التخلي عن لسان المستعمِر الاستيطاني: تأملات عن اللغة والانتماء

أرييلا عايشة أزولاي

ترجمة محمود الصباغ

استهلال

تتناول هذه المقالة، بالتحليل والنقد، أهمية التحرر من السياق الاستعماري والاستيطاني الذي يتغلغل في اللغة، لغة المستعمِرين، ويشكل جزءً من هويتهم، بما يشير إلى متانة العلاقة بين بين اللغة والانتماء، وتستعرض الكاتبة طريقتها الخاصة، بصفتها وبدت وعاشت شطراً من حياتها في مجتمع مستعمِرين، أي إسرائيل، ذات يوم، فكرة “نسيان” اللسان الاستعماري الاستيطاني كوسيلة لاستعادة الهوية الأصلية والتحرر من الأثر السلبي للسيطرة الاستعمارية. في هذا السياق، يتطرق المقال إلى تحويل اللغة كوسيلة للتعبير عن الثقافة والهوية وإلى أهمية استخدام اللغة كأداة للتمكين والتفاعل مع المجتمعات المتنوعة. كما يسلط الضوء على القضايا المتعلقة بالترجمة والاحتكاك الثقافي ودور اللغة في إقامة صلات أكثر قوة وتواصل بين مجتمعات مختلفة. لعل المقال يحمل في طياته، وإن بصورة مضمرة، التشجيع على التفكير في دور اللغة في شكل أفكارنا وتصوراتنا وكيفية تعزيز التواصل العابر للحدود الثقافية، كما يدعو إلى استكشاف سبل التخلص من السياق الاستعماري والاستيطاني في اللغة وبناء مساحة لغوية جديدة تعبر عن هويتنا وتعزز الانتماء الحقيقي لكل فرد في المجتمع. طوال وقت قراءتي لما كتبته “أزولاي” هنا وأنا أفكر فيما قرأته من قبل للروائي المغربي الراحل “محمد شكري” ذات زمن. حول معضلة اللغة والهوية على صعيده الشخصي، وإن كان السياق مختلفاً بين الحالتين، تقول أزولاي أنها توقفت عن الكتابة بلغة المستعمِر، أي العبرية، لاعتبارات لها علاقة بطبيعة هذه اللغة، بينما كان موقف “شكري” من اللغة العربية يتاخم حدود شعور أزولاي كمزراحية في المراحل طفولتها؛  حين يعتبر أن العربية أداة اغتراب وتواصل بآن مع من يتكلمها يقول “شكري”: كتبت باللغة العربية ليس كارتباط بالهوية… أنا وليد لغة تستضيفني إن لم أقل أنا لاجئ إليها… في غياب لغتي الأم كانت اللغات متساوية عندي”. تتشابه والدة أزولاي مع والدة أيضاً  شكري في سعيهما الحفاظ على “هوية” و”لسان” انبنى فوقياً بحجة الحفاظ على الجذور.. ومثلما تشتاق أزولاي لعبرتها يشتاق شكري لأمازيغيته.. مثل حنين دفين يشده إليها في لهفة.. هذا الوضع “المغاربي” لأزولاي وشكري لافت للنظر، رغم تباعد السياقات، ورغم احتمالي سوء فهم الربط بين التجربتين

بقي أن نقول؛ أرييلا عائشة أزولاي Ariella Aïsha Azoulay  ذات الأصول الجزائرية باحثة وكاتبة تقول عن نفسها أنها “يهودية فلسطينية من أصل شمال أفريقي” و “يهودية عربية”، ولدت في تل أبيب 1962 وتعمل حالياً كصانعة أفلام وأستاذة الأدب المقارن والثقافة الحديثة والإعلام في جامعة براون، ومتخصصة في دراسات التصوير الفوتوغرافي والثقافة البصرية، أحدث كتبها Potential History: Unlearning Imperialism (Verso, 2019)  ما يمكن ترجمته إلى ( التاريخ المحتمل- التخلص من الإمبريالية) تبحث فيه أساليب تصفية الاستعمار من المتاحف -باعتبار المتاحف أداة استعمارية بامتياز-، فضلاً عن التاريخ نفسه؛ وتقترح مقاربات متعددة للتعامل مع المواد التاريخية والأرشيفية والصور الفوتوغرافية والخرائط  وغيرها للقيام بنقاش تاريخي يمنع من تحويل هذه “المواد الأولية” إلى ما تطلق عليه “ماضي ممنوع، أو كما تقول: “من غير الممكن أن تسترشد مقاربتنا للأرشيف بالرغبة الإمبريالية في الكشف عن لحظات” خفية hidden “غير معروفة (…) بل ينبغي لهذه المقاربة أن تكون مدفوعة بالاعتقاد بأن الأنواع السياسية الأخرى كانت ولا تزال خيارات حقيقية في عصرنا الحاضر”. وتضيف كتعليق طوباوي، لكنه متفائل، بعدم إمكانية إنهاء الاستعمار من المتاحف  دون إنهاء وتجاوز السياق الاستعماري في العالم بحد ذاته.

انتهىTop of Form

…..

عندما كنت أعيش في مستعمرة صهيونية في فلسطين، إسرائيل، غالباً ما كنت مضطرة للإجابة على أسئلة مثل: “لماذا تتظاهرين بأنك مزراحية (يهودية شرقية)؟” أو “لماذا لا تكتبين عن هويتك المزراحية؟”  كانت تنهال علي هذه الأسئلة باعتبار تعليمي الأكاديمي وباعتبار مهنتي كمنسقة مستقلة انحرفتْ عما كان يُفترض أن تكون عليه، من الناحية المعيارية، أية امرأة مزراحية تعيش في تل أبيب في بداية التسعينيات من القرن العشرين. يفترض السؤال الأول الذي كان موجهاً من الأشكناز (يهود أوروبا الوسطى والشرقية) أنني أتظاهر بما لستُ عليه. اعترفوا بي كـ “واحدة منهم” ولم يفهموا لماذا -أو حتى لأنهم شعروا في بعض الأحيان بنوع من الخيانة من جراء ذلك- أي من ادعائي بالانتماء إلى مجموعة أدنى، أي “المزراحيم”. وظهر الأمر، من خلال استفساراتهم، كما لو أنهم يسألون :”ما الهدف وراء ذلك؟.. ما الفائدة؟”. أما المزراحيم فقد طرحوا علي سؤالاً يتهموني فيه، بالمثل، بإخفاء هويتي، إنما هذه المرة بطريقة مختلفة -فقد ألمحوا إلى عدم اعتناقي لهويتي المزراحيّة بطريقة مناسبة أو صحيحة حسب اعتبارهم، إن لم تكن الطريقة الوحيدة أيضاً. لكني لم أجد فرقاً يذكر بين السؤالين ،كما أرى، فكلاهما ربط المزراحيم، بالهوية -كما لو أن فكرة امتلاك “هوية” ليست في حد ذاتها نتاج المستعمَرة ونظامها- واستخدموها لضبطي والتحكم بي. لقد افترضوا معرفتهم بي أكثر مني؛ فضلاً عن معرفتهم، أكثر مني أيضاً، كيف ينبغي لي التفكير والتصرف، أكثر مني. وقد لاحظت فيما بعد، رغم دحضي لهذه الاتهامات، عدم ارتياحي لمصطلح “مزراحي”، غير لأن هذا لم يكن مبنياً على افتراضات من طرحوا الأسئلة. لقد رفضت الارتباط تماماً بأي من الهويات الملفقة التي قدمتها العلمانية والصهيونية والاستعمار الاستيطاني والسوق الليبرالية. وفيما بعد، عندما عدت لتأمل إجاباتي، أدركت استناد طلب “الاختيار” على تحريض الإمبريالية للأطفال للتخلي عن أسلافهم واتخاذ “خيارات أفضل” أو تشجيعهم على تأييد “خيارات” أسلافهم وتبريرها بغض النظر عن الأذى الذي يرتكبونه. ولا ينفصل هذا عن منطق مبادرات الرأسمالية العرقية تحسين لنسل أو تعزيز التركيب الوراثي eugenicist للأفراد.

ومن المؤكد في ذلك الوقت، عدم قدرتي على رؤية التشابهات بين تعيين الهوية الإسرائيلية لليهود في فلسطين (والتي امتدت لتشمل يهود الدول العربية أو الإسلامية) والصيرورة التي فُرضت من خلالها الهوية الفرنسية على اليهود في الجزائر. فقد خلقت المنظومة اللغوية الصهيونية الأوروبية فئة المزراحيم، مما كان له دور استراتيجي في تنقية سردية الدولة عن تدمير واستعمار فلسطين (الذي مازال متواصلاً حتى الساعة)، كما ساهم، بشكل أكثر تحديداً، في الترويج لمصطلح “المسيحية اليهودية” كحقيقة تاريخية لا جدال فيها، مما يعني ضمناً ضرورة تدمير أي أثر للعالم العربي- اليهودي أو العالم  الإسلامي – اليهودي إلى جانب التضحية بفلسطين، الأمر الذي كان لهذا آثار بعيدة المدى على مختلف اليهود خارج حدود الدولة حديثة النشأة.

وقبل عقد فقط، عندما غادرت الدولة الاستعمارية الاستيطانية التي بُنيت لتدمير فلسطين، كنتُ قادرة على التخلي تماماً عن الهوية التي عينت لي عند ولادتي -أي الهوية “الإسرائيلية”- والهويات الفرعية التي خلقتها (مثل “المزراحيم”). عندها فقط أدركتُ تماماً الدور الذي لعبته هذه الفئة في إنهاء العالم اليهودي الإسلامي المتنوع الذي كان يضم، من بين ما يضم، شمال إفريقيا، وتنظيم هجرة جماعية معدة لليهود من هذا الجزء من العالم، وترحيل علاقاتهم المختلفة بما تحمله من ثقافات -لغات وحرف وتقاليد وملابس وتكوينات مجتمعية وعائلية وما إلى ذلك- إلى “الماضي”. وتعني كلتا فئتي الهوية -الإسرائيلية والمزراحية- أن حياة أسرتي في الجزائر كانت حياتهم وليست حياتي، وليست أنا. لقد حددت الهوية الإسرائيلية طريقة انتماء الأشخاص في مجتمعٍ صنعه المستعمِرون. حيث قدموا لمواطنيهم نسخة من ماضي تظهر فيه تنشئتهم الاجتماعية ليتعرفوا عليه كما لو أنه ماضيهم. وبينما لم تتحول مكونات القصة الصهيونية لتصير ملكي، فقد فعلت ذلك الثقافة “الغربية” التي تميزت بها الإيديولوجية الصهيونية. وهكذا عملت بجد، عندما كنت صغيرة، لتبني تلك الثقافة من خلال دراسة الفن والأدب والفلسفة. ولم أشعر، في العموم، بأنني جزء منها بطريقة طبيعية -ولم يُسمح لي الشعور بذلك-. كان اختراع فئة المزراحيم ضرورياً لتجنيد اليهود المهاجرين من المغرب العربي -من العالم العربي- وعالم البربر اليهود والمسلمين- ودمجهم اجتماعياً للتماهي مع الكيان الأكبر المصطنع، أي الشعب اليهودي. وهي فكرة  اخترعت في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر وأصبحت حقيقة ملموسة عبر آليات وأدوات أجهزة الدولة النابليونية. وصدرت إلى المغرب العربي مع الاستعمار الفرنسي للجزائر، وتضمنت حملة ممنهجة لاستبدال التشكيلات والتقاليد اليهودية المحلية بتشكيلات كان قد تم توحيدها في فرنسا من خلال “المجلس المركزي الإسرائيلي”. لكن اليهود الجزائريين سبق لهم أن تعلموا دروسهم الأولى في التفوق المفترض لليهود الأوروبيين في البلدان الإسلامية التي عاشوا فيها لقرون.

ليس لديك كثير من الخيارات عندما تنشأ وتكبر في دولة استعمارية استيطانية حيث تتحول الأكاذيب إلى حقائق، فإما تعمل على تجاهل ما يحيط بك من تناقضات وتؤيد الواقع الملفق؛ أو تختار التخلص منه. أما فيما يخصني، فقد أتاني بعد عدة سنوات التعبير النظري عن الممارسة الغريزية للتخلص من هذا الواقع. فمع صباح كل يوم من أيام دراستي الابتدائية جميعها، كانت المعلمة تدخل الفصل وتفتح سجل الحضور وتقرأ الأسماء، فيمر اسم عائلتي “أزولاي” من بين أوائل الأسماء بعد “أبي رجيل” ، و”أبو قسيس” ، و”أبو طبول” (حسب الترتيب الأبجدي للحروف العبرية) -وكانت هذه أسماء عائلات لأطفال جميعهم من المزراحيم المعروفين المنحدرين من عائلات شمال إفريقية، يعتبرون أقل شأناً وأدنى قيمة في المستعمَرة. أما في المنزل فقد كان اسم عائلتي منفصل عن هذه الأسماء التي غالباً ما تذكر باستخفاف وتهكم. وكطفلة في تلك الفئة العمرية، كنتُ أعلمُ أننا لسنا “مثلهم”، وهذا يعني أننا في سعينا الحثيث والمتكرر لخلق مسافة مستدامة للحفاظ على هذا النفي، كما في الواقع -أو قد يُنظر إلينا كذلك على أننا مثلهم ونشبههم. لم يشرح لي أحد أهمية وسبب اختلافنا عن باقي المزراحيم الآخرين. كان علي اكتشاف الأمر بنفسي. ما زلت أعتقد حين كنت في المدرسة الابتدائية أن يكون والدي فرنسياً فهذت سيشير بوضوح إلى استثمار والديّ في ضمان نجاح عائلتنا من خلال شيء مختلف عما يشير إليه اسمنا -أزولاي، وهو اسم مغاربي واضح. أفترض الآن أننا كأطفال، في ذلك القوت، فهمنا ضرورة عدم تقويض هذا الخداع الهوياتي، على الرغم من أحداً لم يطالبنا بذلك صراحةً. إدراكي أن اسم أزولاي لا يختلف عن الأسماء الأخرى في صفي دفعني إلى عملية تجاهل وتخلص من بعض الأكاذيب حول أصول والدي ووالدتي والآخرين الذين يتشابكون معنا في الأصول وتتداخل هوياتهم معنا. كانت أمي فحورة بكونها من الجيل الثالث في مسقط رأسها، ولكن منذ العام 1948 (عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها)، لم تعد قادرة على تسميته باسمه. كان عليها تقبل الأمر الصهيوني وتعتبر فلسطين كمرادف ورمز عدائي لليهود. وقد أعادت تأكيد نفسها بشكل مطرد وبأثر رجعي كإسرائيلية، على الرغم من أن هذه الإسرائيل لم تكن موجودة قبل العام 1948. وعندما كنت في الثانية عشرة من عمري، اقترحت أختي الكبرى تغيير اسم العائلة إلى اسم عبري. كانت هذه ممارسة شائعة؛ ملزمة لمن يشغلون مناصب رسمية وطوعية لمن يرغبون فصل أنفسهم عن نسبهم والاندماج في السياق “الإسرائيلي”، حيث يعني الاسم العبري في إسرائيل أنه اسم إسرائيلي، والذي يختلف عن تلك الأسماء التي تحتوي علامات تعرّفها إسرائيل كدلالات تشير إلى “دياسبورا” من يحملها. أثر نظام تغيير الاسم على الأشكناز والمزراحيم على حدٍ سواء. حيث فرضت الدولة نفسها كقلب “الحياة اليهودية”، فمنحت مواطنها اليهودي المفبرك، صفة “الإسرائيلي”، تاريخاً ومستقبلاً إبيغرافياً. لم أتمكن من تمييز هذا التضافر بين ما هو عبري وما هو إسرائيلي. ومن خلال طلب أختي، اكتشفت عدم قدرتي على حماية نفسي من الحقيقة التي كانت تذكرها معلمتي  كل يوم عندما تقرأ اسم عائلتنا بصوت عالٍ: لقد كان ثمة ما هو خطأ في اسمنا وفينا. كنا مثلـ “هم “، هؤلاء الشمال أفريقيين الذين كان من المفترض تمييز أنفسنا عنهم. وبحدس الطفل، فهمت من واجبي دعم اقتراح أختي. رفض والدايّ الأمر بزعم أن “المرء لا يغير اسمه”. كان هذا درساً لي، حين حوّل اختلافنا إلى مصدر قوة وتحرير، حيث تتجاوز عائلتنا ما هو مسجل باسمنا، اسمنا لا يذكرنا بأوقات ماضية. كنت مازلت في تلك المرحلة لم أفهم بعد ما تعنيه الهوية، لكنني فهمت أنني وريثة رفض الأجداد للتسميات الاستعمارية، كما يتضح من تصميم والديّ في الحفاظ على اسمنا  سليماً دون مساس أو تغيير. ورداً على اقتراحنا، واصلت والدتي مواساتنا بالقول إننا ننتمي من جهتها إلى الجيل الرابع من سكان فلسطين الأصليين، ومن جهة أبينا كنا فرنسيين. كانت هذه “الحقائق” تهدف إلى تبديد الغربة الواضحة لأبينا المولود في الجزائر، الأب الذي يحمل الهوية الفرنسية، وهي غربة تجاوزت ما يعنيه الاسم الذي نحمله. لم تتم مناقشة اسم العائلة مرة أخرى في بيت العائلة.  وحاولت، فيما بعد بصفتي فتاة ناضجة، إعادة تركيب تلك الواقعة، لكن أمي أنكرت أن تكون أختي قد اقترحت علينا تغيير اسمنا. وعندما كنت في السابعة عشرة من عمري وأستعد للدراسة في فرنسا، تقدمت بطلب حصول على جواز سفر فرنسي. استحقاقي للجنسية الفرنسية أكّد من جديد على فرنسيّة والدي. ورغم سخافة القصص التي تتحدث عن حصول الجزائريين على الجنسية الفرنسية، فقد شعرت بسرور لجهة الاستفادة من فوائد هذا التقاطع التاريخي دون طرح الكثير من الأسئلة. لم يكن جواز السفر الفرنسي، بالنسبة لي، هوية بل ميزة يمكنني الاستفادة منها. بدأت مراسلات مكثفة مع مكاتب الحكومة الفرنسية لإتمام العملية، ولم أكن مهتمة بمحتوى هذه الوثائق، بل تركز اهتمامي على جواز السفر، وبخلاف ذلك، كنت قد لاحظت بالفعل أن اسم جدتي لأبي -عائشة Aïcha ، اسم شائع لكل من اليهود والمسلمين في العالم العربي- لقد  كان الاسم مخفياً عنا حتى هذه اللحظة. لم أكن أعلم الثمن الذي دفعه والدي وعائلته ليصبحوا فرنسيين في الجزائر في القرن التاسع عشر. لم يرشدني أحد لتعلم طرح أسئلة حول فرنسيتهم أو مساءلة الدور الذي لعبته الدولة الإسرائيلية في تحديد مكان ولادته -الجزائر- لقد كان هذا بعيداً عن متناولنا. عثرت مؤخراً على خريطة لأفريقيا طُلب مني رسمها عندما كنت في المدرسة الابتدائية. وأنا في الحقيقة مندهشة اليوم من الغرابة التي تعتري القارة التي طُلب منا رسمها بأقلام التلوين عندما كنا -نحن من ننتمي إلى عائلات أبي رجيل وأبو قسيس وأبو طبول وأزولاي- نرسم بالفعل الأماكن التي جاء منها آباؤنا. لم تلحظ معلمتي إني قطعت نحو ثلث  المنطقة المغاربية (إذ لم تكن تونس على خريطتي)، ومنحتني درجة “أ”.

أن تكون إسرائيلياً، يعني أن يتعامل جزء منك مع الأماكن التي جاء منها والديك بوصفها مجرد تفاصيل من سيرة ذاتية، لاتهم إلا بكونها مجرد حشو خانات معينة في النماذج والاستمارات الرسمية. في ذلك الوقت، لم أفهم تحول اليهود الجزائريين إلى المواطنة الفرنسية ولا الدور الذي لعبه هذا التحول في تدمير آلاف السنين من حياة يهود شمال إفريقيا. لم يقدم أحد أي تفاصيل أو معلومة تساعدني على متابعة التعمق في الموضوع. تكتموا عن الموضوع بسبب الجهل الراسخ فيهم، أو بسبب الانفصال الذي أثارته وحفزته آليات الأجهزة الاستعمارية الاستيطانية لدى البعض الآخر. ولا أتحدث هنا عن عائلتي ومحيطي الاجتماعي في تل أبيب فقط، بل أيضاً عن الأشخاص الذين قابلتهم في الجامعة في باريس. كان مدهشاً أن أدرس مع بيير بورديو على مدى عامين كاملين دون أن نتطرق في الحديث عن الجزائر قط. كانت “الجزائر” في حياتنا الأسرية في إسرائيل مجرد معلومة تعين مكان ولادة والدي وتجعلنا مزراحيم في نظر الآخرين. فضلت والدتي عدم ذكرها وتصرف والدي وكأن مسقط رأسه لا علاقة له به. على الرغم من تشابه رفضي للهوية الإسرائيلية لقطيعة والدي مع هويته الجزائرية، فأود الإشارة بإيجاز إلى نقطتين تميز بين موقفي وموقفه: أولاً، صودرت الهوية الجزائرية من اليهود الجزائريين عبر مشروع استعماري، بينما منحت الهوية الإسرائيلية عبر مشروع استعماري. ثانياً، وعلى عكس والدي، لا أتصرف كما لو أنني لا أنتمي إلى مسقط رأسي -بل أنا ألزم نفسي بالكفاح من أجل إلغاء نظام المستوطنين، الذي لايزال يدمر الوجود الفلسطيني ومعيشهم اليومي. ورغم محاولات أبي وأمي النأي بنفسيهما عن فئة المزراحيم، إلا أنني ادعيت هذه الصفة منذ سن مبكرة. لعل مرد ذلك، جزئياً، لمقاومة إنكارهم، كما أنه حرّرني من محاولة تصديق أشياء لا معنى لها في المستعمرة ولا تلائم واقعها. حتى عندما كنت أتحدث عن نفسي كمزراحيم، لم أشعر بأنني جزء من هوية جماعية. لم يتحدث أبي عن الجزائر كمكان  قط، رغم حديثه عن بعض ذكريات طفولته هناك، إلا أنها لم تكن جزءً من القصة. ما زلت لم أفهم تماماً لماذا لم نسأله، أنا وإخوتي، عن مسقط رأسه. أذكر كيف طلبت منه، قبل بلوغه الخامسة والستين، أن يروي لي بعض القصص التي ضمنتها في ألبوم صور عن حياته. وعندما عدت مؤخراً لقراءتها، أدركت كم من الأشياء التي سمعته يقولها دون أن أسمعها فعلياً. ولو لم أحرم من السياق المناسب لسماع وفهم ما كان يقوله، لكنت ربما طرحت عليه  الكثير الأسئلة. وفي حين لم يحاول جعل الجزائر مكاناً يمكننا التمسك به بشدة والاعتزاز به كثيراً، أو اختباره لنعيشه بشعور انتماء وتعلق ثانوي من الدرجة الثانية، ربما فشلنا في توفير مساحة لذلك؛ أو ربما تربينا على الشعور بالفشل حيال ذلك. بعد وفاة والدي، قررت العثور على أي آثار قد يكون جلبها معه من الجزائر، حتى لو تصرف كما لو -أو افترضت ذلك- لم يكن هناك أي آثار. بدأت أكتب رسائل إليه وإلى أجدادي وآخرين كثيرين. لقد وجدت العديد من الكنوز، والخرز الذي لا زلت أعزم عليها حتى الآن. ربما لم تستطع هذه الخرزات من التألق إلا بعد وفاته، حيث طغى إعجابه بفرنسا والمستعمِرين على ألقها. لقد عرف بالتأكيد كيف ينقل هذا الإعجاب لأنه ألهم حلمي – حلمه؟ – للدراسة في باريس.

 كان والدي قليل الكلام، ولكنه يروي الكثير من القصص. وإذا ما كان لدي أي أسئلة، فعلي التوجه إلى والدتي. عندما تقدمت بطلب الحصول على جواز سفر فرنسي، كررتْ القصة التي حصلت معه حين تمكن من تسجيل “فرنسا” كمكان ميلاده في أوراقه الإسرائيلية. وصل إلى إسرائيل في العام 1949 كمتطوع وكان معه تذكرة عودة حتى نهاية ذلك العام. وعندما قرر البقاء، كان عليه ملء بعض الأوراق للاستفادة من قانون العودة الصهيوني الجديد للعام 1950، والذي امتد ليشمل “اليهود” في جميع أنحاء العالم ويشجعهم على أن يحلوا حرفياً محل الفلسطينيين الذين ما زالوا يتعرضون للطرد ويحرمون من العودة حتى الآن. عندما سأله الموظف عن مكان ولادته، أجاب بثقة كبيرة: “وهران، فرنسا”. لسنوات عديدة  كنت أتخيل في ذهني هذا المشهد  الحي في وزارة الداخلية كما لو كنت أنا بنفسي مكانه هناك: يميل، بجسم موارب قليلاً نحو نافذة الاستقبال، ويواجه وجهاً متعباً لموظف يشعر بالملل. ينطق والدي المفعم بالحيوية والمرح بكلمة واحدة، “بونجور”، على أمل أن تفتح له تحيته الفرنسية الأبواب، كما كانت تفعل في كثير من الأحيان، لكن الموظف الضجر لم يجد الأمر مسلياً وتابع يسأله بشكل واضح عن مكان ولادته. ولما سمع من جديد كلمة، “وهران”، توقف لحظة وسأل بلا مبالاة: “أين تقع هذه؟” فيكرر والدي اسم المدينة بل ويضاعفها: “وهران، وهران”، كما لو كان يقول للموظف، “ألا تعرف وهران؟!” يكرر فرنسيته الكوزموبوليتية بكل طاقته لتعليم هذا الموظف نائب الدولة درساً. وأستطيع تخيل ما يشبه تلميحاً لابتسامة تنبعث من وجهه عندما نظر في عيني الموظف. وكأني أسمع الآن ما كنت عاجزة عن سماعه سابقاً -أي نبرة الفخر تجاه  مدينته.

وهران اسم مألوف، ومعروف من قبل أي فرنسي يكنّ تقديراً لمدينته يفوق بكثير تقدير الموظف؛ وكأني أكاد أراه يتلفت يساراً ويميناً يطمئن نفسه أن لا أحد يشهد على احتياله الجغرافي، ثم وبلفتة منه ينهي حديثه للموظف بارتياح كبير: “من الواضح أنها في فرنسا”. غالباً ما كنت أروي هذه الحكاية عندما كنت لا أزال أعيش في مستعمَرة المستوطِنين وكنت أُسأل عن أصول عائلتي. لقد شعرت حقاً بالامتلاء فخراً -ليس لأن والدي كان فرنسياً أو من فرنسا، لكن لأنه تمكن من خداع أجهزة الدولة الإسرائيلية التي تعلمت كرهها منه. كان محظوظاً لمقابلته موظفاً جاهلاً. استغرق الأمر عدة سنين لأدرك أنه لم يكن يحتال، بل كان يعاني من متلازمة الاستعمار على النحو الذي فسره فرانز فانون، إضفاء الطابع الداخلي للاحتيال الجغرافي العقلي للمستعمِرين كما لو أنه واقعه.

وكنت قد سألت أمي عن ذلك عندما كنت لا أزال أعيش في منزل العائلة. فردت  تنتقدني وتدافع عن إرث العائلة: “لماذا أنت دائمة الحفر والبحث هكذا؟!؛ والدك فرنسياً. كانت الجزائر جزءً من فرنسا وكان اليهود أول من حصل على الجنسية الفرنسية “. وقد أتى دورها لتفخر -هذه المرة بحقيقة أن اليهود كانوا الأوائل. كان تأكيدها على القيمة الحقيقية لهويته. لم ينتهك العنف الذي خلق تلك الوقائع مفهومها عن الحقيقة. فإذا كانت هذه هي الحقيقة، فلم تكن أمي تكذب بلا شك، حتى عندما تقول كانت عن نفسها بأنها إسرائيلية، لم تكن تضاهي حقيقة فخرها كونها من الجيل الثالث من الفلسطينيين الأصليين. كانت الحقيقة بالنسبة لها تكمن في تأكيد أن ما تقوله ليس كذباً، بقدر ما كانت معتمة حيال ذلك. تتطلب الحقيقة، في عالم تأسس ببنية إمبريالية، تبرير هويات المستوطنين لغرسهم في الواقع. وعلى النقيض من ذلك، لم يُظهر والدي أي عناية بالحقيقة، إذ لم يشعر بضرورة إثبات فرنسيته. جلّ ما كان يفعله وضع السماعة على أذنه، في وقت النوم، والإبحار مع موجات الراديو إلى عوالم ناطقة بالفرنسية لم نكن نحن جزءً منها. كانت الفرنسية، بالنسبة له، متعة خالصة وغير مؤذية: النبيذ الجيد والخبز الفرنسي baguettes وجبن camembert، وشوكولاة charcuterie. حتى المعجنات الجزائرية، التي كان يعشقها، كان طعمها فرنسياً في فمه. وقد اعتاد القول لنا: “بعد أن تدفنوني.. اعزفوا موسيقى الجاز وتناولوا الطعام الفرنسي فوق قبري”. وأعتقد أنه كان سيستمتع بشغف، لو كان ذلك ممكناً، بأن يصبح أمريكياً -فقد هبطوا على سطح القمر، واخترعوا موسيقى الجاز، وخلقوا حياة بحجم ضخم. كان يشعر دائماً بأنه عالق في المكان الخطأ. لم يلهمه شيىء في إسرائيل بما يكفي لكي يعتبره جزءَ من هويته، فلا غلاقة للحقيقة بهويته التي تشكلت بما يعتقد ما يجعل الحياة جديرة بالعيش: موسيقى جيدة وطعام جيد. لم يشغله أبداً ما إذا كان حقاً يحمل هوية فرنسية، لقد كان مبدعاً بشكل لا يصدق في لقاءاته مع المسؤولين، حيث يواجه من يستفسروا عن هويته أو أوراقه أو حسابه الضريبي. كان يعيد ابتكار نفسه مرات ومرات، مستفيداً من جهلهم وضيق أفقهم ودوافعهم الأساسية التي لم يكن لها أدنى احترام. وبغض النظر عما إذا كان قد سعى عن قصد إلى البحث عن منطقة الشفق هذه أو دخلها عن طريق الصدفة، فقد كان يشعر بالسعادة من وجوده “هناك”، في حيز لم يكن محدداً بما يكفي لتؤدي قصصه دورها المنوط بها.

عندما كنت في سن المراهقة المبكرة، أحضرت لي أختي الكبرى كتيباً من حزب سياسي يساري صغير. وما زلت مأخوذة بالذاكرة الحسية التي ودلها هذا الكتيب الصغير بداخلي، بغلافه الناعم، وأطراف الدبابيس التي تجمعه معاً، وحروفه البسيطة المطبوعة بالأسود، ومتن النص غير المصور. وهناك، بين سطوره، وجدت كلمة “احتلال” و”مصادرة الأراضي”. بدت لي هذه الكلمات في بادىء الأمر، غير مرتبطة بالقليل الذي أعرفه عن المكان الذي نشأت فيه أو أفعال الناس هناك. أتذكر عدة كلمات أخرى كشفت عن العنف القريب الذي لم أتخيل إحاطته بي: طرد، مصادرة الملكية، سطو، حرمان من الحقوق، ومخيمات اللاجئين. شعرت بغرابة هذه الكلمات، وحاولت، بنبرة معينة، الحفاظ على طريقة نطقها، ولمقاومة تأثير اختلاف أصواتها أثناء خروجها من فمي، ورفض السماح لها بالاختباء بين كلمات أخرى. وعندما وجدت نفسي وجهاً لوجه مع مثل هذه الكلمات لأول مرة، انتابني شعور بأنها أكبر من قدرتي على استخدامها؛ لكنني شعرت أيضاً بوجوب نطقها، خاصة في المنزل. وسرعان ما اكتشفت استياء والدتي من سماعهم؛ فتلك الكلمات تهدد، بالنسب لها، صحة دولة كانت ملتزمة بتبريرها تلقائياً وتهلّ بالتزامها الثابت في مهمتها. مثّل تكراري نطقها وسيلة لتصحيح الأكاذيب التي تتبناها عن هذا المكان.

كان هناك شيء فاسد حول ما يدور من أحاديث عن كونك أصيل في هذه الأرض، أو من  “الصابرا”، أو من الجيل الثالث أو الرابع. وكون والدي مهاجراً؛ لم يقوض الإحساس المميز بالاختيار، الذي مرت به أمي، لتكون من الصابرا. لم يكن والدي مهتماً أبداً بثقافة الصابرا هذه -ويشكل هذا حجة قوية لإضعاف مهمة والدتي بجعلنا مواطنين صالحين في الدولة. إن غربته والمسافة التي نمّاها بينه وبين الإسرائيليين -وهي ذات المسافة التي كانت تحرجني في طفولتي- تحولت إلى مصدر لي لدق إسفين بيني وبين صناعة الأكاذيب الصهيونية التي يتم تقديمها بصفتها حقائق. نظرت، لفترة طويلة، إلى هوية والدي الفرنسية باعتبارها كذبة لأنه ولد في الجزائر. ومازلت مندهشة من عدد السنوات التي استغرقتها لأدرك النقاط العمياء المزدوجة في منطقي. لقد رأيت تطلعه للفرنسية كتعبير عن رغبته الطبيعية في الرقي والاندماج الغربي. لقد تجاهلت تماماً تاريخ العنف الاستعماري الذي تعرض له أهلي في الجزائر وتأثيراته على والدي. لقد كان فرنسياً بالفعل، حيث أُجبر أسلافه في العام 1870 لأن يصبحوا فرنسيين؛ ووُلد ليعتقد بأنه فرنسي. في الواقع الأمر لقد وُلد في غفلة استعمارية. ومن خلال إصراري بأنه ليس فرنسياً حقاً، استسلمتُ للنظرة الاستعمارية التي تحدد من بين المستعمِرين (أو المهاجرين لاحقاً) من يستحق الاعتراف به كفرنسي. لم يطمح إلى هذه الجنسية، إنما فُرضت عليه. هذا هو جوهر المأساة. ما كنت قد تجاهلتُه لم يكن متعلقاً به فحسب، بل تعلق بي أيضاً. لقد تأثرت بمشروعين استعماريين: فأنا سليلة المستعمَرين في الجزائر، وابنة المستعمِرين في فلسطين.

أدركت أننا مثل هؤلاء من كانوا في مدرستي من المزراحيم، وهذا يعني اكتساب طريقة جديدة لملء الفراغات وربط الأمور بعضها ببعض. فهمت مع الوقت وبأثر رجعي معنى بعض الأقوال والمواقف التي كانت موجهة نحوي والتي لطالما حاولت التنصل منها لفترة طويلة. أدركت أن فلسطين لا تقع في مكان آخر، بل في المكان عينه الذي توجد فيه إسرائيل -وحقيقة أن الصهاينة يكافحون لتدميرها لا يغيّر من الوضع الوجودي لها. في تلك اللحظة، تجردت “حقيقة” أمي عارية أمامي. أصبحت أكثر ولعاً بعلاقة والدي تجاه هويته. وعلى الرغم من الطبيعة المميزة لهذين “الاكتشافين”، فقد حمّلت والدتي المسؤولية عن كليهما. ربما يعود ذلك لإنكارها اكتشافاتي واستمرارها في تكرار أقوالها – عن “حقيقة” الدولة. كان والدي يفضل النادي الفرنسي في نتانيا، وحفلات السفارة الفرنسية في 14 تموز (يوم الباستيل)، وعلم فرنسا ثلاثي الألوان على العلم الإسرائيلي ذي اللونين الأزرق والأبيض. لم يحاول التخلص من لهجته الفرنسية الثقيلة. لم يكن يحب الموسيقى الشعبية الإسرائيلية. كان يفخر بمعرفته الغنية بالموسيقى العالمية التي كان يعرضها على زبائنه في متجره الصغير للإلكترونيات والموسيقى. كان يكره طقوس الطعام الإسرائيلية مثل فصفصة بذور عباد الشمس أو شواء اللحوم في الهواء الطلق. كان يوبخ الزبائن الذين يجرون أقدامهم  عند دخول متجره (الذي اعتبره قلعته). لم يخطر بباله غسل سيارته إلا وهو يرتدي قميص بياقة وسروال قماش من الغبردين. لم يبدُ ميل والدي نحو هوية المستعمِرين الفرنسيين مؤذياً لأحد. لم يحاول السيطرة أو على هوية أحد أو استقطابه. كانت فرنسيته مجرد مسألة اختيار شخصي. لقد استغرق الأمر مني سنوات لأفهم أن شؤونه الشخصية كانت تخصني أيضاً كما لو أنها شؤوني. لقد أفقدني رباطي بأجدادي وجعلني مادة مرنة قابلة للتشكل بين فكي المستوطنين في فلسطين.

هل كنت سأتمكن من إبعاد نفسي عن هويتي التي نلتها عند الولادة لو لم أكن ورثت صفة النأي عنها من والدي؟ هل كنت سأستطيع سماع خواء لغة أمي؟ هل كنت سأشعر بالانزعاج من بنيتها اللغوية لاستخلاص تواطؤي وإجباري كطفلة لتأكيد صفقات الحقيقة المفترضة والمبرمة بطرق غير أخلاقية؟ لغة أمي هي لغة المستعمِرين، وهي تشجع على بعض الجدل طالما أنها تنطق بين اليهود الإسرائيليين وتدعم الراهن الإمبريالي للواقع المفروض، أي لحقيقة أن وجود الدولة غير خاضع للتشكيك وغير قابل للعكس. لكن لحسن الحظ، كانت اللغة التي استخدمتها أمي تتألف من شعارات مفككة قيلت في الشوارع ولم تنبع مباشرة من الينابيع الإيديولوجية للصهيونية. ولو كان الأمر كذلك، فقد يكون الانفصال عن هذه الإيديولوجيات أكثر صعوبة. بالكاد أكملت أمي ثماني سنوات في المدرسة ولم تتلق هي أو والديها تعليماً على الإيديولوجيين الصهاينة. فوالدتها، جدتي لأمي سيلينا، لم تولد في فلسطين، وانتقلت إلى هناك بمحض الصدفة. كانت تتحدث العبرية بشكل سيئ وظلت دائماً “أجنبية”. لكن هذا لم يؤثر على طاعة والدتي للدولة ولا على رغبتها في الحفاظ على صورتها على أنها صابرا حقيقية. وبعد قيام الدولة، أصبح هذا رأسمالها.

لم أكن أعرف حتى الآن كيف أتخلص من لغة أمي، كنت أغضب كلما واجهت العديد من وكلاء الحقيقة في الدولة: المعلمين في المدارس والمرشدين في حركة الشبيبة والسياسيين، والجيران. لقد كذبوا جميعاً -ليس دائماً فيما قالوه، ولكن في القواعد الصهيونية والراهن من الأقوال التي اعتادوا استخدامها لوصف ما حدث لليهود في أوروبا كطريقة لتبرير لما كانوا يفعلونه في فلسطين. “الوطن القومي”. “ملكنا.” “لقد تعرضنا للاضطهاد”. “جميع العرب قتلة”. “جميعهم يريد إلقاءنا في البحر.” “هذا خطأهم.” “لقد هربوا” “لا مانع لديهم من قتل بعضهم الآخر”، “نحن نقاتل من أجل حياة كل فرد من جنودنا”. حتى مجرد محاولتي المجادلة أو دحض هذه الأكاذيب، ناهيك عن رفض إعادة إنتاجها بلغتي الأم، جعلني أشعر بصداع شديد. ما زلت أعرف القليل القليل عن تدمير فلسطين؛ ولا أعرف شيئاً عن تدمير العالم الإسلامي اليهودي والبنية اللاتاريخية عن اعتبار العرب والمسلمين أعداءً للشعب اليهودي. كان غضبي ممزوجاً بشعور بالإهانة. لقد ضللتني لغة أمي؛ وها هو فمي يتمرد. أثناء ذلك، وُصف لي جهاز تقويم العظام لمعالجة ظهري. حكمت علي هذه الأداة الغريبة بالصمت، وهي التي يفترض بها العمل على تصحيح  التشوه الذي ورثته عن أجدادي: فم صامت وجسد صامت. وتحت رعاية هذا الصمت، “نحن” التي ولدتُ لأكون جزءً منها أصبحت “هم”. ومرت سنوات قبل أن أعي الوجود الدائم والحضور القوي لآثار غربة والدي التي تركت أثراً علي أيضاً. وهذا ما منحني القدرة على اختيار عدم التعرف على نفسي في “نحن” -اليهود الإسرائيليون- ورؤيتها على أنها “هم”. وهكذا، ما زلت أتساءل عن طبيعة “نحن” التي يمكنني أن أكون جزءً منها. فالرحلة التي شرعت فيها خارج عالم الـ “نحن” جردتني من اللغة. أحكم جهاز تقويم العظام قبضته حولي واكتشفت معرفتي وقدرتي على الصمت. فالصمت لديه إمكانات كبيرة غنية بالموارد. كانت الأعمدة المعدنية، والأحزمة الجلدية، وقوالب الحوض البلاستيكية تهتز وتنقر بفخر، ويصدر عنه مقاطع صوتية تبدو جديدة وخالية من العوالق. كانت هذه الأصوات بمنزلة لبنات أساسية يمكنني استخدامها للخروج من لغة المستوطنين المفبركة لتكون لغتي الأم.

 كان على والدتي أن تقمع لغتها، اللادينو، لتقول ما كانت تقوله. كنت أحب صوتها أثناء حديثها مع أمها، رغم أنني استُبعدت من محادثاتهما. عندما توفيت جدتي، أدركت أن والدتي تحرس هذه اللغة بحماسة كمحميتها الخاصة المتخفية تحت ما يبدو أنه، في جوهرها، حياة إسرائيلية. لم تشارك أمي محميتها هذه مع أي شخص. مرت سنوات قبل إدراك أن ما كنت قد حددته شعور والدتي بالانتماء، إنما كان طريقتها في الرد على أمر ما، وحاجة للتعبير عن الولاء للعلم الوطني. جهدت والدتنا، كما لو أننا في مهمة، إلى غسل أدمغتنا بتعاليم الصابرا -وهو اتفاق يتطلب منا التخلي عن روابط الشتات كافة. بيد أنها لم تتخلص من جميع آثار وجود الشتات الذي ورثته عن والدتها التي توفيت عندما كنت في التاسعة من عمري؛ مما جعل نبرة لغة اللادينو تختفي من حياتنا، باستثناء تعبيرات الحب القليلة التي كانت تستخدمها أمي معنا (“bendices manos”، بمعنى “الأيدي المباركة” التي كانت ترددها كلما رأتني منهمكة في عملي؛ أو “alma buena، “بمعنى” الروح الطيبة”، التي استخدمتها بسخرية عندما كنا نتعارك مع بعضنا البعض. لم نتمكن من التجاوب مع شوقها الواضح والصريح إلى لغتها، ولا وضع خسارتها ضمن سياق تاريخي من الاضطراب الذي بدأ في القرن الخامس عشر بطرد اليهود والمسلمين من إسبانيا.

كانت التضحية باللغة ضرورية مع قيام دولة إسرائيل لتصنيع نسخة من عبرية المستعمِرين التي فرضت علينا بصفتها لغتنا الأم. كان لابد من قتل لغات أسلافنا ليتمكن آباؤنا من التحدث معنا بلغة غريبة عليهم، لغة يمكنهم استخدامها بطريقة مفيدة. عندما استوعبت نهاية اللادينو في بيتنا، فهمت أنه لم يحرمنا أبي من اللغة الفرنسية، بل من اللغة العربية -لغة أجدادي الجزائريين. فاتني فرصة سؤاله عندما توقف عن الرد على والديه باللغة العربية وأكد فرنسيته كلغة أم. على الرغم من أننا -أبي وأنا- كنا نتحدث بالعبرية فقط، إلا أن هناك لغة أخرى تعلمتها منه: لغة القصص. كان لديه موهبة تحويل العالم إلى حكايات دون أن تعيقه الصياغة اللغوية الوظيفية وافتقاره النسبي للمفردات العبرية. وكان، كلما قام عن كرسيه وغادر المنزل، حتى لو كان للذهاب على بعد أمتار قليلة، يقع على حدث مذهل، إن لم يكن في العالم الحقيقي، فعلى الأقل في عوالم قصصه. كان الأمر كما لو أنه لا يدع الواقع يخيب آماله. على الرغم من عدم صحة قصصه في بعض الأحيان، إلا أنها احتفظت على الدوام بأساس واقعي. وكم حاولت، عندما كنت طفلة، التشبه به، ليس شخصية الراوي، ولكن الشخصية الصامتة بين القصص. كان علي التغلب على رغبتي الهائلة للتحدث. كثيراً ما أدهشني صمته، إذ رأيت فيه علامة على النبل والفخر، وكان الضيق والألم والحزن والشوق أقل حدة عندما كان يعيش حالة الصمت، وهذا ما دفعني للثقة بالصمت.

مازلت أحتفظ بذكرى غامضة لشخص علّق ذات مرة على عبرية أبي السيئة. وبالعودة إلى الماضي، أدركت كيف بدأت التصرف منذ تلك اللحظة كما لو أن العد التنازلي قد بدأ وعلي اللحاق بالركب. أردت قراءة جميع الكتب التي يمكنها مساعدتي في للتغلب على هذا العار. لم يكن في منزلنا سوى عدد قليل منها، ومعظمها روايات بوليسية فرنسية (Série noire). كنت لا أزال مراهقة صغيرة وكان لدي بطاقة مكتبة، لكن لم يُسمح لي باستعارة أكثر من ثلاثة كتب أسبوعياً. وحرصت على استعارة ما تحتوي على جمل افتتاحية لم أستطع فهمها. قرأتها دون أن أقرأها حقًا. أردت للكلمات التي لم أكن أعرفها أن تصبح كلماتي. لقد استمتعت بحقيقة فخر أخواتي بقراءتي، كما شعرت بمتعة من الطريقة التي رافقتني بها هذه الكتب، حيث كانت تقترب مني تدريجياً أو تقربني إليها. أحببت ملمسها، ووجودها على وسادتي، وشعور الأمان الذي منحتني إياه. وقد أدركت لاحقاً كم كان سهلاً علي قراءة كتاب بعد قضاء بعض الوقت برفقته؛ وقد أصبح هذا عادتي منذ ذلك الحين، إذ ما زلت أشتري الكتب وأنا أعلم كم سيستغرق الأمر قبل قراءتها.

كانت لغة أمي ملوثة، كما لو أن الفم مغلقاً على ألم شديد. كانت تخفف الألم -بما في ذلك آلام والدتي- بالكلمات. وبدلاً من الاستماع إلى الألم والتحدث معه، كانت لغة أمي تفاقمه من خلال التحدث مكانها. العبرية ملوثة. اللغة العبرية ملوثة. لقد أسيء استخدامها واستغلالها لتزويد إسرائيل بلغة أم تأسست لتكون لغة المستوطنين. لا يتحدث الأفراد لغة أمهاتهم. بل ينخرطون مع آخرين يشاركونهم اللغة ويستخدمونها ويسيئون استخدامها. وطالما عشت في مستعمَرة المستوطنين، ستفشل محاولات تخليصي من لغة أمي. كنت أرغب في قضمها، ومشاهد هزيمتها بعد كل ما حدث بسببها. ومع ذلك فأنا أحب مكوناتها العبرية. أحب اللغة. أحب الأم. وعلى مدار السنوات العديدة الماضية، توقفت عن الكتابة بالعبرية حتى أتمكن يوماً ما من استخدامها مرة أخرى مع قواعد اللغة اليهودية العربية. حتى أتمكن من سرد ما حدث بين مكان وآخر؛ حتى أتمكن من استنهاض ما أهمل حتى يصبح القلب والعمود الفقري والمركبة التي يمكن بها إطلاق التاريخ من الحدود والدوريات؛ بحيث يمكن التحدث بالعبرية عن تاريخ محتمل في مناطق جغرافية غير إمبريالية وترتيبات الأولويات.

كانت لغة أبي بادرة -إيماءة انتحال شخصية، واختلاف، وغربة، وتعدد، وعملية. كانت لغته أيضاً إيماءة شخص مستعمَر طرد من عالم أجداده، وغير قادر على إيجاد طريقه بعيداً عن العوالم البديلة التي شكلها المستعمِرون. تكررت إيماءة الغربة هذه في كل لغة يمكن أن يتحدث بها: اللغات المختلفة التي يتحدث بها زبائنه. كان يسعد بقدرته على تسجيل الكلمات باللغات الأجنبية والتصرف كما لو كان يتحدث بها: الأمهرية والروسية والإسبانية وحتى اليديشية. هل تحدث باللغة العربية في متجره دون علمنا بذلك؟ لم يكن هناك لغة خاصة بأبي يمكنني تبنيها في البداية باستثناء الإيماءة. ومع ذلك، قمت بتحويل تعابيره العميقة تدريجياً إلى لغة مكتوبة، قبل استخدامها كلغة منطوقة. كانت حكايات والدي قوية للغاية لدرجة أنه حتى عندما كان واضحاً أن حياته لم تكن ملونة مثل صوره، فقد استمرت حكاياه في أداء سحرها المميز، وهذا ما منحني القدرة على الهجرة من أسر لغة أمي بالإعلان ذات يوم: “أنا يهودية فلسطينية”. وعندما مات أبي، بدأت في تسمية نفسي باسم والدته -عائشة Aïsha – الذي أخفاه عني. ورغم معرفته بتقاليدنا حيال هذا الأمر، لم يعطني اسمها عند الولادة واقترح لاحقاً منح ابنتي الاسم الفرنسي  لوالدته، الذي لم أجده مكتوباً في أي ورقة من أوراقها. بمجرد أن أخذت اسم عائشة، قلت أيضاً بلغة أجدادي: “أنا يهودية جزائرية”.

فقط من خلال حرماني من هذين الارتباطين، تمكنت آليات الدولة الاستيطانية من منحني الهوية التي صنعوها واستخدموها لإعادة إنتاج نظامهم. منذ وفاة والدي، كنت أجمع شظايا عالم كانت فيه لعة الأجداد أكثر من مجرد إيماءة. وهذا يتطلب تفعيل تاريخ محتمل يرفض المشروع الاستعماري الذي شكله -استعمار الجزائر من قبل الفرنسيين وتدمير عالم العرب والبربر واليهود والمسلمين- والمشروع الذي شكلني -استعمار فلسطين وتدميرها.. عندما يُنظر إلى تاريخين مختلفين، فإن نتيجة الاستعمار الأول غير قابلة للعكس بواسطة الثاني والعكس صحيح. هذا المنطق المنفصل يعني ضرورة قبولي، كواقع حتمي، ما لم يتكمن هو أو أسلافه من قبوله ومقاومته أو عكسه بنجاح. أما أنا فقد فعلت.

تتضمن لغة أبي إيماءة الصمت، إيماءة حاضرة بصمت مثل ندبة. لقد استغرق مني الأمر وقتاً طويلاً لأفهم أن رحيل والدي عن الجزائر بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن مسألة اختيار -ولم يكن كذلك قراره بإخفاء كونه عربي يهودي عندما قابل والدتي وقرر البقاء في المستعمرة الصهيونية. في عالم الإمبريالية، تحجب فكرة الاختيار ما هو في كثير من الأحيان مسألة تعداد وجدولة محددة سلفاً للبدائل المصنوعة إمبريالياً لإخفاء الجرائم الإمبريالية. لماذا أراد والدي العودة إلى الجزائر، حيث تم إرساله إلى معسكر اعتقال من قبل المستعمِرين الفرنسيين المحبوبين (الذين حارب من أجلهم لاحقاً)، فقط ليجد أنه لم يكن فرنسياً ولا جزائرياً؟ لماذا أراد أن يكون مهاجراً من شمال إفريقيا في إسرائيل في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي حيث تم تصوير العرب كعدو؟. أي امرأة من الصابرا قد ترغب، بعد وقت قصير من طرد العرب من فلسطين، في الزواج من مهاجر من شمال إفريقيا، خاصة إذا نجحت في تمويه أصلها السفاردي خلف شعرها الأشقر وعيونها الخضراء؟ عندما يشار إلى والدي على أنه جزائري، كان يشعر بالسخرية؛ وعندما يشار إليه على أنه فرنسي، كان يشعر بالإطراء. كان يتجنب مخالطة مهاجرين آخرين من شمال إفريقيا وكان حريصاً على عدم التماثل معهم. كان غريباً في المجتمع الإسرائيلي وكان يتجنب مسارات الاستيعاب المقدمة له. كانت تجربة الغربة هذه تجربة منعزلة.

كانت أمي أحياناً يقوم بإدارة شريط مسجل في العام 1972 أثناء رحلة عائلية إلى أسدود. كنت في التاسعة من عمري آنذاك. كان والدي يقود سيارته وبجانبه والدتي؛ وأنا وأختي الصغرى في المقعد الخلفي مع جدتنا لأمنا، وكنت أما ن يحمل الميكروفون، وعلى عكس الكثير من الأشرطة العائلية التي اختفت، بقي هذا الشريط محفوظاً لأنه احتوى على صوت جدتي في اليوم السابق لإصابتها بسكتة دماغية ووفاتها. عندما استمعت إليه، كان بمقدوري تخمين صاحبة اللهجة الثقيلة، -هل كانت بلغارية؟ لادينو؟-، لم يكن الأمر كما أتذكرها. فقد ظل وجهها الأبيض الصيني وشعرها الأسود محفوظين في ذاكرتي بلا صوت بالطريقة التي تمحو بها ألبومات الصور الأصوات.

بدت الأصوات الأخرى في الشريط غريبة أيضاً. لقد استمعت إلى الفتاة الصغيرة في السيارة -صوتي- تتوسل الآخرين بشكل متكرر: “تحدثوا معي”. عندما استمعت مرة أخرى، أدهشني كيف يمكنني تلخيص تجارب حياتي بأكملها في هذه الكلمات: “تحدثوا إلي”. ذكّرتني الفتاة الصغيرة التي صدح صوتها في الشريط، وهي تضحك وتحتج، بأن اهتمامي الفكري بمسرح اللغة والصمت -الذي يتعلق بمسائل الملكية، ونزع الملكية، والانتماء، والاستجابة، والتدريب، والنطق، والغربة، والوحدة، والقلق، والحرمان، والخيانة، والإسكات، والمحو، والتوافق، والهجرة – سبقه فعل مكتوب في الجسد. ومنذ أن استمعت إلى الشريط، أعدت الأمر عدة مرات ولكني لم أجرؤ على الضغط على زر التشغيل مرة أخرى. اختفت إيماءة الصمت في جسدي مثل شيفرة وراثية قبل محاولتي هجرتي من لغة أمي. مرت سنوات عديدة قبل إدراكي أنه حتى هي، التي جسّد كلامها الهوية الإسرائيلية الجماعية، هاجرت منها معظم الوقت عندما كانت في غرفة المعيشة في بيتنا. ونسيتْ هناك، ما دمت لا أستفزها، أمرها وواجباتها تجاهها. وكان تسمح لنفسها، مع زوجها، والدي، للحظات عابرة، باحتضان اغترابها عن الإسرائيليين، والمشاركة في حفل كوكتيل مسائي لوالدي، والاستمتاع بعملها في الخياطة، والحلم بقصر عائلتها في صوفيا، وحنينها لأمها التي لم تخجل من غربتها قط.

عندما سألت أمي عن عاملة الغسيل الفلسطينية التي كانت تعمل في منزل والدها في ريشون لتسيون (التي لا بد أنها علمت والدتي العدد المثير من الكلمات العربية التي كانت تعرفها)، أو عندما تساءلت عما كانت تفكر به عندما لم يظهر العمال الفلسطينيون الذين عملوا في بيارة بجدي للعمل، واجهت شكل أحادي البعد من الصابرا. صوت الأمة خرج من حنجرتها وحلّ محل المرأة التي ربّتنا معظم أيام السنة. تحدثت بصوت وطني، وسعت إلى تفنيد أسئلتي، وإعادة وضعي على المسار وإعادة تقويم رؤيتي إلى نقطة تفوق من حيث ما كان متوقعاً تجاهل الجرائم التي حدثت.

وصفتني والدتي بالمتمردة في اليوم الذي بدأتٌ استفسر عن فلسطين. لم تعد تعاملني بعد ذلك كما تعامل الأم ابنتها. لقد فتحت هرطقتي هذه هوة واسعة ومؤلمة بيننا. وفقط بعد وفاتها، أدركت أنه عندما اقتربت منها من خلال المشاحنات، ورأيتها تجسيداً حصرياً لشخصية الصابرا، فقد منحت هذه الشخصية عن غير قصد قوة أكبر مما كانت عليه بالفعل. ربما كنت سأقوض قوتها لو سمحت إحساس غربة والدتي بالتصدع. ما زلت أعتقد أن هذا الشعور بالاغتراب يحميها من ألم فقدان مشهد طفولتها -الشخصيات والعادات وأشكال الملابس ونكهات الحياة في مدينتها الحبيبة ريشون لتسيون- حيث اختلط العرب واليهود حتى تأسيس الدولة. منذ أن بلغت السابعة عشرة من عمرها وتدمير فلسطين، سعت لغة الاستقلال الفارغة إلى جعل هذا الدمار لا رجوع فيه واستبدال الألم والخسارة. أرفض تصديق أن اليهود الفلسطينيين، الذين لم يكونوا صهاينة ملتزمين بعد، لم يشعروا بأي ألم أو خسارة عندما سيطرت هذه اللغة. لو سألتها عن هذا الشعور بالغربة، لربما وضعها كصابرا سوف ينكر وجوده. وخوفاً من أن تبقى صامتة حول ما لا يمكنها مشاركته، كما لو كانت خائنة ستتحول كلماتها إلى شهادة على ما يجب إخفاؤه. يجسد إحساسها بالغربة الخسارة التي عانى منها بعض اليهود عندما دمرت فلسطين، الأرض التي كانت والدتي تعلن بفخر أنها من مواطنيها، وتم إجلاء سكانها العرب المألوفين واستبدالهم بآخرين تم فرضهم كأقارب. أرفض تصديق أن والدتي لم تدرك الكارثة التي حدثت، حتى وهي تستدرج لتبني قصة الهيمنة التي بررت ذلك وأجبرت على إنكار معناها. لو لم أرسم ملامح اغترابها، لما كنت قادرة على التخلي عن لغة أمي والتحول إلى لغة أجدادي للتعبير عن تاريخ محتمل لفلسطين قائم على العودة غير المشروطة للفلسطينيين بما في ذلك جميع أحفادهم. يمكنني سماع والدتي تخبرني بلغة اللادينو أنها تفتقد  الخادمة “ojos Negros” (العيون السوداء)، والنبرة الموسيقية بلكنتها، وتفتقد لصوتها الخاص أثناء لفظ اسمها بلغتها عندما كانت طفلة “زهافاZehava”. ربما تكون قد توقفت للحظة وأضافت: “أفتقد أيضاً إحساس يدها عندما كانت تداعب خصلات شعري الذهبية وتحتضنني بين ذراعيها.” وستبدأ منذ تلك اللحظة، المحادثة في التدفق وستستعيد حيويتها، وتتحول إلى شخص لم يعد مطالباً بالانهماك بجهد محاولة التستر على أفعال الصهاينة الذين خانوها أيضاً، عندما دمروا فلسطين -المكان الذي هاجرت فيه جدتها لأبيها في أواخر القرن التاسع عشر، ليس كصهيونية قطعاً.

عندما يحيط بك الصمت الصاخب، تعبر جملة “تحدثوا معي” عن الشوق إلى فعل الكلام. عندما يكون المرء محاطاً بحفيف الكلام، فإن جملة “تحدثوا معي” تتوسلك التخلص من الخطاب القائم. الكلام الذي ينطق به من استوعبت أصواتهم في صوت الأمة، والكلام الذي لا يخاطب الطرف الآخر، ليس كلاماً إطلاقاً. تتطلب عبارة “تحدثوا معي” فعل الكلام وفعل الصمت. في الواقع ، كان مناشدة “تحدثوا معي” دعوة للتحدث. كان التماس طلباً للوقت، طلباً بعدم التخلي عن الشخص أثناء محاولته سد الفجوة بين الكلمات والجسد. لم تكن المناشدة تسعى لطمس ما يطبع على الجسد، وإنما فقط تعريض الجسد للهواء، جزء إثر جزء، من خلال الكلام المباشر، والكلام الموجه إليّ، نحو الجسد، لإعادة تأسيسه عن طريق اللسان بحيث يمكن إعادة ربط الكلمة والجسد. لا يمكن إزالة العلامات المطبوعة على الجسد، رغم أنها غالباً ما تكون خالية من محتوى معين. فهي تحفز على عمليات النقاش داخل اللغة. لكن يمكن للمرء رفض المعاني التي تقدمها الإشارات ويقول: “لا شكراً”، والاستمرار في البحث عن معانٍ أخرى، حتى لو استغرق وقتاً طويلاً. “لا، شكراً لكم، لست مهتمة بالكتابة عن هوية المزراحي.

“لو كنت كذلك، لما كنت قادرة على التوقف عن التعلم بما يكفي لأقول إنني يهودية جزائرية. “لا شكراً لكم، أنا لست مهتمة بنسيان أنني امرأة مزراحية أو تجاهل عنصريتكم تجاه الآخرين وتجاهي.” لو كنت كذلك، لما كنت قادرة على التخلص من القول إنني يهودية فلسطينية.

ملاحظة المؤلف: يمكن اعتبار النص الذي كتبته في العام 2003، بطريقة معينة، مسودة أولية لهذا النص. قبل عقد من الزمن، بعد وفاة والديّ، أعدت كتابة هذا النص المبكر. والآن، بعد ما يقرب من عقد على مغادرتي المستعمرة الصهيونية، أردت الانخراط مرة أخرى في السؤال عما يعنيه عكس  الانقطاع الإمبريالي للعالم اليهودي الإسلامي بعد ثماني سنوات من عدم الكتابة بالعبرية. لقد أدركت أن عملي في عالم أجدادي يولد اضطراباً لا يسمح بعملية إعادة الكتابة، بل بالأحرى إعادة كتابة نص مختلف.

العنوان الأصلي Unlearning Our Settler Colonial Tongues

المؤلف Ariella Aïsha Azoulay

المصدرhttps://www.bostonreview.net/articles/unlearning-our-settler-colonial-tongues/

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

بيان بيدرسون في الذكرى السنوية “للصراع السوري”

في  ذكرى ” الثورة المغدورة”، لا يجد هذا الفَقِيه الأممي ما يقدّمه للسوريين سوى  الإصرار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *