الرئيسية > ثقافة وفنون > فوتوغرافيا الجراح الفلسطينية: البعد الأنثروبولوجي في أعمال فدوى روحانا

فوتوغرافيا الجراح الفلسطينية: البعد الأنثروبولوجي في أعمال فدوى روحانا

لا يلزمكَ أن تكون فِلَسْطِينِيًّا لتحب فِلسطين
حُبها لا يعرف جنسيةً أو هوية
حبها يكون بالفطرة. .
شيء يشبه حبنا لأمهاتنا بلا تفكير!

تمهيد

تشكّل القضية الفلسطينية بعداً وجودياً مترسخاً في الوعي الجمعي العام لمساحة المشهد الإنساني وللفرد الفلسطيني خاصة، فهو ترابي التأصيل في نزعته وسلوكه. يولد ويده تمسك حفنة تراب متجذرة في قاع رحمه، وأول كلمة تتشكّل في فمه هي الأرض، يكبر يطحنها بنواجذه لفرض وجوده، رافضا أي قوة قهرية لانتزاعها منه مهما مضت التضحيات في جسده وامتد وقعها في سني حياته.
هذه القيمة تركزت في الوعي الجمعي وتركت أثرها في جينات الإنسان الفلسطيني مستوطنة حواسه ومشاعره ولغته وسلوكه اليومي، ولن تسطيع أي قوة قاهرة طمس وتشويه ثوابتها وتحاول استبدال هذا التنميط الانتمائي. فقد صار متبنى ذاتيا تنعكس مفرداته في اي فعل ارادي أو منتج فكري وثقافي وفني يقدّمه الإنسان الفلسطيني ومن بينهم (المصورون) فهم شهود العصر والتاريخ التي ظلت عدساتهم تحفر في أخاديد هذه القضية وتتدافع عن تجسيرها في فعاليات الحياة العامة للإنسان الفلسطيني.
وتلمسنا هذا الاثر متجذرا بقوة في أعمال المصورة الفلسطينية فدوى روحانا
التي تعد اشتغالاتها النوعية أيقونات بصرية مقاومة للدفاع عن قضايا شعبها وتلاحق تحولاته الزمنية. وقدّمت أعمالا جمالية اقتربت فيها من الاثر الحداثوي للفن الفوتوغرافي العالمي المعاصر مستثمرة أساليبه وتقنياته في التعبير عن قضيتها دون أن تتنازل عن خصوصيتها المحلية، التي ظلت محافظة على التركيز عليها بشكل واضح وصريح طوّحت فيها سردية الصورة وأخضعته ليكون مشروعا أنثروبولوجيا، قدّمت من خلاله قضية الإنسان الفلسطيني ككائن جماعي تفحّصت سلوكياته المجتمعية وعرفت بطباعه وآثاره وبنائه الإنساني ونزعاته الروحية المقاومة للاحتفاظ بقيمة الأرض، واستطاعت أن تحوّل الصورة إلى خطاب بصري قادر على التعبير عن قضية شعبها والمساهمة في تقديمه للعالم بشكل جمالي محققة فيه علامات بارزة في بانوراما الفوتوغراف العالمي والذي انتزع هذا الاهتمام لقراءة بعض جوانب منجزها المتنوع في مقوماته الجمالية المتعددة والغنية في مفاهيمها.

جدلية الحوار

كان اكتشاف الذات في العربات
وفي المشهد البحري
في ليل الزنازين الشقيقة
في العلاقات السريعة
والسؤال عن الحقيقة

نمطّت اشتغالات فدوى روحانا الشخصية الفلسطينية بنمط الشخصية الحوارية فهي مستودع متحرك على الأرض يفيض بسرد معبّر عن مشاعر الحرمان والغضب والمعاناة اتجاه وجود المحتل في أرضها. فالإنسان في أعمال فدوى روحانا شخصية وصفية ساردة لمشهدها الواقعي وتجيد من خلال عدستها الواعية الاحتفاظ بلغة تعبير بصري لانفعالاتها الجماعية. ولا تميل إلى تسجيل منفرد لشخصياتها وهم بحالة انعزال تام في مكانية صورتها، وإنما تتعمد اقتناص أفعالهم في لحظات استجابة نوعية وهم منشغلون بفعل جماعي غير منعزلين في دلالة واضحة تعبر لنا فيها عن نزعة الفرد الفلسطيني الميال إلى الانتماء لروح الجماعة، وتذهب هي بكاميرتها تشاركهم بزواياها الخاصة مسجلة مواقفهم الموحدة ومتفحّصة فاعلية حياتهم ومدوّنة لعلامات تعابير وجوههم الطافحة بمسحة سرد معبّر.
أعمال فدوى روحانا ليست صماء تكتفي بالتوثيق اليومي لحركة الشارع بل إنها أعمال ناطقة بالوجع ونسمع من أعماقها أصواتا لحوارات غاضبة ومتسائلة وعاتبة. وتظهر شخوصها مترابطة بإيقاع جماعي وكثيرا ما نجدها وهي داخلة في حوارات مبطنة تميل للتساؤل والمجادلة حتى مع ذلك العدو القريب من حياتهم تترك عدستها تقترب منهم بحذر شديد تسجّل عن بعد انطباعاتهم وتتفحّص ردود أفعالهم التي تلتقطها في قراءة وجوه شخوصها الضاجّة بحوار الادانة والاستنكار وإن كان حوارا مكبوتا لكنه مليء بالإفصاح المعبّر عن الرفض المرسوم في وجوه الشيوخ والامهات والباعة .

أخلاقيات الأرض

هذه الأرض التي تَمْتَصّ جلد اَلشُّهَدَاء
تَعِدُ الصيف بقمح وَكَوَاكِب
فاعبديها!
نحن في أحشائها ملح وماء
وعلي أحضانها جرح. . . يحارب

يرجع الفضل إلى الفيلسوف الأمريكي “ألدو ليبولد” في صياغة مصطلح “أخلاقيات الأرض” والذي دعا فيه إلى الحاجة الماسة لإيجاد قيمة أخلاقية في التعامل مع علاقة الإنسان بالأرض وحدد الجذور الأخلاقية “اقتصاديا ونفعيا وتحرريا ومساواة” التي تتطلب تضحيات جسيمة من بني البشر لتثبيتها في علاقات عيشهم عليها.
هذه القيمة الإيكولوجية عملت فدوى روحانا على الإقرار بها وهي تحتفي بالأرض في صورها كمعادل موضوعي لما تشكو منه في قضية شعبها التي يشكل فيها مفهوم الدفاع عن الأرض قيمة وجودية ترتبط بوجود الإنسان الفلسطيني، وسعت على أن تصنع منه أثرا في أعمالها حقّقت فيها إشغالا جماليا برزت فيه قوة حضور علامتها كحاضنة وجودية تمكنت من تحقيقه بتكوينات مختلفة وساهمت بإبرازه بإنشاء بصري عبرت فيه عن رغبة التصاق برحم أرضها وهي تحاكيها بوصفها منبت وجود الإنسان.
تعمّدت فدوى روحانا أن تشتغل على موضوعة الأرض في قيمة لونية مبتعدة عن الصبغة الأحادية التي كثيرا ما يعمد المصورون على مخاطبة الأرض فيها ليتجنّبوا تأثيراتها اللونية على إضعاف ثمرة تكويناتهم. ولم ترغب فدوى بتقبّل معادلته في أعمالها فذهبت تقتصد التعامل مع الأرض بوصفها علامة وجود لتختار جبال أريحا الجرداء والقاحلة مكانا جماليا تؤسس فيه علاقة لونية خاصة حافظت على أن تعرفنا فيها على لغة أرضها وتسمعنا ألحانها كاشفة عن مرارة اختفاء النظارة والخضرة منها هامسة لنا عن إدانة مبطنة لوجود عدو لا أخلاقي اغتصب الأرض واستلب نعيمها!
فدوى تعتقد أن “الألوان هي حكاية الأرض “فقدمت أرضها بزوايا وألوان مختلفة الإيقاع برزت فيها قوة التعبير عن الصلابة والمقاومة وانتزعت في قسم منها مشاهد عالجتها بمسحة ذهبية أخّاذة بعثت فيها رسائل أمل مشرقة لكنوز ارضها المعطاء وهي أعمال حققت لها مكانة في معارض دولية استحقت خطف جوائزها.

البطل المغيب

أحمد الآن الرهينة
تركت شوارعها المدينة
وأتت إليه
لتقتله

ما نفتقده في أعمال فدوى روحانا، ولعله يشكل إشارة مقتصدة في أعمالها هو غياب المؤشر الفعلي والمكاني لوجود الفتية الشباب في أعمالها، فهم قليلو التواجد في سرديات أعمالها التي نلاحظ فيها حضورا بمساحة واسعة لحياة كبار السن والكهول والمرأة والعجائز من النساء. كما يتواجد في أعمالها بعلامات واضحة الأبناء مقيدّي الحركة.
لكنها تركت فعل الرجال الشباب في موقع البطل الغائب المفتقد للحضور في صورتها وأرادت أن تهمس لنا بصورة غير مباشرة عن غيابهم القسري وهم محجوزون في زنازين السجون او منشغلون في فعل وروح المقاومة المحجوبة عن الأنظار، تاركة بتغييبها لهم علامة إدانة بمسحة ساخرة لعدو راح ينشغل في مراقبة النساء والعجائز والاطفال! ولمسنا ذلك في أعمالها كتعبير مبطّن لا يمكنها الجهر فيه بشيئيات صورتها المأسورة بسلطة الرقابة القهرية من عدو يخشى إدانته حتى في همس الصورة.

ذاكرة الطفولة

تَشْهيت الطفولة فيك
مذ طارت
عصافير الربيع
تجرّد اَلشَّجَر!

قيمة خاصة يمكن العثور عليها بوضوح في أعمال فدوى روحانا وهي تسجّل وتتابع بحرص حياة وعالم الطفولة المغتربة في وطنها فهي تذهب إلى مراقبة وجوههم وأفعالهم العاكسة لرغبة التعبير عن حجم ما ينقصهم من حرية وحقوق مفتقده، فكثيرا ما يظهرون في أعمالها وهم ملتصقون بحذر ومقادون بشدة من قبل أهليهم، يفتقدون حرية الحركة والانعتاق. ودائما نشاهدهم مكبلين بسلطة الأيادي خشية التيه والفراق والضياع والخطف القسري من عدو متربّص في كل مكان.
طفولة تفتقد حقوق إرثها الاجتماعي ومحرومة من ابتسامتها وحريتها وعالمها الخاص! حتى في تلك المشاهد الشاذة عن هذه القاعدة وجدناها وقد سجلت لهم أوقات فرح وعفوية وهم يلعبون حذرين لكنها تركت هاجس الخوف يسيطر عليهم وراحت تتابع مراقبتهم بسلط ماكيتات الملابس! او تظهر لقاءاتهم مجتمعين تتمازج فرحتهم بانشداد عاطفة جماعة تركته لنا في أحد أروع لقطاتها تعبيرا عن هذا الكبت والحرمان الطفولي المحزن.

مظاهر الإدانة

وأعدّ أضلاعي فيهرب من يدي بردى
وتتركني ضفاف النيل مبتعدا
وأبحث عن حدود أصابعي
فأرى العواصم كلها زبدا. . .

لم تتصالح فدوى روحاني بترك إمكانية صورتها الواقعية الحذرة وهي تسعى لتحريك ضمير العالم عن مأساة شعبها بكل ما امتلكته صورتها من مشاهد إفصاح واضحة الإدانة في واقعيتها التعبيرية، ووجدت نقصا في مقدار الاثر الذي أرادته لمحتوى أعمالها ليترك تفاعلا إيجابيا مع وعي المتلقي العربي الذي يكتفي بالفرجة والاستنكار والشجب والتظاهر. ولم تتوافق هذه الاستجابة مع طموح ومسؤولية فدوى روحانا التي تعتقد “أن الصورة يجب أن تكون قادرة على زعزعة يقيننا” كما وتعد الكاميرا “ضرورة وجودية فهي عين ثالثة تساعدها على فهم واقعي لمنطقتها المضطربة باستمرار. وهي تدرك أن العين البشرية ضيقة جِدًّا بحيث لا يمكنها احتواء الطبيعة الساحقة للحياة” بهذه الاستعارة أرادت فدوى روحانا اعتماد مفهوم الصدمة النفسية بالذهاب إلى توظيف كاميرتها في مخاطبة الوعي الإنساني مستثمرة حدثا جماعيا يتجاوز حدود الجغرافيا المحلية فوجدت في طقوس حج مسيحيي العالم لمدينة بيت لحم بوابة لتأسيس بعد جمالي استثمرته في التعبير عن قضية شعبها متعدد الديانات والمتصالح والموحد في العذابات والاستلاب وضياع للهويات. وأرادت الاشتغال على هذه الأحدوثة العالمية وتتفاعل معها بتوظيف فوتوغرافي مفاهيمي اشتغلت عليه في جماليات صورتها، لتصدم ذائقة المتلقي العالمي وتستميله نحو قضيتها بتفاعل أقوى، لا سيما وهو متلق يقظ يستوعب خطاب الأساليب الحداثوية في الصورة ويتفاعل مع مدياتها المعرفية، ولا تريد أن تبدو امامه بعدستها المحلية منحسرة بأسلوبها الواقعي التعبيري تكتفي بتسجيل لافتات إدانة تصدر عن مواطنيها عبر نقل نبض حياتهم ويفقدها قوة التأثير في تلقي أعمالها على نطاق أوسع. فذهبت هذه المرة للتعبير عن قضيتها بأسلوب جمالي متفرّد أدرجته تحت مسمى أشكال الذاكرة Shapes of memory تشكلت من خلاله انعطافة جمالية في مسيرتها الفتوغرافية وحقق لها انتباهة عالمية حصدت فيه على مواقع متميزة في المشهد الفوتوغرافي العالمي احتفت فيه أكثر المعارض والمؤسسات والبنالات شهرة عالمية، نحاول في هذا المسعى النقدي أن نفكّك أبرز السمات الجمالية لأعمالها المتميزة في هذا المحور.

إشكالية الذاكرة

في القُدس يا قافِلةَ اَلْحُجَّاج
الليلةَ الأعراسُ في اَلنُّزُول
لِبَيت لحمٍ نعبرُ اَلْفِجَاج
أرض السلامِ وَعرة اَلدُّخُول
يا أيها اَلْحِدَأَة في اَلشِّعَاب
لِمَن تدقُّ ساعةُ اَلْإِيَاب
أتسمعونَ مَن تُنادي اَلرِّيح
هَيّا إلى مَغارةِ اَلْمَسِيح

تتشكل القيمة الجمالية في صور فدوى روحانا الحلمية باعتماد تحليلِ الخيالِ الإنسانيّ ومكوناتهِ فيما يُنتجه من صورٍ حُلميّةٍ تتشكل منها صورة الذاكرة وصورة المتخيّل. وإن ما يتمثل في البعد اللامرئي في اشتغال صورها في محور أشكال الذاكرة يبدو “عالماً شبه واقعيٍّ وهو من جنسِ صور المتخيّل، التي تُحاولُ ذاكرتنا أن تستوعبَ فيه لحظتين زمنيتين تنطلقُ من الحاضرِ لتعيش في المستقبلِ، ومنها ما يختلطُ بالصور الماضية، ويتصلُ بأحلام اليقظةِ الحالمة في الحاضرِ الممتدِّ إلى المستقبلِ. وبذلك تكونُ الصورةُ مُنْتَمِيَة إلى أكثرِ من لحظةٍ زمنيّةٍ تنبثقُ منها، وإلى أكثرِ من مرجعية تصدرُ عنه”.
بهذه الاستعارة للمنطق الظاهراتي عند الناقد الجمالي غاستون باشلار تتأسس معايير اشتغالات الذاكرة البصرية عند فدوى روحانا فهي لا تتقصد أن تشوّه صورتها لتهرب من واقعيتها، او لمجرد توق لتغريب فني تدلّل فيه على مقدرة أسلوبية. بل هي تريد اتهامنا بالعمى الذي يصيبنا عن عدم رؤية مآلات بلدها ومآسي شعبها بعد أن قدّمت قضيتها على طبق حاد الوضوح وساخن في محتواه، لكنها لم تشعر بقيمة التفاعل المطلوب مع مضمونه. فجاءت عبر هذا المحور لتفتت هذه القاعدة وتجعل من صورتها مطرقة إدانة لغربة الذاكرة الإنسانية وتتهم خيال من يبصرون واقع بلدها بفقدان البصيرة والإصابة بالغوش فهم غير قادرين عن رؤية ما يحصل فيه من حقائق مغيبة عن الضمير الإنساني وارادت أن تقول من خلال عتمة أعمالها “ليس الأعمى من فقد قدرة الابصار والتخيل بل من اضاع الضمير والبصيرة وهو العالم الذي لم يعد يرى ما يحصل رغم انه يسمع”!
فتقصدت ترك شيئيات شخوص ذاكرة اعمالها ينثالون في اشكال طقسية تظهرهم سابحون في عوالم ملكوتية حالمة يتخلون عن واقعية وجودهم. وتركت أرواحهم تتسامى في هالات ضوئية شفيفة تهيم فيها شخوصها حائرة متلمسة تطهيرا روحيا مؤمّلا. ولم تجرؤ على كشف كينونتها أمام خلاص تطلبه، فراحت تنشد بصمت تسابيح تستفرغ فيها اعتراف بمقدار ما اقترفته من ذنوب.
اغتراب زماني ومكاني تقصدته فدوى في اشتغالها، عكست فيه غربة شعورية لأرواح العالمين الذين زحفوا يحجوّن لطلب خلاص يرتجى لكنهم اصطدموا بغربة أخرى تمثلت بضياع الأمل لأرض مخلّصهم وتركوا فيها مستلبين لا يقون على النطق بالرفض والإدانة تقيدهم سلطة محتل صار يرسل عيونه في كل مكان تراقب مفردات صلواتهم. ليتحولوا إلى كائنات شبحية لم ترغب فدوى أن تسلط عليها الأضواء الكاشفة لتحافظ على سرية نشجها. وتلمست عوالمه تحت وطئت الإضاءة الخافتة لتحافظ على ظهور متوارِ خلف ملاءات سابحة انعكست فيها وجوه كسيرة محبوسة الأنفاس تطوّقها عزلة وجودية راحت ترنو متطلعة تستحضر الام وعذابات سيدها المسيح تقرأ آلامها عنده في ألواح كتبت في صليب مقصلته.
صور لذاكرة متخيلة تمكنت فدوى أن تقحمنا فيها بقسرية جمالياتها الغرائبية أسمعتنا تعابير شخوصها الهلامية أنات استفرغت سردياتها آلام عالم مكبوت ومكره على الصمت وتريد لهذا المشاهد الانعزالية أن تحفر بجدب الذاكرة الإنسانية مستهدفة ردة فعل لمضمون ما حملته تغريبة صورها.
روحانا لم تشأ الاكتفاء بإيحاءات السرد الواقعي لقضيتها وأرادت هذه المرة التعبير عنه بتغريب فني يعتمد قاعدة (إذا أردت أن تجسد شيئا فبالغ به) لتصدم ذاكرتنا بهذه الغريزة الغرائبية في صورتها وتترك عندنا فضول التأمّل في تفاصيل صورتها برؤية متخيلة نبحر فيها لفهم لجة ماهياتها، فهي صور يصفع غموض محتواها جدب الذاكرة الإنسانية المتهمة بالخمول والسكوت والنسيان والتغاضي عما يحصل من آلام تحملها يوميا آلاف الصلبان تجوب كل أرض بني البشر وتعصف بالمسكون من بطانة ذواتنا الخاوية منشئة عصفا ذهنيا لتفكيك مواقفنا الميتة.

تقنية الصورة

تلجأ فدوى روحانا، للعمل مع الخامة الواقعية في إنتاج صورتها بأسلوب بسيط يعتمد القواعد الأساسية لفن الفوتوغراف فهي لا تبدو ميالة إلى اعتماد التداخل التقني في معالجة صورتها إلا ما ندر حين تجد نفسها مضطرة في بعض المرات لتستثمر المعالجة في تعميق الأثر في صورتها دون مبالغة إثرائية تفقد صورتها مناخها الطبيعي. ووجدناها تهتم كثيرا في حاسة التكوين في صورتها وتحافظ عليه بصرامة وتبدو ميالة إلى التجريب كما بدأ واضحا في محور اشكال الذاكرة وتجبر عدستها لتنفتح قسرا في الأماكن القليلة الإضاءة رغم صعوبة ذلك فقد بدت متمكنة من السيطرة على معالم صورتها وإنشائها بإضاءة منخفضة جازفت فيها لإظهار مواضيع تجاوزت عسرة الضوء محقّقة إمكانية فنية عالية في إبراز شيئياتها وتجسد ذلك في محور أشكال الذاكرة بشكل واضح. كما أنها تمتاز بقدرة ترك كاميرتها تتحرك بانسيابية وهدوء لتحافظ على التقاطات عفوية غير مصطنعة مكنّها أن تتواجد في لحظات حاسمة سجلت فيها اقتناصات نادرة وان اضطرها بعض الأحيان أن تخسر قيمة التوازن في إحكام تكويناتها لتربح المحتوى وتجلى ذلك في بعض أعمال حياة الشارع.
فدوى تبدو في اشتغالاتها الفتوغرافية مستفيدة من تخصصها في الهندسة الصناعية فوجدنا عندها حرصا شديدا في تشكيل وحدات صورتها لتربح مخرجات إنتاجيتها دون إسراف ودون تضحية بمساحة صورتها ومقاييس توازناتها، وتمتاز اغلب أعمالها بقوة حضور الانشاء السردي فيها لتبدو ككاتبة تستبدل مفردات التعبير اللغوي بإنشاء صورة متخيلة تكتب أحدوثتها بالنور لتظهر اغلب أعمالها في حياة الشارع تحمل نفسا لسرد قصصي واضح.

آثار التجربة

في مجمل ما نستخلصه من اشتغالات فدوى روحانا بتجربتها الفتوغرافية الثرية هي تلك الدعوة التي حملتها للإدلاء بشهادتها التاريخية لتقول “إن هذه المشاهد السريالية للحجاج الذين يحملون آلامهم من أوطانهم البعيدة ويأملون في العثور على الخلاص في هذا المكان المروع للغاية، جعلتني في حيرة وجعلتني أحاول استخدام العدسة للوصول إلى ما وراء الصورة التي التقطها في عدسة الكاميرا، بحثا عن إجابات ولكن عبر إنشاء صورة غير واضحة وتثير العديد من الأسئلة ولا تعطي أي إجابة ساكنة” وتمكنت أعمالها من أن تقدم لنا محتوى تفاعليا برزته بجمال بصري متفرد يجعلنا نتأمل إلى ما وراء المرئي في صورها وهي تحمل رسالة وطن رسالي، وشعب وجودي وتدفعنا لنتعمق في خبايا أعماقها ونلاحق فيها ما تسقطه على الوعي البشري، “حيث الذاكرة البشرية المشتركة، والآلام البشرية الجماعية، والأحلام والمخاوف”، فهي أعمال قدمت محاولات لفهم معنى الخلاص، والوجود البشري العائم في الحياة، وفعلنا الهش إزاءه، معتمدة بذلك على “قوة الكاميرا للتعمّق في روح الإنسان ولإنشاء صور يمكن أن تمس المشاعر والأفكار الداخلية للمصور والأشخاص والمتلقي داخل الصورة”.

……..

بطاقة شخصية

فدوى روحانا مهندسة صناعية من مواليد قرية عسفيا الكرمل، ومقيمة حاليا في بيت لحم.
حاصلة على الميداليا الذهبية في الجائزة العالمية ND Awards فئة الفنون الجميلة حقل التصوير المفاهيمي، 2019
نشرت أعمالها في عدة مجلات فنون ومواقع فوتوغرافيا عالمية.
دعيت للمشاركة في معرض فردي في الأسبوع الدولي للفوتوغرافيا لسنة 2020, في مقاطعة جوتنج في ألمانيا، والذي ألغي بسبب جائحة كورونا.
لها مشاركة في معرض دولي جماعي في مدينة ميلانو في إيطاليا, Sublimations 2019
عرض فردي: على امتداد الحنين مركز محمود درويش الناصرة 2016 متحف بيت لحم 2017
معرض فردي: أرض, متحف محمود درويش رام الله 2015
معرض فردي: فلسطين والمخفي أعظم، رام الله 2012

عن د.خليل الطيار

Avatar

شاهد أيضاً

رجال أحواض السفن: جورج بيلوز، 1912

سنذكر للوقوف على أهمية لوحة “رجال أحواض السفن” أنها اللوحة الأمريكية الأولى التي اقتناها المتحف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *