“مشاهد يتلوها البدو” لحسين الضّاهر.. كتابات جديدة لتقصّي ما بعد المعنى

ليس بالضرورة أن تقف عند عتبة العنوان أو تعبر منها إليه ، فعنوان ” مشاهد يتلوها البدو” للشاعر السوري حسين الضّاهر يوحي بوضوح عن معناه عبر تراكيب مفرداته، وهو عنوان لتسع وعشرين قصيدة تتباين مقاطعها شكلاً ومضموناً.. ولكن الضّاهر الذي يمهد لك بانطباعات بسيطة لدخول عالمه الخاص، تغدو الوهلة بعد حين بوابة لكتابة جديدة تحاول بلورة ذاتها من ذاتها وربما لذاتها أيضاً.. لا تكتمل الرؤيا/الحكاية عند الشاعر كي تغلق الأسئلة وتوارب الدلالات برشاقتها العفوية والتهكمية وحسب، إنها تأخذك إلى ما بعد المعنى، مؤكدة أن الشاعر يبحث عن كتابات جديدة لا تشّدها أبداً أشكال القصائد أو الجمل الشعرية، إنها تقصّ خفيّ عمّا وراء مجازات تأويلاتها.

أما زلتِ على قيد اللجوء مثلي؟

إذاً، لو تحملين معي رفات بعض المدن

فقد تعبت

خذي دمشق المكتظة بالطعنات

خبئي “بردى” في حمالة صدرك

وأخرجيه كلما داهمك الصحو

فلتأخذي بيروت شجرة التفاح

التي أنزلتنا إلى أرض الخطايا أول مرة..

تكثيف وتباين

يوزع الضاهر قصائده لوجع الوطن مرة وللغربة والمنافي مرة، وللقصيدة وللعشق ومجازاته مرة.. وثمة بدوي تلعنه المنافي يؤرقه الحنين ويوجعه الوطن مرات ومرات.. موت وقهر وحب .. تكثيف شفيف يتجاوز بساطة المفردة ورشاقة البوح ليفتح دفاتر التأويل بين ذاكرة الطفولة وأوهام الحاضر: (أحجار الرصيف لا تحتفظ ببصمات أقدامي/ أنا تائه دائماً.. سأبقى هنا عارياً مني .. هل سترجع/ كل شيء في مكانه ينتظرك/ دودة الأرض/ رائحة مني الجنود قساة الملامح .. يداي فأس فقدت أسنانها/ فصارت سكة تداعب خاصرة الأرض.. القصيدة زنزانة ضيقة/ لا تتسع لكلينا..) .

التباين في قصائد ديوان الضاهر ليس بين قصيدة وأخرى وحسب، ثمة تباين بين مقاطع القصيدة الواحدة أيضاً، وفي الجو العام لديوانه ثمة تباين في الشكل والمضمون، فبعد مشهدية المكان وتناوله لجملة من المفارقات عن المنفى والرحيل والوطن والحرب وطائرات “PUBG”، وصوت الهاون الشهواني، والأطفال بتسمياتهم للرصاصة كأنثى والمدفع كذكر، وأمه خزان الدموع، ووالده الذي لا يملك إلا تابوتاً تتمدد فيه عشر سجائر.. ينتقل بتسطير جديد إلى (مقطعه/ قصيدته) الذي مطلعها ” بينما تعدين النجوم” ومن ثم إلى أجواء مختلفة في المقطع العاشر:

أتسلل إلى صورك/ حين تبتلع “الحوتة”/ قمر الماسنجر الأخضر بجانب اسمك/ أنصت إلى حكايا فستانك/ المسكون بالخرافات/ لم يرم بي طائر اللقلق عند عتبتك ولم تلدني حبة الملفوف/ أنا ابن الخيبة والبرك الأسنة..

يتخلل هذه القصائد أيضاً إهداء إلى ” فضيلة الشامسي” .. فيها مديح رهيف وحب ووشم وتبجيل.. فيها كل ما تريد المرأة أن يُقال عنها.. لكن الضاهر يأخذك أيضاً إلى ما بعد المعنى لتحب هذه (القصيدة/ المرأة) ولكنك لا تعرف لماذا ومن تكون بالنسبة للشاعر أيضاً.

لتعلمي/ بأن الوشم الرابض على كتفك يتسلل كل ليلة/ ليجمع مع النجوم رماد الفراشات/ المتناثر حولك/ لكِ/ يا صوت الماء في هذا العطش العظيم..

مشهدية الحارات

إن كانت المشاهد تحضر أو تُستحضر، فهي عند حسين من ” المَسْرَحة “.. حركة الشخوص في مكان ما ضمن زمن ما، تُباين بينها الأحداث المختلفة.. فهل هذا البدوي يحكي عن الأحداث، “يتلوها” أم يجسدها؟ كي تبدو للوهلة الأولى عابرة “إلى الدنيا”، أم تشي بأسئلة مواربة، أم تصنع كدمة في وجه الفراغ؟

يمنح الضّاهر لعنوان ديوانه عنواناً لقصائده التي تتوزع تبعاً لأرقامها،  يستهلها بالرقم واحد، يحكي عبرها عن كائن ضعيف، يرصد بدقة وعجالة كل الآراء القائمة والمتوقعة عنه، والمنتقدة والرافضة لضعفه، وتتقاطع هذه الآراء وطريقة التعبير عنها بين والده وأمه وأطفاله وجيرانه وسائق التكسي و .. و.. ماعدا أعمامه الذين لا يولون أصلاً أهمية لكلام الناس، وزوجته الضعيفة مثله لأنها من ضلعه الضعيف.

ورغم أن الشاعر يحيط بكل الشرائح الاجتماعية وحتى الكائنات والأمكنة من خلال قراءته لمرجعياتهم حول هذا الكائن “الضعيف” في حارته، وصولاً إلى الأنبياء وحتى القصيدة العمودية، إلا أن الشاعر لا ينتقد المجتمع بضعف بطل “حكايته” والوطن الذي بصقه خارج أسواره وحسب، بل يأخذ القارئ إلى ما بعد المعنى وإلى السؤال الأهم: لماذا هو ضعيف أصلاً؟ وحتى مع مشاركة الانبياء لتوصيف ضعفه:

الأنبياء يعلمون، ويقولون:/ “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”/ سائق التاكسي يأخذ مني أجرة مضاعفة/ ويركلني في منتصف الطريق/ القصيدة العمودية تعلم/ لذلك لم تتقن كتابتي…

مشهدية الحارة لا تتوقف على أمكنة محددة أو شخوص يتفاعلون معها، بل ثمة بيئة توحي لمناطق جغرافية بعينها، ومفردات توضح ريفية الناس والمهن الزراعية والفلاحية وانتماء الشاعر لها بمفرداته النابعة من هذه البيئة ” البدوي المستقر”، كالحقل والقمح وقن الدجاج والبيوت الواطئة كالأمل، “والأوهام العالية كالصقور، وبيض القلق الذي سيفقس مصائب صفراء لطيفة “.. ولا يتوقف الأمر على الحياة بيومياتها والأمكنة بكائناتها وناسها.. بل ثمة طقوس خاصة بطفولة الشاعر وذكرياته، محبوكة بدراية وعذوبة مع حاضره:

سيأتي ماعز من جهة الجوع/ يخترق جسد المقبرة/ ليقضم ورد الشهداء/

ولن يكترث لذلك أحد/ ومجدداً ستركض بنا الأمهات نحو العجائز/ ليمسحن صدورنا بالزيت والتمتمة/ لكنني سأبقى بارعاً في الخوف.

لم تتوقف مشهدية الأمكنة في الديوان على “مرابع البدو” أو طفولة الشاعر، بل ثمة مدن ومنافي لجوء، وزنازين وشوارع وقنّاصات وسيارات سوداء وشرانق اسمنتية وحافلات.. وعوالم افتراضية “وانبوكس  وحجارة كيبورد “، وشرطة مرور وإشاراتهم ومناخات جديدة:

مر شتاء هذه المدينة ككلب أليف/ بلا ندف بيضاء/ بلا ماء يركل عاطفة عاشق سجن في زنزانة “إذن السفر”/  وبلا سماء أيضاً./ أرجو أن تسامحيني/ لم تتسن لي فرصة الهرب/ بعد كتابة اسمك على زجاج سيارة تلتمس هدوء/ الشوارع بأصابعها السوداء/ لم ألتقط صورة مع رجل الثلج الصابر على مخيّلة خالقه..

مع هذه الخصوصية التي تجعل من اليومي قصيدة ومن المكان مسرحاً، ومن البساطة أسئلة لتأويلات ساطعة ومواربة، مرحة وتهكمية.. ومع هذه المشاهد المكثفة بجمل شعرية جزلة وموحية كثيفة ومتباينة.. تظل شخصية الشاعر “ولكنته” بين سطوره..  وفي كل هذا، وفي كل ديوان حسين الطاهر، الذي يعتبر الحرب موت لمرة واحدة والسلم موت لثلاثين مرة قبل الموت، لا يغيب الهم الوطني ولا الانساني.. ربما يتناوبان بين السطور لكن ليغدوان همّ الشاعر والقارئ في آن :

تقول: أحبك/ فتغرق الغرفة بشبر موسيقا/ أقول: أحبك/ فتنبت سكين أخرى في ظهر المسافة./ هكذا يُقتل الملل في عصر “الميديا” والحروب النظيفة/ هكذا ينبت الحب البلاستيكي/ والورد البلاستيكي/ والوجوه الواجمة ..

مزاجية التسطير

من يتابع الكتابات الحالية لجيل الشباب المبدع في سوريا، سيلاحظ أن ثمة أشكال جديدة لا تأبه للبنى التقليدية في محاولة لمواكبة التطورات المتسارعة للحياة من جهة، ولتقصي “حقيقة” مأساة وملهاة هذه الحياة بعد ربيعنا العربي من جهة ثانية.. وإن كانت قصيدة النثر قد شكّلت تجاوزاً حديثاً لتلك البنى، فإن الكتابات الجديدة تتكئ عليها تارة وتتجاوزها بمزاجية تارة أخرى، أكان في اللغة والموسيقى الداخلية.. أو الشكل والتسطير..  وقد يعود التسطير إلى نهاية جملة وبداية أخرى، أو نهاية معنى ومتابعة آخر،  أو تبعاً للإعراب الذي يحدد الفعل والفاعل والمفعول به، أو الصفة والموصوف .. أو قد تتدخل في ذلك علامات الترقيم غير المكتوبة، والأهم قد تكون هي الموسيقى الداخلية في القصيدة الخاصة بكل كاتب، والتي يمكن أن تظهر بوضوح أثناء إلقائه لسطور نصه الشعري.

لو استعرضنا بعض قصائد الشاعر اللبناني وديع سعادة، الذي يعدّ من رواد قصيدة النثر، سنجد أن لتلك القصائد خصوصيتها الفنية والحسية والبلاغية، إضافة لعمق رؤياها وكثافة مدلولات معانيها، ورشاقة موسيقاها الداخلية، وجمالية ومنطقية تقطيعها أو تسطيرها. وإن درجت عادة التسطير عند البعض بحرصهم على ألاّ تكون السطور طويلة ، نلاحظ أن وديع سعادة لا يأبه لهذه الحسابات، بل يفتح حواراً مع القارئ، وحواراً للقارئ مع نفسه، ودائماً ثمة مقدمات وثمة نتائج واخزة..

الشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين تميّز بقدرته الفائقة على ترويض الكلمات، ومنحها في سياقاتها الشعرية معاني مغايرة، لكنها واضحة وسلسة، ومليئة بتناقض الحياة في آن.. وفي قصيدته هذه يمتلك خصوصيته في التسطير والتقطيع، وغالباً ما يعتمد على اكتمال المعنى ليتبعه بآخر، أما مناقض أو مكمل، ليس للجملة وحسب، بل للمجاز الذي يصبو إليه.. “فحار كجمرة” : مفردتين لكنهما معبرتين تماماً عن المعنى، ليتبعهم بمعنى مناقض بدلالات الكلمة القاموسي والاصطلاحي، “وبسيط كالماء”، ويأتي الوضوح المغاير، إنه وضوح طلقة مسدس الذي يريد الحياة مخاطباً الأحجار التي لاتحب الموسيقى .

الأمثلة كثيرة عن التقطيع أو التسطير للقصيدة النثرية،  وربما يكون ذلك كمقياس أو معيار للمقارنة بين شاعر وآخر، وقدرة كل منهما على امتلاك شكل قصيدته الخاص.. وثمة محاولات جلّية، في بحث حسين الضّاهر عن كتابة جديدة، لامتلاك خصوصية فنية أو شكلية، إن صح التعبير، وضمن تقصّيه لرؤيا القصيدة يلتفت في بنائه لقصيدته النثرية، وتفرض في كثير من الأحيان سردية “الحكاية” أو مشهدية السرد، تسطيراً أو تقطيعاً تلقائياً للقصيدة عنده، وتشي بخصوصية الضّاهر، أو حتى تفرده، لكن ثمة محاكاة أو تقليد أو تخاطر مع شعراء سابقين تظهر هنا وهناك، وهي مازالت ظاهرة عامة في قصيدة النثر العربية.

الشاعر حسين الضّاهر يحاول في ديوانه أن يمتلك تسطيره الخاص، وينجح حين تكون القصيدة/الحكاية مواكبة لحركة شخوصه أو مشهدية مكانه.. كما وينجح حين يتكئ في تسطيره على الوقت أو الأرقام ” نملة ثانية نملة ثالثة .. اليوم البارحة المشهد الرابع الخامس.. لكن القارئ في بعض الأحيان يشعر أنه قد قرأ قصيدة مشابهة في مكان ما..

بينما تعدين النجوم/ بسبابة تجر الصحو من أذنه/ ينكسر ضوء من معصم السماء إلى حافة رصيف الحي/ لیس شهابا هو حبلها السري/ فلا تغرقي في زبد الأمنيات..

وقد يتساءل القارئ أيضاً هل صفحات الديوان تفرض بمساحاتها تقطيعاً معيناً أو تسطيراً محدداً للقصيدة، أم هناك مزاجية عند الشعراء في اختيار شكل القصيدة؟ وكيف ينتهي السطر وتذهب الكلمات إلى سطر جديد دون اكتمال معناها أو معنى الجمل المركبة منها؟

أتعرفين شيئاً من هذه اللغة غير الشتائم؟

مثلاً

كيف سأقول للبائع المتجول بأن صوته يخيف اليمامة

المعششة تحت إبط نافذتي؟

كيف سأقول لهذا النّهر الشارد يكفيك هراء، لا تدع أنك

الفرات؟

كيف أقول للشرطي المنتصب عند حاجز الجسر الشهير

أنا ابن الجنوب

جئتكم على قدمين من طين وزيتون

جئتكم لآكل أكلكم

وأقذف زرعكم

وأشتم بردكم..

حسين الضّاهر، شاعر سوري من مواليد مدينة منبج بريف حلب 1988.

صدر له ديوان (مياه صالحة للقتل) 2020.

وديوان (مشاهد يتلوها البدوي) 2021.

حاصل على جائزة أبو العلاء المعري للفنون الأدبية في عام 2018.

وحاصل على جائزة رابطة الكتاب السوريين بالتعاون مع دار موزاييك 2021.

يكتب في عدد من الصحف والدوريات العربية.

عن محمود أبو حامد

شاهد أيضاً

الزوجة الصغيرة

قصة قصيرة: وليم مارش ترجمة: محمود الصباغ اختار جو هينكلي مقعده في الجانب الظليل من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *