الرئيسية > أدب > الفيلم الفلسطيني بين السردية والواقعية المفرطة والإيديولوجية(2)

الفيلم الفلسطيني بين السردية والواقعية المفرطة والإيديولوجية(2)

ترجمة: محمود الصباغ

القسم الثاني: فيلم “الجنة الآن” للمخرج هاني أبو أسعد

رغم أن فيلم “الجنة الآن”، أنتج بعد نحو ستة عشر عاماً من “نشيد الحجر”، إلا أنه يتقصى بعض الدوافع السياسية والاقتصادية والنفسية للانتحاريين الذين يفجرون أنفسهم في سياقات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. لكن هاني أبو أسعد يقارب فيلمه بطريقة أسلوبية مختلفة عن خليفي. فبينما يستخدم خليفي التباين لتحديد المستويات المتعددة لمعاناة السكان الفلسطينيين، يستخدم أبو أسعد النمط العام لأفلام هوليوود المثيرة. وتزعم ناديا يعقوب  أن استخدام النوع يؤدي إلى توقع الجمهور (Yaqub, “Paradise Now: Narrating a Failed Politics” , 219). في حين أنها تشير إلى أنواع الزفاف وأفلام الطريق، يمكن قول الشيء نفسه عن استخدام أبو أسعد لنوع الإثارة. إن استخدام نوع الإثارة واختيار أبو أسعد للموضوع يولّد لدى المشاهد التوقع و”الرغبة في مشهد الرعب، والرغبة في الاستمتاع بما هو مستهجن أخلاقياً، وفي الوقت نفسه يمنع المشهد من أن يتجسد أمامه” (Gana 36). يستخدم أبو أسعد في المقام الأول الحركة القليلة، سواء للكاميرا أو للشخصيات، للإشارة إلى الركود وفقدان الأمل الذي يلف الكثير من السكان الفلسطينيين بعد انهيار اتفاقيات أوسلو وبعد الانتفاضة الثانية. يتقدم فيلمه، على عكس فيلم خليفي، بترتيب زمني ويستخدم أسلوب تصوير فردي متسق لكامل الفيلم. ويتضمن، على عكس “نشيد الحجر” أيضاً، عدد قليل جداً من المشاهد العنيفة بصرياً على الرغم من موضوع الفيلم العنيف بطبيعته. يتغلغل عنف الاحتلال في مضمون الفيلم، ولكن على المستوى اللفظي في الغالب، من خلال الحكايات والمناقشات، وليس على المستوى البصري. ويشير ” Gana” إلى أن أبو أسعد يستخدم التقاليد السينمائية […] من أجل التراجع عن مشهد الإرهاب والتعبير عن رواية أكثر دقة وتحدياً عن الدولة الفلسطينية، وهي رواية كانت حتى الآن غير مسموح بها و \ أو غير موثوقة بسهولة بالنظام المهيمن للاحتلال الإسرائيلي (2 Gana).

لكن من المهم الإشارة إلى أن نوع العنف في فيلم أبو أسعد يختلف عن نوع العنف في فيلم خليفي والذي يمكن أن يفسر على الأقل بعض الاختلافات في معالجة العنف في الأفلام. وكما ذكرنا سابقاً، فإن العنف في فيلم خليفي هو عنف بين المقاومين والجيش الإسرائيلي، بينما العنف المقترح في فيلم أبو أسعد يرتكب ضد المدنيين. ويعتبر نوع العنف في فيلم أبو أسعد مستهجناً من الناحية الأخلاقية من قبل الكثيرين، وخاصة لدى جمهوره الغربي، والذي ربما لعب دوراً في قراره بعدم إظهار التفجير النهائي. كانت الانتفاضة الثانية أكثر عنفاً بكثير من الأولى. حيث بات الفلسطينيون الآن يستخدمون، بانتظام، الأسلحة والبنادق والقنابل، وهو الأمر الذي تجنبوه، عموماً، في الانتفاضة الأولى. ونتيجة لهجوم 11 سبتمبر على مركز التجارة العالمي، تأرجح الرأي العام الأمريكي والأوروبي بسهولة في دعم أي دولة كانت ضحية للهجمات الانتحارية، ووقفوا ضد أي مجموعة تستخدم التفجيرات الانتحارية أو تشجعها -وهو الخلط الذي استغلته إسرائيل لمصلحتها. ويشير ” Gana” إلى مشكلة مناقشة التفجيرات الانتحارية بعد 11 سبتمبر ويجادل بأنه إذا حاول المرء “تفسير” الإرهاب، فغالباً ما يتم الخلط بينه وبين التغاضي عنه(22 Gana) ويتجنب الكثيرون مناقشة تعقيد الإرهاب، أو عوامله السياقية، خوفاً من إضفاء الطابع الإنساني على الانتحاريين الذي “يفضح، في النهاية […] الفائدة من تجريدهم من إنسانيتهم”(25 Gana). نظراً لأن الواقعية المفرطة التي أوجدتها وسائل الإعلام كانت مشبعة بالصور واللقطات الصوتية التي ربطت بين التفجيرات الانتحارية والشر ومعاداة أمريكا وربطت الفلسطينيين بالتفجيرات الانتحارية، فقد كان يُنظر إلى الفلسطينيين مرة أخرى على أنهم المعتدون، وكان يُنظر إلى الإسرائيليين على أنهم هم الضحايا في الإعلام الغربي. وقد أدى هذا التحول في الواقعية المفرطة إلى تحول في الرأي العام الغربي في معارضة سردية المحاكاة الفلسطينية. لكن الأمر المثير للاهتمام هو أنه بدلاً من إعادة تأكيد هذه السردية المحاكية من خلال إعادة التأكيد على المعتقدات المجتمعية الأساسية، مثلما هو الحال في  فيلم خليفي، فإن فيلم  “الجنة الآن” يرفض في الواقع اعتقادين مجتمعين مهمين في دعم الرواية الفلسطينية المحاكية، أي النظر إلى الفلسطينيين كضحايا فقط على طول الصراع، وأنهم لا يخطئون عندما يتعلق الأمر بمقاومة الاحتلال، ويصل أبو اسعد إلى مبتغاه هذا من خلال الحوار بين الشخصيات حول مدى  الفائدة المرجوة من استخدام المقاومة العنيفة.

أ) تحولات ما بعد 11 سبتمبر في الواقعية المفرطة والرأي العام الغربي

ذُكرنا سابقاً، كيف عبّر الفلسطينيون عن احتجاجهم بشكل أساسي، أثناء الانتفاضة الأولى، أو سلحوا أنفسهم بالحجارة، في حين أنهم تحولوا إلى استخدام العنف خلال الانتفاضة الثانية (Gross Stein 224). وبدأت منذ منتصف وأواخر التسعينيات، الجماعات الفلسطينية المتطرفة مثل حماس في استخدام التفجيرات الانتحارية ضد إسرائيل (Baxter and Akbarzadeh 145-6)، بعد فشل اتفاقيات أوسلو في تحقيق نتائج ملموسة وبعد مذبحة غولدشتاين في 1994 التي خلفت 29 قتيلاً فلسطينياً على الأقل. وقامت إسرائيل، رداً على ذلك، بتطوير وتشديد نظام الإغلاق من حواجز الطرق والأسوار والجدران في فلسطين، مما أدى إلى قيود اقتصادية شديدة على السكان الفلسطينيين، مما تسبب في صعوبة انتقال البضائع و الأشخاص عبر الحدود بسهولة (Bornstein). ومع تدهور الوضع الأمني ​​الإسرائيلي والاقتصادي في فلسطين، كانت قمة كامب ديفيد في العام 2000 محاولة أخيرة لإنقاذ اتفاقيات أوسلو. غير أن هذه المحاولة فشلت ، واستمرت حالة التوتر والتصعيد داخل فلسطين في الاشتعال. بدأت الانتفاضة الثانية، أو انتفاضة الأقصى، في 28 أيلول\ سبتمبر 2000، عندما زار المسجد الأقصى في القدس، أرئيل شارون، المرشح آنذاك، الذي سرعان ما أصبح رئيساً للوزراء، والذي  كان مكروهاً إلى حد كبير من قبل العديد من الفلسطينيين بسبب دوره في مذبحة صبرا وشاتيلا في العام 1982. قام الفلسطينيون, إثر دخول شارون للأقصى، بأعمال شغب، سرعان ما انتشرت في المنطقة بأسرها. نظر الغرب إلى الانتفاضة على أنها مجرد حرب أخرى، ولم تتداول وسائل الإعلام صور لمراهقين مسلحين بالحجارة في مواجهة الدبابات الإسرائيلية. لقد فشل الفلسطينيون في تغيير النظرة الواقعية المفرطة التي تنتجها وسائل الإعلام الغربية لصالحهم، وبدأت انتفاضة الأقصى تفقد أي دعم شعبي لها بعد مرور عام على ظهورها، لاسيما الدعم الذي  كان من الممكن أن تحظى به في الولايات المتحدة وأوروبا، وكان هجوم 11 سبتمبر على مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك أحد أسباب هذا الدعم. فضلاً عن إسراع شارون، الذي فاز في انتخابات الحكومة الإسرائيلية في وقت سابق من ذلك العام، إلى إقامة علاقة جيدة مع الرئيس بوش، بل وأسرع في الخلط بين هجوم نيويورك والتفجيرات الانتحارية في إسرائيل، وهو ما سمح له بالتعامل مع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. من منظور أوسع في إطار “حرب بوش على الإرهاب” (Baxter and Akbarzadeh 150).

كانت الواقعية الغربية المفرطة مشبعة بصور وتقارير عن انتحاريين فلسطينيين تم ربطهم على الفور بانتحاريي  الحادي عشر من سبتمبر، مما خلق تحولاً حاسماً في الرأي العام الغربي. علاوة على ذلك، فإن حماس، وهي جماعة تصنفها الولايات المتحدة على أنها منظمة إرهابية، تكتسب دعماً شعبياً لدى الفلسطينيين بسبب فشل فتح في تحقيق تقدم. كما تلقى عرفات سلسلة من الضربات التي أدت إلى سقوط مكانته في الغرب، مثل عثور الجيش الإسرائيلي على أوراق تشير إلى أنه وافق شخصياً على مدفوعات لعائلات الإرهابيين (Baxter and Akbarzadeh 150). أوجد هذا التأطير الجديد للصراع، أيضاً، حاجة سياسية للفلسطينيين للنأي بأنفسهم عن صور العنف، في حين أن ركود عملية السلام والظروف الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة يثيران حاجة نفسية لتأمل ودراسة المعتقدات المجتمعية. فكان لايزال، خلال الانتفاضة الأولى، ثمة أمل وإمكانية للنجاح من خلال المقاومة.  وبات هذا الأمل ضعيفاً بسبب المشاهد السياسية والاقتصادية المتغيرة في فلسطين وازدياد صعوبة الظروف المعيشية للفلسطينيين يومياً  (Ajluni, “The Palestinian Economy and the Second Intifada.”) . أدت الوسائل العنيفة للانتفاضة الثانية إلى تفاقم الأوضاع السيئة للسكان  دون أن تجلب لهم أي أمل في الحل، بل كان الأمر مجرد وعود بإطالة أمد النزاع، ويقدم أبو أسعد فيلماً مصمماً لجعل مشاهديه يشككون في بعض المعتقدات المجتمعية للفلسطينيين. على الرغم من أن الوجود الإسرائيلي في فلسطين لا يزال غير شرعي ولا تزال أهداف الفلسطينيين مبررة، إلا أن الفيلم يعمل بالفعل على كسر حلقة آليات الدفاع النفسي التي تديم العنف، من خلال التشكيك في صحة تصرفات بعض الفلسطينيين، وبالتحديد الانتحاريين، ووضع الفلسطينيين على أنهم ضحايا بالمطلق.

ليس مفاجئاً القول بأن إسرائيل لا تزال تصوَّر على أنها عدو غير مشروع  وأن أهداف الفلسطينيين تقدم على أنها أهداف عادلة. فلدى الفلسطينيين الكثير من المظالم المشروعة بسبب سلوك إسرائيل في الماضي والحاضر، كما لديهم، أيضاً، الكثير مما يمكن أن يقولوه بخصوص حقهم في تقرير مصيرهم، وإقامة دولتهم المستقلة، وهي أهداف لها ما يبررها من معظم وجهات النظر. ويبدو أن الوسائل التي يستخدمها هاني أبو أسعد،  وعلى عكس ما ورد في “نشيد الحجر”، تعزز هذه المعتقدات المجتمعية ليست من خلال إظهار العنف الداخلي، بل من خلال تصوير العنف المكاني والاقتصادي الذي يفرضه نظام الحصار الإسرائيلي على السكان الفلسطينيين.

يبدأ الفيلم مع “سهى”، التي تلعب دورها [الممثلة البلجيكية من أصول مغربية] لبنى عزبال، وهي تعبر نقطة تفتيش، وتضطر إلى السير حول حاجز إسرائيلي في نابلس. تم زيادة نقاط التفتيش والحواجز، رغم وجودها من قبل، في  مناطق الأراضي المحتلة في الفترة التي أعقبت اتفاقات أوسلو.  وجعلت إسرائيل، بذريعة الأمن، السفر من الأراضي المحتلة إليها، وبالعكس، أمراً صعباً لمعظم الفلسطينيين، وشبه مستحيل لبعض السكان (Arnon 587). تخضع حواجز الطرق ونقاط التفتيش هذه للإغلاق التعسفي بشكل روتيني، وغالباً ما يجابه الفلسطينيون برفض طلبات عبورهم أو يتعرضون للمضايقة دون سبب واضح (Bornstein). تسبب نظام الإغلاق هذا بخنق اقتصادي للضفة الغربية. نظراً لتأثيره المباشر على الحياة اليومية. غالباً ما تُستخدم حواجز الطرق في الأفلام التي تم إنتاجها خلال هذه الفترة الزمنية. وتركز أفلام مثل “عرس رنا” لهاني أبو أسعد و “يد إلهية” لإيليا سليمان، بالإضافة إلى أفلام أخرى، على الأحداث الرئيسية التي تدور حول حواجز الطرق والمساحات المغلقة، وذلك في محاولة لإعادة إنشاء مساحة متناغمة من المشهد الأكثر تشظياً في فلسطين الآن (Gertz and Khleifi Palestinian Cinema 134-70).

يزداد الأمر صعوبة في فلسطين في العثور على عمل، كما أنه من شبه المستحيل، قانونياً، الحصول على تصريح دخول إلى إسرائيل، حتى للعمل. نتيجة لذلك، تتزايد مستويات البطالة والفقر باستمرار(Roy, “The Palestinian-Israeli Conflict and Palestinian Socioeconomic Decline). يصور أبو أسعد هذه الظاهرة في عدد من المشاهد المختلفة. عندما علم سعيد، الذي يلعب دوره قيس ناشف، أنه سيذهب في مهمة انتحارية، أخبر والدته، التي تلعب دورها هيام عباس، أنه سيذهب إلى إسرائيل لإجراء مقابلة عمل. فتبدو عليها ملامح السرور والدهشة بآن معاً، فهي تعلم مدى صعوبة حصول شاب في عمر سعيد على تصريح عمل في إسرائيل. كما أنها تحرص على تذكير سعيد بإخبار رئيسه إلى أين يتجه لأنه، أي سعيد، كان محظوظاً بعثوره على عمل في فلسطين. ويذكر سعيد في حواره الأخير، أنه لم يسبق له أن غادر الضفة الغربية سوى مرة واحدة طوال حياته كلها، وكان ذلك لأنه بحاجة إلى عملية جراحية. لا يقيد نظام الإغلاق حركة البشر فحسب، بل يقيد أيضاً حركة وتوافر السلع الضرورية. وتنعكس صورة هذه القيود في الفيلم من خلال تكرار ذكر سعر فلاتر المياه. حيث تسيطر إسرائيل على معظم موارد المياه في الضفة الغربية، كما تتطلب المياه في العديد من المدن الفلسطينية إلى عملية فلترة. وطوال  الفيلم، يتحدث الجميع عن فلاتر المياه الباهظة وأين يمكن لبحص عن الفلاتر الرخيصة،  الجميع يذكر هذا تقريباً، من محطة الراديو إلى سائقي سيارات الأجرة، إلى سعيد وخالد، الذي يؤدي دوره علي سليمان. وهذا مجر مثال من أمثلة عديدة على مظالم الاحتلال الإسرائيلي، وهدف طرح هذه المظالم هو نزع الشرعية عن الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية/ كما تعمل في ذات الوقت  كأسباب لتبرير الهدف الفلسطيني المتمثل في إقامة دولة خالية من التدخل الإسرائيلي. وبهذه الطريقة، يستغني أبو أسعد عن المعتقد المجتمعي الأساسي بأن إسرائيل هي العدو وأن فلسطين غير مضطربة نسبياً. رغم أنه يواصل  الطعن في اثنين من المعتقدات المجتمعية الأساسية الأخرى [ التي ذكرها روحانا وبار-تال].

ويتناول أبو اسعد هذا الموضوع مباشرة، وذلك خلال إحدى المقابلات معه، واتهامه بالترويج للعنف والإرهاب وتبريرهما، بعد عرض الفيلم، فيقول زاعماً: إذا كنت شاهدت الفيلم، فسوف يكون من الواضح، إلى حد ما، أنه لا يتغاضى عن إزهاق أرواح البشر […] ومن المستحيل عرض الثقل الكامل للوضع وتعقيده في الفيلم. لا يمكن لأي طرف أن يدعي موقفاً أخلاقياً، فليس من الأخلاق قتل البشر. الوضع برمته يقع خارج ما يمكن أن نسميه الأخلاق(7 Abu-Assad). وبينما يدعو أبو أسعد إلى التشكيك في “صحة” التصرف الفلسطيني، فإنه يقوم بذلك بطريقة متناقضة من خلال سهى وسعيد. وكما ذكرنا سابقاً، يمثل أبو أسعد، من خلال هاتين الشخصيتين، المقاربتين العامتين لمقاومة الاحتلال: العنف واللاعنف. وبدلاً من اتخاذ موقف واضح، يسمح أبو أسعد للشخصيات بالإشارة إلى المشاكل المتعلقة بكل من الأساليب العنيفة وغير العنيفة لحل النزاع. ربما يكون أفضل توضيح لهذه المقاربة، في المشهد أثناء محاولة سعيد العثور على أعضاء المجموعة الآخرين بعد فشل المحاولة الأولى في المهمة، يصلح سعيد سيارة سهى بسرعة، وتنكسر ساعته في هذه العملية. يسلم سهى الساعة التي تضعها على الغطاء، وعندما ينتهي سعيد من إصلاح السيارة يقوم، عن غير قصد، بضرب الغطاء فتتحطم الساعة، وعندها، تصر سهى على إصلاحها، وهي التي كان من المفترض أن تهتم بالساعة أثناء عمله  ورغم قول سعيد بعدم أهمية ذلك، تصر سهى  على إصلاحها فيذهبان إلى أحد المتاجر، وهناك تشعر، سهى، بالانزعاج من فيديوهات الشهيد والمتعاونين، فيغادران المحل دون أن يخبرا صاحب المحل بما يمكن فعله للساعة. يدفع سعيد هي خارج المحل ويركان الساعة هناك. تقول ندى يعقوب في مقالتها إن السيارات في فيلم “الجنة الآن” هي رموز المجتمع الفلسطيني المضطرب(Yaqub, 224-225). يساهم سهى وسعيد كلاهما، وهما رمزين للمقاومة اللاعنيفة والعنيفة على التوالي، في كسر الساعة، والتي يمكن تفسيرها على أنها رمز للوقت والتقدم، في حين ترمز  محاولة إصلاح السيارة إلى المجتمع المضطرب. بينما تصر سهى على محاولة إصلاح الساعة بأخذها إلى ورشة تصليح، حيث يمكنهم العثور على خبير مفترض، يتشتت انتباهها، بعد وصولها إلى المحل، بسبب قلة الاحترام والسلوك الانتهازي لصاحب المحل، الذي يمكن القول إنه برمز إلى لولايات المتحدة، وبسبب من تشتت انتباهها تنسى سهى أمر الساعة، وسوف يدفعها سعيد خارج المحل دون أن يعملا على إصلاح الساعة. تمثل هذه القراءة انعكاس لعملية السلام، بشكل عام، وتشير إلى أن كلا من حركات المقاومة اللاعنيفة والعنيفة يقع عليهما اللوم في عدم أو انهيار إحراز أي تحسن في الأوضاع. فتلام حركات المقاومة العنيفة من خلال إعطائها لإسرائيل ذريعة لعدم الحضور إلى طاولة المفاوضات، أما حركات المقاومة اللاعنفية، فهي موضوع لوم، حسب البعض، لاستمرارها المشاركة في عملية [سلام]  منحازة لإسرائيل فشلت في تحقيق نتائج. ويوضح باقي الفيلم هذه الأدوار.

ب) سجال المقاومة والمعتقدات المجتمعية

استخدم أبو اسعد، طوال الفيلم، الحركة القليلة للكاميرا والرمزية وحوار الشخصيات لإظهار الجمود واليأس في الحياة اليومية في فلسطين والانقسام في الشعب الفلسطيني والقيادة حول أفضل الطريقة لمواصلة الصراع أو الوصول إلى تسوية. وبدلاً من استخدام صور العنف، يتعامل أبو أسعد مع موضوع المقاومة العنيفة ككل ويتناول طرفي النقاش طوال الفيلم. وتمثل سهى، التي نشأت في الشتات، التقدم والحل السلمي للصراع، بينما يمثل سعيد العكس -الركود والعنف المديد. يتعارض أبو اسعد، من خلال هذه الشخصيات ونقاشها، مع اثنين من المعتقدات المجتمعية الأساسية التي تشكل جزءً من سردية المحاكاة الفلسطينية: دور الفلسطينيين كضحايا، وعدالة التصرفات الفلسطينية.

عادت سهى، دور المرأة الأساسي في الفيلم، إلى فلسطين بعد حياة أمضتها في الشتات. فقد ولدت في المغرب وتعلمت في فرنسا، لكن والدها أبو عزام شهيد فلسطيني شهير. خالد وسعيد يحترمانها بسبب تضحيات والدها، لكنهما لا يتفقان معها سياسياً، بشكل عام،. على الرغم من تقديمها للمُشاهد في بداية الأمر كمحل اهتمام محتمل لسعيد، إلا أن ظهورها الثاني والمحادثات اللاحقة مع سعيد تظهرها بعيدة كل البعد عن كونها مجرد وجه جميل. تجادل ندى يعقوب بأن الشخصيات الأنثوية في “الجنة الآن” تعمل كـ “حوامل للثقافة وداعمة للحياة” (Yaqub, 222) لكنه فعالية هذه الشخصيات تبدو هامشية (Yaqub, 222). وتتابع القول إن العلاقة الفاشلة بين سعيد وسهى هي “مظهر من مظاهر عقم المجتمع الذي يجب تنشأ فيه (ولكنها لا يمكنها أن تنشأ) عنه الثقافة والسياسة الفلسطينية” (Yaqub, 223). وبينما تقدم ندى يعقوب تحليلًا مقنعاً حول سبب كون  أمهات الشخصيتين الذكوريتين -رمزين للثقافة، فإن تصنيفها لسهى كرمز للثقافة يمثل مشكلة أكثر صعوبة قليلاً. فسهى تعيش بمفردها، وتسافر بمفردها، ونشأت في أوروبا والمغرب – بعيداً عن الثقافة في فلسطين. يصعب وصف سهى بأنها حاملة للثقافة عندما تتصرف بشكل مختلف تماماً عن النساء الأخريات في الفيلم. ومع ذلك، فهي رمز باعتبارها داعمة للحياة لأن الحجة التي تجعلها شخصيتها، لفظاً ورمزاً، تؤيد الحفاظ على الحياة أثناء الصراع. وبهذا المعنى، ربما تكون علاقتها الفاشلة بسعيد رمزاً لفشل أنصار المقاومة العنيفة وأنصار المقاومة اللاعنفية في تقديم جبهة موحدة ضد الاحتلال.

المشهد الأول الذي يشير إليها وإلى مواقف سعيد المتعارضة هو المشهد الذي يحاول فيه سعيد، الذي علم بمهمته الانتحارية، وضع مفتاح سيارة سهى تحت بابها في منتصف الليل، لأنه يعلم أنه لن يعود إلى المحل في اليوم التالي. غير أن سهى كانت في تلك الاثناء مستيقظة ولم تنم بعد، فتفتح الباب أثناء محالة سعيد زلق المفتاح من أسفله، فتدعوه للدخول. ويناقشان بعض المواضيع قبل أن يشير إلى والدها وإلى المقاومة. لا تتفق سهى مع سياسة والدها في المقاومة العنيفة، وهذا ما يخالف موقف خالد وسعيد، وتجادل بأن على فلسطين أن تعترف بعدم امتلاكها قوة عسكرية، بالمقارنة مع إسرائيل، تستطيع بموجبها إيجاد وسائل أكثر سلمية لتسوية النزاع. تحدد هذه المحادثة القصيرة دور سهى وسعيد في بقية أجزاء الفيلم. تطرح سهى، ربما بسبب نشأتها في غرب إفريقيا وأوروبا، حجتها عن المقاومة السلمية والمفاوضات من وجهة نظر فلسطينيي الشتات، وبوصفها فرد من عائلة مقاتل ينتمي لصفوف المقاومة. وتختلف وجهة نظرها، التي لم تنشأ في فلسطين وتحت قهر الاحتلال، تمام الاختلاف عن وجهة نظر سعيد وخالد، وكلاهما يعاني بشكل يومي على يد الاحتلال، وفقدان الإيمان والأمل في المفاوضات السلمية، وينتميان إلى طبقة اجتماعية واقتصادية أقل. تدفع حججها سعيداً إلى التنازل، ولو لفترة وجيزة، عما إذا كان سوف يتابع خططه التفجيرية أم لا، بل إنه ذهب إلى حد سؤال جمال عن الجنة وسؤال خالد عما إذا كانوا يفعلان الشيء الصحيح أم لا. غير أن حججها  لن تكون كافية، في نهاية المطاف، للتأثير على سعيد في مهمته. وتشرح سهى، لاحقاُ، حجة المقاومة اللاعنفية خلال محادثة مع خالد، بعد أن علمت ما يخطط الرجلان للقيام به. فتقول لخالد، “إذا كنت تستطيع أن تقتل وتموت من أجل المساواة، فيجب أن تكون قادراً على إيجاد طريقة لتكون متساوياً في الحياة”، وإذا ما استمرا في العنف “فلا فرق بين الضحية والمحتل”. ثم تسأل خالد: وماذا عنا؟ نحن الذين سنبقى بعدكما. هل سننتصر بهذه الطريقة؟ ألا ترى أن ما سوف تقومان به سيدمرنا؟ وأنكما تمنحان إسرائيل ذريعة للاستمرار؟ […] علينا تحويلها إلى حرب أخلاقية “(Paradise Now). وعلى الرغم من أن خالد يجادلها، إلا أنه يستجيب، في النهاية، لكلماتها ويقرر عدم القيام بالمهمة الانتحارية. الفرق الرئيسي بين سهى والرجلين هو حفاظها على الأمل. هي لم تختبر شخصياً القيود الاقتصادية والمكانية اليومية المفروضة على خالد وسعيد، ونتيجة لذلك، ما زالت تنبض بفكرة المفاوضات السلمية الناجحة. وفي حين تبدو أنها قادرة على إقناع خالد بوجهة نظرها، إلا أن سعيد منهك في العملية للغاية، بسبب تاريخه الشخصي مع الإسرائيليين، ويشعر بالحاجة الشخصية لمواجهة أفعال والده المتعاونة [مع الاحتلال]. لا يمكن لكلماتها أن تلغي الماضي عند سعيد, وهو يشعر بالحاجة إلى تعويض عيوب والده من خلال الاستمرار في المقاومة التي قوضها والده بتعاونه مع الاحتلال. وعلى الرغم من حرص أبو أسعد على عدم المجادلة الصارخة لصالح طرف ضد آخر، إلا أن سهى، المرتبطة بالمقاومة اللاعنفية والمفاوضات السلمية، مرتبطة أيضاً بالحركة والأمل. إنها واحدة من الشخصيات القليلة التي تظهر بشكل روتيني وهي تتحرك داخل إطار الكاميرا. وعندما تتحرك الكاميرا تتحرك معها. وعندما تكون الشخصيات الأخرى من حولها، فإنهم يتحركون أكثر. ومن خلال ربطها بالحركة، يربط الفيلم سهى وموقفها السياسي بالتقدم. تبتسم وتطلق النكات. إنها، على عكس معظم الشخصيات الأخرى، مليئة بالحياة والأمل. ومع ذلك، في عدة حالات، كان تفاؤلها مقيّداً بالوقائع القاسية للاحتلال، وبينما كانت تبكي وتحدق في صورة سعيد أثناء سفره إلى إسرائيل لإكمال مهمته، يُترك للمشاهد أن يتساءل ما تأثير هذه الجرعة القاسية من حقائق الاحتلال ليها، ليأتي الجواب من عند خالد بأن هذا سوف يمنحها القليل من التفاؤل الساذج.

يستخدم أبو أسعد سعيداً في المقام الأول لتقديم الحجج لصالح المقاومة العنيفة للاحتلال الإسرائيلي. يجادل تيم كينيدي بعدم “قدرة الآباء على حماية أو حتى إعالة أطفالهم هو الذي أدى إلى تسييس جيل الشباب”، والذي يفسر، جزئياً على الأقل، وجود أعداد أكبر من الشباب في الأفلام الفلسطينية الحديثة (Kennedy, 45). يبدو أن هذا هو حال سعيد، فماضي عائلته يطارده ويهينه. تم إعدام والده كمتعاون عندما كان طفلاً، وكان على سعيد وعائلته تحمل وطأة الإذلال من أفعال والده. في المشهد الافتتاحي، يشير العميل الساخط إلى الحادث عندما قال لسعيد أن المصد [ ممتص الصدمات] “معوج مثل والدك”. إنه تاريخ عائلي لا يمكن لسعيد الهروب منه مثل النكبة والنكسة، وهما تاريخان اجتماعيان منسوجان في الهوية الفلسطينية ولا يمكن الهروب منه بسهولة. وسوف يلتزم سعيد للمهمة الانتحارية أكثر من خالدـ بسبب هذا التاريخ الشخصي. وعندما تهدد حجج سهى بتغيير رأيه، تؤكد ذكرياته عن والده والإذلال الذي تعرض له نتيجة تصرفات والده قراره الأولي. والكلام الذي يقوله قبل إرساله لإتمام مهمته هو أقوى حجة له ​​للمقاومة العنيفة، رغم أنها ليست سوى نتاج اليأس الذي أصابه بسبب الاحتلال. ويقول في حديثه هذا، إن الحياة في نابلس مثل السجن المؤبد وأن الإسرائيليين يستغلون ضعف الناس ويحولونهم إلى متعاونين، و “بفعلهم ذلك، لا يقتلون المقاومة فحسب، بل يدمّرون العائلات أيضاً، ويدمرون كرامتهم”، ويخربون شعباً بأكمله”. يزعم سعيد أن على الإسرائيليين أن يفهموا أن “الحياة بلا كرامة لا قيمة لها. خاصة عندما يذكرك وجودهم، يوماً بعد يوم، بالإذلال والضعف”. وعلى الرغم من أنه يعاني من عارٍ شخصي لا يشاركه فيه جميع الفلسطينيين، إلا أنه يشير إلى أن الحياة اليومية في فلسطين مليئة بالإهانة والإذلال الذي لا يمكن تحمله إلى الأبد دون عواقب وخيمة على السكان الفلسطينيين. وبينما تدعي سهى أن أعمال العنف والقتل الذي تمارسه المقاومة سوف تمزق الفلسطينيين، يؤكد سعيد أن الإذلال اليومي هو المسؤول الفعلي المسؤول عن تدمير حياتهم. ولاينفك سعيداً والأعضاء الآخرين في المجموعة عن تنظيم التفجير الانتحاري، عن القول، مراراً وتكراراً، إن الحياة في ظل الاحتلال تعادل الموت. وبالنسبة له، وهو الذي عاش في نابلس طوال حياته، فقد عانى من الإهانة بسبب أبيه المتعاون مع الاحتلال، وليس لديه أي احتمالات للارتقاء الاجتماعي أو المالي، فالحياة في ظل الاحتلال ثابتة ويائسة، ولهذا اختار أن يضع حداً لحياته على أمل، يائس، أن تستمر المقاومة على الأقل في محاربة الظلم، حتى لو كان لديهم أمل ضئيل في الفوز بحريتهم.

ارتبط سعيد طوال الفيلم بالسكون، على عكس سهى، فتظهر الكاميرة، عند تصويره، ثابتة تقريباً، ولا يتحرك سعيد كثيراً، أو يتحرك بسرعة في معظم اللقطات. ومع ذلك، هناك عدة مشاهد في الفيلم يقوم فيها أبو أسعد بتكبير الكاميرا ببطء على وجه سعيد: عندما يرقد سعيد في الفراش بعد اكتشاف أنه تم اختياره هو وخالد للمهمة الانتحارية، وهو يفكر في تفجير القنبلة. في محطة الحافلات في إسرائيل، أو عندما كان يمسح العرق من حول القنبلة الملصقة على بطنه، أو عندما كان يتحدث مع نفسه آخر مرة، وعندما يكون على وشك تفجير القنبلة في نهاية الفيلم. كل من هذه المشاهد تعتبر لحظات حاسمة على سعيد أن يتخذ فيها قراراته. يبدو ثابتاً تماماً أثناء تقريب الكاميرا نحو عينيه غير المطمشتين، مما يشير إلى أن قراراته هذه، ليست قرارات متهورة. إن ارتباط سعيد بالسكون والركود ليس مفاجئاً. فحياته، إلى جانب العديد من الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي، تتدهور. ويمتد التشابك، مع ذلك، إلى موقفه السياسي أيضاً. فهو، أولاً وأخيراً، الانتحاري الذي ينجز مهمته. ونتيجة لذلك، يرتبط النهج العنيف للاحتلال أيضاً بالركود والخمول. وبينما يقوم سعيد في النهاية، بالعمل فإنه لا يفعل ذلك لإنهاء الاحتلال أو التقدم نحو حل. إنه ببساطة يتصرف على أمل استمرار المقاومة مدركاً تماماً أن موته لن يعني الكثير للنضال ككل. إنه بفجر نفسه من أجل التفجير دون أي أمل في التغيير أو التقدم.

يستخدم أبو اسعد، طوال الفيلم، سعيداً وأنصار المقاومة العنيفة الآخرين لانتقاد الأساليب السلمية لحل النزاع  لفظياً ورمزياً. ويقدم الفيلم حجة مفادها أن العديد من الذين ينادون بالمقاومة السلمية لا يفهمون خطورة الوضع في فلسطين، وأن الحرية تتطلب نضالاً وتضحية، وأن هذا الظلم يجب محاربته لأن إسرائيل لن تنهِ الاحتلال ما لم تُجبر على ذلك.. عندما كان سعيد وسهى يتحدثان في السيارة بعد مغادرتهما ورشة تصليح الساعات، أخبرها أن والده كان متعاوناً مع الاحتلال، وأن العالم كله يعرف ذلك. وعندما تعتذر وتقول إنها لا تعرف، يرد عليها: “ماذا تعرفين؟ أنت أتيت من عالم مختلف. ابنة أبو عزام، تعيش في حي راقٍ”. ويشير إلى أنها لم تتأثر نسبياً بالاحتلال لأنها لم تترعرع في ظله، ولأنها تنتمي إلى طبقة اقتصادية مختلفة، لذلك لن تشعر بقوة بالتأثيرات الاقتصادية للاحتلال مثلما تشعر بها الطبقات الدنيا. ولهذا فهو يرفض الخسارة التي عانت منها سهى: نشأتها بدون أب. يجادل خالد بأن العديد من المنظمات والأفراد الذين يدافعون عن المفاوضات السلمية ليس لديهم خبرة حقيقية في الحياة تحت الاحتلال وأن نهجهم يعتبر ساذجاً من قبل العديد من الذين يدافعون عن النضال العنيف. وكما قال خالد لاحقاً لسهى، “لا تكوني ساذجة. لا يمكن أن تكون هناك حرية بدون نضال”. تتكرر هذه العبارة وهذا الموضوع مراراً وتكراراً طوال الفيلم وهو بمثابة اتهام لمن ينددون بالمقاومة العنيفة لعدم القيام بما يكفي لإنهاء الاحتلال. يقدم خالد وسعيد أيضاً حجة العنف القائلة بأن إسرائيل لن تنهي الاحتلال ما لم يتم إجبارهما على ذلك، وبالتالي، يجب محاربة ظلم الاحتلال. هناك العديد من المحللين السياسيين الذين يقترحون أن استمرار الاحتلال، على الرغم من كلفته، هو الخيار المفضل لإسرائيل التي ترغب في الاحتفاظ بسيطرتها على الأرض بين حدود 1967 ونهر الأردن دون منح الجنسية لسكانها الفلسطينيين، وهو عمل من شأنه أن يخلق غالبية عربية في الدولة اليهودية (Smith 250 and Shlaim 255) . الكثير من الفلسطينيين الذين يدافعون عن العنف، إنما يفعلون ذلك لأن عملية السلام لم تجلب، لهم، سوى المزيد والمزيد من البؤس، وعلى وجه الخصوصـ للسكان الذين يعيشون في الضفة الغربية وغزة (Arnon). التسوية مع الإسرائيليين، على حد تعبير سعيد، تعادل قبول مظالم الماضي. لا تؤدي الوسائل السلمية، بحسب سعيد، بما فيه الكفاية لمحاربة هذا الظلم أو لإنهاء الاحتلال. ويزعم الفصيل المناصر للعنف في المجتمع الفلسطيني، بحسب تفسير هذا الفيلم، أن الفصيل اللاعنفي للفلسطينيين ساذج، وغير قادر على إنهاء الاحتلال، ويهدد وجوده بقبول الظلم.

تنتقد سهى، من ناحية أخرى، وتستنكر الأساليب العنيفة لحل النزاع. ويرى أبو أسعد، من خلال سهى، أن أهداف الانتحاريين غير صحيحة، والعنف الذي يخلقونه يعطي إسرائيل ذريعة لمواصلة الاحتلال، واستخدام العنف يجعل الفلسطينيين ليس أقل سوءً من الإسرائيليين، والمقاومة العنيفة تلحق الضرر بالمجتمع الفلسطيني. وتزعم سهى ، في جدالها مع خالد، “إذا كان بإمكانك القتل والموت من أجل المساواة، يجب أن تكون قادراً على إيجاد طريقة للمساواة من خلال الحياة [وليس من خلال الموت فقط]”. وتجادل، من خلال هذا الموقف، بأن مؤيدي المقاومة العنيفة، وخاصة الانتحاريين، لديهم هدف خاطئ. إذ لا ينبغي أن يكون الهدف النهائي للمقاومة هو إيجاد المساواة بغض النظر عن التكلفة، ولكن إيجاد طريقة للعيش على قاعدة المساواة بأقل عدد ممكن من الأرواح. كما تقول سهى في مناسبتين مختلفتين في الفيلم أن المقاومة العنيفة من جانب الفلسطينيين تعطي إسرائيل ذريعة لمواصلة الاحتلال والعنف ضد السكان الفلسطينيين. تأخذ هذه الحجة في الاعتبار أن العذر الأساسي لإسرائيل للاحتلال وجميع قراراتها العسكرية تقريباً هي أنها تصب في مصلحة أمن إسرائيل. فالجدار والحواجز ونقاط التفتيش والاحتلال ذاته كله يعمل من أجل “حماية” إسرائيل من التهديد المتصور عن العنف الفلسطيني (Smith 240). كما تشير سهى أيضاً إلى الطبيعة الدورية للعنف عندما تجادل بأنه “إذا قتلت، فلا فرق بين الضحية والمحتل”. كما يسلط أبو أسعد الضوء على هذا التشابه بين التفجير الانتحاري والاحتلال في المكان الذي يفكر فيه سعيد بتفجير قنبلته في محطة للحافلات في إسرائيل بعد فشل الخطة. تقوم الكاميرا بمسح الأشخاص الآخرين الذين ينتظرون الحافلة وتركز على النساء والأطفال. هذا التضمين لصور الضحايا الأبرياء يجعل حتى سعيد يشكك في “صحة” أفعاله المخطط لها. وفي مشهد لاحق توجه سهى سؤلاها نحو خالد: “وماذا عنا؟ […] ألا ترى أن كنت ستفعله هو تدمير لنا؟” ربما تكون هذه واحدة من أقوى نقاطها لأنها تثير التساؤل عن تأثير المقاومة العنيفة على المجتمع الفلسطيني ككل. كما يدعم أبو أسعد هذه النقطة بإدراج صور لسهى، ولوالدة سعيد، ولخالد المذهول عاطفياً قبل أن يتوجه إلى موقع سعيد، وهو جالس في الحافلة الإسرائيلية، محاطاً بالجنود والمدنيين في انتظار أن يفجر نفسه. تقوم سهى، وصور خالد لاحقاً، ببناء الحجة القائلة بأن المقاومة العنيفة تسبب الدمار داخل الأسر الفلسطينية والمجتمع ككل وأن هذا الضرر هو بنفس السوء، إن لم يكن أسوء، من الضرر الذي تسبب فيه الاحتلال نفسه. تشير هاتان الشخصيتان إلى مشاكل وأخطاء المجموعة المقابلة التي توضح أن الفلسطينيين، ككل، لم يعودوا قادرين على فعل أي خطأ فيما يتعلق بمقاومة الاحتلال. هذه ظاهرة عاشها أبو أسعد وطاقمه في نابلس أثناء التصوير. وهو يوضح ذلك باقول ، في إحدى المقابلات، كيف أنه كان علينا “إبلاغ هذه الفصائل الفلسطينية المسلحة من وراء ظهور الجيش الإسرائيلي بمكان وجودنا، دون أن يعلم الجيش الإسرائيلي أننا على اتصال بالفلسطينيين، لأن الدخول إلى نابلس والخروج منها كان صعباً بما فيه الكفاية. كان، علاوة على ذلك، التنافس بين الفصائل الفلسطينية يعني موافقة أحد الفصائل و الرفض التام من الفصيل الآخر (Abu-Assad 5).

تسببت الفصائل الفلسطينية المتنافسة في الكثير من المشاكل لأبو أسعد وطاقمه مثلها مثل مشاكل التي كان يتسبب فيها الجيش الإسرائيلي. في الواقع، بلغ الأمر بأحد الفصال أن قام بخطف أحد أفراد طاقمه مما أدى بالفريق إلى إنهاء التصوير في الاستوديو (استوديو أبو أسعد). وهذا مثال واقعي على الارتباك والفوضى الأخلاقية التي يصورها الفيلم. لم يعد يُعطى للفلسطينيين خيار اتخاذ خيارات صحيحة أو خاطئة بشكل قاطع فيما يتعلق بالنضال، بسبب الظروف القاسية للاحتلال والمقاومة، وبالتالي بات موضع تساؤل الاعتقاد المجتمعي الذي يرى أن الفلسطينيين لا يقومون بارتكاب أي خطأ . كما يتحدى أبو أسعد، أيضاً الاعتقاد المجتمعي بأن الفلسطينيين هم دائماً وفقط، ضحايا هذا الصراع. وكما ذكرنا سابقاً، يمتلك كل من الإسرائيليين والفلسطينيين هويات ثقافية تستند إلى تاريخ من التأذي، ويتولد هذا الإحساس بالتأذي بسبب السرديات الوطنية المحاكية الوطنية المتنافسة. وتعتبر “الهولوكوست” حدثاً تأسيسياً للهوية الإسرائيلية لأنها كانت مؤلمة للغاية وأدت إلى الهجرة الجماعية إلى فلسطين، في حين أن هذه الهجرة الجماعية لليهود الأوروبيين وما تلاها من طرد الفلسطينيين من معظم أراضيهم هو حدث تأسيسي للسكان الفلسطينيين. إن هذا الشعور بالتأذي هو الذي يخلق عدم الرغبة في الوصول إلى التسوية لدى كلا الطرفين -لأن كلاهما يشعر أنه، الضحية، وقد عانى بالفعل بما فيه الكفاية (Rouhana and Bar-Tal). في الفيلم، يذكر سعيد هذه الظاهرة بشكل صريح ويدعو للتشكيك في منطقها في حواره الأخير: “الأسوأ من ذلك، أقنع [الإسرائيليون] العالم وأنفسهم بأنهم الضحايا. كيف يمكن أن يستقيم هذا الأمر؟ كيف يكون للمحتل أن يكون هو الضحية؟ إذا قاموا بدور الجلاد والضحية، فلن يكون لدي خيار آخر سوى أن أكون ضحية وقاتل أيضاً(Paradise Now). يشير سعيد، في هذا الاقتباس، إلى فشل إسرائيل في الاعتراف بدورها في خلق الظروف التي تخلق الانتحاريين، لدرجة أنها تقضي الكثير من الوقت في الدفاع عن نفسها ضدهم، وتعترف بأن الفلسطينيين هم أيضاً ضحايا ومعتدون.

تنتج عقلية الضحية لكلا الطرفين سلوكاً دفاعياً وانتقامياً يثير سلوكاً دفاعياً وانتقامياً لدى الطرف الآخر. العنف ظاهرة دورية دائمة (Rouhana and Bar-Tal). لكن سعيد يدرك هذه الحلقة ولا يزال قادراً على الاستمرار في استدامة دوامة العنف لأنه لا يجد طريقة أخرى للتأثير على الاحتلال ولم يعد يتحمل ظلم الاحتلال. بينما يدعي روي براند أن المخرج من دور الضحية في فيلم “الجنة الآن”: “ليس بمقاومة القمع الذي تتعرض له بل رضوخها، أي الضحية، الكامل لهذا القمع والاضطهاد. إن التماهي مع الضحية المحضة يؤدي إلى أعمال عنف محضة و “اكتمال إنجاز” الجنة “( Brand, 170)، لا أوافق على مثل هذا الطرح، ففي المونولوج المذكور سابقاً، يعترف سعيد بوضوح بدوره كضحية ومعتدٍ، لذلك فهو لا يرتبط بضحية ويقر بالظاهرة نفسها التي يناقشها روي براند في مقالته. يضم روي براند أيضاً خالد وسهى -اللذان يعيشان أيضاً في هذا العالم حيث “إن الفعل الوحيد المتبقي لتأكيد الذات هو اختيار موت المرء”( Brand, 170)- في مجموعة مع سعيد، ويعمل خالد وسهى بالفعل في الفيلم من أجل إبطال مثل هذه الادعاءات. يدعو فيلم “الجنة الآن” أيضاً، من خلال تعارضه مع هذين المعتقدين المجتمعيين الأساسيين، إلى التشكيك في سردية المحاكاة الفلسطينية التي تعتمد بشكل كبير على المعتقدات المجتمعية. ويرتبط هذا الرفض، لبعض المعتقدات المجتمعية، برفض الرأي العام الغربي، وخاصة الأمريكي، لهذه السردية، في حين يرتبط نقص العنف في الأفلام بعدم وجود حركة مقاومة منظمة في وقت التصوير.

انقلب الرأي الغربي على السردية الفلسطيني المحاكية نتيجة تشبع وسائل الإعلام الغربية بالصور التي تربط بين العمليات الانتحارية، من أي نوع، وبين المشاعر المعادية للولايات المتحدة والغرب والإرهاب.

ارتبط الفلسطينيون بالإرهاب بسبب استمرار استخدام التفجيرات الانتحارية من قبل الجماعات المتطرفة وتمكنت إسرائيل من كسب تعاطف الغرب.

ملاحظات

العنوان الأصلي: Palestinian Film: Hyperreality, Narrative, and Ideology

المؤلف:Sarah Frances Hudson

الناشر: University of Arkansas- 2011

هوامش القسم الثاني

Abu-Assad, Hany. “Q&A with Director Hany Abu-Asad.” Interview. 2005.

Ajluni, Salem. “The Palestinian Economy and the Second Intifada.” Journal of Palestine Studies. 32.3 (2003): 64-73.

Bornstein, Avram. Crossing the Green Line Between the West Bank and Israel. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2002.

Brand, Roy. “Identification with Victimhood in Recent Cinema.” Culture, Theory &Critique. 49.2(2008): 165-181.

Gana, Nouri. “Reel Violence: Paradise Now and the Collapse of the Spectacle.” Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East. 28.1(2008): 20-37.

Gertz, Nurith and George Khleifi. Palestinian Cinema: Landscape, Trauma and Memory. Bloomington: Indiana University Press, 2005.

–. “A Chronicle of Palestinian Cinema.” Film in the Middle East and North Africa: Creative Dissidence. Ed. Joseph Gugler. Austin: University of Texas Press, 2011. 187-197.

—. “Palestinian „Roadblock‟ Movies.” Geopolitics. 10(2005): 316-334.

Gross Stein. “War and Security in the Middle East.” Fawcett 208-227.

Kennedy, Tim. “Wedding in Galilee (Urs al-jalil).” Film Quarterly. 59.4 (2006): 40-46.

Khleifi, Michel and Livia Alexander. “On the Right to Dream, Love and be Free: An Interview with Michel Khleifi.” Middle East Report. 201 (1996): 31-33.

Paradise Now. Dir. Hany Abu-Assad. Warner Independent Pictures, 2005. DVD.

Rouhana, Nadim and Daniel Bar-Tal. “Psychological Dynamics of Intractable Ethnonational Conflicts.” American Psychologist 53.7 (1998): 761-770.

Roy, Sara. “The Palestinian-Israeli Conflict and Palestinian Socioeconomic Decline: A Place Denied.” International Journal of Politics, Culture, and Society. 17.3(2004): 365-403.

Shlaim, Avi. “The Rise and Fall of the Oslo Peace Process.” Fawcett 254-271.

Smith, Charles. “The Arab-Israeli Conflict.” Fawcett 231-253.

Yaqub, Nadia. “Paradise Now: Narrating a Failed Politics.” Film in the Middle East and North Africa: Creative Dissidence. Ed. Joseph Gugler. Austin: University of Texas Press, 2011.219-227.

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

جزيرة غمام

كثيرة هي المُسلسلات التي تناولت التعصب الديني وإنتقدت التشدد الديني المترافق مع العنف ، وكثيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *