لا مكان للنقد هنا

جوديث بتلر

ترجمة محمود الصباغ

كنتٌ قد عبّرت  في ملاحظاتي النقدية التي عرضتها، في وقت سابق،  في مجلة لندن ريفيو أوف بوكس London Review of Books  حول اللغة التي تستخدمها لجنة التضامن مع فلسطين في جامعة هارفارد؛ وهو نقد مارسته بوحي من روح الحوار والمحادثة.

لم أكن أتوقع إسكات وجهة نظره هذه المجموعة، ولا مدى المضايقات والتشهير بهم الذي سيلحقهم فيما بعد ومن حظر النقاش حول عنف الإبادة الجماعية؛  ولم يعد مهماً الآن إعجابي -أنا وكثير غيري-  بمجمل جوانب الذرائع التي نادت بها بعض المجموعات الطلابية عقب السابع من تشرين الأول 2023. ورغم هذا، ما زال ثمة متسعاً للدفاع عن حقوق هؤلاء الطلاب -وجميع الطلاب- في التعبير عن وجهة نظرهم دون خوف من الانتقام أو تعرضهم للأذى.

لم يعد سراً الحديث  الآن عن الأزمة الحادة  التي تعيشها الحرية الأكاديمية، بطريقة مشابهة لما جرى في الولايات المتحدة خلال  أزمة سنوات المكارثية.  لقد استغلت تهمة معاداة السامية لإسكات الخطاب بطرق لا بد من أن تكون مقلقة للغاية لأي شخص يهتم ليس فقط بحرية التعبير في المجال العام ، ولكن أيضاً بالحرية الأكاديمية في الجامعات. وحتى عندما تعتبر الدعوات لوقف إطلاق النار معادية للسامية، فإن من يدعمون حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في غزة هم وحدهم من سيتم تبرأتهم من هذه التهمة. ولا يمكن للخلط بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية إلا أن يخدم أغراض الرقابة الشديدة على حرية التعبير، لأنه يقيد معارضة العنف الإسرائيلي المستمر الذي تسبب بمقتل ما يقرب من 18000 من سكان غزة حتى الآن ( 13. 12. 2023)، ويسقط  الحق في  التعبير عن الغضب الأخلاقي والسياسي والدفاع عن المبادئ الأساسية لحرية التعبير والعدالة السياسية.

وإذا ما تجرأنا على تسمية القتل بأنه إبادة، أو نية الإبادة جماعية، أو هو إبادة جماعية بحد ذاته، كما أصر أكثر من 800 فقيه مؤخراً(1)، فسوف نٌتهم بمعاداة السامية.  

ولكن ماذا يعني خضوع الحديث عن الإبادة الجماعية  وإبداء الرأي فيها للرقابة فقط؟ هذا يعني من ينبغي الدفاع عنه هو من يتحدث عن هذا الظلم. وعندما يؤكد جنرالات الجيش الإسرائيلي، بدعم من الرئيس هرتسوغ(2)، عدم وجود مدنيين في غزة (مستحضرين عبارة غولدا مائير  المعيبة: “لا وجود لشعب فلسطيني”) فقد مهّدوا، بفعلتهم هذه،  المسرح لتبرئة ساحتهم تماماً  في عملهم على محو المدنيين في غزة؛. فإذا كان قطاع غزة خالياً من المدنيين، فلن يكون هناك، عندئذ بحكم التعريف، قتلى مدنيون، ولا جرائم حرب، وكل عمليات القتل التي تحدث لها ما يبررها.

تعبّر  “لا”  في “لا قتلى بين المدنيين” على منطق الإبادة ذاته، بل تؤكد وتصادق عليه أيضاً. بمعنى لا إبادة جماعية هنا لعدم وجود مدنيين، وبالتالي تسقط حجة من يطالب بالتوقف أو معارضة عمل الجيش.

يتوحد التجرد من القتل مع الرقابة على أي خطاب من شأنه تسمية عملية القتل هذه إبادة جماعية أو حتى جريمة حرب أو يدعو إلى إنهائها.

ومن المنطقي قيام المجموعات الطلابية تنظيم  مسيرات صغيرة وضخمة، على حد سواء، للاحتجاج على هذا المنطق البغيض وعلى حملة الذبح المتواصلة أو على المنطق الداعم لها. وسوف نلحظ كيف سيقلل من يعارضون احتجاجاتهم ، باعتبارها “معاداة للسامية”، من شأن هذه التهمة التي يجب تخصيصها لحالات معاداة السامية الواضحة في الخطاب المعادي للصهيونية. وينبغي فضح  هؤلاء ومعارضتهم لأنه يجب معارضة أشكال العنصرية كافة. وكذلك معاداة السامية القومية المسيحية التي تدعم الصهيونية، والتي يؤيدها نتنياهو.

ولكن في هذه اللحظة بالتحديد نحن مدعوون للتساؤل عن كيفية قيام الرقابة والتشهير والتشبيح والبلطجة والتنمر  بقمع من يدين، بصورة عامة، الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية أو تجريمها ـ ليس هذا فحسب، بل أيضاً  تبرير القتل.Top of Form

وهنالك تطور لافت للانتباه ومحير للعقل بذات الوقت، يتهم أحياناً من يعارضون الإبادة الجماعية بتأييديهم الضمني للإبادة الجماعية، كما رأينا في الاستجواب العلني الذي أجرته النائبة الجمهورية إليز ستيفانيك في السابع من 7 كانون الأول 2023 لرئيسة جامعة بنسلفانيا ليز ماغيل، ورئيسة جامعة هارفارد كلودين غاي، الذي تضافر فيه من الأسئلة ذات مقدمات أولية موضع شك -كأن تفترض انطواء بعض العبارات على نية الإبادة الجماعية – بدلاً من النظر  إلى موضعها في سياق حركة التحرر. فكلمة “انتفاضة” تعني في الأصل العربي “يهتز” أو  “يهز نفسه”. وتُفهم بصفتها حركة ترفض الاستسلام طواعية للعنف الاستعماري،  ومحاولة التخلص من قيود السيطرة الاستعمارية؛ فضلاً عن كونها دعوة للوحدة الفلسطينية.

فهل تعني كلمة انتفاضة بالضرورة عنف الإبادة الجماعية؟  الجواب لا… قطعاً

والآن، قد يتصور البعض انقلاب المستعمَر  على المستعمِر بمجرد تحريره من قيوده  مدفوعاً بنوايا انتقامية وإبادة جماعية. لكن التصور ليس فعلاً  تنبؤياً بأي حال. والواقع أن هذا لن يحدث لو تمت عملية إنهاء جذري للاستعمار بنجاح. وإذا كان غضب الانتفاضة موجهاً ضد السيطرة والسياسات الاستعمارية، فمن المرجح أن ينتج إنهاء الاستعمار عاطفة أخرى تتمثل في الفرح التحرري، والشعور بالحرية، والتحرر من الأغلال التي ما انفكت تشتد على مدى خمسة وسبعين عاماً. ويكفي أن نتساءل عما إذا كان الفلسطينيون يفضلون أن يُقتلوا بيد أطراف غير يهودية لنرى معارضتهم لعنف الدولة .

عندما سئلت كلودين غاي عما إذا كانت جامعة هارفارد ستدين دعوات الإبادة الجماعية لليهود، ترددت قليلاً في الإجابة -وقد كانت محقة في ترددها-، لأن السؤال يفترض أن أي شخص يدعو إلى “الانتفاضة” أو يهتف “من النهر إلى البحر” يعبر عن نوايا(3) هذه الإبادة الجماعية أو يوجه تهديداً ملموساً بمحو الحياة اليهودية الإسرائيلية، أو الحياة اليهودية بالمعنى الأوسع. كان يجب توقف الاستجواب عند هذا الحد لفضح افتراضاته المنفلتة. لكن ممثلة الحزب الجمهوري استمرت، عند درجة معينة، بمطابقة  “الانتفاضة” و “من النهر إلى البحر” ، دون  تأمل، مع الدعوة إلى الإبادة الجماعية لليهود، وفُهمت دعوات التحرير  كتهديد عنيف معاد للسامية.

وسوف نقع في الشَّرَك عندما نستبعد قدرتنا على التأمل في تلك الافتراضات موضع  الشك. وسيترتب على هذا نتائج مروعة تتمثل في استحالة انتقاد آلة القتل الإسرائيلية، أو أي خطاب معارض، دون اعتباره، في الحال، دعوة للعنف – إن لم يكن تهديداً لفظياً بالعنف بحد ذاته. وسوف يكون من حق أي رئيس جامعة التردد قبل الإجابة على مثل هذا السؤال، لأن  النائبة ستيفانيك عرضت مجموعة مقدمات خاطئة وخلطات مخادعة بالشكل الذي صيغ فيه السؤال. وكان على كلودين غاي، عقب استقالة ماغيل، اتخاذ قرار أخلاقي بالوقوف بوجه أشكال محاكم التفتيش التي تخلط بين مقاومة العنف الإسرائيلي ونوايا الإبادة الجماعية، والدفاع عن حقوق الاحتجاج والمعارضة، وإلا ستتحول إلى أداة تمارس الرقابة والإنكار.

وفي الحقيقة، لا يبشر اعتذارها العلني بالخير. وأيّا كان ما ستقرره في نهاية المطاف، فسوف يشكل سابقة تطارد الحرية الأكاديمية وحرية التعبير.

نرتاب، في الجامعات، بالسؤال والاستجواب؛ وبأسسه وبنيانه. وإذا ما فقدنا هذه القدرة النقدية في فصولنا الدراسية وحياتنا العامة، نكون قد فشلنا في مهمتنا، وخذلنا أنفسنا وطلابنا.

ما زال الرقيب شرساً وسوف تترتب تبعات ونتائج على عمله، ليس أقلها  إلغاء أو فقداننا مناصبنا، أو  تشويهنا على يد سائل الإعلام.

وببساطة، يطيع الكثير، دون اقتناع، مطلب الإشارة إلى إدانتهم لـ “حماس: بطرق نمطية وبدافع الخوف.

لقد اختفى الفكر النقدي ، وأصبحت المطالبة بإظهار الإدانة الأخلاقية شكلاً من أشكال الإرهاب الأخلاقي.

تعرض موقف كلودين غاي للخطر منذ البداية عندما سمحت بتشهير بالطلاب والفشل في دعم حقوقهم الأساسية في حرية التجمع والتعبير. وبطبيعة الحال، فقد تعرضت وسوف تتعرض الآن لانتقادات من قبل الصهاينة لعدم تدخلها  بحظر لجنة التضامن مع فلسطين في الجامعة بسرعة وبوحشية.  وقد عملت الجهود المبذولة لقمع رسالتهم في بدء موجة رقابة، رسمية وغير رسمية، على حرية التعبير في الجامعات كما نراها الآن.. ولا يقتصر أمر مواصلة الرقابة سماحها باستمرار ذبح الفلسطينيين فحسب؛ بل تظهر بمنزلة مرآة تعرض وتبرر، في ذات الوقت، عنف الدولة.

تخنق دولة إسرائيل المعيش اليومي الفلسطيني، كما يتم  تقييد الحرية في التعبير عن التضامن مع النضال الفلسطيني (والذي يفهم على أنه أوسع وأكبر من حماس ذاتها). فأحدهما يتطلب الآخر، لأنه لا يمكن كسب الحرب ضد المدنيين إلا إذا:

(أ) كان المجتمع الدولي مقتنعاً بأن المدنيين إما دروع بشرية أو جميعهم إرهابيون.

(ب) إذا أمكن قمع انتقاد تلك الافتراضات، من بين  استمزاجات مروعة أخرى، بشكل  علني وصريح.  

بعبارة أخرى، يتطلب  القتل بهذا الحجم مع الإفلات من العقاب حملة رقابة تسكت الخطاب الذي من شأنه فضح ومعارضة هذا القتل وتاريخه والعنف البنيوي للدولة ذاتها.

ليس طلاب جامعة هارفارد وحدهم من يجدون خطابهم مشوهاً في حفل الاستقبال العام؛  ومحاصرة حياتهم اليومية بسبب الهجمات الإعلامية وحملات التشهير وغيرها من المضايقات. بل كل خطاب طلابي يسعى لمواجهة الخلط بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية، أو في الواقع، كل الجهود المبذولة لتسمية القتل الإسرائيلي كإبادة جماعية، سيكون خطاباً مستهدفاً، وسيتعرض صاحبه للمضايقة وسحب عروض العمل، وستتوقف تطلعاته المهنية أو تدمر، وستتأثر قدرته على تحمل الاتهامات المروعة وتتحول  إلى أحد أشكال الضرر النفسي الذي لا يستطيع أحداً سواه  شرحه والتعبير عنه بصورة حقيقية (يوماً ما).

إذا كانت هذه اللحظة أقل توتراً وكراهيةً، فقد نستطيع التوقف، برهةً، لنطرح بعض الأسئلة المهمة.

هل حماس حركة إرهابية أم حركة مقاومة مسلحة؟

عندما يدافع الطلاب عن فلسطين، هل يدعون بإنهاء الاستعمار، وإنهاء عنف الدولة الإسرائيلية، أم أنهم يهتفون لموت الإسرائيليين؟

هل علينا سؤالهم عن ذلك؟ وهل سنكلّف أنفسنا عناء معرفة الجواب؟  أم ينبغي لنا، كما نفعل الآن، التوصل سريعاً  إلى استنتاج مفاده أن تحرير فلسطين يؤدي إلى موت الإسرائيليين؛ في حين أنه قد يؤدي، في الواقع، إلى إمكانية جديدة للتعايش، سواء في حل الدولة الواحدة أو الدولتين أو أي شكل آخر من أشكال الحكم السياسي؟

لم تزل، كما هي لم تتغير، تحالفاتي السياسية مع الأدوات والأهداف اللاعنفية لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات BDS التي تتوافق مع قيمي الخاصة. ولكن ربما يكون من المهم سؤال من يدافعون عن حماس، كحركة مقاومة مسلحة، كيف يضعون هذه المقاومة المسلحة في سياق تاريخ الكفاح المسلح، وما هي الشروط، إن وجدت، التي يجب تحقيقها لوقف استخدام السلاح في النضال؟.

إحدى الإجابات الواضحة هي وجوب وقف أو إنهاء عنف دولة إسرائيل.  فإذا كان عنف دولة إسرائيل هو شرط ممارسة المقاومة المسلحة، فإن وقف هذا العنف سينتج بلا شك تشكيلاً سياسياً آخر.

لقد اختلفتُ مع “لجنة التضامن مع فلسطين في جامعة هارفارد” في مقالتي التي أشرت إليها في بداية حديثي هنا لزعمهم أن “نظام الفصل العنصري هو المسؤول الوحيد” عن الهجمات القاتلة التي شنتها حماس على أهداف إسرائيلية.

لقد اعتقدتُ “من الخطأ توزيع المسؤولية بهذه الطريقة، ولا يوجد ما يعفي حماس من المسؤولية عن عمليات القتل البشعة التي ارتكبتها”.

لا أرى من المنطقي القول إن العنف الإسرائيلي هو ذاته العنف الذي ترتكبه حماس، لأن حماس لديها برنامجها الخاص باللجوء إلى الكفاح المسلح، وهي  تتحمل وحدها مسؤولية هذا القرار. ويمكن للزعم القائل باعتبار عنف حماس هو مجرد عنف إسرائيلي يعكسه الفلسطينيون على الإسرائيليين أن يقوض تبعية الفلسطينيين الذين اتخذوا موقفاً مؤيداً للكفاح المسلح؛ فهؤلاء ليسوا وسائط تعكس العنف الإسرائيلي، بمعنى لا يمثلون مقلوب العنف الإسرائيلي، ولكنهم يتصرفون بوحي منهم ومن أسبابهم الخاصة.. أو هكذا أفترض.

غير أن هذا لا يمنع من الاعتراف بصواب ما يراه الطلاب في انتفاء الحاجة للكفاح المسلح ما لم يكن هناك تعرض مستمر لا يطاق لعنف الدولة تمارسه سلطة استعمارية ضد المحاصرين والمحرومين. لكن هذه التأملات الفكرية بالكاد يمكن إيصالها، ناهيك عن إمكانية دحضها أو إثباتها جدلياً، في ظل الظروف التاريخية الحالية. فأرواح الفلسطينيين تتعرض للدمار في غزة، وسوف يعترض كل فلسطيني على ذلك التدمير. فإذا اعترضوا، ونحن نعترض معهم، فهذا لا يجعلنا مؤيدين لحماس. بل يجعلنا  نقف، بكل بساطة، موقفاً نقدياً صريحاً ضد الإبادة الجماعية.

وإذا ما اتفقنا على ذلك، فأرجو السماح لي، إذن، بالاعتذار والتوضيح التالي :

للطلاب الحق، كل الحق، في معارضة الطريقة التي تم بها تأطير “الصراع” في الصحافة، والطريقة التي جعلت من يوم السابع من تشرين الأول؛ ومن أفعال حماس ،نقطة انطلاق زائفة لأي نقاش عام، مما سمح بشطب خمسة وسبعين عاماً من عمر الاحتلال والاعتقال والتهجير ونزع الملكية وسرقة الأراضي.. وهي ممارسات وجدت قبل هجوم حماس.  وهذا لا يعني ضرورة دعم جميع  ما تحتويه رسالتهم، أي رسالة التضامن الطلابية، إنما من الضروري العمل على استنكار، دون قيود أو شروط، الطريقة التي تضرر بها النقاش العام على يد الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة.

نعم.. للطلاب كامل الحق في الكلام، والتحدث علناً ضد الظلم، وحقهم في إيصال صوتهم/ أصواتهم ضمن الحيز العام ومناقشتها بصورة عادلة، فالرقابة على حريتهم في التعبير غير مقبولة بأي شكل من الأشكال، لأن تطبيقها سوف يجبرهم على الصمت أمام ما تتعرض له حياة الفلسطينيين من هجوم مروع، كما تعمل، أي الرقابة، على منع تفسير حملة المذابح التي تشنها إسرائيل الآن  كجزءً من حملة أطول تتمثل بحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الأساسية في أرضه ووطنه. ومستقبله في حق تقرير المصير السياسي الحالي من العنف.

يقال إن الرقابة  أداة الضعفاء.

وهذا صحيح عموماً. صحيح إن الرقابة تتمتع بسلطة ما، لكنها تقر بعدم سيطرتها على من يستخدمها. فمن ينشر الرقابة هو من يسعى إلى احتواء أو القضاء على وجهة نظر لا يريد سماعها.

تنسب الرقابة قوة كبيرة لوجهة النظر هذه لأنها ربما تدرك أن المعارضة الصريحة للظلم يمكنها جذب مؤيدين لا يزالون يتمتعون بالشجاعة لرؤية وفضح ومعارضة رعب ما يحدث.

قد تغرس الرقابة الخوف من الرقيب في من يرون عملها كجناح ثقافي للحملة العسكرية ضد فلسطين.  ولكن هناك دائماً من يرفض أن يتم احتواؤه أو إسكاته على يد الرقيب، أولئك الذين يوقظ الرقيب حساسيتهم ومشاعرهم ويعارضون قمع صوتهم ونقاشاتهم.

لننضم، إذن،  إلى صف  المؤمنين بحق  حرية الحديث الطلاب، ومعارضة الظلم، ولفت الانتباه إلى تاريخ الطويل للعنف الذي بلغ ذروته في هذه اللحظة الرهيبة.

يجب أن تكون الجامعات أماكن حرة نتعرف فيها، بحرية، على تلك الآراء ووجهات النظر ، حيث يتمتع الطلاب بحرية التعبير عن آرائهم المعارضة، وحيث يجب تشجيع النقاش حول مزايا وجهات نظرهم وجدارتها. فهناك الكثير من المحادثات الواجب إجراؤها، بما فيها  كيف يمكن لمن هم ملتزمون باللاعنف لعب دوراً نشطاً في الحفاظ على حقوق التعبير وانتقاد الأكاذيب.  

وفي الواقع، تنتمي الرقابة إلى آفة الاستبداد. وبما أن الهجمات على الديمقراطية في ازدياد وانتشار ظاهر، فتقع على عاتق مديري الجامعات مسؤولية حماية حقوق حرية التعبير، خاصة عندما يكون الجو متوتراً، واللغة مشحونة، وتحل الادعاءات والتهديدات محل التفكير والنقاش.  

فإن تكن ممنوعاً من معارضة الظلم، هذا بحد ذاته معاناة وظلم من نوع  آخر.  

فهل يمكننا أن نجري نقاشاً حول العدالة؟

قد تتاح للجامعة بعد ذلك فرصة تجديد سمعتها في التحقيق المفتوح.  

فهل يمكننا الاستماع إلى طلابنا؟

قد تتاح للجامعة بعد ذلك فرصة لتصبح مكانا للتعلم وتقدم ، لأعضاء هيئة التدريس ، درساً جديداً في التواضع.

….

المصدر: https://www.bostonreview.net/articles/there-can-be-no-critique/

الهوامش

1 للمزيد، انظر، https://ccrjustice.org/sites/default/files/attach/2023/10/Israels-Unfolding-Crime_ww.pdf

2 للمزيد انظر، https://thewire.in/world/northern-gaza-israel-palestine-conflict

3 https://www.versobooks.com/en-gb/blogs/news/zionism-s-political-unconscious

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

المؤتلف والمختلف بين الولايات المتحدة وإسرائيل في السياسات العنصرية المنهجية

نهلة عبدو ترجمة محمود الصباغ يكمن التشابه الكبير بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الدافع الرئيسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *