديل حيث الشط عذري ) ويسبحان عاريان تكتب مي ( في البحر تعيش عودك الأبدي كجنين في الرحم ) ، عاشقان يسبحان في البحر فيما يتفرج العالم كله على إنهيار برجي التجارة العالمي في أميركا ، وتعود العاشقة إلى بيت أختها حيث الجميع مُروع من إنهيار البرجين تبتسم العاشقة وتفكر : جسد البرج إنهار ومر أمامي ، عشرون عاماً على جسدي الذي كان ينهار .وفي قصة بعنوان ( سفر الخيانه ) تقول مي : شيئان فقط يعودان بي إلى إنسانيتي ، الكتابة وشغلي بالخرز .

أخيراً أحب أن أتأسف للقارئ وللمبدعة الصديقة مي عطاف أنني لم أكتب عن كل قصة ، لأن المنمنمات كانت شحنة إبداع أشبه بوشاح يُغلف كل القصص ، صوت مبدع وحر وحساس ومُبطن بحزن متوارث منذ عقود . وأحب أن أختم بتلك العبارة الرائعة ( هل اللغة أمكنه تكتسب منها المعنى ؛ في العيادة ثدي وفي أمسية ثقافية نهد )

عن هيفاء بيطار

شاهد أيضاً

أفكار منتصف النهار (33) لا ضوء في نهاية النفق

بتاريخ 25 شباط 2024 استضاف الإعلامي علي ياسين في برنامجه (كتاب الشهرة) الممثل باسم ياخور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *