ثقافة الحاجز بين إرهاب العقل وتقنية الهيمنة

عوديد نعمان

ترجمة محمود الصباغ

ما زلت أذكر صبيحة ذلك اليوم الذي كنت أجلس فيه في المقعد الخلفي لسيارتنا التي كانت تقودها أمي، ثم كيف أعلنت لها، وبكل زهو: “عليك أن تعرفي يا أمي، أنني الطفل الوحيد في الروضة، برمتها، الذي يفكر بعقلٍ وليس بصوتٍ عالٍ”.

كنت لم أتجاوز الرابعة من عمري. وقد أبطأت أمي السيارة بانتظار الإشارة الضوئية، ثم انتهزتْ الفرصة لتلتفتَ نحوي، بما يسعفها من وقت، وهي تبتسم وتقول بهدوء: ” ولكن قل لي كيف عرفت أنك الوحيد؟ كيف عرفت أنك الأول”؟. بهتُّ من سؤالها، بالأحرى لم أجد ما أجيبها، فلذتُ بالصمت، وفقدت حتى القدرة على النطق. لقد جعلتْ أمي، بسؤالها الموجز هذا، العالمَ يبدو غريباً لي، ليس هذا فحسب، بل جعلني، السؤال، أبدو -بدوري- غريباً في عالمي. لقد أماط جوابها الاستفهامي المختزل اللثام عن مواقفٍ كثيرةٍ وعالمٍ كاملٍ من أحداثٍ جاريةٍ تدور حولي، بل كشف عن نمطٍ جديدٍ تماماً من نشاط] بشريٍّ لا أعرفه، إنما ليس غريباً على  كل شخص أعرفه -أصدقائي الذين ألعب معهم، وأخواتي، وحتى والديّ-.

جلستُ، في ذلك اليوم، على درجِ الروضة، أشاهد الآخرين يلعبون. ثم تساءلتُ، باستخدام مهارتي المكتسبة مؤخراً، بصمت وخوف واضحين: “من يدري بمَ يفكرون؟”، وسرعان ما استعدت ثقتي، ونشأت مؤمناً بمن حولي. كنتُ أعلمُ بوجود مخاطر، لكنني كنتُ واثقاً من كوني لستُ وحيداً وبالتالي لستُ عاجزاً عن مواجهة هكذا مخاطر.

بعد أربعة عشر عاماً من اكتشافي الكبير في روضة الأطفال، استدعيت للتجنيد في الجيش الإسرائيلي. وما احتل روحي وشغلها أثناء عملي على حواجز الضفة الغربية؛ عودة السؤال من جديد؛ كيف صرتُ أهدسُ بطريقة عمل الجيش في إرهاب عقول الآخرين هناك.

القسم الأول: وصف الوظيفة

عليكَ، عندما تقف عند الحاجز أو نقطة تفتيش، التفكير، باستمرار، في الطرق المختلفة التي قد تتعرض بها للهجوم: من أين سيأتون؛ وماذا ستكون استراتيجيتهم؛ وهل هذا الطفل، الذي يقف أمامك، بريء كما يبدو أم يقوم بتهريب السلاح؛ وهل سيارة الإسعاف هذه تنقل بالفعل امرأة إلى المستشفى لتلد أم يوجد أعداء يختبئون داخلها؛ وهل هذا الرجل العجوز مسالمٌ غير مؤذٍ، أم يتعمد صرف انتباهك عن شيء ما مباغت سيأتي من خلف ظهرك. وهل.. وهل..!! هل عليك الدخول إلى عقولهم وحشر نفسك في أذهانهم. فمن يدري كيف يفكر الفلسطينيون هناك؟.. إنهم مبدعون، وقد استغلوا، بالفعل فما مضى، سذاجتنا وطيبتنا. ويمكنهم اختراع أي شيء.. أي حيلة، لذلك ينبغي لك أن تسبقهم وتخترعها قبلهم.

تلك هي التعليمات التي يتلقاها الجنود، قبل بدء مهمتهم القتالية الأساسية في “جيش الدفاع الإسرائيلي” لفرض الحكم العسكري في الضفة الغربية.

بيد أن الجيش هناك ليس موجوداً لاحتلال أراضي العدو، ولا لمنع العدو من الغزو أو الهجوم. بل هو منخرط فعلاً في “صراع خفض التصعيد”؛ وهذه عبارة تلخّص جوهر تردد الاحتلال وعدم حسم للأمور بالطرق العسكرية المحضة. فالعدو -الشعب الأجنبي المكلف الجيش بإخضاعه- موجود داخل حدود إقليم يخضع فعلياً، لسيطرة الجيش.

 وبما أن الجيش يحتل الأرض التي يقيم عليها هذا العدو، فهو غير قادر، إذن، على غزوها واحتلالها بأكثر مما هو قائم فعلاً. وبقدر ما يكون العدو لا يملك أرضاً خاصة به، بقدر ما يكون فاقداً للاستقلال السياسي؛ ومفتقراً إلى القدرة الحقيقية للعيش حياة مدنية طبيعية، لذلك يكاد يكون مستحيلاً على إسرائيل -من الناحية المنطقية- “خوض حرب” ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية؛ ونتيجة لذلك؛ قد يعاني الفلسطينيون الأفراد، كثيراً أو قليلاً، لكنهم كشعب لا يمكن كسرهم، بالأحرى لا يمكن هزيمتهم بأكثر مما هو عليه واقع الحال. غير أن الصورة النهائية للوضع هناك ليس على هذه الشاكلة فحسب؛ إذ ينظر الإسرائيليون إلى الفلسطينيين -سكان الضفة الغربية- بصفتهم أغراب وأجانب وليسوا مواطنين؛ وبالتالي لا ينطبق عليهم القانون المدني الإسرائيلي. علماً أن الأحكام العرفية الإسرائيلية، أي القانون الذي يوجه عمل الجيش هناك، على الأقل من حيث المبدأ، ليس قانوناً نافذاً على الفلسطينيين أيضاً، رغم تأثيره المباشر والعميق على أدق تفاصيل حياتهم. وبالتالي ليس ثمة قانون تخضع له العلاقة الناظمة بين دولة إسرائيل والمدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وعلى عكس سلوك المواطنين الذين يطيعون أوامر الشرطة لتمتعها بسلطة معينة وليس فقط لأنها جهاز قوي في الدولة، يطيع الفلسطينيون أوامر الجيش لأنه “جهاز” قوي فقط. وبالتالي، لا يمكن بتاتاً إطلاق اسم القانون على اللوائح والقوانين العسكرية في الضفة الغربية، بل هي أقرب إلى يدعوه الفيلسوف القانوني هـ. إل. هارت “أوامر مدعومة بالتهديدات”: يعتمد منبع وحدود سلطتها على مصدر وحدود التهديدات التي تتعين بها.

وهكذا عندما يخالف فرد فلسطيني أوامر إسرائيل في الضفة الغربية، فسوف تعتبر مخالفته عصياناً بحد ذاتها، وخطيئة في وجه احتلال، وبالتالي، يجب القضاء عليها، وعلى كل عصيان، حتى يتمكن الجيش من بسط سيطرته الصارمة بقوة، على الأرض وسكانها. ولا يمكن، للقوة الغاشمة القضاء على احتمالات المقاومة الفلسطينية، وما دامت المقاومة ممكنة، فليس بمقدور الجيش تأجليها ولا أن ينعم بالهدوء، وسوف تكون قوته الغاشمة أداته الوحيدة للرد. ويمكن القول، بعد كل هذا، ارتباط شرط الاحتلال بخوض الحرب قبل أن تبدأ، وبالتأجيل المستمر للمقاومة قدر المستطاع.

فالغاية، إذن، هي להרגיש נוכחות [بمعنى إظهار الوجود]، كما يقول القادة لجنودهم: علينا أن نجعلهم يشعروا وكأننا نراقب كل تحركاتهم، كل سكناتهم وهمساتهم، وأن نجعلهم يتوقعون منا القيام بأي عمل اتجاههم. هذا هو حل الاحتلال لمعضلة منع حدوث كل، أو أي شيء في كل مكان؛ فعلى الجيش جعلهم  يعتقدون أن لا شيء يفلت من قبضة إسرائيل. فيظهر الجنود تواجدهم بهدف دفع الفلسطينيين للخشية من وجودهم، حتى عندما لا يكون الجيش موجوداً فعلاً. وبالتالي، سيكون التكتيك الحتمي غير الرسمي للجيش يتمثل في زرع الخوف الدائم بفضل أعمال وفعالية القوة الغاشمة التعسفية.

ويُظهر الجيش الإسرائيلي وجوده الفعلي بعدة طرق. فهو يملأ الضفة الغربية بنقاط مراقبة ودوريات راجلة وسيارات جيب وعربات همفي ودبابات ومداهمات عشوائية للمنازل وتفتيش اعتباطي للسيارات والمشاة وفرض حظر التجوال. ولكن يعتبر الحاجز، الشكل الأبرز والشهر للتعبير عن وجود الجيش.

وتصطف نقاط التفتيش والحواجز على حدود ما قبل العام 1967، لكن معظمها يقع داخل الضفة الغربية؛ بين القرى وعلى أطراف المدن والطرق الجبلية المهجورة. وقد تتوضع في مناطق بارزة واستراتيجية، أو حيث لا يتوقع وجودها. وبعضها دائم ويضم عدداً كبيراً من الموظفين، في حين بعضها الآخر مؤقت يتكون من ثلاثة جنود فقط وإشارتي توقف، وبعضها حواجز غير مأهولة. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة كان هناك 522 حاجزاً في الضفة الغربية حتى أيلول 2012.

تعرف المهمة الرسمية للحواجز بتنظيم دخول وخروج الفلسطينيين. وقد يحتاج الفلسطيني وفقاً لطبيعة الحاجز إلى تقديم تصريح مرور؛ أو قد يُسمح له بالمرور بعد التفتيش حتى دون تصريح. ولكن مهمة الحواجز الجوهرية يقصد منها إظهار الوجود المادي للجيش وقوته الهائلة وأدواته الرقابية المتواصلة. وبسبب انتشارها الكثيف واحتوائها على تفاعل مكثف مع السكان المدنيين، فقد أمست تعبيراً واضحاً عن رسالة مزدوجة يبعثها الجيش الإسرائيلي إلى فلسطينيي الضفة الغربية، أساسها القول لهم: لا يمكنكم الاختباء ولا يمكنكم القتال؛ إسرائيل موجودة وحاضرة في كل مكان ويمكنها، بكل قوة، كشفكم وقتالكم بآن معاً.. أينما كنتم وحيثما وليتم وجوهكم.

يقول أحد ضباط الجيش، وهو برتبة عقيد، مفتتحاً حديثه الأسبوعي أمام قاعة مليئة بمئات العسكريين الجدد: “على الجنود إطاعة الأوامر والأنظمة واللوائح  دائماً“، يقول ذلك ثم يذرع المكان أمامهم ذهاباً وإياباً على المسرح فيُسمع صوت حذائه الثقيل على الأرضية الخشبية كلما توقف بين جملة يقولها وأخرى، وهو يواجه الجنود ويرفع إصبعه في الهواء، ويتابع: “عليك [أيها الجندي] استخدام فطرتك السليمة שיקול דעת دائماً [بمعنى النظرة الثاقبة أو الحكم الواضح]. ففي النهاية، لا يمكن للمرء التكهن ما الذي يحاولون القيام به [أي الفلسطينيين]. وإن كانت الأوامر واللوائح مقدسة، لكنها لا تغطي جميع السيناريوهات المحتملة. عليك [أيها الجندي] استخدام تقويمك الشخصي وفطرتك ونظرتك الثاقبة لتقدير الأمور حتى تقرر الوضع الذي أنت فيه، فيما إذا كان استثناءً عن القاعدة أم لا. لا يوجد شيء يحمل قيمة مثل قدرة الجندي على تقدير الموقف وبناء حكمه الواضح שיקול דעת “.

ربما لا يعطي الجنود الجالسون في القاعة أي وزن خاص لهذه التعليمات الأخيرة. فالإعلانات المثيرة حول المسؤوليات المختلفة للجنود -تجاه أمتهم، وعائلاتهم، وزملائهم الجنود، والرؤساء- شائعة أثناء التدريب الأساسي، وتفقد مع مرور الوقت زخمها وقوة تأثيرها. من ناحية أخرى، وعلى نقيض العديد من التوجيهات التي لا جدوى تذكر منها، والتي حصلوا عليها حتى الآن، يبدو معنى الحكم الواضح: كيف يمكن للأوامر واللوائح أن تشمل جميع السيناريوهات المحتملة؟

وسوف يقدّر الجنود أهمية مثل هذا الحكم الواضح عند الحاجز فقط؛ وهذا ما يشرحه أحد الجنود الذي خدم في نقطة تفتيش في الخليل في شهادته التي يقدمها لمنظمة “كسر الصمت Breaking the Silence”*: “عندما يقول لك أحدهم “لا” بشكل مفاجئ، [فسوف يخطر في بالك سؤاله] ماذا تقصد بـ “لا” هذه؟ من أين لك هذه الجرأة والوقاحة כחוצפה لتقول لي لا؟.. انسوا للحظة قناعتي الفعلية بأن جميع هؤلاء اليهود [المستقرون في الضفة الغربية] مجانين، وانسوا رغبتي الحقيقة بالسلام وقناعتي بضرورة مغادرة المناطق [المحتلة]، ولكن.. كيف يجرؤ ..كيف تجرؤ على قولها في وجهي.. كيف تقول لي  “لا”؟ فأنا القانون! أنا القانون هنا!”.

الجندي، إذن، ليس لديه فقط سلطة طرح الاستثناءات؛ إنما يقع على عاتقه أيضاً خلقها؛ وتكمن القوة المطلقة، عند الحاجز، في القدرة على صنع وإصدار الأوامر، وليس مجرد سلطة فرضها وتطبيقها. فإن حصل تحدٍ لأوامره؛ فهذا يعني، في الحقيقة، تحدي حكمه (بمعنى سيطرته)، وليس فقط تحدٍ لقاعدة يمثلها. لذا، يأخذ العصيان لدى الجندي عند الحاجز طابعاً شخصياً في جميع الحالات والأحوال. وكذلك في مصير ومسار العقوبات التي فرضها هذا التحدي. حيث يعني القرار الخاطئ -للفلسطيني- الفرق بين الوصول إلى العمل أو المدرسة أو منزل أسرته، وبين التعرض للإذلال أو الاحتجاز أو الاعتداء الجسدي. كما يمكن أن يعني الفرق بين الانتظار في الشمس لبضع ساعات وبين القتل. ليس هذا فحسب؛ فمسؤولية الجندي في تفسير أي حالة معينة، بصفتها استثناء للقاعدة، تشكل جزءً من استراتيجية الجيش الإسرائيلي العامة لتقويض أنماطه وأوجه نظامه. لا يريد الجيش أن يتمكن الفلسطينيون من توقع  مرور سهل وسريع وآمن عند الحاجز، إذ يمنع بند الحكم الواضح שיקול דעת، باعتباره حكم الفطرة السليمة والنظرة الثاقبة، ظهور أنماط سلوك قابلة للاستغلال بشكل غير مباشر.

وقد يؤدي أي عمل أو سلوك فلسطيني إلى عقاب، فالرسالة التي ينبغي لجندي الحاجز توجيهها للفلسطيني عند أحد الحواجز: “ربما قمت بهذا العمل أو السلوك مرّات ومرّات في السابق، لكن في المرة التالية التي ستقوم بتكراره، في ظروف تبدو متطابقة، وحتى أمام نفس الجنود، فقد يُحكم على سلوكك أو عملك بصفته استثناء [يستوجب العقاب].. كما يفيد أحد الجنود بما أخبره قائد الدورية “يمكنك  القيام بما تريد، مهما تكن رغبتك فيما لو شعرت، ولو للحظة، أن ثمة مشكلة في سلوكه [أي الفلسطيني]، فإذا شعرت  بخطب ما، حتى لو في الحدود الدنيا؛ فيمكنك، عندئذٍ، احتجازه بقدر ما يحلو لك من الوقت وكما تشاء”.

ويقول جندي آخر، “لا يوجد شيء اسمه” حاجز مناسب ونموذجي” [لأنك] لا تستطيع إدارته بشكل صحيح”. ومن ثم؛ ليس هناك مفهوم معياري للعصيان عند الحاجز؛ ولا توجد طريقة مناسبة يمكن للفلسطينيين التصرف بموجبها. والسبيل الوحيد أمامهم لبناء توقعاتهم للخطوة التالية للجندي هو محاولة توقع الفكرة التالية التي تخطر في ذهن الجندي في كل لحظة. هل هو منزعج وكثير التذمر؟ هل راضٍ عن نفسه؛؟ يبحث عن عمل؛؟ يشعر بالوحدة ويأمل في محادثة ودّية؟ يريد أن يكون مسلياً ويستمتع بوقته؟ هل هو في عجلة من أمره؟ هل هو مليء بالحزن والغضب؟

فالحالة الذهنية لجندي الحاجز هي ما يشغل الفلسطيني وهي الهمّ الأكثر إلحاحاً؛ إنها في الحقيقة مسألة حياة أو موت. كما يشهد أحد الجنود، “يمكنني التأكيد لكم، بوجود إحباط هائل متراكم هنا، الأمر مخيف حقاً. أود إفراغ ما بداخلي.. إخراج  كل شيء بداخلي على شخص ما”.

ويقول آخر عن فلسطينيين جُردوا من بطاقات هوياتهم وهواتفهم المحمولة، وضُربوا لدرجة شارفوا فيها على الموت، واحتُجزوا لمدة اثنتي عشرة ساعة وكل ذلك بسبب حديثهم على الهواتف اعتبره الجندي مريباً. وسوف يتسبب، إذن، الفعل الخاطئ عند الحاجز بإنزال الجندي عقوبته -أي الأذى. ويحتاج الفلسطينيون عند نقاط التفتيش، لتجنب العصيان، إلى التفكير، بشكل متواصل، وإعادة النظر فيما قد يوصلهم للمعاقبة.

تثير الظروف في الجنود والفلسطينيين، على حد سواء، اهتماماً كبيراً بعقول بعضهم البعض، مما يعيق، بالأحرى يفسد قدرتهم على أن يتعارفوا فيما بينهم. لا يمكنك قول الحقيقة عند الحاجز، مثلما لا يمكنك الكذب أيضاً، كما أنه ليس هناك ما يستوجب وجود فروض والتزامات وحركات وإيماءات وابتسامات وإهانات.. لا احترام أو ازدراء أو عار أو شرف..  لا شيء من كل هذا.

سيقول الفلسطينيون ويفعلون ما يعتقدون أنه سيؤمن لهم، على الأرجح، عبور الحاجز، وسوف يقول الجنود ويفعلون كل ما من شأنه بقاء الفلسطينيين في حالة خوف بما يكفي بحيث لا يقومون بشيء سوى الامتثال والانصياع والطاعة، وكما يقول أحد الجنود: تصرخ عليهم بمزيج من العربية والعبرية: “ارجعوا للوراء” لكنهم لا يهتمون للأمر. فتشهر السلاح في وجوههم كما لو أنك على وشك استخدامه فعلاً، فيبدؤون بالعويل والصراخ والبكاء.. جميعهم، نساء وأطفال، فتشعر للحظة، وبسبب حرارة الجو، كأنك للحظة ستضغط على الزناد وترشقهم بصليات على الفور”.

لا مكان للنظرة الشخصية هنا، حيث يكون الثابت الوحيد هو تجنب الموت، أو بالأحرى تأجيله، وثمة عدد لا يحصى من الحالات العقلية البشرية تكون على درجة من الأهمية بسبب قابليتها لأن تكون حالات قابلة لفعل القتل. كيف يمكن للبشر القيام بعمل يتطلب الحفاظ على وجودهم المادي على حساب ما يسميه روسو “الحضور الأخلاقي”؟ كيف تتكشف هذه المقايضة الصارخة؛ شديدة الوضوح؟

القسم الثاني: في العمل

هنالك عدد ليس قليلاً من الجنود، ممن أتوا من خلفيات عنيفة، ولا مشكلة لديهم في تنفيذ “متطلبات العمل”، فالتعسف والتهديد بالعداء الشديد ليسا جديدين عليهم، فهم، في نهاية المطاف، لهم سطوة تظهر كشيء غير عادياً. وغالباً ما يتم استحضار سلوك هؤلاء الجنود في الخطاب العام الإسرائيلي للتدليل على طبيعتهم العدوانية، وافتقارهم إلى المنظومة الأخلاق، وعدم قدرتهم على التحول إلى أعضاء منتجين في المجتمع المدني. ولكن بما أن الاستخدام التعسفي للقوة هو جوهر الحاجز، فاتهام هؤلاء الجنود بالعنف يشبه اتهامهم باتّباع أوامر رؤسائهم، الذين من المفترض امتلاكهم لباقة جنودهم. وقد يكون حضور مبدأ روسّو الأخلاقي، هنا، هو الأكثر صعوبة بين الجنود الذين ينضمون إلى الجيش والذين يعتقدون بضرورة الأخذ في الاعتبار استخدام القوة وتسويغ إلحاق الأذى وفقاً للمبدأ. وقد طرحتُ العديد من القصص لما هو مشترك بين البعض [من هؤلاء الجنود] وتم التأكيد عليها في العديد من الشهادات أيضاً، والتي سأصفها هنا.

عادة ما تبرز الطبيعة الحقيقية لمهمة الجندي بعد وقت قصير من وصوله إلى مكان عمله، وقد يُطلب منه، كما طُلب مني -مثلاً- في إحدى نوباتي الأولى، إغلاق الحاجز لسبب أو لآخر، ثم يأتي طفل فلسطيني قادم من مدرسته في طريقه للبيت؛، ليبدأ بالبكاء عند اكتشافه إغلاق الحاجز، فيقرر الجندي السماح له بالمرور وفقاً للحرية الممنوحة له، ومسؤولية ممارسة حكمه الواضح وفطرته التي أشرنا إليها سابقاً. ولكن، سرعان ما يأتي عشرة أطفال يبكون، فقد سمعوا، جميعاً، عن طريقة جديدة للمرور عبر الحاجز حتى عندما يكون مغلقاً رسمياً.

سيدرك الجندي خطأه في تلك اللحظة عندما يواجه الأطفال الباكين، ليس لأنهم خطرون، ولكن لأنه لن يقبل بخداعه على يدهم، أو على يد أي شخص، في هذا الشأن. وإذا لم تكن هناك طريقة فعّالة للمرور عبر الحاجز الذي يقف عليه ويحكمه، فيمكن، إذن، استخدام أي طريقة، بهذا الشكل أو ذاك، ضده، بمعنى ضد مهمته، وهو لا يستطيع معرفة من هم الصغار المسالمون (غالباً في سن العاشرة) ومن هم الذين أرسلوا لخداعه. عليه إخبار الجميع أن الأمر متروك له، وله وحده، لتقرير مصيرهم عند حاجزه. سوف يدرك أنه لا ينبغي التصرف بناءً على التعاطف، لأنها مشاعر قابلة للتلاعب. ولكن هل يمكنه كبت هذا الشعور الطبيعي؟

ربما يحتاج هذا لبضعة وقت. وفي المرة التالية التي يحدث فيها موقف مشابه، لن يسمح للطفل بالمرور. وعندها، وبدل من البكاء، سيبتسم الطفل له، أو يحاول إضحاكه. وهذه أيضاً علامات ضعف. وقد يُستخدم تساهله مع الأولاد ضده، لا سيما إذا عرفوا كيف يستغلونه. وسيدرك هذا عندما تبدأ العائلات بتشجيع الأطفال على تليينه، كي يمرّوا بسرعة أكبر. فإذا ما تلاعب به الفلسطينيون المسالمون، فيمكن لغيرهم، أي المؤذين، التلاعب به أيضاً، وبالتالي، عليه بذل جهداً إضافياً للحد من تعاطفه. ولكن إذا لم تكن بعض المشاعر، مثل التعاطف، هي الدليل المناسب لحكمه الواضح، فما هي إذن؟

يؤدي اتباع الجندي للأوامر بدقة إلى الفشل أيضاً. وهو الذي طُلب منه استخدام حكمه الواضح للتعرف على الحالات التي لا تنطبق عليها الأوامر. فكيف له التعرف عليها؟ ما هي قاعدة التعرف على الاستثناءات التي ينبغي تعينها كأساس ذي ترتيب أعلى ويمكن التعرف عبرها على استثناءاتها. يبدو أن هذا يؤدي إلى انحدار لا نهائي. سيدرك الجندي تدريجياً أنه لا يسعه إلا الفشل في مهمته: القواعد والأوامر التي بحوزته مشروطة بحكمه، أي سيطرته، التي لا يمكنها الاسترشاد بأي قاعدة. وإذن لا بد لحكمه أن يكون باطلاً.

يعامل الجندي الناس باستمرار على أنهم أبرياء رغم قدرته على القول، ما استطاع ذلك، بأنهم ربما يتآمرون ضده؛ ولذلك سيعمل، باستمرار أيضاً، على ترهيب الأشخاص الذين يثيرون شكوكه رغم براءتهم بقدر ما يعلم. لا توجد هنا مبادئ أو قواعد تحدد سلوكه في التمييز بين الإرهابي من المواطن المسالم: كل ما يفعله لا أساس له وهو يعرف ذلك.

يتحدث أحد الجنود عن سائق سيارة أجرة استمر في المرور عبر حاجزه لنقل الأطفال المصابين إلى المستشفى. وكان في طريق عودته، يحشر في المقعد لخلفي لسيارته ركاباً عاديين. وعندما لاحظ جنود الحاجز تلك “الحيلة”، توقفوا عن السماح له بالمرور. ومنذ ذلك الحين، كان على الأطفال الجرحى الانتظار عند الحاجز حتى تأتي سيارة إسعاف لتقلّهم. ويشرح الجندي هذا السلوك بقوله: “إذا تركت كل شخص يأتي ومعه طفل مصاب أو ذراعه مكسورة، فسوف ينتهي بك الأمر بالسماح للإرهابيين بالمرور قبل أن تعي ذلك. لن يعيقهم أي شيء ولن يتوقفوا عند أي شيء”. فبقدر ما يسمح للأشرار بالمرور عبر حاجزه، بقدر ما سوف يتألّم، فيما بعد، جميع الأبرياء بسببه، وسوف يستمر في العمل وهو غير قادر على تقليب الأوجه الصحيحة لتصرفاته التي أدت إلى هذه النتيجة، والتي تسبب ألماً أكثر مما شهده في أي وقت مضى.

يميز سيدني مورغنبيسر وإدنا أولمان-مارغاليت بين حالتين من الاختيار، يقعان في مجال “الاختيار والانتقاء”، فنحن نختار بين البدائل المتنافسة عندما نعتقد بوجود فرق يجعل أحدهما أفضل من الآخر. بينما “ننتقي”، من ناحية أخرى، من بين البدائل عندما نكون غير مهتمين في الفروق بينها. كما يميزان أيضاً بين حالتين من “الانتقاء”، فهناك حالات مناسبة، حيث لا يُعتقد بوجود فوارق بين الخيارات، مثل الاختيار بين علب حساء طماطم على رف المتجر. بينما هناك حالات أخرى افتراضية، حيث نعتقد، أثناء الانتقاء، بوجود فرق، ذا صلة، بل ربما حاسم، بين الخيارات ولكن يحصل منعنا من التعرف عليه مثلما يواجه المتسابق في برنامج ألعاب صندوقين متطابقين، يحتوي أحدهما على 1000 دولار بينما لا يحتوي الآخر على شيء.

وفي موضوعنا، وبسبب من بند الحكم الواضح السابق، لا توجد طريقة مبدئية للتمييز بين الفلسطينيين الذين يحاولون المرور عبر الحاجز. لذلك، لا يرقى الحاجز إلى مستوى الاختيار. لكن الجنود قد يعتبرون وضعهم إما حالة انتقاء مناسبة (حيث لا توجد اختلافات فعليّة بين الأشخاص الذين يقابلونهم) أو حالة انتقاء افتراضية (حيث لا يمكن الوصول إلى الاختلافات، رغم أهميتها).

قد لا يهتم الجندي عند الحاجز بفرد فلسطيني بعينه سيكون موضوع اختباره لاستعراض قوته، وبالتالي لن يجد صعوبة في اختياره. لنتذكر مثال الاختيار الصحيح في المتجر؛ فما عليك سوى تناول علبة الحساء من الرف، ولا يهمك أي علبة ستأخذ. وفي حالة الجندي، يجب عليه عدم الاهتمام أيضاً، ليس بمعاناة الفلسطينيين الأبرياء الذين قد يعاملهم كمشتبه بهم خطرين، فقط، ولكن أيضاً لمعاناة الإسرائيليين الأبرياء الذين قد يتعرضون للأذى إذا فشل في  توقع الأشرار من بين الذين سيعبرون الحاجز .

وسيكون الانتقاء افتراضياً عند الجندي الذي يعتقد بوجود فرق مهم بين معاملة شخص ما كمشتبه به خطير أو كمدني بريء -وأنه ممنوع من التصرف بناءً على هذا الاعتقاد-. فهو مثل المتسابق الذي يريد صندوق الدولارات، ولكن كل ما يمكنه فعله هو انتقاء أحدهما آملاً توافق عواقب انتقائه مع رغباته.

ولكن تختلف حالة عرض اللعبة ونقطة التفتيش بطريقة بارزة؛ حيث يتلاشى التوتر في اللعبة عندما نكتشف العواقب؛ أما عند الحاجز، نادراً ما يعرف الجندي ما إذا كانت أفعاله قد أنقذت الأرواح أم أزهقتها. وهكذا يتراكم التوتر بسرعة حيث يختار الجندي افتراضياً المئات من حالات الانتقاء على مدار عمل كل وردية ولمدة ثماني ساعات.

تحمل أفعال الجندي، في معظمها، آثاراً أخلاقية خطيرة -وهو يعلم ذلك جيداً. لكنه لا يكترث بها. ويصبح التوتر غير محتمل، في الواقع، بل غير مفهوم. ومن المؤكد، عندما يصل الجنود إلى الحاجز، قد يهتمون كثيراً في الفرق بين الفلسطينيين الأبرياء والمعادين أو ربما لا يهتمون على الإطلاق. ومع ذلك، فكلما زاد “انتقاء” الجنود، زاد الضغط تجاه اللامبالاة الأخلاقية.

إن تفوق قوة الجندي على أي قاعدة لا يجعله قوياً بل يدمره. وكونه “فوق القانون” فهذا يستنزف منه مبادئه التي تربى عليها. وقد يشعر، في بعض الأحيان، أنه يشهد بشكل سلبي على نفسه بالشخص الذي آل إليه حاله على الحاجز؛ فهو يرى كيف تشير يده، بشكل تعسفي إلى ما معناه “هيا تابع”، “انتظر هناك”، “اخرس”، “أرني هذا”، “أرني ذاك”؛ يصدح صوته بعبارات من قبيل: “لا أهتم، لقد انتهى تصريحك”، “أتمنى لك يوماً سعيداً”، “إلى أين تعتقد أنك ذاهب؟”.

وسوف يمر بعض الوقت قبل أن يتبادر إلى ذهنه فشله في عدم التمييز بين المعادين والأبرياء؛ قد لا يكون فشله في مهمته للدفاع عن بلده فحسب، ولكنه قد يفشل أيضاً في القيم والمشاعر التي تربى على التمسك بها والعمل على أساسها. وحينها لا بد من سؤال نفسه: لكن كيف يمكن لكل هذا أن يحدث، إذا كان لديه كل النوايا الطيبة لفعل ما هو صحيح طوال الوقت؟ كيف فشل فشلاً ذريعاً إذا كان هدفه الدفاع عن بلاده مع الحفاظ على إنسانيته والالتزام ببوصلته الأخلاقية في الوقت ذاته؟

تأملوا هذه الرواية لجندي يعتقد أن على إسرائيل الانسحاب من المناطق [المحتلة]: “كنت أخدم في نقطة تفتيش، مؤقتة، من النوع المعروف باسم “حاجز الخنق”، كان حاجزاً صغيراً جداً، وحميمياً جداً، كنا أربعة جنود، دون ضابط قائد، ولا حماية تستحق الذكر، وظيفة حقيقة مستقلة، كان الهدف من وجودنا إغلاق مدخل قرية. فهناك، من جانب، صف من السيارات المغادرة، ومن الجانب الآخر، صف من السيارات القادمة، رتل ضخم، وفجأة تشعر بإحساس قوة جبارة تسري في أطراف أصابعك، كما لو كنت تمارس ألعاب كمبيوتر. فأقف هناك.. هكذا، أشير إلى شخص ما، أشير إليك، مثلاً، للقيام بهذا الفعل أو ذاك، وأنت تنفذ ما آمرك به.. تفعل هذا أو ذاك، تشغّل السيارة، وتتحرك نحوي، وتتوقف بجانبي. وتأتي السيارة التالية، أنا أشير، فتتوقف أنت. أبدأ باللعب معهم، مثل ألعاب الكمبيوتر: تعال هنا، اذهب هناك، هكذا. وأن بالكاد أتحرك، أجعلهم يطيعون طرف إصبعي. إنه شعور عظيم. إنه شيء لا تختبره في أي مكان آخر. وأنت تعلم أن السبب في ذلك هو امتلاكك للسلاح، تعرف ذلك لأنك جندي، وأنت تعرف كل هذا، ومع ذلك يسبب لك هذا الأمر نوعاً من الإدمان. عندما أدركتُ هذا.. راجعتُ نفسي لأرى ما حدث لي. هذا كل شيء.. فجأة، لاحظتُ أنني أصبحت مدمناً على السيطرة على الناس”.

حتى لو فشل الجندي في التصرف وفقاً لقيمه، فلا يزال يحتفظ بها. يقرر عدم الخضوع للامبالاة، وعدم السماح لمشاعره الأخلاقية بالضياع. يجب ألا يعتاد على المعاناة غير الضرورية التي من المحتم أن يلحقها بممارسته التعسفية للسلطة. يتمسك بالذنب مثلما يتمسك غريق بقطعة حطب.

لكن لم يتبق شيء يستوجب التمسك به الآن. ورغم إصراره على الشعور بالذنب، غير أن هذا الشعور لم يعد له معنى له بعد الآن، فهو إما يسبب أذىً غير ضروري لأشخاص أبرياء، وفي هذه الحالة عليه التوقف بدلاً من مجرد شعوره بالذنب، أو القيام بما ينبغي فعله لإنقاذ الأرواح، وفي هذه الحالة لا يكون مذنباً بأي شيء واتجاه أي شيء، فالشعور بالذنب في هذه الحالة مجرد نفاق، بل مثير للسخرية. وسوف يتسبب، مع مرور الوقت، في المزيد والمزيد من المعاناة، وسوف يضيف المزيد من الأسباب الكافية لشعوره بالذنب، لكن، في المقابل، يرفض شعوره هذا التضخم؛ فلم يعد يشعر بالصدمة الأخلاقية المميزة التي أحسّ بها عندما وصل إلى الحاجز أول مرة.

ولكن هل هو ملزم من الناحية الأخلاقية للقيام بما يفعله؟ هل يمكن للإرهاب أن يكون نداءه؟

يمكنه الهرب إلى الصحراء، أو الاختفاء في الجبال، أو الفرار خارج البلاد. (مثل هذه البدائل كانت تجول في ذهني في الساعات الهادئة من نوباتي الليلية الطويلة). لكنه يعرف ما سيحدث بعد ذلك. سيحل محله جندي آخر. شخص قد يكون قاسياً بما يكفي ليتسبب في المزيد من المعاناة غير الضرورية. ستكون هجرته ضارة بحد ذاتها. من ناحية أخرى، يبدو من غير المعقول الإيحاء بأن هذا الواقع أمر جيد ويتوجب عليه فعله، أي إلحاق ضرر جسيم وغير ضروري بالأبرياء.

إنها التهديدات؛ فها هو يقف على الحاجز، يخلق التهديدات طوال النهار والليل؛ يهدد الناس للقضاء على إرادتهم. لكنه لا يعرف، في الواقع، ما هي إرادتهم، إنما يمكنه الشعور الآن أن جزءً منهم يتمنى لو كان ميتاً.

يقول أحد الجنود، “إذا لم يكن لديك [سلاحك]، وإذا لم يكن زملاؤك الجنود بجانبك، فسوف يثبون عليك.. سوف يطعنونك، يضربونك حتى الموت**. يتخيلهم على الحاجز بالمئات: نجارون وأطباء ومعلمون ومزارعون وأمهات وأعمام وأطفال وأجداد وعشاق. كيف يمكن لهذا العدد الكبير من الناس، الذين ينظرون إليه في عينيه كل يوم، أن يريدون موته؟ كيف يراه الفلسطينيون؟ ها هو يقف وحيداً لا يتعرف على نظرته المنعكسة عليه من نوافذ سياراتهم التي يفحصها أو يصادرها. لم يعد هو نفسه.

ويدرك الجندي الآن باحتضار جزء منه بعد أن أصبح الشعور بالذنب مستحيلاً. ويبدأ في التفكير بصفته هو الضحية الحقيقية في كل ما يدور حوله، لا سيما عندما يكتشف أن لا أحد يدرك أنه محكوم بالفشل، وأن قوته تجعله عاجزاً. لا أحد يعلم أنه منذ وصوله إلى هنا لم يتخذ قراراً واحداً. وبالطبع الفلسطينيون،  عاجزون أيضاً، لكن من السهل رؤيتهم بصفتهم ضحايا، كما يقول لنفسه. إنه، أي الجندي، لا يتمتع بالقوة- وتلك هي مأساته.

يتراكم الغضب داخله، ويأتي إليه الفلسطينيون، واحداً تلو الآخر على مدار ساعات اليوم، متوسلين  السماح لهم بالمرور، يخبرونه قصصاً عن حاجتهم للذهاب إلى مدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم ووظائفهم؛ يحتاجون إلى الطعام، يريدون رؤية أطفالهم وذويهم؛ إنهم بحاجة للذهاب لحضور جنازاتهم وأعراسهم، وولادة أطفالهم. لكن كيف عليه معرفة كل هذا؟ لماذا يعتقدون أن لديه أدنى فكرة عما إذا كان يستطيعون المرور عبر حاجزه أم لا؟ هو غير قادر على التمييز بينهم. يراهم يتصرفون جميعاً بالطريقة ذاتها، بالطريقة التي يتصرف بها الأشخاص المرعوبون.

يحاول مقاومة هذا النمط من التفكير: هو يعلم أنهم غير متشابهين. ويقول لنفسه إنهم بشرٌ أفراد. ويقرر أن  يبدي لهم أنه يراهم على هذا النحو. يحاول أن يكون مهذباً ومحترماً عند الحاجز. يقدم بعض الحلوى للأطفال، يلقي بعض النكت بين الحين والآخر. لكنهم يظلون على حالهم، كما هم لا يتغيرون. لا توجد بينهم علامة تشير إلى فردانية أي منهم.

أذكر عندما كنتُ أخدمُ هناك، حاولت الثرثرة معهم وإطلاق بعض النكات السيئة، لمعرفة ما إذا كانوا سيتفاعلون بشكل مختلف عندما لا تكون النكتة مضحكة. لكنهم لم يتفاعلوا. بل ضحكوا، جميعاً، بذات القدر. ضحكوا بشدة، معتقدين كما لو أني أريدهم فعل ذلك، لم يهتموا على الإطلاق بجودة ما أقوله من نُكت. وعندما كان أحدهم يضحك بصدق، بين الحين والآخر، عند الحاجز، كنت أقوم بإسكاته على الفور. لا يمكن للجندي تحمل عشرات الفلسطينيين الذين يقفون في طوابير لا نهاية لها يتصرفون كما يحلو لهم وبما يشعرون به. قد تتملكهم الرغبة في مهاجمته. لقد كنتُ طوال الوقت: أكتم ضحكاتهم، أمنعهم من الضحك عمداً؛ وكنت السبب في تماثل هيئاتهم.

تتخذ محاولات الجنود استدعاء فردانية الفلسطينيين الذين يواجهونهم أشكالاً مختلفة. وهنا ثمة مثال آخر. ففي العام 2001، كان حاجز الجلمة، عند الجزء الشمالي من حدود ما قبل العام 1967، تحت قيادة فرقة من لواء مشاة غولاني. طلب الجنود من المركبات الوقوف على بعد خمسة عشر متراً من نقطة التفتيش حيث وضعت لافتة تشير إلى ذلك، ولكن عندما لم تكن هناك سيارات في نقطة التفتيش، لم يرَ الكثير من السائقين سبباً للتوقف عند اللافتة، فكانوا يتجهون مباشرة نحو الجنود الذين اعتبروا هذا التصرف بمثابة تهديد أمني، كان على الجنود الاستعداد للمركبات التي تقترب منهم.

وفي كانون الأول من العام 2001 أرسلت فصيلة من سلاح المدفعية لتحل محل جنود غولاني. وخلال الفترة القصيرة التي خدمت فيها المجموعتين معاً، أوضح جنود غولاني كيف كانوا يلقون، بين الحين والآخر قنابل صوتية على السيارات التي تتجاوز تعليمات لوحات التوقف. وقد  شعر جنود غولاني أن هذا منحهم وسيلة فعالة توضيحية للسكان المحليين بضرورة الخضوع لإشارة التوقف مهما كانت الظروف. تبدو القنابل الصوتية مثل القنابل الحية وتحدث الكثير من الضوضاء ولكنها بالكاد تكون مؤذية. وحين كان سائقو المركبات الذين يعصون لافتة التوقف يرون القنبلة تسقط عليهم، يتملكهم شعور بالرعب دون إدراك أنها مجرد قنابل صوتية؛ وبمجرد اختبارهم لرعب مواجهة الموت فسوف لن يكرروا فعلتهم مرة ثانية، ولن يتجاوزا مسافة خمسة عشر متراً دون أوامر مباشرة من جنود الحاجز. وقد وجدنا -أنا وزملائي الجنود الجدد من سلاح المدفعية- في هذا الإجراء سلوكاً عنيفاً وقاسياً للغاية. ورددنا ذلك إلى “نقص القيم” لدى جنود غولاني، وقررنا تحقيق الأثر ذاته ولكن بـ “تثقيف” السكان المحليين، فأي سائق سيتجاوز إشارة التوقف دون أمر مباشر، كان عليه، كنوع من العقاب، القيادة عدة مرات ذهاباً وإياباً من موقع الحاجز إلى إشارة التوقف.

لم تكن العقوبة التعليمية الجديدة فعالة. فقد كان يأتي المزيد والمزيد من السيارات مباشرة إلى نقطة التفتيش دون الانتظار عند إشارة التوقف. لم يكن الروتين الجديد ناجحاً، لافتراضه أنه بمعاقبة المخالفين، لن نضيّع وقت السائقين فحسب، بل نصيب كبرياءهم أيضاً. لم تنجح العقوبة لأن الفلسطينيين الذين مرّوا عبر الحاجز تعاملوا مع روتين الذهاب والإياب بذات الطريقة التي تعاملوا بها مع روتين القنبلة الصوتية، أي كنتيجة متوقعة لأفعالهم التي يجب أن يأخذوها في الاعتبار في المرة القادمة التي يقودون سيارتهم. لم يكن هناك شيء يمكن فعله معهم.

اعتقدنا أنه يمكننا استبدال “إهانة” العقوبة بـ “إصابة” القنابل الصوتية. قررنا أن الإذلال سيكون ثمن العصيان. لكن وجود الحاجز بحد ذاته قد أهان كرامة من مرّ به. لقد جعل همهم البقاء أحياء في ظل احتجازهم تحت تهديد السلاح. لقد جُرّدوا من احترامهم لذاتهم قبل وقت طويل من إصدار الأوامر لهم بالسير دون جدوى ذهاباً وإياباً. لم نكن ندرك أننا لم نعد نملك شيئاً آخر نستطيع إذلالهم به. ليس الأمر أن الفلسطينيين الذين عبروا حاجز الجلمة رفضوا الاعتراف بتفوقنا. على العكس من ذلك، بذل الفلسطينيون جهداً كبيراً للتنازل عن أي شيء يطلب منهم. لكنهم لم يستطيعوا تصورنا كأشخاص يجب الاعتراف بهم. كما في حالة النكات السيئة، لا يتفاعل الفلسطينيون مع الجنود أنفسهم، بل يتفاعلون مع ما يمكن توقع ما يلي ذلك من تصرفات هؤلاء الجنود.

إن غياب الاستخدام المبدئي للقوة عند الحاجز يقوّض إمكانية السلطة. وبقدر ما يمكن للجندي أن يكون فعّالاً عند الحاجز، لن يراه الفلسطينيون أبداً قوياً. مثل سيد العبيد لدى هيجل، قد يرغب جنود الحاجز في اعتراف الفلسطينيين بهم، لكن كل ما يمكنهم الحصول عليه هو امتثالهم.

لم تعد قوة الجندي الشخصية، في نهاية المطاف، تثير حماسه؛ بل ما كان ينذره نقصانها. ويجب على شخص ما الاعتراف بقوة الجندي ليشعر بسطوته. لم تعد طاعة الفلسطينيين قادرة وحدها على تأكيد تفوقه، ولكن قد تأتي التأكيدات ممن سيشهدون على قوته، أي من زملائه الجنود. وهكذا يظهر المعنى الحقيقي لكلمة “רעות “، العبرية؛ بمعنى “الصداقة الحميمة” التي تعبر عن “روح الفريق”. إن نظرة رفاقه إليه تؤكد على قوته، فتجعله قوياً؛ وتؤكد، بالتالي، وجوده وذاته. وتصبح العقوبات، نتيجة لذلك استعراضاً، حيث يُظهر الجندي قوته ليراها رفاقه: وبينما يمكنه فقط “انتقاء” من يعاقبهم من الفلسطينيين، لكنه يمكنه اختيار العقوبة التي يرغب في ممارسها؛ وتحظى العقوبات الإبداعية بتقدير رفاقه  ويناقشونها معاً.

…….

الصورة الأولى:

جمع الجندي في الصورتين هنا عشرات الصور له مع فلسطينيين احتجزهم عند نقاط التفتيش. في معظم الصور، كان المعتقلون معصوبي الأعين. ويبدو واضحاً في الصورة أن الجندي في المشهد الأول لم يكن يأمل في الحصول على اعتراف المعتقلين بتفوقه، بل كان يأمل في الحصول على تقدير جمهوره المستهدف من زملائه الجنود. علاوة على ذلك، لم تخطر بباله مسألة براءة هؤلاء الرجال. ومن الواضح عدم مبالاته الأخلاقية لجهة من “ينتقيهم”. (شارك الجندي الصور في معرض كسر الصمت 2004 حول واقع الحكم العسكري الإسرائيلي)

الصورة الثانية:

قد تثير الصورة الثانية، التي يظهر فيها الجندي نفسه، بعض الشكوك حول تحليلي للحاجز: لماذا لا يمكن للحاجز أن يكون لطيفاً من حين لآخر؟

تبدو الصورة خالية من أي قسوة؛ فالجميع يبتسم، وتشير إلى إمكانية تجاوز الجنود الإسرائيليين والعائلات الفلسطينية خلافاتهم والتعبير عن إنسانيتهم ​​المشتركة حتى عند الحاجز. لكن ما يظهر في الصورة ليس وُدّاً صريحاً؛ فالنظرات مبهمة والابتسامات فارغة. والجنود، الذين يتصرفون بيأس ور غبتهم الظهور ضمن كادر الصورة؛ ويفعلون كل ما في وسعهم للعثور على مضمون ما في أنفسهم، يقررون التقاط صورة مع عائلة فلسطينية تصادف وجودها على الحاجز. والأسرة حريصة على المرور عبر الحاجز بأمان وسرعة. وهم، من أجل ذلك، لا يمانعون من إطاعة أهواء الجنود، فهم على استعداد تام، بالتأكيد، للوقوف أمام الكاميرا والتقاط صورة لهم؛ تبتسم الأسرة بطاعة تامة وامتثال، ابتسامات يملؤها الخوف والضيق؛ ويبتسم الجنود، بدورهم، ببلاهة، تكاد تخلو مما كانوا قد عرفوا ذات مرة أنهم هم أنفسهم.

…..

هوامش المترجم

*منظمة كسر الصمت Breaking the Silence: أو شوفريم شتيكاه שוברים שתיקה هي منظمة إسرائيلية، مناهضة للاحتلال، متخصصة بنشر انتهاكات جنود الجيش الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1967، تأسست في العام 2004 على يد جنود مسرّحين خدموا في الأراضي المحتلة وقرّروا نشر حقائق ما يحدث هناك، وخاصة في مدينة الخليل. وتعلن المنظمة أن هدفها هو رفع مستوى الوعي للواقع اليومي في المناطق المحتلة وخلق حوار مجتمعي عام حول الثمن الأخلاقي الناتج عن احتلال والسيطرة على السكان المدنيين الفلسطينيين. وجميع تصريحات الجنود في هذا المقال مصدها منظمة “كسر الصمت”.

** المعنى الحرفي للعبارة الواردة في النص “حتى تخرى على حالك”.

ملاحظات

المصدر:https://bostonreview.net/world/checkpoint-oded-naaman

العنوان الأصلي: The Checkpoint

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

حرب إسرائيل السرية ضد المحكمة الجنائية الدولية: تسع سنوات من المراقبة والتدخل

يوفال إبراهام ميرون رابوبورت ترجمة محمود الصباغ استهلال بينما تواصل إسرائيل عدوانها الوحشي ضد الفلسطينيين، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *