الرئيسية > أدب > حوار مع هيفاء بيطار: في معنى الشعور بالانتماء
هيفاء بيطار، بإذن من الكاتبة

حوار مع هيفاء بيطار: في معنى الشعور بالانتماء

أنت لا تحتاج إلى كثير جهد كي تدخل إلى عوالم هيفاء بيطار. فالأمر أشبه بحلم اللحظة الأخيرة التي تسبق اليقظة، لحظة تجمع بين الوعي واللاوعي، عوالم هيفاء بيطار متداخلة، على الرغم من بساطتها، لحظات الحلم فيها خيط رفيع يفصل حالة السلم عن حالة الحرب.

لا تعترف هيفاء بيطار بالمستحيل، وترى أن الإنسان مصمم كي يستخدم مهارته -قل ذكائه- ليس للإجابة على الأسئلة، بل، بالأحرى لطرح الصعب من الأسئلة.

هيفاء بيطار، تهتم بالتفاصيل حد الهوس، لذلك تقول “ الكتابة المواربة هي الحل لكني أحلم بزمن أعتلي فيه خوفي وأسحقه، وأكتب عملاً متعمداً بماء الحرية” في عالم أصبح شديد الحساسية تجاه معظم الأشياء ولذلك تظهر المواقف المتطرفة من كل شيء.

هيفاء بيطار، صريحة، منفتحة، حالمة، امرأة من الشرق العظيم، تحتفظ بأسرارها لاشك، لكن تؤكد أن السر ليس بما هو عليه، أي بمضمونه، بل جوهر السر يكمن في طريقة إخفائه، إنها لعبة عقلية إذن، ومن غير الروائي\ الروائية قادر\ قادرة على ممارسة هذه الألعاب العقلية.

في هذا اللقاء تفتح هيفاء بيطار خزائن أفكارها، دون  مواربة، لتضع نقاطاً على حروف كنا ظننا أنها قد بهتت من كثرة الدم الذي حولنا.. وهي حين تحدثنا عن سحر الأزقة، أو عن درج يحكي التاريخ، في مدينة غربية زارتها منذ مدة قريبة، لا تنس أن تذكرنا ببحر اللاذقية وكيف يسرد موجه، الذي يضرب شاطئ الأبدية بلا هوادة، قصص الغزاة عبر العصور، أو تلك الشوارع المزدانة بأوجاع الناس

…..

محمود الصباغ: هيفاء بيطار، هل تفضلي أن أخاطبك هكذا؟ أم أكتفي بـ “هيفا” وهي التي أفضلها لما لها من وقع حميمي يزدادا ألقاً منذ أن تعرفت عليك شخصياً، وكنتُ سابقاً، قد  تعرفت عليك من خلال “بعض” أعمالك. هل تشعرين أن التعريف والتصنيف هام جداً قبل الحديث عن أي موضوع؟

هيفاء بيطار: أحب أن تناديني هيفاء وأن يناديني جميع الناس بإسمي، أنا واحدة من الناس، صحيح أنني كاتبة وطبيبة عيون، لكن إحساسي الأقوى بذاتي أنني واحدة من الناس، أحب كثيراً شعوري أنني أنتمي لعامة الشعب (وهذا لا يعني بطبيعة الحال أي نوع من التملق)، وهذا الشعور بالانتماء للناس (خاصة البسطاء والمظلومين) يُسعدني، صدقاً أنفر من الألقاب، في كل كتبي كنت أرفض رأي الناشر أن يكتب اسم دكتورة قبل اسمي، أردت أن أقدم نفسي للناس أنني كاتبة معنية بقضاياهم وأحبهم كثيراً. حتى أن بعض القراء كان يظن أنني دكتورة في الأدب العربي مثلاً. لكن للأسف بعض الكتاب يعتقدون أن قيمتهم تكون أكبر حين يسبق اسمهم كلمة دكتور أو دكتورة. حتى الأطفال الذين التقيت بهم كنت أطلب منهم أن ينادونني هيفاء فقط أو خالتو هيفاء.

محمود الصباغ: طالما الأمر كذلك، فما الذي يؤرق هيفاء التي هي “من عامة الشعب”؟

هيفاء بيطار: طالما الأمر كذلك، فأنا إنسانة أعيش مع القلق، ولك أن تصدقني.

محمود الصباغ: طبعاً أصدقك، ولكن انتبهي فمازال أمامنا الكثير من الأسئلة التي سأكون فيها محامي الشيطان.

هيفاء بيطار: صدقني أنا إنسانة أعيش مع القلق، تعايشت معه وقبلت به صديقاً، ولا أرى فكاكاً منه، ما يؤرقني وطني وشعبي، سوريا التي تدمرت مدن وقرى فيها، ونوح أكثر من ثلث شعبها ومات خيرة شبابها أو هجوا في بلاد الله الواسعة، ارتفاع نسية الانتحارات بين الشباب، الفقر والبؤس والأخطر الخوف….

محمود الصباغ (مقاطعاً): بصفتي محامي الشيطان، الآن، سأذكّرك- إن كنتِ ما زلت تذكرين- ماذا سأل ذاك الصحفي من التلفزيون الألماني ARD الرئيس (السوري) بشار الأسد :”ما الذي يؤرقك، وأنت ذاهب إلى النوم”… أو بما معناه.

هيفاء بيطار: الشعب السوري صامت صمت الخوف، والخوف هو عدو الحياة وليس الموت، لأن الموت نهاية كل كائن حي، حين كنتً أمشي في شوارع اللاذقية كان الكثير من الناس الذين لا أعرفهم شخصياً يقولون لي: أنت تكتبين عنا، عما نحسًّ، لكن أعذرينا نخاف نضع لك “لايك”. يحزنني حتى الاختناق هذا الخوف السرطاني الذي يعيشه الشعب السوري، حتى حين ينتقد البعض في حساباتهم الشخصية على موقع “فيسبوك” الفساد أو الاعتقالات.. إلخ يحكون بشكل موارب، لا يذكرون أسماء.. حتى أنني كتبت مقالا بعنوان “يحيا الفعل المبني للمجهول في سوريا”. يعصف بي الغضب حين أضع مثلاً صورة شاب مات في المعتقل أو انتحر بسبب اليأس والفقر ومظاهر العهر والفجور لدى أثرياء الحرب، أكتب بصدق ووجع.. معظم الناس تختار الاسهل والأكثر أماناً وتقول “الله يرحمه”  كما لو أنه مات ميته طبيعية، يؤلمني جداً أن تًسحق الكرامة بهذا الشكل. يؤلمني حقاً، أن تكون الشعارات: “الحيط الحيط”، و” يا رب السترة”، و”للحيطان آذان”، و “عايشين من قلة الموت”… إلخ. يؤلمني كثيراً أن يضطر الإنسان إلى أن يقول عكس الواقع، وعكس ما يؤمن به، هذا وضع خطير، بل هذا سرطان يفتك في النفوس.. هذا أكثر ما يؤرقني: حالة السبات والخوف، حتى الذعر، التي يعيشها الشعب السوري خاصة بعد أن دفع ثمناً باهظاً جداً في سبيل الحرية والكرامة. وبعد عشر سنوات من تأمله بعيش كريم انهارت الليرة وصار الغلاء فاحشاً والفقر مدقع والكثير من الناس يأكلون من القمامة، بعد أكثر من عشر سنوات تحول الشعب السوري إلى شعب الطوابير، طوابير الخبز والمازوت والبنزين والمعونات الغذائية. هذا يؤلمني جداً ومن يجرؤ على الانتقاد تهبط عليه تهمة (وهن الشعور القومي ) ! كل الفقر وفيض العتمة والغلاء لا يوهن الشعور القومي ولا يمس بهيبة الدولة. مع الخوف لن يحدث أي تغيير. هل نسيت وأنت ابن البلد القول المشهور” الشام أم الفقير”؟

محمود الصباغ: ما نسيت، لكن اعذريني فأنا هنا محامي الشيطان، واستطيع أن أسرد لك مئات، بل آلاف القصص التي تروي الحكاية من الجانب الآخر.

هيفاء بيطار: ربما هناك بعض المنطق فيما تقول، لكنه- باعتقادي- منطق معكوس، بل مغالطة، لكنها مباحة لك باعتبارك محامي الشيطان، هل تعلم أن خلق الشخصية ونقيضها هي من أمتع الأحاجي الأدبية التي يمارسها الروائي أو القاص؟ لذلك سأطلب منك التخلي عن مهمتك هذه، والاستماع إلى الصوت الداخلي القادم من الأعماق، اسمعه وأخبرني ماذا يقول أيها المحامي. عموماً، حب الوطن والدفاع عنه، يتطلب شجاعة قول الحقيقة، والشجاعة ليست بالأمر الهيّن، أصل الحب شجاعة، قبول فرادة الآخر وعدم خذلانه في الأوقات الصعبة.. هذه شجاعة.. من يحب وطنه يجب أن يمتلك شجاعة قول الحقيقة ونقد الفساد والمحسوبيات والظلم.. إلخ، وأن يتحدث عن وجع وخوف المواطن السوري.. هكذا هو حب الوطن، لكن النأي عن وجع الناس هو مشاركة في صنع هذا الوجع. تخلق الحرب حالة من “التصحر” في مشاعرنا، وتخبرنا مقولات التحليل النفسي بأن أعتى المجرمين عانوا في طفولتهم من نقص مشاعر الحب. وكم أعشق تلك الحكمة الشرقية\السورية القديمة “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”. أتذكر، الآن، رواية (مذكرات قاتل عاطفي) للكاتب التشيلي لويس سبولفيدا، تتمحور حول قاتل رهيب كان يعاني من نقص الحب. الحب موهبة، إن شئت الإيجاز، عدد قليل جداً من الناس، للأسف، يتمتعون بهذه الموهبة.

محمود الصباغ: بمناسبة الحديث عن التحليل النفسي و”علة” الحب. يصفك البعض بطبيبة العلل الاجتماعية. أليست هذه الصفة فيها الكثير من الظلم لعملية الإبداع؟ هل تعتقدين أن كتاباتك قريبة نوعاً ما من “مهنتك” كطبيبة؟

هيفاء بيطار: لا أهتم كثيراً بما يصفني الناس، البعض يقول أنني كاتبة نسوية، والبعض يقول إني  كاتبة واقعية، حتى الذين يقولون أنني طبيبة العلل الاجتماعية هم أحرار…

محمود الصباغ: كيف يعني؟ أنت ضد التصنيف الأدبي؟ كأن نقول رواية اشتراكية ورواية إمبريالية ورواية صهيونية ورواية سياسية؟ علماً أن الكثير منا ينظر إلى السياسة، أقصد الانخراط في العمل السياسي، كنوع من الحرث بلا طائل، والسير في حقل ألغام، أين أنت من السياسة، من الهم السياسي، من المنجز السياسي، ومن النشاط السياسي

هيفاء بيطار: أنت تخلط الأمور عمداً هنا، لكن سأقول لك، لا علاقة لي بالسياسة، وبصراحة لا أحترم معظم السياسيين وكما يقول العظيم محمود درويش: “في الخطابة تكون الحقيقة زلة لسان”، وللأسف الثقافة خادمة للسياسة وهذا ما يؤلمني ويُشعرني بالعار. أنا ضد أي انتماء سياسي أو انتماء حزبي وأنا لا أريد مال السياسي ولا الحاكم. أنا أكرر وبقناعة تامة لا ولاء لي إلا للحقيقة وأنا كاتبة الناس وأوجاعهم وأحلامهم وغايتي أن أكون شاهدة عصر. دعني أذكّرك بمشهد من فيلم Nomadland تعيش بطلة الفيلم الستينية في سيارة (فان) لأنها خسرت وظيفتها ولا تمتلك إيجار شقة (وهذا يحصل كثيراً أثناء الأزمات الاقتصادية في المجتمعات الرأسمالية). البطلة تعيش في سيارة ولديها مرحاض صغير في السيارة. ولديها أصدقاء مثلها فقدوا عملهم ويعيشون مثلها، لكن تربطهم علاقات محبة عميقة صافية وفرح نقي وإخلاص وصدق هم سعداء كسعادة (طيور السماء وسنابل القمح) سعداء بالوجود والحياة بدون زخرفة. البطلة تزور أسرة شقيقتها، التي تملك بيتاً فخماً، وابنه شقيقتها تحب خالتها جداً. هي محبوبة ويرجونها أن تقضي الليلة في بيتهم. يخصصون لها غرفة نوم مريحة وفاخرة، في منتصف الليل تقوم البطلة وتنسل من غرفة النوم المريحة، وتعود لتنام في سيارتها و”الكراكيب” فوق رأسها، لكنها سعيدة وتغفو بعمق. هذا المشهد أشبه بصفعة في وجه جميع السياسيين، في المجتمعات الرأسمالية التي تهيمن بشكل فظيع على الأشخاص فتجعلهم يلهثون وراء المال، بل ترسم لهم سعادتهم وكيف يجب أن يكونوا سعداء، وكيف عليهم أن يتعلموا سياسة الإنفاق والاستهلاك التي تبدو في كثير من حالاتها غير ضرورية وكيف عليهم أن يقتنوا تحفاً ويقوموا برحلات ترفيهية أثناء الإجازات (وإلا فهم متخلفون وتلفظهم الحضارة الرأسمالية). هيمنة الرأسمالية، لاسيما في تجلياتها النيوليبرالية الحديثة، على عقول الناس وجعل غايتهم في الحياة تقديس العمل من أجل جمع المال والرفاهية (غصباً عنهم يجب أن يعيشوا السعادة كما ترسمها تلك الطبقة السياسية المسيطرة على المجتمعات الرأسمالية والتي غايتها الربح ومراكمة الثروة). بطلة الفيلم تدرك، بالبداهة، ما هو جوهر الحياة والسعادة، فتنجو بنفسها من هيمنة مفاهيم تحددها الرأسمالية ويقع ضحيتها معظم الناس. هي تشعر أن السماء والأشجار والأنهار لها. هي متحدة بالكون بمحبة وحرية ولا تريد كل ذلك الترف الذي يربطونه بالأمان (بينما هم أكبر مستهلكين للأدوية المنومة ومضادات الاكتئاب). ثمة لقطة رائعة أيضاً حين تسبح البطلة عارية تماماً في بحيرة تاركة جسدها يطفو وهي مسترخية. لقطة ليس فيها أي إغواء أو ابتذال. لقطة مهمة لامرأة حرّة تعيش في سيارة وطبيعي يكون النهر صديقها وتترك نفسها حرة تطفو فوق الماء كما خلقها الله. السعادة الحقة أن تنجو بنفسك من طغيان السياسة ومن هيمنة الرأسمالية التي تفرض عليك (من حيث لا تدري) نمطاً من الحياة على أساس أنه الصح والسعادة. وتجبرك أن تفرح بطريقة معينة (المطاعم الفاخرة والسفر والعلاقات الاجتماعية الباردة المنافقة) واقتناء تحف وماركات عالمية.. إلخ. كل البشرية في النهاية ستنتهي بمساحة كمساحة السيارة التي تعيش فيها المرأة الحرة. النجاة من طغيان السياسة لا يعني بأي حال التهرب من الالتزام، بل يعني أن تجد متسعاً تعوم فيه عارياً..

محمود الصباغ: طبعا ليس من الصواب الهرب من الاستحقاق السياسي، ولكن قد يزعم البعض أنهم لا يجيدون العوم.

هيفاء بيطار: ها أنت تحمل سؤالك ثقلاً إيديولوجياً مرهقاً، في الحقيقة. على المستوى الشخصي، لا أميل، بل، لا أحبذ هذا النوع من التصنيفات التي ذكرتها سابقاً، فالرواية الجيدة، باعتبارها عملاً إبداعياً، لا تحتاج إلى تصنيف، قد تكون رواية سياسية واجتماعية في الوقت عينه، لكنني، على سبيل المثال، أفضل تصنيفاً أو تعريفاً، لا فرق، من نوع آخر مثل: أدب السجون، وهو نسيج أدبي لم يأخذ حقه، بكل أسف، في الدراسة والنقد، في الإعلام، على وجه الخصوص، وهو أدب مُغيب وكتبه ممنوعة لدرجة أن الكثير من الناس لا يصدقون أن هناك أدب السجون. أظن الرواية السياسية التي أبهرتني هي ( البحث عن وليد مسعود) لجبرا ابراهيم جبرا، وأراها رواية عظيمة (أذكر أنني أهديتها للكثير  من أصدقائي) ،وأراها رواية فلسطين والفلسطيني، كذلك أعمال غسان كنفاني وإميل حبيبي الروائية، وبعض روايات صنع الله إبراهيم، وكذلك روايات عبد الرحمن منيف، هذه نماذج يمكن تسميتها روايات سياسية، غير أنها، في المقابل، روايات اجتماعية أيضاً، وبلا ريب، هي روايات عظيمة وناجحة ومدهشة، لكنني كما ذكرت لا أهتم بالتصنيف، فما يعنيني، ماذا أكتب، وعمّ أكتب، وماهي الرسالة التي أرغب في إيصالها من خلال كتاباتي. ليست البلاغة اللغوية معياراً لنجاح النص الأدبي أو الشعري على الإطلاق، أستطيع أن أحصي لك الآن عدد لا ينتهي من نصوص وخواطر وقصائد تفور عاطفياً بالعشق والحب والوطنية وألم الفراق.. إلخ، لكنها لم تحرك روحي، لم تهز أدنى شعور رغم جمال الجملة وجودة السبك. ولهذا أراه جمال محنّط بلا روح ينزلق على جسدي كالزيت لا أمتص نقطة إبداع ولا ترتشف روحي ولو ذرة دفق من الحيوية التي تميز الأعمال الخالدة، أو التي نطلق عليها اعمال خالدة. النص الإبداعي، هو الذي يدخلك في دهشة وصدمة ويفجر الأسئلة في روحك، هو الذي ينقلك إلى ضفة أخرى، لنقل أنها ضفة الإبداع، حيث تشعر أنك صرت أسيراً للنص وشريكاً متورطاً فيه ومشتبكاً معه، وفي ذات الوقت، الكتابة الصادمة هي الكتابة الإبداعية، هي أشبه بشرارة البرق التي رغم نحولها وقصر مدتها (أحيانا تقاس بأجزاء الثانية) لكنها تشق الظلام، وتغلبه، بل وتقهره، وتكشف المشهد كله بطرفة عين. بإيجاز، لا يهزني أي نص، لا أتأثر، أبداً بنص يعتمد فقد على البلاغة اللغوية. في الواقع، أنفر منه، والأمر ينطبق على الشعر والرواية والمسرح. من لا يملك تلك اللمعة الإبداعية في روحه لو كتب مئة  كتاب فلا قيمة لكتاباته

محمود الصباغ: هل تسمحين لي بمقاطعتك من جديد؟ وأعدك أن تكون آخر مرة.

هيفاء بيطار: تفضل، بكل سرور، بس عن جد آخر مرة

محمود الصباغ: نعم .. نعم، لكن الفكرة لا تحتمل التأجيل وإلا ضاعت في النسيان.. لقد ذكرت عظمة ونجاح بعض الروايات لكنك ميزتها بأنها “مدهشة” أيضاً..  كيف تكون الكتابة إدهاش بطريقة ما؟

هيفاء بيطار: عنصر الإدهاش أساسي في كل عمل أدبي، الإدهاش بمعنى أن يتساءل القارئ (حتى لو كان مبدعاً وكاتباً: يا إلهي كيف خطف أحاسيسي هذا الكاتب) للأسف كثيراً ما أقرأ أعمالاً أدبية روايات خاصة، أسلوبها جميل وتفيض بالمشاعر وتطرح أفكاراً هامة لكنها غير مشوقة، لا تلتقط القارئ بطريقة لا يستطيع الفكاك من سحرها، أشعر وأنا أقرأ هذه الروايات أن ثمة مسافة بيني وبين النص وأن ثمة شيء لا يُقنعني في الكتابة، ثمة فرق بين الحكاية والكتابة الإبداعية، للأسف الكثير من الروايات حكايات تعتمد على السرد وعلى الاسترسال في الوصف (مثلاً إحدى الكاتبات التي جعلوا منها نجمة تصف قبلة بـ 12 صفحة) أؤمن أن اللغة فخ أي أنها تُغوي الكاتب بالاسترسال ويظن بعض الكتاب أن الإسهاب أو الاسترسال يخدم النص بينما هو في الواقع يصيب العمل الأدبي بالترهل، الكثير من الروايات التي قرأتها يمكن ببساطة حذف نصفها أو أكثر دون أن يؤثر ذلك على الرواية، النجاح في الإيجاز ليس بمعنى الاختصار بل بمعنى أن تغني الحدث بدون تطويل ودون أن تسقط في فخ إغواء اللغة. مثلاً رواية (الجميلات النائمات) لـ كاواباتا الذي حصل على نوبل وهي لا تزيد عن مئة صفحة، رواية عظيمة الإدهاش، خطفتني من السطور الأولى، ولا أزال أذكر اسم البطل (إيغوشي) لا يمكنني أن أذكر كل الروايات التي أقدرها وأفتتن بها لأنها أدهشتني سأحتاج لصفحات كثيرة لأكتب عنها وفعلاً كتبت عن عشرات الروايات التي أدهشتني. يمكن تسمية تلك الدهشة اللمعة الإبداعية وهي يجب أن تتوافر في كل الفنون الشعر والرسم والغناء.. إلخ. ثمة كتاب كنت حريصة أن أمتلك كل كتبهم نجيب محفوظ وبلزاك ودوستويفسكي، هؤلاء أثّروا بي في العمق وأعتبر نفسي تلميذتهم، وأحب أن أعترف بسحر الأدب الياباني، وقد قرأت أكثر من 80 رواية لـ ميشيما وكاواباتا وموراكامي، وغيرهم سحر الأدب الياباني عظيم لا تجد اسم الله ولا الوصايا العشرة ولا يعتبرون الانتحار خطيئة ( كما تعتبره الديانات التوحيدية بل يعتبرونه قراراً حراً بإنهاء الحياة). لكن ثمة منظومة أخلاقية عظيمة ورائعة وعالية في الأدب الياباني وقد كتبت مقالاً عن سحر الأدب الياباني .

محمود الصباغ: فأنت واقعية إذن؟ ما معنى أن تكوني إنسانة واقعية.. كاتبة واقعية؟

هيفاء بيطار: أنا أنظر إلى نفسي ككاتبة واقعية، أي أنني أكتب عن شخصيات عرفتها وغصت في أعماقها وامتلكت القدرة على التجول في تلافيف دماغها، لكن في الحقيقة لدي قصص كثيرة تدخل في إطار الفانتازيا أو الخيال، لكن حتى هذا الخيال والفنتازيا أساسهما واقعي، فالأفكار لا تهبط، علينا، من السماء، بل تنبع من الأرض، من قلوب الناس وأحزانهم وآمالهم وأنا أتقمص تلك الشخصيات لدرجة أتهم أنني بطلة 300 قصة قصيرة كتبتها وسبعة عشرة رواية، أي أن حياة واحدة لا تكفي لكل هذه التجارب، وكتبت ذات يوم مقالاً أنني بريئة الذمة من تجارب بطلاتي، ثم لم أعد أهتم، فليعتقد من يريد أنني بطلة رواياتي أو قصصي فما يهمني هل العمل إبداعي أم لا.

محمود الصباغ: نعم لاشك، وهذا ما فهمته مما سبق، كما فهم غيري، أنك “طبيبة العلل الاجتماعية”

هيفاء بيطار: الأدب رسالة، وهذه مسألة غير خلافية، وأزيدك نغماً هنا، لقد لعب “الطب” دوراً، أراه رائعاً، في صقل موهبتي ككاتبة، وقلت مراراً أن أنجح زواج هو زواج الطب والكتابة، فالطب والكتابة يهتمان بالإنسان، وأعترف أنني كنت أمارس الطب بعين كاتبة وأمارس الكتابة بموضوعية طبيب، كتبت عشرات القصص القصيرة من وحي عملي كطبيبة (خاصة أنني كنت أعمل في المشفى الوطني في اللاذقية) وقبلها بثلاث سنوات ونصف في مشفى المواساة في دمشق أثناء اختصاصي في طب العيون، معظم هؤلاء المرضى دخلوا إلى معملي الداخلي وتحولوا قصصاً وأحب أن أذكر أول قصة قصيرة كتبتها وكنت في السنة الثالثة في اختصاص طب العيون حيث راجعت مشفى المواساة طفلة اسمها شيرين من حلب كانت بعمر ثماني سنوات فقيرة مصابة بسرطان في عينها اليمنى وأحضرتها إلى مشفى المواساة جدتها (لأن أمها كانت حديثة الولادة) نشأت علاقة قوية وإنسانية بيني وبين شيرين وشاركت في عملية استئصال عينها، كان قلبي ينزف لكنني أحضرت لها هدية قلماً يكتب بثمانية ألوان ودفتر رسم وكان الضماد العيني كبيراً على وجهها الطفولي وكانت تنام على سرير في مهجع يضم عشرة أسرة في مشفى المواساة وكنت أحكي لها، دائماً، قصصاً وأصف لها كيف سنضع بدل عينها عيناً اصطناعية، لا تختلف إطلاقاً عن شكل عينها الطبيعية. وأذكر كيف كانت كل صباح تركض في الرواق الرمادي الطويل للشعبة العينية وترتمي بين ذراعي وأهدتني أسواره صغيرة كذكرى (لا أزال أحتفظ بها). للأسف تبين أن العين الثانية لشيرين مصابة أيضاً بالسرطان ويجب استئصالها. لا أنسى ذلك اليوم الخريفي المُغبر في دمشق وقت الغروب حين وقفت عند باب غرفة شيرين وثمة ضمادين كبيرين على وجهها الطفولي، كنت عاجزة أن أقول أيه كلمة، واقتربت منها وجلست عند حافة سريرها وأمسكت يدها النحيلة وقبلتها، ابتسمت وقالت: أنت، أجل أنت طلبت مني أن أفتح درجاً صغيراً (كومودينو معدنية وأن آخذ القلم الملون الذي أهديته إياه) ولا أعرف ماذا قلت لها، ووعدتها أنني سأزورها في حلب وأنني أحبها كثيراً وأن الحب ينتصر، في ذلك اليوم كتبت ( كمن ينهل من بحر حوالي عشرة صفحات عن شيرين) لا أعرف كيف كنت أكتب بنهم. أرسلت الأوراق لأبي (أستاذ اللغة العربية) فاتصل بي وقال كتبت قصة رائعة (لم يكن يخطر ببالي وقتها أنني سأكون كاتبة، كانت دراسة الطب والاختصاص تستنزفان كل وقتي) ووضع عنواناً للقصة (بكاء بلا دموع) في الواقع لا يمكنني أن أتحدث عن نفسي ككاتبة دون ذكر شيرين. وسأحكي قصة واقعية أخرى حين راجعتني أم فقيرة في الخامسة والعشرين من عمرها في عيادتي الخاصة تحمل ابنها بعمر سنتين مصاباً بضمور في الدماغ أي أنه لا يعي شيء من العالم حوله وكانت ثيابه تفوح برائحة صابون الغار (أناقة الفقراء) وقالت لي، وهي لا تعي أن طبقة دمع تغطي عينيها: ثمة نقطة حمراء في عينه وسكتت، قلت لها سنشرب القهوة معاً وحكت لي قصة ابنها كيف ولد طبيعياً وسمعت صوته لكنه كان بحاجة لحاضنة وكانت الحاضنات الثلاث في المشفى الوطني معطلة فأخذ الصغير يزرق وأصيب بنقص أوكسجين حاد أدى لضمور في دماغه، لم أكن أصغي إليها كطبيبة بل بقلب أم، وقالت: كل الأسرة تريده أن يموت حتى زوجي الذي يعنفني أنني أهتم بهذا المعاق وأهمل أولادي الأصحاء قالت: لكنني أعبده وأشتري له ثياب العيد وأحضر له طعاماً يحبه من السميد والسكر وماء الزهر وسكتت. طمأنتها على عين ابنها وحين خرجت من العيادة بقامتها الممشوقة النحيلة تحمل ابنها المعاق بدا منظرهما كصليب فكتبت للتو عبارة: الحب صليب، ثم أحسست أن هذا المعاق يعيش بقوة حب قلب واحد هو قلب أمه وكتبت إحدى أكثر قصصي تأثيراً (يكفي أن يُحبك قلب واحد لتعيش) وهي عنوان مجموعة قصصية، وصارت شعار مدرسة المعوقين في دمشق،

محمود الصباغ: ولكن هذا الألم  كثير يا هيفاء، أقصد هذا الكم من المشاعر، ألا يحرف العمل الإبداعي الواعي عن رسالته؟ أم تراه يقدم له بعداً تضامنياً؟

هيفاء بيطار: كما ترى أمارس الطب بعين إنسانية أي بعين كاتبة، ويمكنني التحدث عن أكثر من مئة قصة قصيرة كتبتها من وحي عملي كطبيبة. وأحب أن أجمعها في كتاب، كما كتبت روايتين من وحي عملي كطبيبة هما: نسر بجناح وحيد (أحكي فيها عن معاناة الأطباء الذين لا يجدون عملاً براتب محترم حال تخرجهم) ورواية (هوى) التي أحكي فيها عن الفساد الطبي وفساد القضاء وهي رواية واقعية تماماً وقد اعتمدها جهاز الرقابة والتفتيش المركزي حين كان يحقق بقضايا الرشاوي والفساد والسرقات التي بلغت أكر من مليار ليرة سورية (حين كان الدولار بأقل من خمسين ليرة ) وقد اشترت رواية ( هوى ) المؤسسة العامة للسينما وحوّلتها إلى فيلم سينمائي من إخراج المخرجة واحة الراهب لكن الفيلم لم يُعرض في سوريا! لكنه عرض في دول أخرى ولاقى إعجاباً كبيراً. أنا نفسي لم أشاهد الفيلم، رفضوا إرساله لي بحجة يجب أن يُعرض عرض أول في سوريا. عدم رؤيتي للفيلم يشبه كثيراً معاناة الطفلة شيرين, السرطان ليس آفة طبية فقط، بل مجاز اجتماعي وسياسي إن شئت.

لقد تحولنا إلى “مكائن” متحركة.. صرنا نشبه عوالم وأبطال “جورج أورويل”، دعني أحدثك عن جارتي الفرنسية، التي تسكن مقابل شقتي، لا أعلم كم عمرها، وهي مصابة بالزهايمر، لا يوجد علاقة بيننا، منذ البداية، لكنها كانت تكرهني، أو هكذا كنت أشعر بها، ولعل ذلك يعود لليوم الذي طرقت فيه باب شقتها وطلبت منها أن تعيرني “مقصاً” (أردت تقصير بنطلون) ولم يكن لدي مقص، فتصرفت بحسي الشرقي البسيط وقلت لنفسي الجار للجار.. وهكذا طرقت بابها وطلبت منها المقص وما إن سمعت كلمة مقص، حتى تلبستها  كل شياطين الأرض وانتابتها حالة من الذعر لم أشهدها طيلة حياتي، ثم صفقت الباب، بشدة، بوجهي. عدت إلى شقتي تناولت كوب ماء، ثم بدأت في الابتسام وقلت لنفسي، والله معها حق، فالمقص آلة حادّة، أداة قتل بامتياز.. مرت الأيام، وبالصدفة ساعدتها وصارت تثق بي، اكتشفت أنها تعيش حالة خوف وقلق عظيمين، وصارت تقرع بابي، وهي تعتذر بأنها خائفة، دون تحديد، فقط خائفة، ثم تسألني عن ابنتها، ولماذا تأخرت. صرت أدعوها، أحياناً، للدخول، وما إن تدخل حتى تبدأ في الحديث والتعبير عن خوفها، وأنا أصغي لمخاوفها، لهذيانها في الحقيقة. أعتقد أن معظم مخاوفها إنما أتت من قسوة ابنتها وتعاملها اللاإنساني معها، فهي تزورها بين الحين والآخر، ليس يومياً على كل حال، وتأتي مساءً بحدود الساعة السابعة. فتحضر لها  الطعام دون حتى أن تدخل، كنت أتابع الموقف من بعيد وأفكر كيف تقدم هذه الابنة الطعام لأمها كما لو أنها تطعم كلباً، بل لعلها قد تبدو أكثر إنسانية مع كلبها، صارت جارتي تحضر طعامها وتطلب مني لو تستطيع أن تتناوله عندي في البيت فأقول لها بكل سرور وأضحك بيني وبين نفسي، وأشكر الله أن الزهايمر أنساها تلك اللحظة التي طلبت فيها المقص..

محمود الصباغ: ما بين “يوميات مطلقة” (1994) و “الشحادة” (2017) أكثر من عشرين عاماً. هل مازال “التمزق النفسي” هو ذاته الذي يشغل هيفاء بيطار؟

هيفاء بيطار: لا أظن أن عبارة تمزق نفسي تناسب ما أحس به، يمكن القول أن القلق الذي يسكنني لا يزال موجوداً، كذلك الحماسة للكتابة، خاصة عن قضايا الحق وفضح الظلم والفساد، لكن صدقاً ثمة فرق شاسع جداً بين أول رواية كتبتها (يوميات مطلقة) التي كانت شبه سيرة ذاتية ناقصة وكانت الغاية منها أن أرد الصفعة لمجتمع ظالم، تحديداً للمحاكم الروحية المسيحية. هي رواية غضب، إذاً، وأظن أن قيمتها هي في كمية الجرأة والصدق فيها, ربما أكثر من قيمتها الأدبية، رغم أنها حققت انتشاراً كبيراً وطبعت مرات عدة، لكن بعد تلك الرواية صار يشغلني الهم العام، وضع المرأة في مجتمع ذكوري، بعد يوميات مطلقة كتبت رواية (أفراح صغيرة، أفراح أخيرة) هي من أحب الروايات إلى قلبي, لقد غامرت فيها على مستوى التقنية السردية، وكتبت شعراً. الرواية هي رواية مونولوج داخلي لمشاعر امرأة مثقفة تعيش في اللاذقية، مطلقة، لأنها لم تنجب، وحاصلة على شهادة الدكتوراه، تحب شاعراً متزوجاً وتعيش أجمل المشاعر معه ويتراسلان شعراً، لكن تلك المرأة ليست مرتاحة لأن حبيبها متزوج، أي أنها تعيش الشعور ونقيضه فهي تحبه كثيراً لكنها تتخذ قرارات بالانفصال عنه، المرأة لديها مشكلة حين تحب رجلاً متزوجاً، تعيش تمزقاً داخلياً، الشاعر (الرجل) لا يشعر أبداً بما ينغصه ولا يعيش أي تأنيب ضمير هو يؤمن أن من حقه زوجه وحبيبة. أظن أنني غصت في أعماق المرأة وسيكولوجية أعماقها في هذه الرواية ولا أحداث كثيرة تُذكر في هذه الرواية سوى أنها رواية مونولوج داخلي لامرأة. الروايات التالية (امرأة من طابقين) التي حققت أكبر نجاح وطبعت أكثر من عشر مرات وطبعت في القاهرة في هيئة قصور الثقافة، وكادت تتحول إلى فيلم سينمائي، وقد كتبت الصديقة المخرجة واحة الراهب السيناريو لكن حدثت مشاكل في الإنتاج. أما الرواية التي كانت علامة فارقة في كتاباتي فهي رواية (امرأة من هذا العصر) حيث تجرأت وكسرت صمت النساء وكان سرطان الثدي حيلة روائية كي أجعل المرأة (مريم) تتذكر في كل جلسة علاج كيماوي أحد الرجال الذين مروا في حياتها، هي رواية امرأة تقرأ عالم الرجل بعينيها هي وفكرها هي والأهم لغتها هي (لأن الكثير من الكاتبات يستعملن لغة الرجل) وقد كتب أهم النقاد عن هذه الرواية وقالوا أنني أكثر كاتبة نجحت في كسر صمت النساء، وأنا أؤمن أن على المرأة أن تتكلم كي نعرفها لأن الإنسان حين لا يتكلم لا تعرفه. وكتبت النساء يُدفن في الصمت. ثمة نضج كبير في كتابتي وهو النضج الذي تعطيك إياه القراءة والحياة والشغف بالكتابة بين ( يوميات مطلقة والشحاذة ).

محمود الصباغ: سأبدأ السؤال من حيث انتهيت، من حيث كسر الصمت. تناقش فرانسواز ساغان في روايتها “امرأة على حافة الأربعين” (ظهرت ترجمتها العربية سنة 1999) القلق الذي من المحتمل أن تعيشه امرأة؟ وهي هنا “امرأة غربية” مطلقة ووحيدة وتعتقد أنها وصلت إلى الحافة التي لا ترغب فيها المرأة. تغامر ساغان، مثلك تماماً، في الكثير من الأفكار والتقنيات، وهي تنقل لنا عبر “مونولوجات” “بول”، بطلة الرواية لحظة بلحظة، الأسلوب الذي تعتمده بول عند اتخاذها أي قرار، تماماً مثل الحبيبة بطلة روايتك، على قاعدة “الحرية الفردية” في الاختيار. تقولين عن روايتك “امرأة في الخمسين” (2015) أنك اخترت البطلة على تلك الصورة ” صحفية وناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان ومنسجمة مع ذاتها” بهدف كشف النظرة الاجتماعية المجحفة بحق المرأة.. بعد كل هذا، إلى مدى ساهمت تقنية المونولوج في منحك الزخم السردي المطلوب للتعبير عن الأفكار

هيفاء بيطار: أعشق المونولوج الداخلي، فهو ،برأيي، محك موهبة الكاتب، روايتي امرأة في الخمسين هي رواية مونولوج داخلي لمشاعر نساء في الخمسين، رواية جريئة جداً، لكن ما أحب أن أشير إليه حقيقة علمية (وهنا شكراً للطب) بأن سن اليأس في الحقيقة يمر به الرجل وليس المرأة، المرأة في الخمسين تكون متصالحة مع نفسها، أحبت وتزوجت وأنجبت أطفالاً، والكثير من النساء لديهن طموح وأبدعن في مجالات عديدة، أي أن امرأة في الخمسين متصالحة مع نفسها وجسدها، لكن رجل في منتصف العمر (وبحكم تربيته بأنه الفحل) تبدأ هورموناته الجنسية بالانخفاض كثيراً خاصة (التستوستيرون ) ولأن الرجولة في عالمنا العربي مرتبطة بالفحولة الجنسية (يا للعار) فالرجل، في منتصف العمر، هو الذي يعاني من أعراض سن اليأس، فيبدأ بالبحث عن صبايا في العشرين بعمر بناته ليتزوج أو ليصاحب كي يثبت لنفسه أنه فحل. هذا ما أبدعت الطبيبة النفسانية إيدا لوشان في تحليله في كتابها الرائع ( أزمة منتصف العمر الرائعة)، وكوني طبيبة فقد تعلمت من مهنتي أن أكون عملية وجاهزة لطرح الأمثلة المناسبة لأفكاري، أعترف أن عالمي الأدبية خلقت لي الكثير من الأعداء والخصوم، وهذا أمر منطقي، وأنا في الحقيقة اشفق عليهم ، إذا ليدهم متسع للكراهية في الوقت الذي اسعى فيه إلى محبة الجميع، هؤلاء ، لاسيما الفئة التي تكتب، أسميهم  المنتفعين الذين باعوا أفكارهم ليكونوا خدماً للسياسيين، هم ليسوا سوى كتّاب مقاولين، وهم مقاولون فعلاً، وليس عندهم، ضمير، وولائهم للظالم ويكرهون شعبهم ويصفونه بالمتخلف والمرتزقة، هؤلاء (للأسف) يحتلون مناصب ثقافية هامة.. أحدهم وهو مقاول ومنافق، لكنه يعرف من أين تؤكل الكتف، وكتابته رديئة جداً، ولا أحد يطيق كتابته، لكنه نجح عن طريق علاقاته ونفاقه أن تطبع له مجلة دبي الثقافية أربع روايات!. وتراه في كل المؤتمرات الأدبية ويدعي أنه ناقد، هذا ما يسمى العهر الثقافي والفساد الثقافي وأمثاله كثر، لكنه أبرزهم. ثمة أعداء لي، هم مبدعون حقاً، لكنهم ساقطون أخلاقياً (آسفة على صراحتي) مثلاً أحد هؤلاء المبدعين وكان قد حصل على جائزة أدبية كبيرة جداً وهو في أواخر الخمسينات، التقيته في مهرجان أدبي، وانتبهت أنه حاول إغواء نادلة في العشرين من عمرها ليجرها إلى غرفته، هي كانت مبهورة وضائعة، فتحدثتُ إليه حرصاً على النادلة المسكينة: قلت له إنها بعمر أولادك فلماذا تغويها وتجرها إلى غرفتك؟ فقال وهو يضحك: إذا كانت تشاركني الرغبة فلم لا. هؤلاء مبدعون ساقطون رغم أنهم مبدعين لأنني لا أفصل بين الأخلاق والإبداع . هؤلاء أقرأ لهم.

محمود الصباغ: شكراً على صراحتك، نعم الابتذال والتفاهة صارا سمة عصرنا، والشيء بالشيء يذكر، فقد كتبتِ ذات مرة “من الصعب أن يكون الإنسان امرأة في هذا الشرق”، هل يبدو لك الأمر مختلف الآن وأنت تعيشين في المنفى، هل فعلاً بات اتخاذ موقف، لنقل أخلاقي، أسهل من قبل؟ أم مازال صعباً؟

هيفاء بيطار: صحيح ما زلت على قناعتي أنه من الصعب أن تكوني امرأة في العالم العربي، حيث المرأة محاطة بثالوث الرعب (السمعة والعفة والعذرية) وقد عبرت عن تلك العقلية تماماً في روايتي (قبو العباسيين ) وفعلا هو قبو في ساحة العباسيين في دمشق كان يلتقي فيه عشاق ويعيشون الحب، والعاشقات كن يقضين الليل مع عشاقهم، وكل ذلك يحدث في قبو تحت الأرض. اتخذ القبو مكانة رمزية عندي وفي الرواية، فكل إنسان عربي وكل إنسانة عربية لديها حياة أمام الناس فوق سطح الأرض وحياة سرية في القبو (لكل إنسان قبوه) في مجتمعاتنا العربية تحتل عملية إعادة العذرية أرقاماً عالية جداً، جرائم الشرف أيضاً، الكبت العاطفي والجنسي يدمر الشخصية (كما يقول جاك لندن في إحدى رواياته) الكبت الجنسي والعاطفي يجعل الإنسان في مرتبة أدنى من الحيوان. علاقات الحب أو حتى العلاقات الجنسية بين الشباب في عالمنا العربي، هي علاقة مرضية في معظمها، وهي علاقة من طبيعة سريّة، ومجلله بالخوف ودافعها الأساسي الكبت الجنسي وليس الحب (هذا رأيي ومشاهداتي على كل حال).

في باريس، التي كنت أزورها كل سنة مرة أو مرتين حتى استقريت فيها أخيراً، أشعر فعلاً، وليس مجتزاً، بالحرية، أي أنني أعيش دون أن يتلصص علي أحد أو يطلق عليّ أحكاماً أخلاقية، هنا (أقصد في الغرب) لا يوجد جرائم شرف (قد توجد غرف جنس سريّة, لكن هذه مرتبطة بسوق الدعارة وليس بالحب)، صحيح هناك ارتفاع مروع للعنف ضد المرأة لكن المرأة الفرنسية (الغربية) لا تعتبر عاهرة إذا كان لديها عشيق أو حبيب أو كانت ذات ماضٍ. في اللاذقية، حيث كنتُ أعيش، لم أكن أبالي بعقلية الناس، بمعنى كان بيتي شبه صالون أدبي يلتقي فيه أعز الأصدقاء من رجال ونساء، لم أكن أبالي بنظرات المعارف والجيران. هنا، في باريس، أستقبل أصدقاء متحلّلة من ثقل النظرات الفضولية والتي تطلق عليك أحكاماً لا إنسانية. ممنوع أن تمارس حريتك في العلن في العالم العربي، ولكن مارسها في قبو، في السر (وإذا ارتكبتم المعاصي فاستتروا.. وهذا يبرر للذكور شتم المومس نهاراً والانسلال إلى فراشها ليلاَ)، هذا يولّد علاقات غير صحية، علاقات ممسوخة ومرضية، لكن في الحقيقة لا أحس بأية حماسة أو رغبة لإقامة صداقات مع فرنسيين (رغم أن زوج أختي فرنسي ولديه أصدقاء).. هم شعب لطيف في العموم، ويحتفون بي، لكن جرح روحي لا يزال طازجاً، أي أن ألم الانسلاخ عن وطني يعذبني ( كدمل في الروح) أبسط الأشياء توترني، في الحقيقة لا أظن أنها أشياء بسيطة مثلاً: ذات يوم كنت عند أختي وقد دعت أصدقاء زوجها الفرنسي وأصدقاءها أيضاً للعشاء وقررت أن أبذل جهداً لأكون سعيدة وقمت بشكل عفوي وضعت شريطاً لأغاني فيروز لا أنسى النظرة التي رمقتني بها أختي، أن أوقف صوت فيروز فهؤلاء لا يطربون لها، يومها أحسست ما الذي يجمعني بناس لا يطربون لما يطربني!! ويحكون ببطيء وبدون انفعال وفي مواضيع لا تخصني يناقشون أوضاع فرنسا اليمين المتطرف والإسلام الخ. وأنا روحي هناك في أزقة اللاذقية، يومها تذكرت ما روته إيما غولدمان كتابها “أعيش حياتي”: كيف أنها ترقص بجنون، في إحدى الليالي، مع أصدقائها، حين اقترب منها أحد رفاقها في الحزب بوجه قاتم “كأنه سيخبرني بموت أحدهم”، وهمس لي: “لا يليق بثورية أن ترقص”، وتقل إيما أنها لم تتمالك نفسها من شدة الدهشة، فردّت عليه: “إنها ليست ثورتي إن لم أستطع أن أرقص”.. طيب ألم تقل الطفلة عهد التميمي ما يشبه ذلك؟ أذكر إني سمعتها على إحدى المحطات تقول عقب خروجها من المعتقل الإسرائيلي: “كنا نعمل حفلات ونغني ونرقص ونضل ننط بالغرف نتهبل، وكنت أقضي الوقت في دورة القانون ودراسة التوجيهي وقراءة الكتب ومشاهدة التلفزيون وكنا نعمل فطور جماعي أنا والصبايا وغدا جماعي”. لكن علي الاعتراف حقاً أنني أشعر بالخفة التي يولدها في روحي الإحساس  بالحرية، ألبس ما أريد، أستقبل في بيتي الأصدقاء أتابع الإعلام الغربي الذي لم أكن أتمكن من متابعته في سوريا، والأهم أحس بكرامتي فأنا لدي ضمان صحي كامل واحترام وإحساس بالكرامة، هنا لا أتلقى تلفوناً من المخابرات: تفضلي اشربي عندنا فنجان قهوة، هنا أكتب بحرية حتى يصل صوتي وكلماتي أعالي السماء، في سوريا كنت أشعر دائماً أن ثمة رجل مخابرات صغير ساكن في دماغي يرعبني ويهددني، مثلما ـن هناك ثمة ديكتاتور صغير معشش في دماغ أي ذكر هناك وجاهز للتوثب والانقضاض لو أتيحت له الفرصة.

نعم أحب باريس، أحب مزاجيتها وإبراز مفاتنها، لاسيما لحظة هطول الأمطار مثل شلال فتبدو كوشاح يغطي وجه المدينة، ثم فجأة  تختنق عيون الغيوم وتجف دموعها وتشرق الشمس ساطعة لدرجة تكاد تشك حقا أن المطر كان ينهمر مثل سيل قبل قليل، لا ينقذك من جنون الشك سوى منظر الشوارع والبيوت المغتسلة بالماء.

لا أنكر إني عشت لحظات حميمة مع بعض الأصدقاء الفرنسيين هنا، وهي لحظات قائمة على الاحترام المتبادل, واحترام المسافة بين الافراد على اختلاف هوياتهم وانتماءاتهم، حضرت منذ مدة ندوة في مدينة مونبلييه بمناسبة ترجمة روايتي (امرأة من هذا العصر)،  كانت الندوة ناجحة جداً، والمكان ساحر في جبال السيفين, وزاد في شهر المشهدية هذه أن أكون بصحبة سيدة فرنسية تجاوزت السبعين من عمرها كورين تقود سيارتها ثلاث ساعات متواصلة في طريق صاعدة وخطرة وأنا أتأمل، بذهول، كل هذا الجمال الذي لا يحتمل لجبال السيفين لشامخة التي ترتفع نحو 2000 متر فوق سطح البحر، ونكاد أن تلامس قممها السماء، لا غيوم في ذلك اليوم، وهذا من حسن حظي، وأيضاً تمتاز جبال السيفين بأنها طاردة للغيوم، تلك الجبال رعناء كما يصفها الشاعر العربي القديم، لا ترغب أن يشاركها أحد في هذا البهاء والجبروت، تمتد الغابات الكثيفة عبر قممها وسفوحها، وتتناثر القرى التي تبرقع هذا الخضار مثل زركشة ثياب نساء ضيعنا، وبين الصمت والحلم قلت لكورين” أظن أنني سأصل إلى اللانهاية”.. أتعلم؟ ربما أجمل ما في الكتابة أنها تخلق للكاتب صداقات عابرة للقارات صداقات عميقة صادقة مع مبدعين ومع قراء مهتمين بما تكتب. ولكن، وبأقل اختصار ممكن وكما أقول دائماً،: سوريا قربك عذاب وبعدك عذاب .

محمود الصباغ: هذا البوح الجميل  عن جبال مونبلييه وعن سوريا بوصفها “عذاب” وعن صدف جمالية الكتابة، كل هذا يجعلني استذكر ما قالته الروائية الهندية العظيمة أرونداتي روي في أحد اللقاءات معها أنها لا تعرف ما هي الرواية “العالمية”, بمعنى ماذا تعني من حيث التعريف ولا كيف ينبغي أن تكون، وهي تعتقد أن رواياتها تحمل  طابعاً شديد المحلية،.. طيب، ارتحال العمل الأدبي عبر الحدود، مثلما حصل معك مؤخراً في مونبلييه، يعني أن العمل الأدبي  يهاجر مثل البشر، وتحكم ارتحاله قواعد معينة لاشك، كيف تنظرين إلى مصطلح “الرواية العالمية” في عصرنا هذا العصر الذي نعيشه وتسيطر فيه الميديا.

هيفاء بيطار: الرواية العالمية، ببساطة، هي الرواية التي تنقل ببراعة وإبداع وصدق حياة الكاتب في وطنه أي أنها الرواية المحلية، كروايات نجيب محفوظ مثلاً، فهو حفر عميقاً في المجتمع المصري، وأظن أن قراءة رواياته التي غطت ثلاثة عقود من تاريخ مصر تغني عن قراءة مئات الكتب في علم الاجتماع، نجيب محفوظ لم يترك مصر، كتب عن وطنه وشعبه ووصل إلى العالمية، غابرييل ماركيز وماريو يوسا وغيرهم كتبوا عن قضايا شعوبهم ووصلوا إلى العالمية، كيف لكاتب أن يكتب عن مجتمع آخر لا يعيش فيه! أرندوتي روي وسلمان رشدي (خاصة في روايته أطفال منتصف الليل) وصلا إلى العالمية لأنهما عالجا بإبداع مذهل كيف انفصلت الهند عن باكستان والصراع الدموي بين المسلمين والهندوس. كويتزي أحد أهم الكتاب من جنوب إفريقيا كتب عن وطنه ونال نوبل للآداب، كذلك كاواباتا وميشيما وموراكامي كتبوا عن اليابان ووصلوا إلى العالمية، الرواية العالمية هي التي تنجح في نقل المحلي ببراعة ونزاهة إلى العالم كله. بالنسبة لروايتي (امرأة من هذا العصر) كما ذكرت هي رواية تكسر صمت النساء، أحبوها كثيراً في فرنسا لأن روح المرأة بالنتيجة واحدة، هنا أيضاً في فرنسا ثمة نساء يعانين كثيراً من الوحدة والعنف وذكورية الرجل، لذا وجدن في روايتي تعويضاً لهن عن القهر والصمت الذي يعشن فيه.

محمود الصباغ: فهل أنت كاتبة نسوية؟ هكذا ببساطة وبدون أي تعقيد

هيفاء بيطار: أجل أنا كاتبة نسوية، بمعنى أنني أهتم كثيراً لوضع المرأة في عالمنا العربي، لكنني أحكي عن وضع المرأة العربية كإنسانة فاعلة في المجتمع، وهي نصفه على كل حال، لا أحكي عنها إطلاقاً من منظور الأنوثة الضيق، وليس غريباً أن تكون عناوين معظم رواياتي عن المرأة (امرأة من طابقين -امرأة من هذا العصر -امرأة في الخمسين -نساء بأقفال) ومجموعتي القصصية (الساقطة التي نالت جائزة أبي القاسم الشابي في تونس في العام 2003 من بين 150 مخطوط مشارك) وقد سلمني الجائزة حفيد أبي القاسم الشابي، لكن حين أكتب عن المرأة فأنا أكتب عن المجتمع أيضاً، أي عن علاقتها بالرجل وعن قوانين الأحوال الشخصية المجحف بحق المرأة، وعن المرأة الأم والمرأة المبدعة والمرأة العانس (وكلمة عانس تُطلق فقط على المرأة أما الرجل الذي لا يتزوج فيقال عنه رجل وحيد) روايتي “نساء بأقفال” كذلك روايتي “امرأة في الخمسين” هي فضح لعقلية ذكورية متخلفة تعتبر المرأة في سن اليأس كأنها كائن لا جنسي! وأحب أن أعترف أن كل تلك النسوة حقيقيات تماماً، لكنني لست كاتبة نسوية فقط، رغم أنني أوليت المرأة أكبر اهتماماتي في الكتابة، فأنا كتبت قصصاً كثيرة عن أطفال ورجال. وأحب أن أذكّر أن روايتي الأولى (يوميات مطلقة) وكان العنوان بكسر اللام في “مطلقة” ( لكن الناشر لم يقبله) أهمية هذه الرواية أنني تجرأت وانتقدت المحاكم الروحية المسيحية التي حكمت علي بالهجر سبع سنوات (رفعت دعوى الطلاق بعمر 27 سنة وحصلت عليه بعمر 34 ) وحكيت بجرأة اُثارت ضدي كل الطائفة المسيحية عن صاحب السيادة (المطران) وقلت أن رجال الدين لديهم نوع من السادية، أي يتلذذون بعذاب النساء، إلى الحد الذي دفعه أن يحرّض الناس ضدي في إحدى عظات يوم الأحد بقوله للمصلين: “لا تقرؤوا روايات هيفاء بيطار”.. لو تتخيل كم كنت سعيدة أحسست أن الكنيسة المحنطة نبذتني، كما نبذت جبران خليل جبران وكازانتزاكي. وأحب أن أشير إلى تقرير لجنة تحكيم جائزة أبي القاسم الشابي حين أقاموا حفلاً كبيراً في دار الجلد في تونس لمنحي الجائزة، فقد قال أحد أعضاء لجان التحكيم: أنهم لم يتوقعوا أن تتمكن امرأة عربية من الغوص عميقاً وبطريقة إبداعية أقرب لأسلوب موباسان بهذه الطريقة في أعماق المرأة.

محمود الصباغ: وهذا القول يقرّبنا من حدود إشكالية الأدب والثورة، إذ يقال أن الأدب السردي “الرواية، المسرحية” ويضاف إليهما الشعر، أنه لا يصنع  ثورة، ولكن هل ثمة ثورة بدون هذا الأدب؟ هل تضعين إنتاجك في سياق أي ثورة من أي نوع؟ ولا أقصد ما يجري الآن في سوريا، فذلك موضع آخر

هيفاء بيطار: منذ قررت الكتابة، كنت أعرف نوعية التحديات التي سوف أواجهها، وبأن لا ولاء لي إلا للحقيقة، الكتابة عمل ثوري هكذا أفهمها، وإن لم تكن عملاً ثورياً فهي ليست كتابة، الثورة في الكتابة هي بمحاربة الظلم والاستبداد والقهر بشجاعة والانحياز لوجع الناس وآلامهم وخوفهم، الكاتب يجب أن يكون ضمير الناس وصوتهم، صوت الصامتين والخائفين، والأهم كنت دائماً مستعدة لدفع ثمن أفكاري مهما كان باهظاً ومؤلماً، الكتابة الحقيقية هي ثورة وتحفيز غير مباشر للناس لرفض الظلم والقهر وليعرفوا حقوقهم وبأن من حقهم أن يعيشوا بكرامة وحرية، وأعترف أن كل كتاباتي كانت لتعرية الواقع والثورة على الظلم والقوانين المجحفة بحق المرأة خاصة وعلى عقلية اجتماعية متخلفة كل ذلك هو كتابة ثورية، وأؤمن أن الذي سيغير حياة الناس هي الكتابات الصادقة الشجاعة الثورية التي تنحاز للحق ضد الباطل، من سينقذ البشرية من اليأس والإحباط؟ الأدب هو ثورة ثقافية وليست ثورة سياسية أو اقتصادية.

محمود الصباغ: طيب لو بقنا قليلاً هنا في هذا الحيز من الأدب والثورة والالتزام. لقد شاركتِ في عدة مؤتمرات تتحدث عن صورة المرأة في الأدب العربي المعاصر، هل تعتقدين أن هناك صورة واضحة عن المرأة العربية في الغرب نقلها الأدب، أم أن “الجزيرة” و “العربية” وغيرها نقلت صورة\ صور المرأة بطريقة أخرى؟

هيفاء بيطار: للأسف تم نقل صورة المرأة العربية بشكل مشوه إلى الغرب، وهذا مقصود وليس عفوياً أبداً، حين كنت أحضر الأخبار عن الغزو الأمريكي للعراق، راعني أن كل المقابلات كانت تجرى مع نساء عراقيات، منقبات أو محجبات بطريقة أقرب للنقاب، وكن يصرخن ويتفجعن! الأمر غريب لاشك،  أهذه هي المرأة العراقية! ألا توجد نساء عراقيات مثقفات ووطنيات، الأمر ذاته عن نساء فلسطين وسوريا ومصر.. وغيرها. تبدو المرأة إنسانة مهزوزة الشخصية، وأفكارها ضبابية، حديثها صراخ و\ أو عويل. كذلك صورة المرأة المغربية التي قدمت بأحط أشكالها في الأدب والسينما، ألا يوجد في عالمنا العربي نساء مثقفات مبدعات ويشاركن في صنع القرار؟ أحد الكتّاب قال لي: يحب أن تقدمي للغرب صورة المرأة العربية هكذا، يهذه لطريقة التي تظهر بها متخلفة وشبه معتوهة، حتى أن البعض لا يخجل من القول: إذا أردت، ككاتب عربي، أن تنجح في الغرب فتحدث عن تخلف المرأة وانتقد الإسلام. وهذا صحيح إلى حد بعيد للأسف. الإعلام العربي احتقر المرأة أيضاً، كثيراً جداً وعلى عدة مستويات، وأنت ترى أن جميع المحطات الدينية تخصص برامجاً مخجلة لشيوخ مسلمين يفتون فتاوى مخجلة وهم يتلقون أسئلة من متابعات للبرامج. أذكر أحد الأسئلة من امرأة لأحد المشايخ تسأله: ما هي فتوى الدين الإسلامي في نزع أشعار جسد المرأة! في الحقيقة، شعرت بالغثيان، وأرجو أن لا يفهم كلامي ازدراء بأحد أو بدين أحد، غير أن الشيخ ” ولا على باله” أجابها كما يشتهي وتشتهي أن تسمع، فأي عار هذا. هذه القنوات ترسخ دونية المرأة وتجعلها تبدو سطحية  مسلوبة الإرادة وغير فاعلة وسخيفة ومُغيبة العقل. يمكن الحل يكون برحيل نساء الشرق، جميعهن بلا استثناء، إلى “مقهى الحزانى” الذب افتتح مؤخراً في الصين، حيث يجدن الموسيقا الهادئة والمشروبات المريحة للأعصاب، ثم إنهم يقدمون هناك الفلفل الأحمر لمن يريد أن يبكي وتنهمر دموعه مثل مطر باريس، تدفع 6 دولارات وتغسل أحزانك، كم تحتاج شعوبنا إلى مثل هذه المقاهي، حتى اسمها لا يخلو من رومنسية، “مقهى الحزانى”

محمود الصباغ: جميل.. يصلح أن يكون عنوان رواية أو فيلم.

هيفاء بيطار: نعم و”الحزانى” هنا لا تحمل أي طابع “جندري” فهي تعني النساء والرجال على حد سواء. من الأهمية بمكان فهم الحالة النفسية للشعوب، ألا يوجد تخصص يدعى “علم نفس الجماهير” و”علم نفس المجتمعات”، شاهدت، ذات مرة، برنامجاً يتحدث عن الحالة النفسية للشعب اللبناني وعلم النفس، يصف البرنامج الشعب بأنه يعيش في حالة تخدير “استخدموا كلمة مُبنج، من البنج”، أي أن مشاعره وأحاسيسه “مُبنجة” من هول الصدمات والمعاناة لدرجة أن جهازه العصبي عاجز عن تحمل كل هذا القهر والظلم المتزايدين مع الوقت فتصبح شخصية اللبناني مُبنجة أي تهرس وتسحق المعاناة إحساسه بالقهر المديد خاصة أن ثورته ضد (كلن يعني كلن) أجهضت بقوة وشراسة. لذا يوهم اللبناني نفسه أنه متأقلم مع ظروفه وبأنه شخص طبيعي. بل يهنأ نفسه على قدرته العالية على التأقلم وبأن التأقلم دليل ذكاء ومرونة في الشخصية (طبعاً ليس الشعب اللبناني وحده المُبنج بل الشعب السوري أيضاً وشعوب أخرى )، التأقلم مع الظلم كارثة، بل هو الموت الحقيقي. أكبر مفهوم مضلل هو أن اعتبار التأقلم “مع الظلم” عمل صحيح. هذا يجعل الإنسان يفقد إحساسه بكرامته ويدمره نفسياً. التأقلم مع الظلم عار وعيب وهو يساعد الظالم أن يتمادى في ظلمه، هؤلاء لا يلزمهم “مقهى الحزانى” فقط، بل ربما أيضاً “مطعم الحزانى” و”مسجد الحزانى” و”كنيسة الحزانى”… إلخ.. نحن لا نتحدث هنا عن الأدب فقط, صح؟ يعني ليس فقط عن هيفاء بيطار الكاتبة؟

محمود الصباغ: بل عن هيفاء بيطار الإنسانة

هيفاء بيطار/ حسن، طالما الأمر كذلك سأقول لك الآن م هو خارج السياق، لكنه هام وضروي كي تفهم من هي هيفاء بيطار “الإنسانة” أولاً و “الكاتبة ” ايضاً أولاً وأخيراً .. اسمع يا سيدي.. ما زلت أذكر يوم خرجت علينا الفنانة العظيمة سهير البابلي وهي ترتدي الحجاب، ثم ما قالته من كلام حول ذلك، يومها كتبت مقالاً نشرته في جريدة الثورة السورية بعنوان (لماذا يا سهير البابلي؟ كيف يمكن لمبدعة عظيمة مثلك قدّمت على المسرح أروع الأدوار وساهمت في تنوير عقل جيل في كل أنحاء العالم العربي أن يصير المسرح شيطان! وأن تندمي كل هذا الندم على تاريخ من الفن الراقي العظيم الذي كنت رائدة فيه. أي تغييب للمنطق والحقيقة وطعن الفن طعنة قاتلة. طبعاً تألمت كثيراً لحجاب سهير البابلي وما قالته عن المسرح (أنه صار كالشيطان)، وقبل كل شيء، سوف أكرر احترامي لذوق لناس في ارتداء ما يرغبون، فالذوق مسألة غير قابلة للنقاش على رأس حكماء الإغريق، وليس فقط ذوق، بل أحترم أي شيء يرتبط بالأديان بطريقة ما، وعندي العديد  من الصديقات الحبيبات المحجبات، أكرر حبيبات وأحترم قناعتهن في الحجاب. لكن موضوع الحجاب والفن، هذا أمر مختلف جذرياً. أحب أن أذكر الصدمة الموجعة الكبيرة التي أحدثتها في نفسي سهير البابلي، وأتحدث هنا على صعيدي الشخصي أي بصفتي هيفاء بيطار ليس أكثر. لقد مرّ وقت على سهير البابلي، كانت فيه  ملكة المسرح، بحضورها الطاغي، وموهبتها الفذة، وـالقها الذي أبهر محبي المسرح وجمهورها العريض (والمسرح، كما تعلم، أرقى الفنون وأصعبها وأقربه للناس).  لا شك أن سهير البابلي قدمت أعملاً ذات قيمة إنسانية وفنية عظيمة وجمالية أيضاً، وأذكر، في شبابي الأول، كيف كنت أحضر مسرحياتها مبهورة بطغيان موهبتها وشخصيتها. لقد كانت فنانة عظيمة ترفع لها القبعة. أما عن دور الفن، فلا احد يختلف عن وظيفته في الارتقاء بالإنسان عن طريق طرح قضايا حياتية ومصيرية إنسانية وأيضاً غاية جمالية، كما يقول أندريه جيد “غاية الحياة هي الفن”.  ثم فجأة .. ودون مقدمات، وبعد عطاء أكثر من ربع قرن تقرر سهير البابلي، وهي من هي، تعتزل وتتحجب (حتى هنا هي حرة)، لكن ما قالته عن المسرح (وهو موثق في مقابلة تلفزيونية) جعل الدم يتجمد في عروقي فهي تقول أنها اعتزلت الفن وارتدت الحجب وسافرت إلى الحج وطانت تبكي وهي تقف أمام الكعبة الشريفة وترجو من الله أن يسامحها على خطاياها (حين كانت نجمة على المسرح ) والعبارة التي لا أنساها أنها قالت: صار ستار المسرح وخشبته كالشيطان تماماً.. هكذا ببساطة، يتحول الدين إلى تجارة ومطية، طيب يا سيدة سهير كل ما تملكين من ثروة مصدرها الفن، يعني الشيطان، تفضلي تخلصي منها وابداي حياتك من جديد، مؤمن ضارعة لله لعله يغفر لك هفوتك الفنية تلك.

محمود الصباغ: قد اتفق معك، ولكن هؤلاء ناسنا فماذا نحن صانعون

هيفاء بيطار: ليبق الإيمان في الصدور، وليس في المصارف والبنوك والفضائيات، ليبق الدين بعيداً عن علاقات الهيمنة والسطوة الذكورية والعائلية والطائفية.. لست داعية اجتماعية ولا أحب هذه الأدوار. لا يستطيع أحد أن ينعني من قول رأيي في ما يحيط بي، هل تذكر الثالوث المحرم؟ ( الدين، الجنس، السياسة)، هذا الثالوث أساس العيش الإنساني أصلاً، كل شعوب الأرض لم يعد هذا الثالوث محرماً عندها إلا نحن، وقد أضفنا له ثالوث الرعب (السمعة والعفة والعذرية). فإلى متى؟ في قصتي (صفير النهاية) أتحدث عن فتاة صغير لم تتجاوز الرابعة عشر، يغتصبها والدها بوحشية وينمو في أحشائها جنين السفاح، تسافر بها أمها للتخلص من الجنين، تكتفي الأم بالصمت، وهو سلاح تعتقد أنه سيحميها ويحمي أولادها من بطش الأب. السؤال هنا، أين هو المجتمع الي يتسابق في إظهار الغيمان والورع والتقوى.. المجتمع بكل اطيافه الدينية، وليس فئة محددة، أين هو؟ ماذا سيقول عن هذه الطفلة.. هذا هو جوهر صرختي عن معنى “الساقطة” وهي الثيمة التي تتكرر في العديد من أعمالي.

محمود الصباغ: ها أنت الآن تضعينا أمام نداء العدالة الاجتماعية. لو نظرنا إلى أعمالك، بهذا المنظار، فأين يبدأ الشخصي عند  هيفاء وأين تنتهي؟

هيفاء بيطار: بصراحة ليس عندي ما هو شخصي، فالشخصي والعام وجهين لعملة واحدة هي الإنسان، حين كتبت يوميات مطلقة، ورغم أنها رواية عن معاناتي مع المحاكم الروحية المسيحية، فإن كل النساء كن يقلن لي: كتبتِ بما نحس وعما نحس، لا أسرار لدي، أشرع قلبي وأفكاري للجميع، حسابي على الفيسبوك للجميع، وأظن الكاتب الذي يتمتع بالنضوج وحب الناس يتقلص لديه الإحساس بالشخصي، أنا مسكونة بالوجع السوري، كياني كله مشدود إلى وطن اسمه سوريا، وكل غايتي أن أعبر عنه عن شعب فاق صبره صبر أيوب، كل خصوصيتي وغايتي أن أكون شاهدة عصر.

محمود الصباغ: يلاحظ أن معظم أعمالك طبعت في بيروت- وحتى مقالاتك، نشر معظمها، في صحف لبنانية”، فهل دمشق غير مؤهلة؟ وما حال دمشق اليوم؟

هيفاء بيطار: موجع هذا السؤال لكن الحقيقة أنني اضطررت أن أطبع كتبي في بيروت لأن الرقابة الأدبية في سوريا كارثة دون مبالغة، أي عمل أدبي يفكر الكاتب السوري بطباعته في سوريا عليه أن يمر على الرقابة، والله أعلم من هؤلاء الذين سيقيمون عملاً أدبياً مثلاً (ومن حسن حظي) كنت قد أرسلت مجموعتي القصصية “الساقطة” إلى اتحاد الكتاب العرب، لطباعتها، فجاء الجواب بالرفض لأن سبعة قصص قصيرة في المجموعة، جرأتها غير مقبولة!. هذه المجموعة التي رفضها اتحاد الكتاب العرب، هي التي حصلت على جائزة أبي القاسم الشابي في تونس. مثال آخر روايتي (امرأة من طابقين) قدمتها لاتحاد الكتاب العرب أيضاً، وبقيت أربعة أشهر دون أن أعرف الجواب ثم كان الرفض أيضاً، واعتقدت أن اتحاد الكتاب العرب، ووزارة الإعلام، رفضوها لأنها جريئة وتجاوزت تابو الجنس والسياسة، لكن إحدى الصديقات، في اتحاد الكتاب العرب، أرسلت لي تقرير الرفض، وكان السبب أن بطلة رواية امرأة من طابقين تحكي عن ذكرياتها مع مدربات الفتوة وكيف كن يشتمن الطالبات المراهقات بشتائم تحقيرية (حيوانه، بقرة…إلخ) وينزلن بنا عقوبات قاسية كالزحف وغيره. كان هذا سبب رفض طباعة امرأة من طابقين في سوريا، لأن مدربات الفتوة تابعات للجيش، والجيش، كما تعلم أنت وغيرك، خط أحمر .

من حسن الحظ، وخاصة بعد حصولي على جائزة أبي القاسم الشابي، التي طبعها الناشر العظيم (رياض الريس، واختارها من بين أكثر من 700 مجموعة قصصية تقدمت للنشر في دار رياض الريس، حيث كان العام 2003 عام كتابات المرأة) المهم انفتحت لي أبواب بيروت، حيث لا رقابة على الأطلاق وحيث حرية الكتابة واحترام الكاتب. في الواقع أدين لبيروت أنها صقلت موهبتي، لا توجد مدينة في كل العالم العربي مثل بيروت، هي مدينة لا تموت، في أحلك ظروفها لا تتوقف المهرجانات الثقافية فيها، كان لي الحظ أن أطبع ثلاث مجموعات قصصية في دار النهار، وقد اعتبرني غسان تويني العظيم، من أسرة دار النهار، لكن مشكلة دار النهار أنها لم تكن توزع الكتب، وأن كتبها غالية جداً، ثم استقريت في دار الساقي، كذلك الدار العربية للعلوم، وهما من أهم دور النشر، وأكن لهما كل تقدير ومحبة وتشاركان في كل المعارض العربية والدولية .

بالنسبة لمقالاتي، كنت أكتب زاوية أسبوعية في جريدة الثورة، التي تصدر عن وزارة الإعلام السورية، قبل 2011 وكانت كتاباتي عن كتب ومواضيع اجتماعية، لكن الزلزال الذي حدث في وطني سوريا، والثورة، للمطالبة بالحرية وكرامة العيش جعلني -أنا التي أنحاز للفقراء والمهمشين والمظلومين، وأنا التي لا ولاء لي إلا للحقيقة أكتب مقالات تعبر عن الواقع الذي يعيشه الناس -ورفضت كل الصحف السورية نشر مقالاتي، بينما نشرت، لمدة خمس سنوات، مقالات اسبوعية في السفير، وكذلك في النهار. مقالات ليست سياسية على الإطلاق، بل أنا كاتبة الصامتين، كاتبة من يخافون أن يحكوا، وللأسف كانت نتيجة مقالاتي أنني استدعيت مراراً لمختلف أجهزة الأمن في سوريا، ومنعي ثلاث مرات من السفر. كتابة المقال صارت أساسية في حياتي كي أواكب ما يحصل في سوريا وكيف يعيش السوريين وأي ألم لا يطاق يتحملون. كتبت ثلاثة أعمال بعد العام 2011  هي (وجوه من سوريا) طباعة دار الساقي ومجموعة قصصية بعنوان (طفل التفاح) طباعة الدار العربية للعلوم في العام 2018 وأخيراً رواية (الشحاذة) في منشورات اختلاف، وكم أحسست بالامتنان للصديق حسان عباس -الذي لم ألتق به قط- حين عرض علي أن يطبع جميع مقالاتي، وأخرجها في طبعة  أنيقة في كتاب وضع له عنواناً (أن تكن إنساناً ) الرحمة لروحه..

محمود الصباغ:  كيف تنظرين إلى المقالة كجنس أدبي؟ من حيث المضمون والشكل واللغة والأسلوب.. إلخ، هل فعلاً بدأت المقالة تشكل نوعاً من توثيق “التاريخ الشخصي” للأفراد، لاسيما في ظل الميديا الحالية التي جعلت المتاح أكثر بكثير من الممكن

هيفاء بيطار: للأسف، وأقول ذلك بصراحة، معظم المقالات التي يكتبها أغلب الكتّاب تخدم سياسة الدول التي تدفع لهم (أي للكتّاب) هذه المقالات لا أحترمها لأنها أصحابها مجرد خدم لسياسيين تلك الدول التي تدفع لهم مبالغ كبيرة. أنا كاتبة أوجاع الناس ولست مرتبطة بأية جهة سياسية وأرفض ذلك أريد أن أكون صوتاً مستقلاً حراً، ونحن في عصر الميديا حيث أغلقت معظم الجرائد الورقية وصارت المواقع الإلكترونية هي المنتشرة. كتبتُ ولا أزال في مواقع أحترمها مثل صالون سوريا والناس نيوز وغيرها.

محمود الصباغ: هل تكتبين دفعة واحدة؟ هل ثمة فرق في “التكنيك” بين كتابة الرواية وكتابة القصة القصيرة؟.. ما هي الحيل السردية التي تعتمدها هيفاء بيطار لجذب القارئ، وهل ثمة حيل حقاً ؟

هيفاء بيطار: في الواقع لا أظن أن الكاتب قادر على الإجابة بدقة لماذا يكتب بهذه الطريقة أو تلك، ثمة مثل فرنسي يقول (الأسلوب هو الشخص) وأنا ببساطة (هيك) حساسيتي مفرطة في الحياة والكتابة ولدي جموح أقرب للتهور أحياناً، لا يمكنني الكتابة إلا وأنا في حالة حماسة كبيرة لما أكتب سواء رواية أو قصة قصيرة أو رواية، أشعر أنني مشحونة تماماً (كبطارية) وأتدفق على الورق، لا أخجل مثلاً من الاعتراف أنني كتبت روايتي (يوميات مطلقة في يوم واحد) حقيقة كانت مكتوبة في دماغي وذاكرتي وكانت عملية الكتابة مثل تحميض صورة، قصصي القصيرة التي تزيد عن 300 قصة كتبتها بحمسة كبيرة وتدفق على الورق، أحس أن ما يسري في عروقي حبراً وليس دماً. في القصة القصيرة أكتب دفعة واحدة، وأحب أن أذكر بهذه المناسبة أن القصة القصيرة فن صعب جداً فهي إما أن توجد وتكون متألقة وقصة ناجحة أو مصيرها إلى المزبلة، أما الرواية فتجد فصولاً فيها إبداع وتحليق وفصولاً أخرى باهته لكن الفصل المتألق يدعم أو يسند الفصل الباهت أو الأقل إبداعاً، أما القصة القصيرة فلا تتمتع بهذه الميزة لما فيها من تكثيف، فأنت إما أن تبهر القارئ بقصة قصيرة ناجحة ومبهرة أو سيرمي القصة جانباً. في الرواية أتأنى، لأنني أضع سلفاً مخططاً للرواية والرسالة التي أريد إيصالها للناس، أؤمن أن كل عمل أدبي يجب أن تكون له رسالة، مثلاً في رايتي (نساء بأقفال) عن حياة العوانس، تكلمت بعمق وجرأة (أنا نفسي تفاجأت بها) عن معاناة 17 عانساً كلهن نساء واقعيات كن يقصدنني في عيادتي أو بيتي ويحزن لي، كانت غايتي ليس التكلم فقط عن معاناة النساء غير المتزوجات بل فضح عقلية مجتمع ظالم إلى أبعد الحدود ولاإنساني ويقمع حرية المرأة الفكرية ويتسلط على جسدها بحجة أن جسد المرأة شرف الرجل! عجيبة ومقرفة هذه الفكرة، لماذا لا يكون شرف كل إنسان مرتبط بجسده هو وليس بجسد امرأة (أم، أخت، زوجة، ابنة عم.. إلخ )! لماذا شرف المرأة ليس له سلطة على شرف الرجل، جرائم الشرف يرتكبها الرجال وليس النساء، لأن الرجل يريد أن يسيطر على المرأة كلياً بإيهامها أنها شرفه، هذا ما أردت إيصاله للناس في راية (نساء بأقفال) وأحب أن أشكر كل النساء الرائعات اللاتي وثقن بي وحكين لي أوجاع أرواحهن.

محمود الصباغ: ختاماً، هل لك أن تقولي شيء عن “اللاذقية”؟

هيفاء بيطار: اللاذقية كانت عروس الساحل السوري، أما الآن فهي أرملته، وأرملته بامتياز لكثرة ما سفك دم السوريين، أشعر أن اللاذقية كابن معاق قربه عذاب وبعده عذاب، أحسها مدينة مُغتصبة ومُنتهكة، وهل أكبر من جريمة تبليط البحر! حيث ردموا أجمل مقاهي بحرية، كانت رئة للناس ومتنفساً لها، ونفوا البحر بعيداً واستبدلوه ببحر من الإسمنت! لمصلحة من ردم أجمل مقاهي بحرية في اللاذقية والعالم، دُمرت اللاذقية القديمة، ولم يبق أي بيت أثري، أهم البيوت الأثرية (قصر سعادة، وقصر شدياق) هُدمت مع أنها مصنفة ضمن الآثار، وبني مكانها عمارات عملاقة من 30 طابق في شوارع ضيقة، القذارة في اللاذقية مروعة فعلاً محرقة البصة لحرق القمامة تغطي كل يوم سماء اللاذقية بغيمة كثيفة مقززة الرائحة وتسبب السرطانات، حين تمشي في شوارع شعبية كالرمل الفلسطيني وقنينص تجد هضاباً من القمامة تنغل فيها الجرذان التي اعتقدت للوهلة الأولى أنها قطط، لا أبالغ هضاباً من القمامة في قنينص والرمل الفلسطيني ومداخل المدارس وفي كل مكان. أصبحت اللاذقية مدينة قبيحة بعمارات عملاقة معظمها غير مسكون، ومبنية في شوارع ضيقة. اللاذقية التي في الذاكرة لم تعد موجودة وحين ينتابني الحنين أحاول التخفيف عن نفسي وأقول: أحن لأشياء لم تعد موجودة. هو حنين الذاكرة فقط. اللاذقية مدينة مُغتصبة. ويا ليت الأمر يقف عند اللاذقية، إذن لهانت أحزاننا، فالوطن السوري مستباح من أقصاه إلى أقصاه، لا احب الحديث عن سوريا بلغة لحزن واللطم، لكن الواقع: كما أراه/ أعند من أي طموح، هل سمعت بالشاب كريم اليوسف؟ ابن مدينة محرده، الذي قرر أن ينهي حياته -حياة الذل والقهر-. لقد انتحر.. هكذا ببساطة اختفى من الحياة مشروع إنسان، لو بقي حياً لكانت له قصة وتاريخ يروى،  سكنتني صورته وانتشرت في غرفتي على الجدران والنافذة العريضة والأريكة الواسعة وحتى وجوه الدمى، ولم أعد أشعر بالحر، ولا بلسعات البعوض المزعجة، لم أبكِ، لم ذرف دمعة ليه، فدموعي جفت منذ دهر، لكنني أعرف في داخلي بحر من الدموع، بحر أوسع من بحر اللاذقية، حيث يتعانق الأزرقين..    كريم اليوسف / سيزيف السوري يحمل صخرة آلامه مثل مسيح مطعون بالغدر حكمت عليه آلهة الحرب وأباطرتها أن يدفع صخرته نحو اللاشيء، اللامبالاة، الفوضى، استسهال القتل، بالأحرى استسهال موتنا نحن البسطاء من الناس. جميعنا يعرف من هو الذي قتل كريم اليوسف، فاسمه مكتوب  ما بين سطور الرسالة التي تركها كريم خلفه.

لا قول بعد الموت

لا قول

بل صرخة عظمية قالها بلزاك ذات إبداع .. ” إني أتهم”

……………..

هيفاء بيطار: سيرة وبيبليوغرافيا

طبيبة وروائية سورية، ولدت في العام 1960 في مدينة اللاذقية على الساحل السوري.

درست الطب البشري في جامعة تشرين\ اللاذقية وتخرّجت في العام 1982  وتابعت اختصاصها في طب العيون في جامعة دمشق لتتخرّج في العام 1986.لنتقلت إلى باريس لمتابعة الدراسة هناك لمدة عام، لتعود إلى اللاذقية وتعمل كطبيبة متخصصة في أمراض العين جراحتها في المشفى الوطني.

وسافرت بعدها لمدة عام إلى باريس للاطلاع والبحث كما قامت بتحضير دراسات كثيرة عن أسباب العمى وعن أمراض أخرى في مجال اختصاصها.

ظهرت أول أعمالها الأدبية بعنوان “ورود لن تموت” وهي مجموعة قصصية، في العام 1992، وصدر لها في العام التالي مجموعة “قصص مهاجرة”, ودخلت عالم الرواية في العام 1994 حين نشرت “يوميات مطلقة” لتصبح ايضاً عضواً في اتحاد الكتاب العرب.  وتوالت أعمالها كما يلي:

ضجيج الجسد (قصص) 1993

غروب وكتابة (قصص) 1994

يوميات مطلقة (رواية) 1994

قبو العباسيين (رواية) 1995

خواطر مقهى رصيف (قصص) 1995

فضاء كالقفص (قصص) 1995

أفراح صغيرة، أفراح أخيرة (رواية) 1996

ظل أسود حي (قصص) 1997

موت البجعة (قصص) 1997

نسر بجناح وحيد (رواية) 1998

امرأة من طابقين (رواية) 1999

الساقطة (قصص) 2000

أيقونة بلا وجه (رواية) 2000

امرأة من هذا العصر (رواية) 2007

أبواب مواربة (رواية) 2007

كومبارس (قصص) 1996

عطر الحب (قصص)

يكفي ان يحبك قلب واحد لتعيش (قصص)

هوى (رواية) 2007

وجوه من سوريا ( قصص ) 2013

مطر جاف (قصص)

جمولة { قصة قصيرة}

الشحادة (رواية) 2017

عن محمود الصباغ

محمود الصباغ
كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

محاكمة السياسة للأدب

في القرن الماضي، سُجلت سابقتان مشهورتان من محاولات السياسة محاكمة الفن والأدب، هما الجدانوفية والمكارثية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *