الرئيسية > سياسة > ترجمة > سياسة بريطانية القديمة\الجديدة: لا لدولة فلسطينية مستقلة
جندي بريطاني يحرس سجناء فلسطينيين في القدس ، 1938 (الصورة: Fox Photos / Getty)

سياسة بريطانية القديمة\الجديدة: لا لدولة فلسطينية مستقلة

إبلان بابيه

ترجمة: محمود الصباغ

يُنظر إلى بريطانيا، اليوم، على أنها لاعب ثانوي في الساحة الدولية، وتتمتع بقدرات محدودة للتأثير على ما يسمى بعملية السلام في إسرائيل وفلسطين، كما لا يمكن اعتبارها مساهماً هاماً في الجهود المبذولة لإيجاد حل لاستعمار إسرائيل واحتلالها المستمر لفلسطين. ولكن هذا لا يعفي بريطانيا من تحمّل مسؤولية تاريخية جسيمة عما آل إليه وضع الشعب الفلسطيني، وهي بهذه الصفة، تشارك الغرب في اللوم الشامل للواقع الحالي في الأراضي المحتلة. فقبل مئة عام تقريباً، وتحديداً في العام 1917، بعد ما يسمى وعد بلفور، مكّنت بريطانيا الحركة الاستعمارية الاستيطانية للصهيونية من بدء مشروعها في بناء الدولة في فلسطين. وقدّمت، خلال حكمها اللاحق كقوة “انتدابية”، المساعدة لمجتمع صغير من المستوطنين اليهود لإنشاء البنية التحتية لدولتهم المستقبلية، مع إدراكها التام رفض السكان الأصليين لفلسطين، الذين كانوا 90٪ من السكان في العام 1917، لآفاق الحل هذا. علماً أن الدعم البريطاني للمشروع الصهيوني كان يسير على قدم وساق، في الوقت الذي كان فيه العديد من المسؤولين البريطانيين، على الأرض، على دراية بالرغبة الصهيونية في الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من فلسطين، وبأقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين. ثم جاءت النكبة، التطهير العرقي الصهيوني لفلسطين في العام 1948، وكان المسؤولون البريطانيون والضباط المسؤولون عن القانون والنظام شهوداً سلبيين على قيام إسرائيل بطرد نصف سكان فلسطين، وتدمير نصف قراها، وهدم معظم مساحتها العمرانية. ومع كل فصل من هذه الاحداث ومن هذا التاريخ، كان  من المفترض أن يخلّف  وراءه، ولو بقايا من الذنب والشعور بالمساءلة من جانب المؤسسة البريطانية، لكنه لم يحدث البته شيء من هذا القبيل، بل لم تمانع سياسات بريطانيا المخزية، على سبيل المثال، من الانضمام إلى إسرائيل، في العام 1956، في محاولة الإطاحة بالزعيم العربي المصري الأكثر تأييداً للفلسطينيين، جمال عبد الناصر. كما أنها كانت عضوا مشاركاً في صياغة القرار 242، والذي كان من الممكن أن يؤدي إلى انسحاب إسرائيلي كامل من الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967، لو أنها، أي بريطانيا، بذلت جهوداً أكبر، غير أنها، وبوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لم تقم سوى بالقليل القليل للتأكيد على تنفيذ بنود القرار.

الانتهاكات اليومية

تلى ذلك سنوات من الانتهاكات المنهجية واليومية لحقوق الفلسطينيين المدنية والإنسانية الأساسية. ومازلتُ أذكرُ توافد  العديد من الدبلوماسيين الغربيين المحترمين- وكنتُ أعرفُ بعضهم شخصياً- إلى القنصلية البريطانية، في القدس الشرقية، والمفوضية البريطانية، في رام الله بالضفة الغربية على مر السنين، غير أن تقاريرهم كانت موضع إهمال، وابتلعتها ثقوب الذاكرة المنسية في الـ “وايتهول” [حيث مقر وزارة الخارجية البريطانية]، ولعل يوماً قادماً يتمكن فيه باحث ما من التحقيق في تلك التقارير المنسية ويومياتها التي ستكشف عن هول الاحتلال وشروره

اتبعت بريطانيا، بينما كانت لا تزال عضواً في الاتحاد الأوروبي، سياسات الاتحاد الأوروبي بعدم الوقوف، بأي جدية تذكر، تجاه الفلسطينيين ومحنتهم، علماً أن بريطانيا أدانت بحزم الهجمات الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة عامي 2012 و2014، لكن هذه المواقف لم يتبعها أي عمل  جدّي ذي مغزى. ومن المعروف أن المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا كانت على رأس الدول التي قادت سياسة الاتحاد الأوروبي المتمثلة في إدانة، هنا وهناك، للانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة. والأهم من ذلك أنها تحركت لتصنيف البضائع القادمة من المستوطنات اليهودية على أنها بضائع غير شرعية، وهي سياسة سمحت للمستهلكين الأوروبيين الواعين بمقاطعة المنتجات التي ترفضها حكوماتهم. بيد أن هذا لم يمنع، بصورة عامة، من استمرار سياسة عدم تبني موقف جدي تجاه الفلسطينيين، في توفير حصانة للأعمال الإسرائيلية على الأرض. وكان من الممكن لبريطانيا أن تقف في لحظة حساب لتاريخها يوم 2 تشرين الثاني \ نوفمبر 2017، الذي يصادف الذكرى المئوية لوعد بلفور. غير أن ما حصل هو عكس ذلك تماماً، فقد احتفلت حكومة “تيريزا ماي” مع رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” باللحظة التي منحت فيها المملكة المتحدة تفويضاً مطلقاً للحركة الصهيونية لاستعمار فلسطين.

بنيامين نتنياهو وتيريزا ماي في عشاء الذكرى المئوية لوعد بلفور في لندن. (الصورة: رقم 10 / Flickr)

هناك، لمن لا يعلم، نمط للسياسة البريطانية يمكن تحديده اليوم، كما كان سائداً في فترة سابقة في العام 1948: حيث يراقب الموظفون الأمور على الأرض ويبلغون، في تقاريرهم، عن جوانب تدمير الحياة الفلسطينية وسياسات الفصل العنصري في إسرائيل، بينما يظل صانعو السياسة، في المملكة المتحدة، ملتصقين بمقولة تصف إسرائيل بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. ومثل جميع حكومات المملكة المتحدة السابقة، تعثرت بريطانيا الرسمية، بنوع من المماطلة، عندما احتاجت إلى توضيح مواقفها بشأن قضايا رئيسية مثل الاعتراف بفلسطين وتحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في الجرائم المرتكبة في الأراضي المحتلة. وعندما طُلب من الحكومة البريطانية توضيح موقفها بشأن مسألة الدولة الفلسطينية، بعث وزير الخارجية، آنذاك، دومينيك راب رسالة في شباط (فبراير) من هذا العام إلى مشروع بلفور**، وكرر موقفاً قديماً بقوله أن الحكومة البريطانية: “سوف تعترف بدولة فلسطينية عندما يحين الوقت الذي يخدم فيه هذا الاعتراف، على أكمل وجه، هدف السلام”. لا أعتقد أن هذا يحتاج إلى الكثير من التفصيل أو التفسير. إنه إعادة صياغة لموقف إسرائيلي قديم يدعي أن انتهاكات إسرائيل لحقوق الفلسطينيين ستتوقف بمجرد تحقيق “السلام”، بينما لا تبذل إسرائيل أي جهد حقيقي لإنهاء الاحتلال والاستعمار.

الحقائق على الأرض

ثمة، هناك، قضية أعمق يمكن ملاحظتها بسهولة. تشكل بريطانيا، مثل الاتحاد الأوروبي، جزء من تحالف غربي “كونسورتيوم” يزعم أنه يساعد الفلسطينيين من أجل بناء دولتهم الخاصة بهم. وينبع هذا الزعم  من الدعم البريطاني والأوروبي العلني لحل “الدولتين”: دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. لكن الحكومة البريطانية تعلم جيداً أن السياسات الإسرائيلية أحادية الجانب، مع كل يوم يمر هناك، تكرس حقائق على الأرض في الأراضي المحتلة -لا سيما في المستوطنات- مما يجعل قيام دولة فلسطينية مستقلة أمراً مستحيلًا. ومع ذلك، لا تزال بريطانيا تستخدم خطاب حل الدولتين، على الرغم من حقيقة أن إسرائيل قد قتلت بالفعل هذه الفكرة وهي تسعى، بكل وضوح وقوة، إلى إنشاء إسرائيل الكبرى “بحكم الأمر الواقع de facto “. علاوة على ذلك، لم يتم اتخاذ خطوات حقيقية ضد العواقب الفورية للسياسات الإسرائيلية أحادية الجانب، والتي تشمل التطهير العرقي للفلسطينيين في “المنطقة ج” الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية (ما يقرب من 60٪ من مساحتها) وفي القدس الكبرى وكذلك استمرار الحصار اللاإنساني لقطاع غزة. وتم الكشف عن  هذا النفاق ذاته، في السياسة البريطانية، تجاه المحكمة الجنائية الدولية، حين أكّد [رئيس الحكومة البريطانية] بوريس جونسون، مؤخراً، أن حكومة المملكة المتحدة تعارض تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في جرائم الحرب الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. وقال إن حكومة المملكة المتحدة “لا تقبل أن يكون للمحكمة الجنائية الدولية اختصاص في هذه الحالة”، اختصاص جزئي على الأقل، باعتبار أن “فلسطين ليست دولة ذات سيادة”. وكرر  جيمس كليفرلي، وزير خارجيته، ذات الموقف في البرلمان الأسبوع الماضي. وقال إن سبب معارضة المملكة المتحدة لتحقيق المحكمة الجنائية الدولية يكمن في أن “المملكة المتحدة لا تعترف، حالياً، بالدولة الفلسطينية”.

أطفال يلعبون فوق مبنى مزقته الرصاص في غزة ، 2011. (تصوير: شريف سرحان / الأمم المتحدة)

إن موقف بريطانيا من حل الدولتين ليس خطأها بالكامل على أي حال، طالما أن السلطة الفلسطينية نفسها تدعمها، ولا يمكن للمرء أن يتوقع من بريطانيا ألا تدعمها. لكن من المهم أن ندرك أن جثة هذا “الحل” في المشرحة لفترة طويلة، لكن لا أحد يجرؤ على إقامة جنازة له، ورغم موت هذا الحل، وطالما مازالت بعض الدول، مثل بريطانيا، تستمر في تأييد سطحي له، فإن إسرائيل تتكرس كدولة فصل عنصري كاملة – بمباركة دولية.

ضمنيًا ، يتم ضمان مساعدة المملكة المتحدة لإسرائيل في مواصلة سياساتها المتعلقة بنزع الملكية من خلال السياسة الداخلية حيث شن اللوبي الإسرائيلي بنجاح هجومًا على حرية التفكير بشأن هذه القضية. كانت شيطنة زعيم حزب العمل السابق جيريمي كوربين والادعاء الكاذب حول معاداة السامية المؤسسية في حزب العمال جزءًا منها.

السياسة الداخلية والخارجية

تضمن السياسات الداخلية للحكومة البريطانية مساعدة المملكة المتحدة، ضمنياً وبدون قيد، لإسرائيل في مواصلة سياساتها لنزع الملكية، حيث شن اللوبي الإسرائيلي، بنجاح، هجوماً على حرية التفكير بشأن هذه القضية. وكانت شيطنة زعيم حزب العمل السابق جيريمي كوربين والادعاء الكاذب حول معاداة السامية المؤسسية في حزب العمال جزءً من هذه الحملات الناجحة. ويشير تبني حكومة المملكة المتحدة لتعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) المثير للجدل لمعاداة السامية، إلى أنه لا يمكن فصل السياسات البريطانية المحلية عن السياسة الخارجية تجاه إسرائيل وفلسطين. حيث لا يسمح هذا التعريف، بشكله الحالي، بتوجيه أي انتقاد جاد لإسرائيل وسياساتها تجاه الفلسطينيين. فهو يمنع المجتمع المدني من لعب دور هادف في تشكيل السياسة الخارجية للمملكة المتحدة بشأن هذه القضية. وكان روبرت جينريك، وزير الإسكان والمجتمعات والحكومة المحلية، وجافين ويليامسون، وزير التعليم قد هددا، العام الماضي، بسحب التمويل الحكومي من الجامعات التي لم تتبنَ تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA). ويهدف استخدام وتطبيق وفرض هذه القضية إلى إسكات النقاش المفتوح حول فلسطين في الحرم الجامعي، الذي ينبغي أن يُنظر إليه على أنه جزء من السياسة البريطانية الشاملة تجاه إسرائيل وفلسطين. ويأتي المزيد من الدعم المباشر لإسرائيل من خلال الجيش البريطاني. فقد وقعت بريطانيا، في كانون الأول\ ديسمبر الماضي، مع إسرائيل، اتفاقية تعاون عسكري. واشترت وزارة الدفاع البريطانية معدات عسكرية بقيمة 46 مليون جنيه إسترليني من شركة الأسلحة الإسرائيلية “إلبيت Elbit” منذ العام 2018. كما أن القوات البريطانية موجودة أيضاً في إسرائيل، وإن بأعداد صغيرة، ولكن من المسلم به أنها تقدم خدمات تدريبية للجيش الإسرائيلي.

لقد لعبت بريطانيا دوراً حاسماً في الكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني في العام 1948، واستمرت لاحقاً في تبني سياسات مشابهة تتجاهل حقوق الفلسطينيين وتطلعاتهم الأساسية لحياة طبيعية في وطنهم. كانت بريطانيا، في هذا القرن، جزءً من موقف سياسي أوروبي مازال متواصلاً يؤمن حصانة لأعمال إسرائيل على الأرض، وهو موقف لا يعكس، على كل حال، إحساس المجتمع المدني البريطاني بالمسؤولية تجاه الماضي والقلق بشأن الانتهاكات الإسرائيلية المنهجية لحقوق الفلسطينيين المدنية وحقوق الإنسان.

تحتاج حكومة المملكة المتحدة، على وجه السرعة، إلى إعادة توجيه ما تتبناه من سياسة قديمة متحيزة وغير أخلاقية تجاه شعب وأرض يعاني من “النكبة المستمرة”.

……

* إيلان بابيه أستاذ التاريخ ومدير المركز الأوروبي لدراسات فلسطين بجامعة إكستر Exeter في المملكة المتحدة. ألّف العديد من الكتب والمقالات عن إسرائيل وفلسطين.

**مشروع بلفور [منظمة غير حكومية ترصد موقف بريطانيا في الماضي والحاضر عن فلسطين،  أسسها مواطنين بريطانيين لتسليط الضوء على سجل بريطانيا في فلسطين قبل وأثناء الانتداب، ودفع بريطانيا للاعتراف بمسؤولياتها التاريخية والمستمرة لدعم الحقوق المتساوية للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني من خلال التثقيف الشعبي والدعوة لإقناع الحكومة البريطانية بالاعتراف بدولة فلسطين إلى جانب إسرائيل- المترجم]

المصدر: https://declassifieduk.org/britain-is-ensuring-the-death-of-a-palestinian-state/

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

النيوليبرالية والفاشيين الجدد: تطفل، تعايش، تكافل

ترجمة: محمود الصباغ. مرت أربعة عقود، قبل الآن، منذ أن بدأت العولمة النيوليبرالية في إعادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *