الرئيسية > توثيق > المراسل الحربي .. صورة ونضال وقضية: الفوتوغرافي العراقي جاسم الزبيدي نموذجاً

المراسل الحربي .. صورة ونضال وقضية: الفوتوغرافي العراقي جاسم الزبيدي نموذجاً

أحمراً فوق الخنادق.. أخضراً فوق الصنوبر.. أزرقاً فوق الزمان..

 أدركتُ أن تاريخًا مزيفًا سيُكتب، فبقيت حتى أوثق ما أراه.. “مراسل حربي “

تهيمن صورةٌ أسطورية على مهنة التصوير الحربي ، صنعتها عدسة المحترفين المجانين، يبدو فيها المصور مارداً خفيا  يصطاد هيبة المعركة ووجعها ونصرها (يقاتل بعدسته) يحملها بيده او على كتفيه كما يحمل الثائر الكلاشنكوف أو ال p7، يعمل وحده ويرتدي وشاحًا أو كوفية فلسطينية، متنقلًا من منطقة حرب إلى أخرى ومن قاعدة ثورية إلى قاعدة أخرى ومن معركة إلى معركة لينقل المعركة بوفهة كاميرته إلى كل العالم.

في بلاد عم تحترق.. وولاد رح يسألونا.. كيف؟
وما منلتقى.. إلا متل كفين.. ع طاولة ورغيف.

لا متاريس تحمي ولا استحكامات، وأحياناً كثيرة تكون هي الاستحكام الوحيد والصوت الذي ينشر ما يراد نشره، يضحّي بحياته من أجل صورة وإن لم يمت ربما يدخل باضرابات نفسية من هول الحدث، مقاتل من غير سلاح، وأحياناً عندما تفعل الكاميرا أفاعيلها تكون فاعليتها عن كتيبه مدججة، فمن خلال صوره والكليشيهات تتجاهل الشكوك والمخاوف والأسئلة الأخلاقية التي يواجهها مصورو الحروب، ومشاعر الوحدة والألم التي يقاسونها، والتي خلقت كليشيه آخر يبدو فيه المصور بطلًا منكسرًا بسبب الأهوال التي شهدها!!.. يرفع معنويات الجماهير بصوره التي تعبر عن كبرياء الثائر وهو يحتاج من يرفع معنوياته ويؤلّب العالم على موقف أو مجزرة وهو يذرف دموع المجزرة التي رءاها واشتم رائحتها وأصبحت نفسه الذي يتنفس.

مهنة المصورين الحربيين هي مهنة مملوءة بالمصاعب والمتاعب المتكونة من شقّين: الأول هو ما يواجهه المصور في أرض الميدان حيث قلة – وندرة في بعض الأحيان – التسهيلات الأمنية واللوجستية، فبالتالي تكون مهمته في التقاط الصور الجيدة صعبة، والأمر الثاني هو المعاناة النفسية التي يمر بها المصور من مشاهد وحوادث يعايشها هو لا غيره، ويكون مضطرًا لنقلها للعالم من منطلق الواجب المهني والإنساني، لكن قد تصل به تجربته حد الانتحار.

في هذا التقرير سأسلّط الضوء على نموذج لفدائي فوتوغرافي خاض معركة الضمير الإنساني لإيصال رسالته ورسالة الثائر على أكثر من جبهة إلى كل العالم.

الإعلامي المصور ابن العراق العظيم : “جاسم الزبيدي”:

متألّقاً في زيه.. حربيّ لم يتعب ولم يذهب.. ويلعب ضد كل اللاعبين على المكان.. ما غادر الميدان.. لا في السلم مفتقد ولا في الحرب مفتقد.. ولا في المهرجان!!.. مفتقد!!.

  جاب بكاميرته عدة نقاط صراع في العالم متضامناً مع ثوارها يخوض بها أتون الحروب، يستكشف واياها الحياة هناك. كاميرتها التي فهمت هدفها التي صنعت له وحددت وجهتها عندما تلين بيده وتتحد بقلبه وبصره وبصيرته، تبحث عما لايعرضه الإعلام أو يخفيه قصداً، صور لمعاناة أطفال خائفين يهرعون بحثاً عن ملجأ ما يقيهم فتك رصاصة أو قذيفة، أمهات تسمرت عيونهن على الطريق تنتظر عودة الغائب، صور تتكلم عن شعوب وعما خسروه وربحوه في معارك الحرية، فهو يؤمن أن الصورة تعبر أفضل من ألف كلمة، وحين تكون الكاميرا عين الواقع وبصيرة الحق والحقيقة، حتماً ستؤطر مشاهد عن وجع الإنسان وتحرك الضمير في عالم بات يفقد الكثير من إنسانيته، كان سلاحه آلة التصوير، وعلى مدى 25 عاماً كانت ترصد وتشهد نضال الشعوب من أجل الحرية، لقطاته ليست مجرد لوحة فنية، بل هي حكايا إنسانية تتكلم بصدق دون قيد، وعلامة فارقة عميقة مسجلة في تاريخ الفوتوغراف، وأرشيف للأجيال المقبلة .

المعركة البصرية.. عندما تخوض الحرب بفوهة الكاميرا:

ولد الراحل “جاسم الزبيدي” في مدينة بغداد في العام 1940 من أبوين نزحا من مدينة العمارة والتقيا في بغداد وتزوجا، ترعرع الزبيدي وسط عائلة مكافحة، وفي مطلع شبابه كان مغرماً بالتصوير الفوتوغرافي، سانده في ذلك شقيقيه الأكبر سعيد، كان يتطلع بشغف لتلك الصور المعروضة في واجهة الاستوديوهات الأمامية، وكان أمنيته أن يستطيع، في يومٍ ما، أن ينقل الواقع المعاش على الورق، عبر كاميرته وينشرها ليشاهدها من لم يشاهد واقع مخفي أعمى الجميع أعينهم عنه، افتتح “استوديو” للتصوير في مدينته. أيقن الزبيدي أنه إذا ما أراد أن يتميز عن الآخرين فلابد له أن يخرج عن المألوف في فن التصوير, فانتقل بكاميرته إلى الشارع واتجه إلى المسحوقين والكادحين ليوثق حياتهم اليومية ويجعل من جدران الاستوديو الخاص به مجلة تحكي الواقع الإنساني المرير آنذاك.

 لم يكن هناك متسعٌ من الوقت لرثاء الذات. فقط التركيز على الحياة يومًا بيوم، والبقاء قويًا، ربما نكران الذات والتركيز على حياة القاهرين، من هو مقاتل ومن يتلقى الموت في مسرح القتال.  

وفي مطلع الستينات ذاع صيته وأبدع في نقل ما يجول بقلبه متحداُ مع كاميرته الصورة التي تنقاد اليها العيون كمغناطيس، اكتشف بعض الصحفيين أنذاك إمكانات جاسم الزبيدي ورؤيته للمشهد الصحفي فعرضوا عليه فكرة العمل في الصحافة، فكانت البداية نحو العالمية في نشر ما تمليه عليه إنسانيته وضميره، فعمل وأسس قسم التصوير الصحفي في مجلة (ألف باء). واتخذ جاسم الزبيدي من مهنة الفوتوغراف وسيلة للتعبير عن انتمائه الثوري والتحرري ضد أنواع الاستعمار والاضطهاد كافة، التي كان يعاني منها الشعب العربي وشعوب العالم في أعوام الستينات والسبعينات، وحتى في أعوام الثمانينات ضد الدكتاتورية, فهو أول مصور عراقي يحمل كاميرته خارج العراق إلى عدد من البلدان العربية منذ العام 1967 حتى العام 1979. انتقل إلى الأردن ليتعايش مع الفدائيين صحفياً وفدائيا ليكون عين للثورة تنقل الصورة للعالم، وتنقل معاناة اللاجئين في مخيمات اللجوء الفلسطينية، وحلمهم في العودة عبر صراعهم الذين اختاروه وشاركهم في تحديد هذا المصير في مواجهة قوى الإمبريالية العالمية، ورأسه الاحتلال الجاثم على أرض فلسطين، فشارك مع الفدائيين الفلسطينيين ليوثق العديد من العمليات الفدائية جنباً إلى جنب بكاميرته مع الفدائي الفلسطيني، وكانت آخر هذه العمليات التي قام بتصويرها، عملية “أم العقارب”في جنوب لبنان. وكان يفتخر عندما يسرد ذكرياته وتاريخه مع الثورة الفلسطينية وبكبرياء العراقي العظيم كان يردد: المنظمات الفلسطينية منحتني صفة مناضل.

لم تكن الثورة الفلسطينية محطته الوحيدة، فقد شارك في ثورة ظفار العمانية ووثق ثورتهم “ثورة جبهة ظفار” التي ثارت على الاستبداد والظلم، وكانت كاميرته من الكاميرات القلائل التي وثقت تلك الثورة ونشر صور رموزها وتضحيات أبنائها لتصبح، لاحقاً، تلك الصور النادرة، أيقونة، وملفاً مهماً لمن أراد أن يرى حقيقة ظفار، وتلك المرحلة المهمة من تاريخ عمان.

كما انتقل إلى أدغال أفريقيا في رحلة ضمير لا يتقنها إلا القلائل، ليشارك الثوار الأريتيريين مسيرتهم النضالية، فكان صحفياً بارزاُ هناك، نقل تضحيات آلام  وبطولة وآمال الأريتيريين إلى العالم، و كان قد أخذ وعداً من ثوارهم بأن يُطلقَ اسمه على أحد شوارع مدينة أسمرة، العاصمة الأريتيرية، بعد تحرير البلاد من الاحتلال الأثيوبي عام 1970.

 تعرضت حياته لخطر الموت أكثر من مرة بسبب وجوده في تلك البلدان وبفعل الحروب, كان مثالاً للصحفي الحر، وضميراً لشعوب العالم المناضلة والمضطهدة، فأصبحت صوره وثيقة إدانة ضد اضطهاد الشعوب في العالم. تبرز الحق لكل من يعاني من جور.. كانت رسالة صريحة وواضحة ساعدت في نشر الحقيقة بين شعوب العالم الغائب خلف البحار لتشكل حالة وعي عالمية جديدة في وجه السطوة الإمبريالية.

فكرة نيتشه التي تقول إنَّ علينا العيش في خطر لنجني من الوجود أجمل ما فيه. وبناءً على هذه الفكرة، يرى أورايلي أنَّ الحرب تُوفِّر الصدمة المثيرة للعيش على حافة الهاوية، والصداقات التي صقلتها الضغوطات والفراق الصعب الذي يعقبها، فضلًا عن معايشة “نُبل الروح البشرية الذي تكشف عنه الحرب بشكلٍ متناقض. وهذه الأمور توفر ترياقًا للرعب الذي يشعر به المصورون بحسب فاينشتاين. ويخلُص الطبيب النفسي إلى أنَّ “تلك الإيجابيات تتفوق على السلبيات دون شك” وتجذب باستمرار الأشخاص ذوي المزاج المناسب يرى أورايلي أنَّ الحرب تثقل كاهل المصورين بديْنٍ وتطاردهم لدفعه طوال الوقت. لكنَّ العديد من الأسباب تقود المُصوِّرين إلى دوامة الحرب في النهاية، وأبسطها هو أفضلها: هناك صورٌ تحتاج من يلتقطها، وقصصٌ بانتظار أن تُروى.

لمهنة التصوير خطرها المحدق أحياناً تكون وبالاً عندما تفضح أطراف الصراع..

ليس من السهل أن تصوّبوا فوهات كاميراتكم وتقرروا التصوير بسهولة في البلاد التي تشهد صراع، ولا في قواعد العسكر أو في كهوف الثوار والفدائيين في الجبال والأغوار. إن الشوارع بفعل الحرب لم تعد ملك أولادها، صرتم تحتاجون إلى موافقة أمنية وعسكرية، خشية المحظور الذي قد لا يعجب من تسيّد تلك الشوارع وأعلن سلطته عليها هو وكلابه المنفلته، قد لا يكون الحصول عليها يسيراً. وإذا لفتت أنظاركم وشغاف قلوبكم لقطة تمس العين وعدسة الكاميرا لقطة وقررتم ألا تفوتوها، فقد تعرضون أنفسكم لمساءلة حول هدفكم من التصوير، كما تخشى كل الحكومات والمنظمات المسلحة من الكاميرات في الحروب. فأحياناً صورة تكون وبالاً على طرف من الأطراف وعامل نصر لأخر. علماً أن مخاطر المهنة في نقاط العالم الساخنة أفرزت أنواعاً متعددة من المصورين، بعضهم راح يبحث عن الجمال وآخر عن الأمل، ومنهم من قرر التخصص بالحرب.

  في مجال التصوير الفوتوغرافي يمتلك مهارة عالية وخبرة وإجادة كاملة في مواصفات تركيب المحاليل الكيمياوية والطبع باحجام كبيرة..

إلى فلسطين خذوني معكم

بيروت 1982.. إلى فلسطين خذوني معكم..

صورة ع صورة بتمحيها.. وورق الهوى عم يرميها.. والشاطر حسن يروي حكايا الصور والذكريات..

من الصور التي تحفر عميقا في الذاكرة وفي الوجدان: فدائي يجلس على أرصفة بيروت ينتظر العربات التي ستنقل الفدائيين إلى البحر، ليركبوا سفن المنافي بعيدين عن جبهات القتال وحدود فلسطين المحتلة. تأتي قطة تقف أمام الفدائي بجانب الكلاشينكوف الذي يتكئ عليه.. هذه اللقطة التي أخذها أحد المصورين تصلح لأن تكون وحدها فيديو كليب كامل لتلك القطة الفدائية التي وقفت بجانب سلاحها وسلاح فدائييها ” الكلاشنكوف ” لأغنية أم كلثوم ” أصبح عندي الآن بندقية، إلى فلسطين خذوني معكم.. أنا من الثوار أنا مع الثوار!! “… وصفتها الكاتبة الفلسطينية أسماء ناصر أبو عياش عندما شاهدتها: ” هذه اللقطة للقطة والفدائي تستوجب نصاً يغور في سيكولوجية الفدائي الإنسان.. حتى عروق يديه والسيجارة وحذاءه الحربي وحنوه على القطة واستكانتها.. كأنها تود أن تدخر حناناً قبل أن يغادر وكل تفصيل في الصورة ينم عن مدلول إذا ما سيق في سياقه زمكانياً.

لفوا وجوهن بالقهر، خبوا سلاحن في الوعر، خبوا أسامين، ما في حدا بيشوفهم، إلا إذا ماتوا، وتعلقوا مثل التحف مثل القمر، عم ينخطف

كتب الصحفي العراقي علي حسون لمحة عن الزبيدي عند وفاته:

“فن التصوير الفوتوغرافي عالم جميل في دنيا الثقافة والفن، من خلاله نرى التاريخ، والسلوك.. أشخاص ومدن. هو ليس تصوير الأمكنة بشكلها المجرد، إنما هو الدخول لخفايا ما وراء الصورة، وجعلها تتكلم معنا.

وهكذا هو جاسم الزبيدي الفنان الفوتوغرافي العراقي الرائد، فنان الثورة والحرية. مصور ناضل وكافح بعدسته من أجل الطفولة والحياة والانسان. له عين أخرى غير عين الكاميرا تنظر بحرفية فنان. يعتبر الصورة موضوعاً متكاملاً على المشاهد أن يستوعبه. فهو اختزل زمناً من خلال عمق اختار اللقطة.

المعروف عنه أنه كان خبيراً في تصوير الأبيض والأسود. واستخدام الظل في التعبير عن حركة الحياة عند الإنسان. لم يكن يوماً من الأيام إلا مع الناس يشعر بوجعهم ومعاناتهم. فهو ابن بار للمجتمع. الصورة عنده قصة كاملة لمجمل حياة شاهدها لا  كما يشاهدها غيره.

إن الاحساس بالقيمة الإنسانية والجمالية هو هدفه الأساس. لم يكن مترفاً بل كان يبحث عن الظروف الصعبة، فسافر إلى مدن الصراع الإنساني متحملاً صعوبات جمة، أولها أنه ممكن أن يفقد حياته في أي لحظة. فكان مع ثوار إريتيريا والفدائيين الفلسطينيين، مؤمناً بقضياهم العادلة التي فرّط فيها البعض حتى من أصحابها، ونقل للعالم صورة هي همّه وقضيته من خلال معارضه التي أقامها في لندن وباريس وروما وبعض البلدان العربية. معارض تحكي قصة شعب وقصة وطن وثورة وحياة وطفولة ضائعة!

جاسم الزبيدي؛ علامة مضيئة في تاريخ الحركة الفوتوغرافية العراقية ومبدع كبير ترك أرشيفاً ضخماً من منجزات إبداعية وثّقها بعين وقلب مفعم بالمحبة للإنسان، وهو صرخة في وجه الظلم والاستبداد لم يكن يحمل بين يديه كاميرا بل كان يحمل قلبه ،بأفراحه وأحزانه، يطوي المدن التي تحترق لتصبح كومة من الرماد فيوثق لحظات احتراقها، يحتفظ للإنسان بأسمى آيات الاحترام، يتجول في الأزقة باحثا عن الجمال المختبيء في عيون البسطاء والمتعبين والفقراء، ينتزع ابتسامة ترتسم على شفاه حائرة.

التقيته في أحد معارضه في ساحة التحرير بصحبة والدي، وبحكم قرابتي منه, وجدت الهم الإنساني موضوعه الأول، لم يحكِ يوماً عن نفسه أو عن إبداعه المتميز، بل كان يقول للجميع علينا أن نرسم البهجة في عيون الفقراء، ونجعل للطفولة فرحاً دائماً.

رحل جاسم الزبيدي وهو يحمل سر بقائه حياً بيننا، بساطته، وزهده.

إنه ظاهرة فنية ليست محلية بل هو علم عالمي في سماء التصوير الفوتوغرافي. ويجب على المعنيين بهذا الفن أن يدرسوا تجربته في معاهدهم.”

بقايا صور.. بقايا حرب.. في عقل الصحافيين وقلوبهم.. عندما تملأ أرصفة الذاكرة بالمتناقضات..     

يقول أحد المصوريين متحدثاً عن البعد النفسي التي تحدثه مهنة مصور الحروب لصحيفة رصيف 22 : أن عقلي الباطن بقي يختزن الصور المؤلمة وتجارب العمل في الضغط والتوتر العالي جدًا بصمودٍ قوي وأداء مبهر من الخارج، لكن ضررًا ما كان يكمن ويكبر في الداخل، وبحاجة إلى تنبه ومواجهة، عندها بدأت بمواجهة الأمر ومحاولة التغلب عليه لأكتشف لاحقًا ما يعرف (بأعراض ما بعد الصدمة) التي يصاب بها الجنود والصحفيون والمدنيون في مناطق النزاع التي تحتاج للاسترخاء وبعض الوقت للتغلب عليها.”و تبقى عين المصور وعدسة كاميراته هي من ترى المعركة ببعد خاص باطني، ربما لا يراها أحد غير بهذه الأمزجة المختلفة، الأمل والنصر والدمار والموت والحرية والفرح والحزن.. ربما يراها قائد محنك يقود معركة ملما بالتفاصيل لخبراته المتراكمة.

ويقول أخر في لقاء مع مجلة رصيف 22 أيضا: “من الصعب على المصور أن يقوم بتغطية حرب في بلده ومكانه، ليس فقط بسبب حالة الخوف والرعب التي تنتابك على أهلك وأصدقائك، بل إنك ترى بأم عينك بلدك تتدمر أمامك، وفي لحظات القصف والدمار تقف أمام معادلة صعبة، إما أن تحمل الكاميرا وتركض وراء توثيق الأحداث ليراها العالم أجمع، وتؤدي أيضًا وظيفتك المطلوبة منك لأصحابها، أم أن تقوم بمساعدة الجرحى والمصابين الذين تبكي وأنت تراهم، أم أنك تهرب من ساحة الميدان”.

يقول صحافي من غزة:  “في عدوان عام 2014 على قطاع غزة، وكان أول يوم في عيد الفطر، كنت أصور أطفالًا يلعبون بالمراجيح، وخلال ثوانٍ سقط عليهم صاروخ إسرائيلي فتحولوا لأشلاء، ووثقت الحادثة حتى وصولهم للمشفى وصرخات والدهم تعلو في التسجيل، وأنا أصور وأبكي بشكل هستيري”.

وهناك من يقول : أجدّد الأمل الذي بدأ يتلاشى أحياناً وهناك من يرى أن الأمل سيظل حياً غداً وبعد غد وفي كل يوم.

الفن الحقيقي خالد، لأن منبعه أصيل يحمل سمات الفهم الايجابي للمجتمع والحياة.

رحلة الإبداع

طوال حياته المهنية أقام الزبيدي الكثير من المعارض الفوتوغرافية جال بها بقاع العالم، في لندن وباريس وروما والبلدان العربية. ليروي بلوحاته الفوتوغرافية قصة شعوب عشقت الحرية. ومن أهم انجازاته ومعارضه الفنية:

1964 مؤسس ومشارك جماعة تموز للفن الحديث في بغداد، وشارك في العام 1967 في معرض (المعركة الأولى) عن الشعب الفلسطيني، وأقام معرضه الشخصي الأول (قصة شعب) عن الثورة والشعب الفلسطيني، بعدها بعام، وكان أحد المؤسسين لجمعية المصورين العراقيين.

 اطلعوا من صوركن.. اطلعوا من الحيطان. .صرتوا متل وردة حمرا.. تطلع في نيسان 

كل ما بيرجع شهيد . .

بيرجعوا الأولاد . . يعلقوا من جديد

صور الي راحوا بعيد

يعلقون صور من خلدوا أنفسهم بالفداء من استشهدوا لأجل قضاياهم العادلة وهم يصدون غطرسة المحتلين وعنجهية كل ظالم.. تلك الصور التي قنصتها كاميرات من توغلوا في ساحات الوغى والبطولة والتضحية معرضين أنفسهم لخطر الموت.. كان لعدسة الفدائي المحارب بكاميرته جاسم الزبيدي نصيباً من تخليد عظمة الرافضين للظلم وللصامدين فوق ركام منازلهم الذين رفعوا شعار : ” إن هدموا بيتي .. يا بيتي في ظل حطامك أنا صامد “.

خلّد الراحل الزبيدي أعماله بمعارض نشر من خلالها ما قنصته كاميرته.

معارض

أقام الزبيدي عدة معارض، ففي العام 1979 كان معرض (وثيقة الصداقة) عن الشعب العراقي وشعب جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وفي العام 1974 معرض (وثيقة من تل الزعتر)، ومعرض (عُمان والإنسان والثورة) عن الشعب العُماني في العام 1976 وثورة جبهة ظفار، كما أقام معرض (أطفال بلا طفولة) في العام 1980.

جائزة أفضل مصور

حاز جائزة أفضل صورة عن الحرب من قبل اتحاد الصحفيين العالميين عام 1990.

وأقام في العام 1991 معرض ملصقات لكل المعارض التي أقامها لمدة 25 عاماً دفاعاً عن العراق وفلسطين.

وفي العام 1991 أصدر ملصقاً وصوراً عن الحياة خلال الحرب الأميركية على العراق نشر في جريدة الجمهورية، كما عمل مع مكتب اليونيسيف والبيئة في الأردن، وكان له مشروع فوتوغرافي كبير عن أطفال الوطن العربي.. لكن الموت حال دون تحقيق ذلك.

أخيراً وليس آخراً.. عندما تكون الكاميرا رصاصة المعركة الأولى والأخيرة وإرثها الباقي كشاهد على المعركة في محكمة العصر .. محكمة كل زمان ومكان.

نمشي حاملين إليك صفصاف الكرى.. لتنام ملئ الصور.. حراً مطمئناً كالحقول على بساط الفجر..   

هذا الفنان المصور الثائر الذي قدم ونذر نفسه للعراق العظيم.. وتحدى كل أعداء الوطن والأمة ووثّق، ببسالة، الثوار في أرجاء الوطن العربي كافة، بحرفية وإحساس مرهف، وما قدمه من معارض هادفه ووطنية بحته ومشاركته المستمرة مع زملائه المصورين، أعطت له مكانه جعلته من الرواد المتميزين والمبدعين ومشاركاته الدولية كانت يشار لها بالبنان، وخاصة بعد المعرض الكبير الأول الذي أقامه في قاعة النصر في بغداد في العام 1968 وهذا المعرض بعنوان (قصة شعب) عن الشعب الفلسطيني والثورة الفلسطينية وهكذا توالت معارضه الشخصية بعد نجاحه الباهر في هذا المعرض. ومن معارضه المتميزة أيضاً  في العام 1980، معرض عن مدنٍ عربية، وهو عن مدينة الموصل أقامه في لندن، وله العديد من المشاركات العالمية ونال العديد من الجوائز والشهادات العالمية.

تحية لهذا الفنان الإنسان الذي قدم زهرة شبابه في إشاعة فن الفوتوغراف العراقي من خلال عمله الصحفي في جريدة الجمهورية ومجلة ألف باء وعدد من الصحف الأخرى

هذا الفنان الودود اللطيف المملوء محبة لاصدقائه ولضميره وللحق.

إنتق الفوتوغرافي الحربي والإنسان المناضل (جاسم الزبيدي) الذي قضى جزء مهم في حياته في قواعد الثورة الفلسطينية في الأردن ولبنان وأماكن صراع أخرى في العالم مظهراً حق المظلومين في عدسته ومنحازاً لنضالات الشعوب المظلومة.

انتقل إلى رحمة الله تعالى في نهاية التسعينات، تاركاً لنا إرث مهم ومصور يظهر تفاصيل تلك المرحلة بكل أبعادها النضالية وظروف القهر والمعاناة الصعبة التي رزحت تحتها تلك الشعوب وخصوصاً الشعب الفلسطيني في قواعد ثورته ومخيمات اللاجئين.

“يقفل مقهى، فيهاجرون إلى آخر.. حتى انطفأت المصابيح، وأقفلت المقاهي والصحف والمسارح، فلم يعد لهم إلا وطن من الذكريات.. والمدن التي رسموا معالمها والشعوب التي كانوا لها صوتاً مرئياً.. الشهود الحقيقيين أثناء المجزرة والمنتميين إليها!!.”

…..

** الشكر الموصول للصحفي سمير مزبان على جهده في تأمين جزء من أرشيف صور الراحل جاسم الزبيدي، خاصة لهذا التقرير، والشكر الموصول للفوتوغرافي سعد الزبيدي إبن الراحل لتعاونه وتأمين الصور.

عن شريف الحاح حسين

Avatar

شاهد أيضاً

مقاطع من سيرة ذاتية (14)

الورقة الرابعة عشرة والأخيرة. ثلاث هويات ليست من اختياري. كان اللجوء إلى المنافي في بلدان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *