جو بايدن "عندما كان نائباً للرئيس أوباما" يجلس مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل مأدبة عشاء في مقر إقامة رئيس الوزراء في القدس، 9 آذار\ مارس 2010 ، الصورة POOL / GETTY IMAGES

حان وقت التغيير: العلاقة الخاصة بين أمريكا وإسرائيل، المنافع والأضرار

ستيفن. إم. والت

ترجمة محمود الصباغ

ها قد انتهت جولة قتال جديدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بالطريقة المعتادة: وقف إطلاق النار يترك الفلسطينيون في وضع أسوء من الذي قبله؛ وفي حالة يرثى لها كم عدم الاكتراث لمشاكله الرئيسية التي سيتقى دون حل أو معالجة. كما قدمت، جولة الحرب هذه، مزيداً من الأدلة على وجاهة الرأي القائل بعدم منح الولايات المتحدة  إسرائيل، بعد الآن، دعماً غير مشروط، اقتصادياً وعسكرياً ودبلوماسياً، كما هو عليه الحال الآن وسابقاً، نظراً لأن سياسات الدعم هذه لم تعد تدر على الولايات المتحدة فوائد تذكر، بل على العكس، باتت فاتورة التكاليف باهظةً، وتزداد ارتفاعاً، والحل البديل هو أن تتحول العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من علاقة خاصة إلى علاقة طبيعية، إذا  كان من الممكن، فيما سبق، تبرير وجود هذه العلاقة الخاصة بين البلدين وفقاً لأسسٍ أخلاقية، فقد  كان يُنظر إلى إنشاء دولة يهودية كاستجابة مناسبة لتعويض اليهود عن قرون طويلة من معاداة السامية العنيفة في الغرب المسيحي، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، الهولوكوست. غير أن هذه الأسس الأخلاقية كانت مقنعة فقط، فيما لو تجاهلنا عواقب هذه العلاقة على العرب الذين عاشوا في فلسطين لقرون عديدة. وإذا ما نظرنا إلى الأمر من زاوية رؤية إسرائيل كدولة تشاركنا القيم الأمريكية الأساسية، فهذا يجعل الصورة أكثر تعقيداً. وقد تكون إسرائيل “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، لكنها لم تكن، قط، ديمقراطية ليبرالية مثل الولايات المتحدة، حيث يفترض تمتع جميع الأديان والأعراق بحقوق متساوية (على الرغم من عدم تحقق هذا الهدف بشكل كامل). لقد قامت إسرائيل، بإصرار واعٍ، بتمييز  اليهود عن غيرهم [من سكان الدولة]، بما يتسق مع الأهداف الأساسية للحركة الصهيونية.

حطّم، الآن، الاحتلال الإسرائيلي الوحشي  على مدار عدة عقود هذه المسوّغات الأخلاقية، السابقةـ التي كانت منطلق الدعم الأمريكي غير المشروط. حيث عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وعلى اختلاف تموضعها الإيديولوجي والسياسي، بالعمل على توسيع المستوطنات، وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم السياسية المشروعة، ومعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية داخل إسرائيل نفسها، فضلاً عن استخدام فرط القوة العسكرية المتفوقة، دون رادع، لقتل وإرهاب سكان غزة والضفة الغربية ولبنان دون تعرضها للمساءلة والعقاب تقريباً. وبالنظر إلى كل هذا، ليس من المستغرب قيام هيومن رايتس ووتش ومنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية “بتسيلم”، كلٍّ على حدة، مؤخراً بإصدار تقارير موثقة جيداً، ومقنعة، تصف هذه السياسات المختلفة على أنها نظام فصل عنصري (أبارتيد). لقد أدى انحراف السياسة الداخلية الإسرائيلية نحو اليمين، وكذلك الدور المتزايد للأحزاب المتطرفة في السياسة الإسرائيلية إلى إلحاق المزيد من الضرر بصورة إسرائيل، بما في ذلك بين العديد من اليهود الأمريكيين. وكان الممكن أيضاً القول، في فترة الحرب الباردة، بأن إسرائيل كانت تمثّل رصيداً استراتيجياً ذا قيمة عالية بالنسبة للولايات المتحدة، على الرغم من المبالغة في قيمتها في كثير من الأحيان. فعلى سبيل المثال، كان دعم إسرائيل وسيلة فعّالة لكبح النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط، لأن الجيش الإسرائيلي كان يشكّل قوة قتالية ذات مستوى أعلى بكثير، وفعالية أكبر،  من القوات المسلحة للدول المتحالفة مع السوفييت مثل مصر أو سوريا. كما قدمت إسرائيل، في هذا الشأن، معلومات استخباراتية مفيدة في بعض الأحيان. لكن الحرب الباردة انتهت منذ نحو ثلاثين عاماً، ورغم ذلك لم يتوقف الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل، وهو ما يخلق، اليوم، مشاكل عديدة لواشنطن ليس من السهولة حلها. فعلى سبيل المثال، لم تنمكن إسرائيل من مساعدة الولايات المتحدة في حربيها ضد العراق (حرب الخليج الأولى والثانية)، بل على العكس من ذلك، اضطرت الولايات المتحدة إلى إرسال بطاريات صواريخ باتريوت إلى إسرائيل في غضون حرب الخليج الأولى، لحمايتها من هجمات صواريخ سكود العراقية. وحتى لو كانت إسرائيل تستحق الثناء على تدميرها مفاعل نووي سوري قيد الإنشاء في العام 2007، أو المساعدة في تطوير فيروس ستوكسنت الذي أضرّ، ولو مؤقتاً، ببعض أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، فإن قيمة هذه الأعمال على الصعيد الاستراتيجي أقلّ بكثير مما كان عليه الحال في حقبة الحرب الباردة. يضاف إلى ذلك، ما نراه من عدم جدوى قيام الولايات المتحدة تقديم دعم غير مشروط لإسرائيل لقطف ثمار مثل هذه الفوائد بناء على تلك المتطلبات.

وفي غضون ذلك، تتواصل تكلفة هذه “العلاقة الخاصة” الباهظة بين البلدين في الارتفاع، ويتحدث منتقدو الدعم الأمريكي عن مبلغ يصل إلى أكثر من ثلاثة مليارات دولار تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل سنوياً، على هيئة مساعدات عسكرية واقتصادية، على الرغم من أن إسرائيل لا تعد دولة فقيرة،  بل أصبحت دولة غنية يحتل دخل الفرد فيها المرتبة التاسعة عشرة على المستوى العالمي. وهناك، بلا شك، طرق أفضل لإنفاق هذه الأموال، على الرغم من أنها بمثابة قطرة في بحر ثروة الولايات المتحدة التي يبلغ حجم اقتصادها حوالي 21 تريليون دولار. ولذلك فإن قيمة التكاليف الحقيقية للعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل هي في الحقيقية تكلفة سياسية أكثر منها اقتصادية. وكما رأينا خلال الأسابيع الماضية، يصعب كثيراً على الولايات المتحدة الادعاء بمكانة أخلاقية عالية على الصعيد العالمي وتستمر، فذ ذات الوقت، بتقديم دعم غير مشروط لإسرائيل. وقد بدت إدارة [جو] بايدن حريصة على استعادة سمعة وصورة الولايات المتحدة بعد أربع سنوات كارثية عاشتها البلاد تحت قيادة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب. وبدأت الإدارة الحالية التمييز بين سلوك وقيم الولايات المتحدة وسلوك وقيم أخرى دول تعد خصوم لها مثل الصين وروسيا، كما تسعى، في هذا السياق، لإعادة تقديم نفسها بصفتها محوراً وضامناً أساسياً لنظامٍ عالميّ يقوم على هذه القواعد من قيمها وأخلاقها، ولهذا السبب، قام وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، بإعلام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بأن إدارته ستضع” الديمقراطية وحقوق الإنسان في قلب سياستنا الخارجية”، غير أن هذا الادعاء الأخلاقي ينكشف، باعتباره أجوف ومنافق، عندما تقف الولايات المتحدة، بمفردها، لتستخدم حق النقض”فيتو” ضد ثلاثة قرارات منفصلة لمجلس الأمن بشأن وقف إطلاق النار، وتعيد التأكيد مرة تلو الأخرى على “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، والسماح بإرسال أسلحة إضافية بقيمة 735 مليون دولار لإسرائيل، وتقدم للفلسطينيين خطاباً فارغاً، يتمحور ،فقط، حول حقهم في العيش بحرية وأمن، ودعم حل الدولتين (وهذا الأخير، هو احتمال لم يعد يأخذه على محمل الجد عدد غير قليل من العارفين بخبايا الأمور). ومن غير المفاجئ مسارعة الصين، والتي تزعم الولايات المتحدة بتمايزها الأخلاقي والقيمي عنها، إلى الاستهزاء وانتقاد الموقف الأمريكي، وكان وزير الخارجية الصيني وانغ يي قد سلّط الضوء على عجز الولايات المتحدة للعمل كوسيط محايد من خلال عرضه استضافة بلاده محادثات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين بدلاً من الولايات المتحدة. قد لا يكون هذا عرضاً جاداً  بعض الشيء، لكن بكين بالكاد تستطيع أن تفعل أسوء مما فعلته واشنطن على مدى العقود الأخيرة.

تتمثل التكلفة الدائمة الأخرى في استمرارية “العلاقة الخاصة” في الجهود المضنية التي سوف تبذلها الإدارة الجديدة في توجيه سياستها الخارجية مقارنة بعلاقاتها مع إسرائيل. حيث يواجه بايدن وبلينكين ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان العديد من المشاكل الأكبر التي عليهم الاهتمام بشأنها أكثر من قلقهم من تصرفات دولة شرق أوسطية صغيرة. ومع ذلك، ها هي الولايات المتحدة تجد نفسها، مرة أخرى، متورطة في أزمة من صنعها هي، إلى حد كبير، والتي تستدعي اهتمامهاً وتستهلك منها وقتاً ثميناً كان من الأجدر تكريسه لقضايا أخرى، مثل التغير المناخي والوباء [كوفيد-19]، والانسحاب من أفغانستان، والانتعاش الاقتصادي، ومجموعة أخرى من المشاكل ذات الثقل الأكبر.

ولو كانت الولايات المتحدة تحتفظ بعلاقات طبيعية مع إسرائيل، فسوف تحظى إسرائيل، بلا شك، بالاهتمام الذي تستحقه لا أكثر ولا أقل.

ومن النتائج السلبية للدعم غير المشروط لإسرائيل، المساهمة في تعقيد جوانب أخرى من سياسات الولايات المتحدة الدبلوماسية في الشرق الأوسط. إذ سيكون من السهولة بمكان للإدارة الأمريكية التفاوض على اتفاقية جديدة للحد من إمكانات حصول إيران على السلاح النووي، فيما لو أنها لم تواجه معارضة مستمرة من حكومة نتنياهو، وذلك دون التغافل عن المعارضة الشرسة للعناصر المتشددة من اللوبي الإسرائيلي هنا في الولايات المتحدة. وعلينا التأكيد من جديد، بأن تكريس علاقة طبيعية أكثر مع الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي تمتلك بالفعل أسلحة نووية من شأنه المساعدة في جهود واشنطن طويلة الأمد للحد من انتشاره في أماكن أخرى، كما أن الرغبة في حماية إسرائيل تدفع الولايات المتحدة للدخول في علاقات مع حكومات أخرى في الشرق الأوسط لا تتمتع سوى بقليل من الأهمية الاستراتيجية أو الأخلاقية. فدعم الولايات المتحدة للديكتاتورية البغيضة في مصر (بما في ذلك تجاهل الانقلاب العسكري الذي دمر الديمقراطية الوليدة في البلاد في العام 2011)، يهدف، جزئياً، إلى إبقاء مصر على علاقة جيدة مع إسرائيل، ومعارضة حماس. كما أبدت الولايات المتحدة تسامحاً بخصوص انتهاكات المملكة العربية السعودية (بما في ذلك حربها الجوية في اليمن وقتل الصحفي المنشق جمال خاشقجي) نظراً لتعمق تحالف الرياض الضمني مع إسرائيل الآخذ في الترسيخ .

لقد خلق الدعم غير المشروط لإسرائيل أخطاراً تمثلت في الإرهاب الذي كان على الولايات المتحدة مواجهته. وما أسامة بن لادن، وشخصيات رئيسية أخرى من تنظيم  القاعدة، إلّا دليلاً واضحاً على هذه النقطة، حيث كان الدعم الأمريكي الثابت لإسرائيل، والمعاملة الإسرائيلية القاسية للفلسطينيين أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت هؤلاء إلى مهاجمة “العدو البعيد”. ورغم أن هذا لم يكن السبب الوحيد، لكنه لم يكن مصدر تافه يمكن تجاهله، على كل حال. وكما كُتب في التقرير الرسمي  للجنة 11 سبتمبر بشأن خالد شيخ محمد، الذي يُوصف بأنه “المهندس الرئيسي” للهجوم: “حسب روايته، فإن عداوة خالد شيخ تجاه الولايات المتحدة لم تنبع من تجاربه هناك أثناء وجود كطالب، بل بسبب خلافه العنيف مع السياسة الخارجية للولايات المتحدة المنحازة لصالح إسرائيل “. لن تختفي مخاطر الإرهاب، بكل تأكيد، لو احتفظت للولايات المتحدة بعلاقة طبيعية مع إسرائيل، لكان تبني موقفاً أكثر عدالة يمكن الدفاع عنه أخلاقياً سيساعد في تقليل درجة العداء ضد مواقف الولايات المتحدة التي ساهمت في التطرف العنيف في العقود الأخيرة.

ترتبط العلاقة الخاصة أيضاً بالمغامرات الأكبر للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، من بينها قرار غزو العراق في العام 2003. ولم تكن إسرائيل هي التي ابتدعت تلك الفكرة السخيفة، بل تنسب في العادة إلى المحافظين الجدد المؤيدين لإسرائيل في الولايات المتحدة. وقد عارض بعض القادة الإسرائيليين الفكرة في البداية، وأرادوا من إدارة جورج دبليو بوش التركيز على إيران. ولكن بمجرد أن قرر الرئيس الأمريكي بوش أن الإطاحة بالزعيم العراقي، آنذاك، صدام حسين ستكون الخطوة الأولى في برنامج أوسع لـ “التحول الإقليمي” وإعادة تشكيل المنطقة، انضم كبار المسؤولين الإسرائيليين إلى جوقة المؤيدين للحرب -بمن فيهم نتنياهو، ورؤساء الوزراء السابقين إيهود باراك وشمعون بيريز- وساعدوا في تسويق الحرب للشعب الأمريكي. وكتب كل من باراك وبيريز مقالات مؤيدة لوجهة النظر هذه، وظهرا على وسائل الإعلام الأمريكية لحشد الدعم لصالح إعلان الحرب، وتوجّه نتنياهو إلى الكونغرس لتقديم رسائل مشابهة لأعضاء الكونغرس. على الرغم من أن الدراسات الاستقصائية  واستطلاعات الرأي أظهرت ميل اليهود الأمريكيين إلى عدم تأييد الحرب من الجمهور ككل، إلا أن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية” إيباك” ومنظمات أخرى في اللوبي الإسرائيلي ألقت بثقلها وراء معسكر الحرب أيضاً. لم تكن، في نهاية المطاف، العلاقة الخاصة هي المسبب في اندلاع الحرب، لكن العلاقات الوثيقة بين البلدين ساعدت في تمهيد الطريق للحرب.

وجعلت العلاقة الخاصة -والشعار المألوف القائل إن التزام الولايات المتحدة تجاه إسرائيل “لا يتزعزع”- من تأييد إسرائيل اختبار أساسي لا بد من اجتيازه لمن يرغب في العمل في الحكومة، كما أعاقت العديد من الأمريكيين القادرين من المساهمة بمواهبهم وتفانيهم في الحياة العامة. ومن ناحية أخرى، لا يشكل تأييد ودعم إسرائيل حاجزاً أمام تولي أي منصب رفيع في الحكومة، ولكن انتقاد إسرائيل، ولو بصورة معتدلة سوف يجعل صاحب هذا الانتقاد يواجه مشاكل ملموسة. وأي تصور عن شخص بأنه غير “مؤيد لإسرائيل” سوف يساهم في عرقلة  تعيينه لاستلام أي منصب -مثلما حصل اثناء اختيار الدبلوماسي المخضرم، ومساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق، تشاس دبليو فريمان لرئاسة مجلس الاستخبارات الوطني في العام 2009- أو إجبار المرشحين على التصرف بطرق مهينة مثل التصريح بالندم الشديد، وجلد الذات والتذلل. إن قضية كولن كال الأخيرة، الذي نال ترشيحه  لمنصب وكيل وزارة الدفاع للسياسة، بالكاد على موافقة مجلس الشيوخ، على الرغم من أوراق اعتماده التي لا تشوبها شائبة، هي مثال آخر على هذه المشكلة، ناهيك عن العديد من الأفراد المؤهلين جيداً الذين لم يتم النظر في تعيينهم أبداً بسبب أن فرق الانتقال لا ترغب في الخوض بمثل هذا الجدل. واسمحوا لي التأكيد أن القلق ليس في عدم إخلاص هؤلاء الأفراد  للولايات المتحدة؛ بل كان الخوف من أنهم قد لا يكونون ملتزمين بشكل واضح بمساعدة دولة أجنبية.

يمنع هذا الوضع غير الصحي الإدارات الديمقراطية والجمهورية الاستفادة من أفضل المواهب ويزيد من تضليل الخطاب العام في الولايات المتحدة.

يتعلم أصحاب السياسة الطموحون عدم قول ما يفكرون فيه حقاً بشأن القضايا المتعلقة بإسرائيل، وبدلاً من ذلك، يتكلمون بالتفاهات المألوفة حتى لو كانت في تعارض مع الحقيقة. وعندما يندلع صراع مثل أحداث العنف الأخيرة في غزة، يتنقل المسؤولون الرسميون والناطقون الإعلاميون على منصاتهم والابتسامات تعلو وجوههم، محاولين عدم قول أي شيء قد يوقعهم أو يوقع رؤسائهم في مشاكل. ليس هذا فحسب، إذ لا يكمن الخطر في التورط في الكذب، بل يمكن الخطر الحقيقي من أنهم قد يقولون الحقيقة عن غير قصد.

فكيف يمكن إجراء مناقشة صادقة حول الإخفاقات المتكررة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط عندما تكون العواقب المهنية لتحدي وجهة النظر التقليدية قاتمة؟

من المؤكد أن  التصدعات في العلاقة الخاصة بدأت  في الظهور. ومن الأسهل الحديث عن هذا الموضوع أكثر مما كان عليه من قبل (بافتراض أن المتحدث لا يأمل في الحصول على وظيفة في وزارة الخارجية أو الدفاع)، وقد ساعد أشخاص يتحلون بالشجاعة، مثل بيتر بينارت وناثان ثرال في  إماطة اللثام عن حجاب الجهل الطويل الذي أحاط بهذه القضايا. لقد غير بعض مؤيدي إسرائيل مواقفهم بطرق يستحقون عليها الثناء. ففي الأسبوع الماضي فقط، نشرت صحيفة نيويورك تايمز، مقالاً يشرح بالتفصيل حقائق الصراع بطريقة نادراً ما كانت تفعله من قبل. وقد بدأت الصور المبتذلة القديمة حول “حل الدولتين” و”حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” تفقد جاذبيتها وقوتها، وحتى أن بعض أعضاء مجلس الشيوخ والنواب خففوا من دعمهم لإسرائيل مؤخراً -على الأقل  على المستوى الخطابي. لكن السؤال الرئيسي هو ما إذا كان هذا التغيير في الخطاب سيؤدي إلى تغيير حقيقي في سياسة الولايات المتحدة ومتى.

لا تعني الدعوة إلى إنهاء العلاقة الخاصة، المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، أو إنهاء كل دعم أمريكي. بل هي دعوة إلى الولايات المتحدة لصنع علاقة طبيعية مع إسرائيل، على غرار علاقاتها مع معظم الدول الأخرى. وسوف تدعم الولايات المتحدة، بوجود مثل هذه العلاقة الطبيعية، إسرائيل عندما تقوم بفعل أشياء تتفق مع مصالح وقيم الولايات المتحدة وتنأى بنفسها عندما تتصرف إسرائيل بطريقة مغايرة. وسوف لن تحمي الولايات المتحدة إسرائيل بعد الآن في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، إلا عندما تستحق إسرائيل هذه الحماية بوضوح. وعند ذلك سوف لن يجد أي مسؤول أمريكي نفسه في موقف حرج حين يوجه انتقادات معينة مباشرة وصريحة لنظام الفصل العنصري (الأبارتيد) الإسرائيلي. سيكون السياسيون والمحللون وصناع القرار الأمريكيون أحراراً في مدح أو انتقاد أفعال إسرائيل -كما يفعلون بشكل روتيني مع الدول الأخرى- دون خوف من فقدان وظائفهم، أو تعرضهم لحملات تشويه لسمعتهم بدوافع سياسية بحتة. فالعلاقة الطبيعية -مع إسرائيل- ليست طلاقاً بمعنى ما؛ إذ ستستمر الولايات المتحدة في التجارة مع إسرائيل، وسوف تظل الشركات الأمريكية تتعاون مع نظيراتها الإسرائيلية في المشاريع المختلفة. سيستمر الأمريكيون في زيارة الأراضي المقدسة، وسوف يواصل الطلاب والأكاديميون من البلدين الدراسة والعمل في جامعات البلدين. ويمكن أن تستمر الحكومتان في تبادل المعلومات الاستخباراتية، حول بعض القضايا، والتشاور، بشكل متكرر حول مجموعة من موضوعات السياسة الخارجية. لا يزال بإمكان الولايات المتحدة الوقوف على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة لإسرائيل، إذا كان بقاءها في خطر كما هو الحال بالنسبة لدول أخرى. ستظل واشنطن أيضاً تعارض بشدة معاداة السامية الحقيقية في العالم العربي وفي دول أجنبية أخرى وفي الداخل الأمريكي.

يمكن لعلاقة أكثر طبيعية أن تفيد إسرائيل أيضاً. فقد سمح الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، منذ زمن، بمتابعة سياسات أدّت إلى نتائج عكسية ووضعت مستقبلها موضع شك وعرضة للخطر على المدى الطويل. وعلى رأس تلك السياسات المشروع الاستيطاني نفسه والرغبة غير الخفية في إنشاء “إسرائيل الكبرى” التي تضم الضفة الغربية، وحصر الفلسطينيين في أرخبيل من الجيوب المعزولة. ويمكننا أن يضيف إلى القائمة غزو لبنان في العام 1982 الذي أنتج حزب الله، والجهود الإسرائيلية السابقة لدعم حماس بهدف إضعاف فتح، والهجوم المميت على سفينة الإغاثة في غزة “مافي مرمرة” في أيار\ مايو 2010، والحرب الجوية الوحشية ضد لبنان في العام 2006 والتي جعلت حزب الله أكثر شعبية، والاعتداءات السابقة على غزة في الأعوام 2008 و 2009 و 2012 و 2014. كما أن عدم رغبة الولايات المتحدة في ربط المساعدات بمنح إسرائيل للفلسطينيين دولة قابلة للحياة ساعد أيضاً في تدمير عملية أوسلو للسلام، مما أدى إلى تبديد أفضل فرصة للوصول إلى تسوية حقيقية تقوم على اقتراح حل الدولتين.

إن وجود علاقة طبيعية أكثر -علاقة يكون فيها دعم الولايات المتحدة مشروطاً وليس تلقائياً- من شأنه دفع الإسرائيليين لإعادة النظر في مسارهم الحالي، وبذل المزيد لتحقيق سلام حقيقي ودائم. وسوف يتعين عليهم، على وجه الخصوص، إعادة التفكير في الاعتقاد باختفاء الفلسطينيين، هكذا ببساطة، وأن عليهم البدء في التفكير في الحلول التي من شأنها ضمان الحقوق السياسية لليهود والعرب على حد سواء. علماً أن النهج القائم على الحقوق ليس الدواء الشافي وسيواجه العديد من العقبات، لكنه سيكون متسقاً مع القيم المعلنة للولايات المتحدة وسوف يوفر المزيد من الأمل للمستقبل أكثر مما تفعله إسرائيل والولايات المتحدة اليوم. والأهم من ذلك كله، سيتعين على إسرائيل البدء في تفكيك نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) الذي أنشأته على مدى العقود العديدة الماضية، لأن بقاء هذا النظام سوف يضع الولايات المتحدة في موقف صعب للحفاظ على علاقة طبيعية. ولا يشير أي من هذه المواقف إلى أدنى موافقة أو دعم لحماس، التي تعتبر مذنبة بارتكاب جرائم حرب في القتال الأخير.

هل نتوقع حصول التغييرات الموضحة هنا في أي وقت قريب؟

لا.. لا ليس كذلك، على الرغم من أن العلاقة الطبيعية مع إسرائيل -على غرار العلاقات التي تربط الولايات المتحدة بجميع دول العالم تقريباً- لا ينبغي أن تكون فكرة مثيرة للجدل  على نحو خاص، إلا أنه لا تزال هناك مجموعات مصالح قوية تدافع عن العلاقة الخاصة والكثير من السياسيين ما زالوا يتمسكون بوجهة نظر عفا عليها الزمن. وقد يكون التغيير أكثر احتمالًا ووشيكًا مما قد يصوره المرء، وهذا هو السبب في مسارعة المدافعين عن الوضع الراهن إلى تشويه وتهميش أي شخص يقترح بدائل. ويستطيع أي واحد منا تذكر متى كان التدخين مسموحاً في الطائرات، ومتى كان زواج المثليين أمراً غير قابل للتصديق، أو متى حكمت موسكو أوروبا الشرقية بقبضة من حديد، أو حتى عندما اعتقد القليل من الناس أنه من غير المألوف تواجد النساء أو الأشخاص الملونين في مجالس الإدارة، أو في كليات  الجامعات، أو في المناصب العامة.

بمجرد أن تصبح المناقشة العامة لموضوع ما أكثر انفتاحاً وصدقاً، يمكن للمواقف القديمة أن تتغير بسرعة مدهشة، وما كان يعتبر يوماً ما غير ممكن، قد يصبح ممكناً؛ بل حتى طبيعي.

……

المصدر: https://foreignpolicy.com/2021/05/27/its-time-to-end-the-special-relationship-with-israel/

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

السويد البيضاء: انعطاف فاشي ونزعة عنصرية

توبياس هوبينيت ترجمة محمود الصباغ استهلال: انتهت- بعجرها و بجرها- “همروجة” 2024يوروفيجين ” في مدينة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *