الرئيسية > تاريخ > رؤية نقديّة لمنهج علم الأثار – القسم الثاني
نقش فينيقي

رؤية نقديّة لمنهج علم الأثار – القسم الثاني

تكتنف عمليّة قراءة النصّوص الأثريّة القديمة الرّيبة والشّك والغموض في كلّ مفاصلها، وبدل أنْ تقدّم لنا حلولاً لمشكلاتها زادتها غموضاً وضبابيّة، ويرجع سبب ذلك إلى استخدام المدرسة التقليدية والمدرسة النقدية الحديثة لقواعد المناهج الافتراضيّة الخاطئة الرّخوة، كالتّصويت، والإقحام، والإسقاط.. ورأينا في الجزء الأول من هذه الدراسة، كيف أخذت كل مدرسة ما يناسبها، مما أدى إلى نتائج متناقضة، وغموض وفوضى منهجية عارمة.

وسيكمل هذا الجزء الثاني من الدراسة عرض هذه القواعد، وتسليط الضوء على دقتها وصحتها في قراءة النصوص الأثرية القديمة، ومنها قاعدة القلب المكاني، وقاعدة الإبدال.. كما سيتناول الجزء الثالث من هذه الدراسة، الأساليب الشّعرية التي دُوِّنت فيها النصوص الأثريّة على غير ما تعاملوا معها، كنصوص نثرية، وهو عامل إضافيّ ينفي تماماً قبول هذه النصوص لزيادة أو حذف حرفٍ واحدٍ منها، وتدحض صحة هذا المنهج بقواعده وفرضيّاته العبثيّة .

قاعدة القلب المكانيّ :

تستند هذه القاعدة إلى إمكانية تقديم حرف على حرف آخر في الكلمة، وكلّ منهما يحتلّ مكان جاره، ففي نقوش السّفيرة مثلاً، قرية قرب حلب،  يتكرّر ذكر الحروف : “ع م/ ع د ي”، و رغم وضوح المعنى المكرّر، وخاصّة أنّ هناك عبارات أخرى تؤكد أنّ “عدي” هو اسم علم شهير، تؤكده عبارة مكرّرة ثانية، “ع د ي ب ن ي”، إلّا أنّ جهابذة اللّغة يعتبرون أنّ معناها “الميثاق”، و كذلك كلمة “عم” أصابها جرثومة القلب المكاني، وقبل هذا المرض كانت “مع”، لتصبح “عم عدي”  مع الميثاق!.

المثال الآخر عن القلب المكاني هو هذه الحروف الواردة في نقش مؤاب : “ب ن ت ي”، وعلى القارئ أن يقفز عن البداهة ولا يفطن إلى أن معناها “ابنتي”، ويَحْذَر من هذه التّقلبات ويراها بعينٍ خبيرة كما الذين أدركوا – وكان إسرائيل ولفنسون – أوّل من قرأ النّص، واكتشف احتيال الكلمة على حرفي “ت،ي” وقد جرى قلبهما مكانيّاً، وأصلها ” بَنَيْتُ”، إلا أنّ القلب المكاني يحدث على أصل الكلمة، والضمائر المتصلة لا تخضع للقلب وكأنها جزء من الكلمة، وفي حال قبولنا بقلب كلمة “ل ع ب” إلى “ل ب ع” فمن المستحيل قبول القلب المكاني لهذه الكلمة مع تاء المتكلم، ونقول إن أصل لعبت هو لعتب !!

ولأنّ “بنتي” أصبحت بنيتُ “من البناء” ، فمن المنطقي والمؤكد أن مايلي هذا الفعل هو مفعول به، وهو “مبنى” ، وهذه تكرّرت ٨ مرات في النّص، فانظروا إلى تأثير وحجم القلب المكانيّ لحرف واحد على معاني النّص :

1- بنتي قرحه وحمت وهمفول : بنيت مدن قرحة وحمت وهمفول. ٢- بنتي مجدلته : بنيت قلعة .

2- بنتي شعرية : بنيت أبواب القلعة .

3- بنتي بت ملك : بنيت بيت الملك .”على اعتبار أنّ النّون سقطت”.

4- بنتي بصرك ي عين : بنيت مدينة بصر ” ولا يخطر ببالهم أيّة علاقة بين بصر وعين .

5- بنتي عرعر: بنيت مدينة عرعر.

6- بنتي بتبمت : بنيت معبد بمت .

7 – بنتي (“؟ ؟ ؟” ب ا) : بنيت مدينة مادبا .

وهذه الظاهرة المتواجدة بشكل واسع، تحتاج إلى نبوءة لم يتحل بها الأنبياء، فكثير من النّصوص تعرضت للتهشيم واختفت حروف منها، كما في المثال السابق، حيث وضعْتُ إشارات استفهام  لم يتعرفوا عليها، وليس في هذا النّص فحسب، بل أنهم في بعض النقوش التي هشّم أكثر من نصفها، كانوا على قدر المسؤولية وحدّدوا هذا النّصف المهشّم، ففي نقش بنت الفرعون – فلسطين – المكوّن من هذه الحروف :

(ه و ش ر ع ل ه ب ي ت)، “هو شرع له بيت” ، وهي عبارة غير قابلة للنقاش ونقول بيت مشرع ، وهذه العبارة وجدت في بيت منهار، إلا أن قرّاء “المندل”، بحكمتهم، وقد يكون الوحي أخبرهم عن وجود حرف مهشّم واحد في بداية النقش، لا بل عرفوه أي حرف يكون، وبمهارة فائقة، ماذا يكون غير حرف الياء؟ ليصير المعنى ببساطة هو “يهوه “. والباقي ليس مهماً ، طالما عُثر على إلهٍ توراتيّ في فلسطين .

الإبدال :

تقسم حروف الأبجدية إلى مجموعات، حسب مخارجها الصّوتية :

(الأصوات الشفويّة – الأصوات الأسنانيّة – الأصوات اللّثويٌة – الأصوات اللّهويٌة – الأصوات الحلقيٌة) ، وهذه الظاهرة تنحسر داخل كل مجموعة فقط، وتسمح هذه القاعدة باستبدال أي حرف من حروف الأبجدية، بأحد حروف المجموعة التي ينتمي إليها، أي أنٌه يمكن استبدال كافة حروف الأبجديّة، لكن الدكتور محمد بهجت قبيسي حصرها ب ٦٦ عملية، في حين خصص لها الدكتور يحيى عبابنة فصلا خاصاً من كتابه المذكور في الجزء الأول من الدراسة، كما ذكر هذه الظاهرة مجموعة من الباحثين، وهي ظاهرة معروفة عند الاختصاصيين، وللتوضيح سأضع هنا الحرف المُبدلة والحرف المستبدلة به، في ثنائيٌة بين قوسين كبيرين :

ء: (ء، ج) (ء، ح) (ء، ع) (ء، غ) (ء، ق) (ء، ك) (ء، ه) (ء، و) (ء، ي) .

ا: (ا، و) .

ب: (ب، م) (ب، ف).

ت: (ت، ط) (ت، ذ) (ت، ك) .

ث: (ث، ت) (ث، د) (ث، س) (ث، ف).

ج: (ج، ح) (ج، خ) (ج، د) (ج، غ) (ج، ق) (ج، ك) (ج، ه).

 ح: (ح، خ) (ح، ع) (ح، ه).

خ: (خ، ك) (خ، ق) (خ، ه) .

ض: (ض، د) (ض، ط) (ض، ص).

د: (د، ط) (د، ل) (د، ذ) .

ذ: (ذ، ز) (ذ، س) ( ذ، ش) (ذ، ظ) .

ر: (ر، ز) (ر، ل) (ر، ب) .

ز: (ز، ش) (ز، س) (ز، ص) .

ش: (ش، ص) .

س: (س، ت) (س، ش) (س، ص) (س، ن) .

ط: (ط، ظ).

ع: (ع، غ) (ع، ق) (ع، ه).

ق: (ق، ج) (ق، ع) (ق، ف) (ق، ك)

ك: (ك، خ) .

ل: (ل، ن).

م: (م، ن).

و: (و، ي) (و، ا) .

خلاصة المنهج :

 يقوم منهج فقه اللّغات المسمّاة بالسّامية إذن على خمس قواعد اسٌاسيّة، أربع منها تمكِّن الباحث من إضافة وحذف واستبدال حروف من وإلى النص الأثريّ، وهذه القواعد هي (التّصويت ثلاثة حروف، الإقحام أربعة حروف، والإسقاط ثمانية حروف، والإبدال ست وستون حالة)، وهكذا يصبح مجموع الحروف التي يمكن تغييرها إحدى وثمانين حالة، إضافة إلى القلب المكاني التي تُمكنّ الباحث أيضاً من قلب أمكنة جميع حروف الأبجديّة ! ، فأيّ إهانة للعقل والمنطق بوضع قواعد تبث الفوضى، بدل أن تكون ناظمة وصارمة تقيّد النّص بأحكام محدَّدة، وللأسف هذا المنهج هو الوحيد الذي تسير عليه مختلف المدارس والاتجاهات لعلوم الماضي، من تاريخ، وتراث، وأثار، ولغات قديمة ميتة (كنعانيِة وآرميّة وفينيقيّة وبونيقيّة ومؤابية، بالإضافة إلى العبرية).

إن هذه اللغات الميتة التي لا يمكن فهمها إلاّ في إحيائها بواسطة المنهج سابق الذكر،  وهذا ما ينطبق تماماً على اللغة العبرية، إحدى لغات هذه العائلة الميتة، وعلى الرغم من استحالة إحياء الأموات،  أو  أن  يحمل الميت ميتاً أخر، فقد استطاعوا بهذا المنهج السحري أن يفعلوا المستحيل، وأصبحت العبرية النّاهضة من قبرها، كيَد المسيح التي تحيي الموتى، وأصبح هذا النهج  مفتاحاً لدراسات أخرى متعلقة بهذا الشأن من جغرافية وعلوم اجتماعية وتاريخ .. مثل استعادة المشهد المكاني أو استرداد الحق التاريخي، أو إحياء التراث، أو إحياء اللغة العبرية، كل ذلك للإيحاء بوجودها في الماضي، وما كل ذلك إلا استعادة لذلك الماضي المزعوم أصلاً.

آراء معارضة

ومع كل ذلك هناك الكثير من الآراء المعارضة لهذا “الاسترداد”، ككتاب كيث وايتلام : إسكات التاريخ الفلسطيني واختلاق إسرائيل، وما قاله فيليب ديفيس : إن إسرائيل القديمة المذكورة في الدراسات التوراتية هي من اختراع عقول العلماء, كما يظهر ذلك بوضوح في عنوان كتاب شلومو ساند : اختراع الشعب اليهودي، وفي التعبير الذي ذكره الأب الروحي للعبرية الحديثة “اليعزر بن يهوذا”، إذ يوضح أن هذه العمليات ليست إلا اختلاقاً، وليست استرداداً بقوله : “كيما نجعل اللغة العبرية لغة محادثة، علينا أن نجدد ألفاظاً وعبارات نسيناها على مر الأيام، وإن دار الحديث بيننا حول شؤون الحياة اليومية، غدونا خرساً بكماً، لانستطيع الكلام، ولذا علينا اختراع ألفاظ  للأدوات المنزلية، وأدوات المطبخ، وأدوات الصناعة، وأدوات الدراسة، وأدوات الزراعة، والثياب .. وما إلى ذلك، و رأيت من واجبي تأليف قاموس للغة العبرية القديمة والحديثة” .

لقد وجد ابن يهوذا أن المنهج السابق صالحاً ليكون أحد أهم الأدوات التي تحقق له مشروعه في اختراع ألاف الكلمات ، التي ل نستطيع احصاءها، أو معرفة نسبة ما تشكله من العبرية، لأنه استفاد من لغات كثيرة، كالإنكليزية واليديشية.. وغيرها،  وبذلك صار مفردات دخيلة، لتكون العبرية المُخترعة خليطاً غير متجانس من هذه اللغات، أهمها العربية التي مازالت المرجع الأول للعبرية في حال الاستفسار عن أية مسألة فقهية غامضة..

 ومن الأمثلة التي جرى عليها تطبيق قواعد الإضافة والحذف أو الاسقاط، والاستبدال والقلب المكاني، التي ذكرتها سابقاً، وتم بموجبها خلق مفردات عبرية، التالي:

وفق قاعدة الاسقاط :

تم إسقاط حرف العين من كلمة عصفور العربية لتصبح صفور في العبرية ، وأسقطت النون من الكلمات العربية : أنت، وانتم، وبنت، وسنت، وأنف.. لتصبح في العبرية على التوالي : ات، واتم، وبت، وست، واف..  وأيضاً وفق القاعدة التي تسمح باستبدال حرفي (ث، ش) تبدل معنى ثور، وثمان، واصبحت تنطق في العبرية على التوالي : شور، شمون، كما تم استبدال حرف الشين في الكلمات العربية بحرف السين، وتتبدل معاني الكلمات العربية : شعر ، عشر، .. وتصبح في العبرية على التوالي : سعر، عسر ، كما أستبدل السين بحرف الشين، وتبدلت الكلمات العربية : تسع ، جسر، لسان .. وأصبحت في العبرية على التوالي : تشع، جشر، لشون، ونلاحظ أنّ كلمة /لشون/ تم عليها تطبيق قاعدتين من المنهج، وهناك كلمات عربية تم تطبيق أكثر من قاعدة عليها مثل كلمة ثعلب، التي استُبدل حرف الياء فيها إلى جيم، كما اسقط منها حرف الباء وأصبحت في العبرية شعل.

وقبل ختام الجزء الثاني من الدراسة، ثمة مسألة في غاية الأهمية، وهي : عندما أُطلقت أسماء هذه القواعد المطبقة على اللغات القديمة بما فيها العبرية، فإنها أخفت ما هو مهم جداً، فلم تذكر اللغة التي أسقطت منها واقتحمت اليها، واستبدلت عنها، وقلبت مكانها، وإلى أي لغة تنتمي هذه الكلمات التي تغيرت.. هل اتضحت مكانة اللغة العربية وأهميتها حيث المادة التي تناولها علم اللغات القديمة في عملية الاختلاق ؟

عن خالد أيوب

خالد أيوب
كاتب ومؤرخ فلسطيني

شاهد أيضاً

علماء الآثار الإسرائيليون والفلسطينيون يدّعون ملكيتهم للمواقع التراثية في الضفة الغربية

دانييل استرين ترجمة وليد يوسف مقدمة المترجم معروف أن تاريخ فلسطين القديم الذي كان بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *