الرئيسية > أدب > “لست حيواناً” لـ وليد عبد الرحيم.. رواية متمردة لذاكرة فلسطينية في سوريا ولبنان
الغلاف

“لست حيواناً” لـ وليد عبد الرحيم.. رواية متمردة لذاكرة فلسطينية في سوريا ولبنان

إذا كان لا بد من التوقف عند عتبة العنوان في رواية وليد عبد الرحيم “لست حيواناً” فإن الإهداء يدعوك للتّعريج عليه أيضاً: “إلى تلك الروح الطاهرة، منال باكير وإلى كل الذين يقتنعون حقاً بأنهم ليسوا بحيوانات”. فالشهيدة (منال) وحبيبها (ماجد خليل الحلو) هما بطلا الرواية والشخصيتان الرئيستان فيها، ولكن ماجد سارد الرواية الوحيد من بدايتها حتى النهاية، في حضوره وفي غيابه، بل وأثناء موته أيضاً.

يتوزع السرد على ثلاثة مسارات، الأول في بيروت بلبنان، يكون السارد فيه فدائياً بريعان شبابه، والثاني طفلاً في مخيم اليرموك  بدمشق. يتخلل هذين المسارين مسار فرعي عن السجون في البلدين، وذلك ضمن زمن وقائعي تخيّلي. أما المسار الثالث فهو في “الفضاء” خارج الزمن وبسرد تخيّلي أيضاً وخرافي.

أدب السجون

يبدأ الكاتب روايته بما يسمى “أدب السجون”، ولأنَّ كلَّ وسائل التعذيب صارت متشابهة، لا يدرك القارئ -إلا بعد حين- أن بطل الرواية تم اعتقاله من بيته وخضع لأسئلة تحقيق مختلفة عن أسئلة المحققين  في سجون  (قوى وأحزاب يمينية معادية للصديق مساندة للعدو)  في بيروت الغربية.

وفي حين ينقطع خيط “السيناريو” الأول الذي تم فيه التحقيق معه كـ شاعر معارض وكحيوان “وابن حرام”، يستمر السيناريو الثاني ويستمر التحقيق معه في سجنٍ ببيروت الغربية كـ حيوان “وابن زنا” متسلل إلى منطقة سن الفيل، بهوية مزورة باسم “محمد علي الأدهم” من قرية نائية في جنوبي لبنان، ويستمر تعذيبه ليعترف أنه فلسطيني “عفريت” إلى أن يصل لقطع عضوه الذكري، ويموت من النزف، أو يدخل في (غيبوبة وفاة)، وينقل إلى منطقة نائية ويُدفن هناك.

إلا أن وجه أمه النوراني يعيده إلى الحياة، فيتسلل عبر خطوط التماس عائداً إلى موقعه العسكري/ الفدائي في بيروت الغربية، وعند صديقه (أحمد الكويتي)، ليشهدا معاً حصار بيروت وتفاصيلَ من القصف الإسرائيلي عليها برّاً وبحراً وجوّاً. وبعد الحصار يعود ماجد الحلو إلى اليرموك ليجد صوره معلقة على الجدران كشهيد.

المسار الثالث

المسار السردي الثالث، مسار غرائبي خرافي، يختلط فيه الواقع بالخيال والجغرافي بالتاريخي، فيتوسل الكاتب الترميز تارة، وتضيع (الرؤيا) و(الرؤية) تارة أخرى؛ هكذا بعد تناوله مشروب (العرق) مع رفاقه، لـ “يذوب في خضّم الفراغ” (بحسب تعبير أحمد الكويتي).. ويحلًق مع منال في الفضاء ويجوبان الخرائط والمدن والعواصم وصولاً إلى سماء حيفا حيث يلتقيان بكائن “قمري” يحولهما إلى قطتين بدون أعضاء تناسلية. ويحدثهما هذا الكائن/ الجّد عن “ذريّة كنعان” عبر التاريخ، وصولاً إلى “ضاهر العمر والجزار والقسام وحبيبي وطوقان وكنفاني ودرويش ..”.

والمفارقة أن هذا المسار السردي لا يتوقف عند صحوة بطل الرواية من سكرته، بل يستمر “الجد القط” في الحضور ضمن طقوس سحرية غرائبية، ويساعده على استعادة عضوه الذكري الذي قطعته له امرأة “عبرية” وهو تحت التعذيب في السجن ببيروت الغربية، ويرافقه إلى دمشق بعد خروجه من حصار بيروت، وليحمله فيما بعد من مخيم اليرموك إلى مستشفى غزة، حيث يجد جثة منال باكير في كيسها رقم (2012) بين ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا .

الغريب والجميل في آن، أن وليد عبد الرحيم في هذا المسار السردي، يحفر في التاريخ  ويحاكي الفلسفة والوجود ويستحضر الأساطير بلغة عالية، ويخوض غمار الخيال العلمي والسينمائي. ينتقل بين المشاهد الخرافية بعفوية رشيقة ويخلط الحقيقي بالوهمي والجمالي بالرمزي، بشاعرية خاصة، فيصير هذا المسار السردي رواية داخل رواية، ويُربك تفردها انتقاله السريع بين مسار ومسار ومشهد وآخر، متكئاً على دلالات المفردة ومرادفاتها.

تداعيات المفردة

يعتمد الكاتب عبد الرحيم على تداعيات المفردة في انتقاله من مسار سردي إلى آخر، ما يمنحه حرية رحبة لتداخل المسارات، ومنح البناء الروائي الشكل الذي يقربه من “الفنتازيا” ويبعده عن البناء التقليدي، ليصير أقرب إلى ما يسمى بـ “بنية الدفقة الواحدة” للرواية؛ ولكن تكرار هذه “الآلية” يصير ممجوجاً بتأويلات قسرية للمفردة.

ففي بداية الرواية يختتم الكاتب مشهد التعذيب في المعتقل بعبارة: “كأنما لديهم رزق واعد بمولود جديد”، لينتقل إلى اليرموك: “أذكر لحظة ولادتي”. وهناك أيضاً الكثير من الأمثلة: “بل فلسطين بأسرها/ الأسر عند الإسرائيليين.. حمل اللاسلكي وطلب سيارة الإسعاف/ أسعفني أبي بسرعة.. أنت أيضاً شقية مثلي/ كان الشقاء قد رسم خرائطه..”.

ولا يخلو أي انتقال من مسار إلى مسار، في كل الرواية، من كلمات متقاربة أو مترادفة، “خاتمة وبداية” وحتى في انتقاله إلى من السرد: “في رحم أمي عرفت معنى أن يكون للكائن بيت”. إلى الشعر : “لا بيت لي/ لا وطن / هذي بلادي/ من هنا/من بدء هذا الركام المتطاول/ إلى حيث ينتهي قوس قزح”.

وثمة مقطع جميل لتداعي مفردة شجرة الزيتون، يستحضر فيه الكاتب السيد المسيح: “وقف بانسجام وثبات ثم انطلق، نزولاً عائداً باتجاه حقل جشيماني، وكان الألم ينزف من أسفل ثوبه كأنه ماء قد استحم به للتو..” .لكنه ينتقل إلى لحظة ولادته: “للتو، صنعت أم محمد الداية  برشاقة”..

يتجلى تكنيك الاتكاء على المفردة كنقطة ارتكاز للتداعي في العنوان “لست حيواناً” حيث يحاول الكاتب، بقصد، ربطه بحالات أو جمل أو أحداث بخيوط داخل الرواية، وخاصة بالانتقال من “الحيوان” داخل المعتقلات إلى الحيوان المنوي الذي كانه، ويفصّل برحلة الانتقال من ثمرة على شجرة إلى “ظهر” والده ومن ثم إلى رحم أمه: “الحيوان المنوي الناجز الذي صرته.. الطفل الذي أصبحته أذهلني، فقد خرج من عقلية الحيوان المنوي، إلى غابة الحيوان الناطق”.

 تُكرر هذه المفردة بصيغ مختلفة، وبجمل وسياقات ودلالات، تكون مقنعة أحياناً، ومتناقضة أحياناً أخرى، فهو الطفل الذي يتعاطف مع الخروف/ الحيوان الذي سيذبح من أجله بمناسبة ختانه، وهو المقاتل الذي يطعمه القط الأعور هارون في موقعهم بالجبل، وهو القط والقطة ماجد ومنال في رحلتهما الفضائية إلى حيفا. لكن القط في الموقع جبان وكسول وأناني ويشبه المحقق الأعور هارون، بينما الجرذ الذي قاسمه لحظات انتظار الموت تحت الركام، كان رقيقاً وادعاً، بادله الحديث والمودة وخاطبه قائلاً: “لا لستَ حيواناً ما لم تر نفسك كذلك”.

غياب المشهدية

 إن الاعتماد في الانتقال من مسار سرد إلى آخر على الألفاظ الذهنية، جعل مسارات الرواية بعيدة عن توقعات القارئ، لكنه ساهم في تغييب المشهدية وحركة الشخصيات وتفاعلها مع الأحداث في “الأمكنة”، فصارت المفردة مفتاحاً لـ”الحكي” عن الحدث، ضمن بناء روائي غلب فيه الزمن التخيّلي على زمن السرد الوقائعي؛ ولذلك تكون الأمكنة، عند القارئ الذي لم يعش تلك الأحداث التي تحكي عنها الرواية، ضبابية تماماً، والمسميات كـ بيروت وحصارها، وسن الفيل والمنارة وأرنون، وغيرها من أسماء الأماكن في لبنان وسوريا.. لا تكفي أبداً.

وكأن بضبابية المشهدية وذاكرة المكان غابت الملامح أيضاً، فهي مجرد إشارات: صاحب الأنف الطويل، الشعر أشقر، الشارب العدائي، ذو الكوفية، حتى حبيبته منال لم يفصّل في ملامحها..

وهذه الضبابية تطاولت أيضاً على تحديد موقف واضح مما يحدث ومن الفاعلين فيه، فالكاتب يقول عن القوات اللبنانية والكاتب، وغيرها من الجهات (الانعزالية): “قوى وأحزاب يمينية معادية للصديق مساندة للعدو”، وربما كانت هناك إدانة حدّية وواضحة للعدو الإسرائيلي وعملائه، وإشكالية أيضاً حول حصار بيروت ومجازر صبرا وشاتيلا: “لكن يهوه كان قد خطف أرجل الطفل المقطوعة لينتعش الكتاب القاتل..”.

تمرد إشكالي

وكما يقول الكاتب: “التخيُّل نوعان عموماً إيجابي وسلبي”، فإن التمرد أيضاً نوعان، ورواية “لست حيواناً” متمردة أساساً بجرأة تناولها لأحداث تاريخية خطيرة ومفصلية في حياة الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، لا تتسع لها رواية بهذا الحجم وبهذا الشكل. هي سيرة “جمعية” تؤرخ لذاكرتنا الشفوية الحرجة، لكنها رواية متمردة على سردها وبنائها، انتقائية في المشهدية، وفي الخلط بين الواقعي والتخيّلي والحقيقي والوهمي.. وفي التفاصيل اللغوية أيضاً، حيث ينتزع الكاتب أي مفردة من بيتها ليضعها في بيئة ثانية؛ كربطه لـ البندورة بغزله بحبيبته منال، وتفصيله لـ”البُراز”. وكون ماجد الحلو الراوي الوحيد في الرواية، فقد امتلك ناصية القول بلغته ومفرداته وحسب، فانعدمت المستويات اللغوية عند شخوص الرواية أيضاً.

في الرواية قصائد شعرية، ولغة شاعرية، ولغة تقريرية أيضاً، خاصة عند حديث “المطهّر الصفوري” عن قريته في فلسطين، وفيها خيال وتخيّل وجنوح، وفيها أيضاً استحضار للمسيح وللتاريخ، وفيها أسطرة وترميز. وإذا كان ثمة ما يسمى بـ”الواقعية السحرية” فإن الرواية بمجملها تنحو إلى الواقعية وتبقي على السحرية الخرافية في مسارها الثالث المتضمّن مفارقات غير منطقية تمتد إليها وتستمر كي يستمر السرد بضمير المتكلم، حيث الجثة تحكي عن كيفية دفنها وتفاصيل قبرها ومن ثم عودتها إلى الحياة. و”الجد/ القط/ الكنعاني” يحمل ماجد من مخيم اليرموك إلى ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا ليتحدث عن تفاصيل اغتصاب منال وقتلها وتشويه جثتها.

ومع كل هذا، لا بد من الإشارة إلى أن وليد عبد الرحيم حاول قدر الإمكان الابتعاد عن السياسة، وعن أي تعصّب تنظيمي، وكان حيادياً على الصعيد الاجتماعي والأيديولوجي، كما تجب الإشارة أيضاً إلى أن هذا القراءة لا تفضل شكلاً أو نوعاً أو جنساً أدبياً عن الآخر، طالما كان حاملاً واضحاً للقول، إلا أنها تدين هذا الخلط العجائبي بين تلك الحوامل، والتمرد الإشكالي للرواية بناءً وسرداً.

سيرة..

وليد عبد الرحيم، كاتب ومخرج سينمائي فلسطيني- سوري، ولد في مخيّم اليرموك بدمشق عام 1964، وتنحدر عائلته من نحف/ عكا في فلسطين.

له 18 كتاباً في الشعر والأدب والسياسة والتوثيق، ونشر عشرات المقالات في الجرائد والمجلات الدورية.

عضو اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، مدير تحرير مركز الهدف للدراسات والتوثيق، مدير برنامج التطوير الفني العربي لتعليم مواد السينما، وأخرج تسعة أفلام.

صدر أول عمل روائي له عن اتحاد كتاب فلسطين “بيت لحم”، وستصدر له قريبًا رواية “ظريف الطول”.

عن محمود أبو حامد

محمود أبو حامد

شاهد أيضاً

محاكمة السياسة للأدب

في القرن الماضي، سُجلت سابقتان مشهورتان من محاولات السياسة محاكمة الفن والأدب، هما الجدانوفية والمكارثية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *