التخطيط الحضري الانتدابي لمدينة القدس (1917-1948): تزاوج الحداثة والماضي

إنبال بن أشير غيتلر

ترجمة: محمود الصباغ

نادراً ما تعرضت خطط الانتداب البريطاني لتطوير مدينة القدس للدراسة في سياق نظريات التخطيط العمراني الاستعماري. وسوف تظهر هذه المقالة انحراف المقاربة البريطانية لتصميم مخططات حضرية جديدة للقدس عن القواعد والمفاهيم المطبقة في المدن الاستعمارية. وسوف نستعين بثلاث منشورات رسمية بريطانية من تلك الفترة تضمنت برامج حضرية شاملة للمدينة، ومقارنتها بجوانب تخطيط المدينة الاستعمارية. وبناء على ذلك سوف نفسر هذه الخطط بالنظر إليها كإعادة نقاش حول الفضاء المكاني المقدسي موضع النزاع، بما ينهي الجدل، ويعزز، بمهارة، صورة التفوق والهيمنة البريطانية.

“لقد كانت فلسطين بالنسبة لمعظمنا عاطفة أكثر منها حقيقة وواقع”. تشارلز روبرت آشبي 1923 (1)

…….

ما إن استولت القوات البريطانية على مدينة القدس في التاسع من كانون أول1917، لتنهي بذلك نحو أربعة قرون من الحكم العثماني لها، حتى باشرت السلطات الجديدة البدء على الفور في مشروع تخطيط حضري طويل الأجل يحقق هدفين مميزين: أولاً، الحفاظ على المواقع التاريخية للمدينة المقدسة داخل الأسوار ذات الأهمية الدينية الكبيرة لليهودية والمسيحية والإسلام. وثانياً تحويل القدس إلى مدينة حديثة. وسوف نتناول هنا المخططات الحضرية خلال ثلاثين عاماً من تاريخ الانتداب البريطاني على فلسطين، مع التركيز على خطة العام 1922 التي وضعها تشارلز روبرت آشبي (1863-1942) الذي عمل مستشاراً مدنياً بين عامي 1918-1922، خلال سنوات الإدارة العسكرية البريطانية في فلسطين وبعد فترة وجيزة من بداية الانتداب؛ وخطة العام 1944 التي وضعها هنري كندال (مواليد 1903) الذي عمل مخطط مدن حكومي في فلسطين من العام 1935 حتى العام 1948، حيث انتهى عمله بنهاية الانتداب. وتشكل هذه الخطط جزءً جوهرياً من ثلاث منشورات بريطانية رسمية تتناول مختلف جوانب التخطيط المدني في القدس

-القدس 1918-1920: سجلات مجلس حماية القدس خلال فترة الإدارة العسكرية البريطانية، نشرت في العام 1921

-القدس 1920-1922: سجلات مجلس  حماية القدس خلال العامين الأولين من الإدارة المدنية، نُشرت في العام 1924 ؛

-القدس: خطة المدينة، الحفظ والتطوير خلال الانتداب البريطاني في الفترة 1918-1948، بقلم هنري كيندال، نُشر في العام 1948.(2)

وتؤكد حقيقة إصدار لا يقل عن ثلاثة منشورات شاملة ومصوّرة تعنى بالخطط البريطانية لمدينة القدس خلال تلك السنوات على الأهمية التي أولتها السلطات للعناية بالمدينة وتطويرها. وبرغم مراجعة هذه الخطط في سياق التاريخ الجغرافي / الحضري للمدينة، فمازال الكثير لم يكشف عنه بعد عن معناها وعلاقتها بالتعقيدات الثقافية والسياسية في تلك الفترة. وسوف نحاول هنا استكشاف المقاربة البريطانية للتخطيط الحضري المقدسي كما هو موضح في هذه المنشورات الرسمية.

اعتبرت الدراسات الحديثة لجهود المشروع البريطاني عن البيئة المبنية في القدس إمكانية نقل الظروف الاستعمارية القائمة في مدن أخرى من مدن الإمبراطورية إلى فلسطين. فأطلق فوكس وهربرت، على سبيل المثال، على عملهما المشترك عنوان “وجه القدس الاستعماريA Colonial Portrait of Jerusalem “، رغم اعترافهما بعدم تعريف فلسطين كـ “مستعمَرة”، وبتأكيدهما على إدارة “المكتب الاستعماري” لها، فقد عرفوا بنية الحقبة المعمارية الانتدابية لكل من تشارلز روبرت آشبي وأوستن سانت بارب هاريسون وكليفورد هوليداي بـ” منطقة إقليمية ذات استعماري”(3). والأمر ذاته ينطبق على أطروحة “المخططون البريطانيون في فلسطين، 1918-1936″، التي تقدم دراسة شاملة عن الخطط الحضرية للعديد من المدن المطوّرة في فلسطين خلال فترة الانتداب، وأشار هيمان إلى “بداهة النظر إلى فلسطين ضمن سياق التخطيط الاستعماري”. ومع أنه شكّك في مدى ملاءمة استخدام مصطلح “التخطيط الحضري الاستعماري” عند الحديث عن فلسطين الانتدابية، إلا أنه لم يتابع التعمق في هذه المسألة(4). وأشار إلى ضرورة إدراك التمييز التام من خلال المقارنة المنهجية الشاملة بين القدس ومدن أخرى في المستعمرات البريطانية، أو حتى مدن مستعمرات قوى أوروبية أخرى، مثل فرنسا(5). ولن نحاول هنا القيام بمثل هذه المقارنة الشاملة، بل سنقدم تحليلاً مفاهيمياً تفصيلياً أكثر للخطط البريطانية الرسمية لمدينة القدس في إطار البحوث المعاصرة حول سياسات العمران والتخطيط الحضري في السياقات الاستعمارية. ومن الأهمية بمكان، في هذا الصدد، النظر إلى نظام الانتداب كنمط هجين أو مختلط من أنماط الحكم الأجنبي، ويتوازى، تاريخياً مع عمليات تصفية الاستعمار. وبالتالي، سوف نقترح استخدام تعبير “انتدابي” بدلاً من “استعماري” عند مناقشة الخطط الحضرية البريطانية للقدس لما يقدم مصطلح “انتدابي” دقة أكثر على صعيد المفاهيم كما سوف نبين توالياً.

القدس في بدايات القرن العشرين

تقع القدس على هضبة وسط منطقة جبلية، على ارتفاع حوالى 800 متر (2600 قدم) فوق مستوى سطح البحر. وتتميز تضاريسها بالتلال الصخرية. وقد شهدت المدينة في ذروة الحكم العثماني، من منتصف القرن التاسع عشر نمواً سريعاً في عدد السكان(6). ويشبه تخطيط المدينة القديمة المسوّرة مخطط الأحياء المعروفة باسم ” القصبة” في مدن أخرى في الشرق الأوسط، والتي تتألف من أحياء كثيفة متلاصقة وشوارع ضيقة. ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بدأت تظهر أحياء سكنية ومناطق تجارية جديدة خارج أسوار البلدة القديمة. وهي تطورات تماثل التحولات المعاصرة في دمشق والقاهرة وبغداد(7). لكن، خلافاً لتلك المدن الأخرى، تمتعت القدس بهوية اجتماعية وثقافية مميزة نابعة من دورها كمركز للأديان التوحيدية الثلاثة، وهو ما أدى إلى تقسيمها تاريخياً إلى أربعة أحياء: الحي اليهودي والحي المسيحي والحي الأرمن (مسيحي) والحي الإسلامي. وكان لوجود ثلاثة مواقع تاريخية مقدسة بارزة دور هام في تحديد موضع هذه الأحياء، فقد كان الحي الإسلامي مجاوراً لقبة الصخرة والحرم، في حين تطورت الأحياء المسيحية والأرمنية حول كنيسة القيامة؛ أما الحي اليهودي فكان يقع بالقرب من الحائط الغربي [حائط المبكى]. وتواجدت تقسيمات عمرانية إضافية في الحيز الحضري تبعاً للثقافة الفرعية ضمن التقسيم العام للمدينة الذي يوافق الانتماء الديني -كما هو الحال بالنسبة للمجتمع المسيحي المنقسم بيم فئات فرعية من العرب واليونان الأرثوذكس و والكاثوليك، العديد من  الرهبانيات، أما بالنسبة للمسلمين فكان التقسيم يتماشى مع الروابط والعلاقات العائلية والعشائرية، وعلى صعيد اليهود فقد انقسموا إلى سفارديم وأشكناز وطوائف ومجموعات أخرى. وكان يشكل اليهود، في فترة الانتداب، غالبية سكان المدينة(8). وسرعان ما أصبح اليهود الصهاينة المهاجرون من أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى المجموعة الرئيسية والأكثر تأثيراً نفوذاً(9)، مما جعلهم يشكلون في نظر السكان العرب تهديداً مباشراً لهم بسبب تطلعاتهم لتحويل فلسطين وطناً قومياً لليهود. وبالمثل، رأى اليهود الأرثوذكس في الصهاينة ذوي الثقافة الأوروبية العلمانية، تهديداً لهم. وعلى غرار البنية التقسيمية المذكورة أعلاه للمدينة القديمة، تطورت الأحياء الجديدة خارج أسوارها وكانت في معظمها تقوم وفقاً لأنماط الانتماء الفرعي الديني والثقافي، وهو ما جعل الطابع متعدد الثقافات والأديان في المدينة يؤثر عميقاً على شكل تصميمها الحضري الحالي وعمارتها القائمة في بداية فترة الانتداب(10).

واتسمت العقود الأخيرة من الحكم العثماني بتنامي الوجود الأوروبي في المدينة، ظهر على هيئة مشاريع معمارية كبرى من كنائس ومستشفيات وبعثات تبشيرية وقنصليات. ونظرت القوى الأوروبية إلى تواجدها في المدينة من خلال طابعه السياسي وليس مجرد بعثات تبشيرية، وأدت جهودها في تكريس وجود سياسي إلى التنافس للحصول على أفضل الأراضي ومظاهر معمارية أكثر إثارة من أي وقت مضى(11). واستخدم مارك كرينسون مصطلحي “الاستعمار البديل أو الاستعمار بالوكالة” و”الإمبريالية غير الرسمية” في سياق نقاشه للمشاريع البريطانية في تلك الفترة في القدس، كمصطلحات ملائمة لهذه الظاهرة بشكل عام(12).

المبادرات الأولى لمشاريع التخطيط العمراني البريطاني في القدس

كانت السيطرة على القدس بالنسبة للإمبراطورية البريطانية، التي غزت جيوشها فلسطين خلال المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، جزءً من “صفقة شاملة” شملت تفكيك ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب(13). وكان البريطانيون يتطلعون إلى الاحتفاظ بفلسطين ومدينة القدس، لاعتبارات استراتيجية تخص البلد بصورة عامة والمدينة، على وجه الخصوص، لما لها من أهمية دينية(14). وبالفعل، أعلن الجنرال إدموند أللنبي، عند دخول المدينة في العام 1917، الحكم العسكري ثم أصبحت بعد ذلك مقراً للحكومة البريطانية في المنطقة. ولعل أحد أوضح مؤشرات العلاقة العميقة التي أحسّ بها البريطانيون تجاه القدس شعورهم الملح بضرورة السيطرة على بيئتها المادية، وبعد فترة وجيزة من الاحتلال، أصدر رونالد ستورز (1881–1955)، الحاكم العسكري الجديد، مرسوماً يهدف إلى منع أي تغيير أو تدمير للمعالم الأثرية داخل البلدة القديمة المسوّرة ومحطيها المباشر: “لا يجوز لأي شخص هدم أو إقامة أو تغيير أو إصلاح بنية مادية أي مبنى في مدينة القدس أو ضواحيها داخل دائرة نصف قطرها 2500 متر من بوابة دمشق [باب العمود].. إلا بتصريح خطي من الحاكم العسكري”(15). وأرسى هذ المرسوم، في النهاية، أسس منظومة أكثر اكتمالاً لتنظيم البناء في المدينة المقدسة.

وكتب هنري كيندال في 1948 بما يعتبر محاولة للتعبير عن ضرورة مهمة الحفظ الملحة هذه في ذلك الوقت: ” كان العدو لا يزال على خط وادي نابلس – الأردن في وسط فلسطين عندما طلب أللنبي من المهندس الحضري في مدينة الإسكندرية آنذاك [السيد. ويليام مكلين]، القدوم إلى القدس وتقديم تقرير وتوصيات بشأن التدابير التي ينبغي اتخاذها لإدارة الرقابة اللازمة لعمليات البناء وتنمية المدن، مع مراعاة التقاليد المعمارية لها وأهمية الحفاظ على معالمها التاريخية”(16). اعتبرت السلطات البريطانية  مهمتها تعزيز الحفاظ على المدينة كما هي داخل أسوارها، لأن البلدة القديمة بالنسبة لهم مثلت فضاء عبادة ديني وموقع تاريخي مميز، لكن هذا لا يمنع من تشجيع تنميتها بتطوير مدينة حديثة خارجها. وقد دعت الحاجة إلى استحداث تدابير إدارية لتنفيذ الخطط العمرانية، طالما كانت القدس تحت الإدارة العسكرية، وطالما بقي الوجود البريطاني في فلسطين غير معترف به، فقام ستورز في العام 1918 بتأسيس جمعية، أو مجلساً، لتقديم المشورة له حول قضايا التنمية الحضرية(17). أطلق عليها اسم جمعية حماية القدس Pro- Jerusalem Society، وظيفتها المشاركة في صنع القرارات المتعلقة بتخطيط المدينة، والمساعدة في تنفيذها وتمويلها إلى حدا ما.. وكان هدف الجمعية المعلن هو “الحفاظ على مصالح المدينة والارتقاء بها وبسكانها”(18)..

ويعني هذا من بين أشياء أخرى، الحفاظ على الآثار القديمة، وتطوير الوظائف الثقافية الحضرية الحديثة مثل المتاحف والمكتبات والمسارح وغيرها، وتعزيز التعليم والرفاهية والرعاية لسكان المدينة. تشكل أعضاء الجمعية من معظم الطوائف الدينية والجماعات القومية في المدينة، بالإضافة إلى علماء الآثار والمؤرخين والمهندسين المعماريين. واستعرض ستورز المتفائل في مذكراته قائمة طويلة بأسماء المشاركين في الجمعية: “لقد تمكنت من الجمع على طاولة واحدة رئيس بلدية القدس، ومدير الآثار البريطاني، والمفتي، ورئيس الحاخامات، ورؤساء أديرة الفرنسيسكان الإيطاليين والدومينيكان الفرنسيين، والأرثوذكس، والأرمن والبطاركة اللاتين، ورؤساء الطوائف اليهودية، والأسقف الأنغليكاني، ورئيس اللجنة الصهيونية، والآباء الدومينيكان لدير آبل وفنسينت ،والنقيب باريبيني (الذي عين فيما بعد وزيراً للفنون الجميلة في إيطاليا)، بالإضافة إلى أعضاء بارزين آخرين في المجتمعات البريطانية والعربية واليهودية والأمريكية”(19).  ويعكس هذا، في نهاية المطاف، الطابع متعدد الثقافات للمدينة الذي دفع البريطانيين لطلب تعاون هذا التجمع المتنوع من رجال الدين وممثلي البلدان والجماعات الإثنية- وبعضهم كان حليفاً لبريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى مما لا يمكن تجاهلهم(20). لكنه كان متوقعاً من تأسيس جمعية حماية القدس إبراز سمة هامة للحقبة الانتدابية، أي  الالتزام بإنشاء هيئة ديمقراطية موحدة بمشاركة فاعلة من السكان المحليين. ورغم إعلان الجمعية التزامها بشمول السكان المحليين في أنشطتها، فقد ظل أعضاؤها يعتبرون سكان القدس ينقصهم الكثير مما ينبغي “تعلمه حتى الآن عن الواجبات الأساسية للمواطنة”، على حد تعبير آشبي(21). وتشير المنشورات التي تمت مناقشتها هنا إلى تنفيذ معظم الأفكار الإنمائية البريطانية. وبقيت الجمعية تمارس أنشطتها حتى العام 1926، على الرغم من تضاؤل نفوذها ونشاطها بعد دخول الانتداب البريطاني على فلسطين حيز التنفيذ في العام 1922. ونشرت الجمعية كتابين من بين الكتب الثلاثة التي نوقشت هنا: القدس 1918-1920، والقدس 1920-1922، وكلاهما من إعداد آشبي. وشكلت هذه سجلات أنشطة الجمعية، التي شملت حفظ المواقع الآثارية والمعمارية وعرض مخططات تنظيم المدينة التي قدمها آشبي. ويحتوي الكتابان على خرائط وصور فوتوغرافية مثيرة للإعجاب. وتتضمن الخرائط خططاً لتطوير المدينة بأكملها بالإضافة إلى البرامج الخاصة بالأحياء الفردية(22).

خطط وليام ماكلين وباتريك غيديس

قدمت خطة القدس 1918-1920، من بين أشياء أخرى، أول خطتين شاملتين لتطوير المدينة وكانتا بتكليف وليام هانا ماكلين وباتريك غيديس، على التوالي، وشكلت هذه الخطة  أساس المشاريع اللاحقة. صاغ ماكلين (1877-1967) أول خطة بريطانية للقدس في العام 1918 ( الشكل 1)(23). ومن أبرز سماتها تطويق المدينة بحزامين. الأول (مشار له بالخط البني) يحدد منطقة “لا يسمح فيها بإقامة مبانٍ جديدة” وفقاً للوائح ستورز(24). وحدد في مفتاح تفسير الخريطة بوجوب ترك هذه المنطقة “على حالتها الطبيعية”(25). أما الحزام الثاني، بين الخط البني والمنقط، فيشير إلى منطقة تخطيط خاصة يُسمح البناء فيها بموجب تصريح خاص. ومن بين أمور أخرى، فرض هذين الحزامين تنمية عمرانية جديدة بالدرجة الأولى في الجهتين الغربية والشمالية من المدينة القديمة.

شكل 1 . William Mclean “Jerusalem Town Planning Scheme No.1,” 1918. From C.R. Ashbee, ed., Jerusalem 1918–1920: Being the Records of the Pro-Jerusalem Council during the Period of the British Military Administration (London: John Murray, 1921), No.21. Reprinted by permission.

وكان يتوقع أن يشتمل هذا التطوير على مجمع  لمبنى الإدارة الحاكمة البريطانية (شمال المدينة القديمة، بالقرب من مشفى نوتردام دو فرانس)، وإلى الغرب كمحور رئيسي يربط ما يشار إليه على الخريطة باسم “المباني العامة” مع مواقع لاثنين من النصب التذكارية. وضع ماكلين في المنطقة المخصصة للتطوير الحديث شبكة من الشوارع؛ وهو الذي كان على دراية بالتطور الحضري للقاهرة خلال الفترة الاستعمارية(26).  كما عمل على توسيع خطة بريطانية سابقة للخرطوم، عاصمة السودان في العام 1912(27). ويعتقد هايمان  اشتقاق بنية الشوارع الشبكية في مخطط القدس من خطة ماكلين السابقة للخرطوم(28). وقد تكون ملامح المحور الرئيسي الجديد للمعالم الأثرية في خطط المدينة مستمدة من خطط مدينة نيودلهي عاصمة الراج البريطاني الجديدة في الهند. حيث تضمنت خطط العام 1913 لتلك المدينة، التي أعدها جورج إس سي سوينتون، وجون أ. برودي، وإدوين إل. لويتنز، محور مركزي مماثل، يضم الديوان الحكومي على جهة واحدة، وساحة مع عمود تذكاري، ومباني ونصب تذكارية أخرى على طول المحور المركزي (30) (شكل 2).

الشكل 2. George S.C. Swinton, John A. Brodie, and Edwin L. Luytens, “Urban Plan of New Delhi. Layout labeled ‘Accompaniment to the Final Report of the Delhi Town Planning Committee on the Town Planning of the New Imperial Capital,’” March 20, 1913. Source: R. Irving, Indian Summer: Luytens, Baker and Imperial Delhi (New Haven, CN: Yale University Press, 1981), Fig.27. Reprinted by permission of author.

تشير التشابهات في مخططات نيودلهي والقدس إلى موقف ماكلين الاستعماري من مخطط القدس حين اعتبرها عاصمة مستقبلية في الإمبراطورية البريطانية(31) وأظهر مخططه لكل من السكان المحليين والقوى الأوروبية المتنافسة، قدرة الإمبراطورية ليس على رسم مسار التنمية المستقبلية للقدس فحسب، بل ومناقشة المساحة المادية الجديدة للعمارة الاستعمارية في المدينة أيضاً. وبالطبع سيكون من البساطة بمكان، تعريف السياسة البريطانية في الشرق الأوسط خلال هذه الفترة كسياسة استعمارية. لكن من المهم أيضاً التأكيد على أحد أهم أهداف السياسة البريطانية الاستراتيجية آنذاك والمتمثل في إحكام السيطرة على فلسطين، على ضوء الحقائق الجديدة المستجدة على الساحة الدولية والتي فرضتها الحرب العالمية الأولى وما قدمته من مزايا لبريطانيا(32). ومن المؤكد أن خطة مكلين الواسعة والشاملة للشوارع والتي تحدد موقع المعالم الجديدة والمؤسسات الحكومية مثلت تجسيداً لسياسة الهيمنة بعيدة المدى. وبعد مرور عام على اقتراح مكلين، قدم السير باتريك غيديس (1854-1932) خطة جديدة للمدينة (شكل 3)(33). وقد سافر عالم الاجتماع الاسكتلندي الشهير ومخطط المدينة إلى فلسطين في العام 1919 لتصميم جامعة عبرية مستقبليّة بطلب من اللجنة الصهيونية(34). لكن ستورز طلب منه أيضاً إبداء تعليقات على خطة ماكلين، التي عرضت في العام 1919 في الأكاديمية الملكية في لندن وانتقدت باعتبارها غير مناسبة للتضاريس الجبلية في المنطقة (35).

الشكل 3. Patrick Geddes, “Jerusalem Town Planning Scheme No.2,” 1919. From C.R. Ashbee, ed., Jerusalem 1918–1920: Being the Records of the Pro-Jerusalem Council during the Period of the British Military Administration (London: John Murray, 1921), No.22. Reprinted by permission.

اكتسب غيديس خبرته من خلال عمله في تخطيط المدن الاستعمارية أثناء إقامته في الهند، واستخدم هذه الخبرة للتأكيد على تصاميم الحفاظ على المدينة القديمة ومنع اكتظاظها(36)؛ بما يتوافق مع فلسفته لمعنى “الجراحة المحافظة” أي محاولته توسيع نطاق الحفاظ على العمران من المباني الفردية إلى المدينة التاريخية بأكملها(37). وهذا ما دفعه أثناء تنفيذه في الهند إلى الدعوة لمزيد من احترام الثقافة المحلية كبديل للممارسة لاستعمارية النموذجية لتخطيط مناطق وأحياء المدينة الجديدة تأسيساً على شبكات الشوارع(38). دمجت خطة ماكلين مفهوم الحفاظ على المدينة القديمة مع مخطط شبكي خارج السور. وبالمقارنة، كانت خطة غيديس أكثر مرونة وتضمنت متنزهاً أو حزاماً أخضراً يطوق المدينة القديمة، ما يمثل تعزيزاً لمنطقة ماكلين “الطبيعية”. كان هذا الحزام الأخضر يضيق كلما اتجهنا غرباً حيث كان التطور العمراني خارج الجدران واضحاً للعيان فعلاً، وممتد باتساع إلى الشمال الشرقي والجنوب الشرقي. كما ركزت الخطة على دور الطرق الالتفافية المستقبلية على شكل حزام(39) التي ستربط الضواحي الجديدة بقلب المدينة القديمة، لتحل محل الشبكة الصلبة للشوارع التي قدمها ماكلين. باختصار، ما قدمه غيديس للمدينة كان مخططاً حديثاً لأفكار تخطيط المدن الغربية الحديثة، غير أن تمثيلها للسلطة البريطانية كان أقل مما كان عليه مخطط ماكلين، بسبب تخلي أفكار غيديس عن المحور الرئيسي للمعالم الأثرية.

مدينة العقل: تشارلز روبرت آشبي

عرضت خطة آشبي للقدس في العام 1922 (شكل 4). ويعتبر آشبي رمزاً رئيسياً من رموز حركة الفنون والحرف اليدوية البريطانية، استدعاه ستورز إلى القدس في ربيع العام 1918 لاستطلاع ومسح الحرف الموجودة فيها وتقديم المشورة بشأن تخطيط المدينة(40). وعين في منصب “مستشار مدني”  لأداء مهامه، وبقي فيه حتى العام 1922، كما شغل منصب سكرتير وكبير منسقي جمعية حماية القدس. اعتبر أشبي القدس “مدينة العقل”، وقصد بها مكاناً روحياً، مخصصاً للثقافة والدين. وتشارك، في البداية، تفاؤل العديد من زملائه البريطانيين بإمكانية تحول فلسطين إلى كيان يهودي عربي ثنائي القومية بإشراف بريطاني. غير أنه سرعان ما أصيب بالإحباط مثل العديد من الإداريين البريطانيين، مع تصاعد حدة الصراع العربي الصهيوني. وكان قبول بريطانيا بصك الانتداب في العام 1922 يعني لعب الإمبراطورية البريطانية دور الوصي على فلسطين، وتحمل مسؤولية هذه الوصاية أمام عصبة الأمم(41). غير أن شروط الانتداب تضمنت تناقضاً أساسياً بين الالتزام بإنشاء “وطن قومي” لليهود في فلسطين والتعهد بحماية حقوق الأراضي العربية هناك(42). على الرغم من قيام آشبي بمهمته بحماس شديد، إلا أنه تمتع بموهبة حساسية نادرة، وقدرة على رؤية موقف السكان من البريطانيين، فيلاحظ، على سبيل المثال، كيف لم يخاطروا بحياتهم “لتغيير الأسياد”(43)، أثناء انتقال الحكم إلى البريطانيين.

الشكل 4. Charles Robert Ashbee, “Jerusalem: Zoning System,” 1922. From C.R. Ashbee, ed., Jerusalem 1920–1922: Being the Records of the Pro-Jerusalem Council during the First Two Years of the Civil Administration (London: John Murray, 1924), No.35. Reprinted by permission.

كان آشبي معادياً للتوجهات الإمبريالية أيضاً، ودافع في مذكراته” مفكرة فلسطين” عن فكرة الكومنولث كبديل للنظام الإمبراطوري(44). وبخلاف ستورز أو كندال، أبدى شكوكاً في الافتراضات الأساسية للانتداب، وكان على دراية كاملة بالوضع السياسي المعقد والتطلعات الوطنية لليهود والعرب الفلسطينيين على حد سواء. وعلّق في مذكراته على ضعف الإدارة البريطانية في فلسطين واعتبره جزءً من الطابع غير العادل للوجود البريطاني هناك والدعم المقدم للاستعمار اليهودي، وهو ما كان يعارضه: إن معنى حالة من الحالات المتكررة للانهيار العصبي للإدارة يعبر عن كونها إدارة مترددة في الأساس، بضمير بروتستانتي قلق، فهي تسلح نفسها من الرأس حتى أخمص القدمين وترتعش فرائصها: مسيرات، مظاهرات في الشوارع، عروض عسكرية هندية، سيارات مدرعة، وكل ذلك من أجل الانتداب؛ وهذا الوعد التعيس “وعد بلفور” الذي من المؤكد سنكون أفضل حالاً بكثير بدونه.. لا يمكن أن تحكم جيداً أو بحكمة دون توافق ..(45).

لم تكن انتقادات أشبي للوجود البريطاني في فلسطين استثناءً، فقد ظهر الكثير من التردد من الفكر البريطاني في تلك الفترة حول ضرورة الانتداب. ففي العام 1938، يشار في “مشكلة الاستعمار”، على سبيل المثال، إلى “الافتراض الشائع بأن المناطق الانتدابية “أ” هي انتدابات غير واضحة قد تستمر إلى مدة غير محددة.”(46). وتلقى هذا “الافتراض الشائع” دعماً متكرراً في البحوث التاريخية، وينظر إلى نظام الانتداب ذاته في كثير من الأحيان كتعديل للعقيدة والمبادئ الإمبريالية لتلبية احتياجات عصره(47). بيد أنه أُدخل إلى نظام الانتداب إشراف عصبة الأمم والتأكيد على تأسيس  نظام حكم ذاتي في نهاية المطاف في الأقاليم “المنتدبة” وهذا ما أدى إلى ظهور تصورات مختلفة للسياسة الخارجية، وأنتجت انحرافاً عن الممارسات الاستعمارية(48). خضعت السياسة الخارجية البريطانية، خلال السنوات الأولى لنظام الانتداب، إلى تغييرات سريعة وعميقة. وأدت النزعة القومية المتزايدة في سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتأكيد حق الشعوب الأصلية في تقرير المصير في العديد من الأراضي المستعمَرة أو المحتلة إلى إعادة النظر في القضايا المتعلقة بالإمبراطورية البريطانية في الخارج بأكملها. وأدت هذه التغيرات في حالة فلسطين، التي كانت في الواقع تمثل تصوراً لما يمكن تسميته “وصاية أو محمية مموهة”، إلى انتقاد الحكم المؤقت المرهق بمجرد البدء بتنفيذه(49). من ناحية أخرى، كان رئيس الوزراء دافيد لويد جورج أول من أبدى اهتماماً خاصاً بضرورة احتفاظ بريطانيا بفلسطين. رغم تفضيل البعض، مثل موريس هانكي، وضعها تحت وصاية أمريكية(50). وكان وينستون تشرشل معارضاً أيضاً، وكتب في العام 1920:” تكلفنا فلسطين حوالي 6 ملايين سنوياً في سبيل الحفاظ عليها، وسوف تتسبب الحركة الصهيونية هناك في احتكاك مستمر مع العرب.. ولن تؤدي مغامرة الاحتفاظ بفلسطين إلى أي مردود مادي قط”(51). أثارت مسألة التكلفة المادية للوجود البريطاني في الشرق الأوسط الرأي العام بصورة كبيرة(52). وتوضح انتقادات آشبي، في هذا الصدد في “مذكرات فلسطين” كيف نفذت هذه المعضلات إلى جميع مستويات الإدارة البريطانية. ولا يعني هذا السماح لوجهات نظره الشخصية أو مبادئه ومثله السياسية التدخل في تحرير الكتب التي أعدها لجمعية حماية القدس. بل يبدو واضحاً تأكيده على ضرورة التوجيه الغربي في مجال التخطيط العمراني الخاص، حين اعتبر مهمته تتمثل في تقديم المشورة وتوجيه السكان المحليين. وقد فعل ما فعله بطريقة متناقضة في كثير من الأحيان، على نقيض اللهجة الأكثر مساواة في يومياته. واعتبر، مثلما اعتبر صديقه كذلك باتريك غيديس، تخطيط المدينة فناً يحتضن جميع جوانب الحياة المادية والثقافية. وصاغ هذا المفهوم في كتابه “حيث تقف المدينة العظيمة Where the Great City Stands”، الذي نشر في العام 1917. واحتوى نظرية التخطيط الحضري الحديث القائم على المثل العليا للفنون والحرف وحديقة المدينة وحركة المدينة المزدحمة الجميلة، إلى جانب أمثلة أخرى للتخطيط العمراني للمدينة الذي رآه في الولايات المتحدة، وأبدى حماساً خاصاً لتطبيق هذه المثل العمرانية في القدس، وظهرت خطته المطورة بدقة للمدينة في الفترة 1920-1922.

تضمن المخطط ،من بين أمور أخرى، “نظام تقسيم المناطق”، وهو ما كان غائباً من خطط أسلافه، ولكن يمكن استخدامه لتقسيم المدينة إلى مناطق وظيفية للسكن والصناعة والأعمال التجارية(53). ربما كان نموذج أشبي الأكثر مباشرة لهذا النوع من تقسيم المناطق هو مخطط تقسيم المناطق للعام 1916 لمدينة نيويورك، والذي ناقشه في بحثه “حيث تقف المدينة العظيمة”(54). وقد اقترح في مخططه لمدينة القدس عدة مناطق وخصص المنطقة المنقّطة لتكون “للمعالجة الخاصة”، تميز البلدة القديمة ووادي سلوان في الجنوب. تحيط بها منطقة حمراء إلى الشرق من المدينة القديمة ويشار إليها بـ “منظومة حدائق القدس”. وتشير الخطوط المائلة ذات الخلفية الحمراء إلى المناطق الصناعية، بينما تظهر المناطق التجارية والسكنية كخطوط مائلة على خلفية بيضاء (الخطوط الرفيعة). وتحمل منطقة في الجنوب عبارة “منطقة عسكرية جديدة”. وهدفت خطة آشبي، كحال المخططات السابقة، إلى تطوير المدينة مستقبلاً نحو الغرب والشمال، وأيضاً  جنوب البلدة القديمة كما هو حال المخططات السابقة. أظهر مخططه بصورة عامة مشروعاً طموحاً لتحديث القدس تضمن عدة طرق جديدة، وأنظمة إمدادات مياه وطاقة ومتاحف ومعارض ومراكز فنون المسرحية ومدارس وغير ذلك. ومع ذلك، كانت خطة آشبي للمدينة الحديثة مميزة بسبب ما غاب عنها أي، التقسيم التاريخي للمدينة القديمة والمناطق الموجودة خارج جدرانها إلى مناطق أو أحياء تمثل الديانات الرئيسية الثلاث وثقافاتها الفرعية العديدة. لقد خلقت مناطق آشبي وهماً (أو ربما توقعاً متفائلاً) بأنها ستمتزج في النهاية بنسيج سكني متجانس. وفي الواقع، كانت خطته تجسيداً للممارسات السياسية خلال السنوات الأولى من الانتداب، والتي حاولت دمج الأقسام المختلفة من المدينة(55). وأدى التحول من تطبيق اللوائح والأنظمة العثمانية إلى مثيلاتها البريطانية حول ملكية الأراضي إلى عرقلة وتعقيد عملية التخطيط بشكل كبير(56)، وتفاقم الأمر بسبب النزاعات المتكررة حول ملكية الأراضي بين اليهود والفلسطينيين(57).وتأكيد وجود حدود دينية أو طائفية على الخرائط كان سيتعارض مع محاولات البريطانيين حل هذه النزاعات.

الاختلاف عن النموذج الاستعماري

يعتبر الفصل المادي بين السكان الأصليين والنخبة الاستعمارية الحاكمة، من أبرز خصائص المدن الاستعمارية، كما هو الحال مثلاً في الهند المستعمَرة وفي شمال إفريقيا(58). وهو ما يؤدي إلى ظهور “مدن مزدوجة”، مقسمة إلى أحياء “السكان الأصليين” و أحياء “الأوروبيين”(59). وفي هذا الصدد، تتميز خطة آشبي للعام 1922 بالاختلاف عن النموذج التخطيطي الاستعماري. وتشير الخطة إلى وجود نظام عسكري في الجزء الجنوبي من المدينة الجديدة. لكنه لا يشير إليه في النص المصاحب للخريطة (كان غياب القوة العسكرية واضحاً أيضاً في الخطط السابقة التي وضعها ماكلين وغيديس، ومن الخطط السابقة التي وضعها آشبي، نفسه). والأهم من ذلك، لا تحدد الخريطة حي بريطاني أو أوروبي. وبدلاً من ذلك، نكتشف تواجد بريطاني قليل ينتشر بصورة متعمدة داخل النسيج الحضري – على الرغم من ميل البريطانيين، في الحقيقة، إلى التمركز في الحي الجنوبي المعروف باسم المستعمرة الألمانية Templers (60). وثمة هناك اختلافات أخرى بين خطة آشبي والسوابق الاستعمارية النموذجية. وعلاوة على ذلك، لم يكن المقصود من نظام الحدائق المحيط بالبلدة القديمة أن يعمل كحزام صحي أو ساحة(61). بينما أدرجت في الهند مدن مثل الله أباد ونيودلهي الأحزمة الخضراء في مخططات الفصل الخاصة بها لأسباب تتعلق بالصحة والأمن(62). أما في المغرب، أدرجت الأحزمة الخضراء حول المدن القديمة في المغرب ليس لأسباب صحية وأمنية فقط، بل باعتبارها أيضاً وسيلة “للحفاظ على ثقافة السكان الأصليين”(63). وكان نظام الحدائق في مخطط آشبي يهدف إلى توفير مساحات حديثة جديدة في القدس بفضاءات مفتوحة تعمل بمثابة “رئتين”، بيد أنه كان  سيضع البلدة القديمة في إطار يحافظ عليها من التأثيرات الضارة للتطور الجديد؛ كما اقترحه غيديس في الأصل. وبهذا المعنى، كان يتطابق أيضاً مع الفكرة الاستعمارية المتمثلة في الحفاظ على التراث – على الرغم من تعريف الحاجة إلى هذا الحفظ في هذه الحالة بإضفاء المزيد من الجوانب والمصطلحات التاريخية والدينية(64). وهذا لا يعني إهمال آشبي الحفاظ على أشكال الثقافة الاجتماعية والثقافية، كما يتضح من اهتمامه بالحرف والصناعات التقليدية، رغم عدم إفراد مساحة وافية لهذا الجانب في شرح مخططاته. وبالإضافة إلى ذلك، أدرك آشبي تماماً تنوع الثقافات في القدس. في الواقع، من الأفضل مقارنة وجهات نظره في هذا الصدد مع وجهات نظر الجنرال هوبير ليوتي، الذي تناول موضوع الحفاظ على التراث الثقافي في المغرب على أساس الوعي بعمليات التغيير داخل ثقافات الشعوب الأصلية نفسها(65). تم تعيين أكبر مساحة لنظام الحدائق شرق المدينة القديمة بطريقة متكاملة وبالتالي  حفظت المقابر اليهودية والإسلامية القديمة. وحدد آشبي هذه المنطقة حول السور كمساحة عامة تمكن من تقدير “الجمال الرومنسي وعظمة المدينة”(66). ثم قام بتخطيط نظام الحدائق حتى أدق وأصغر التفاصيل بهدف إثارة المشاعر العاطفية والدينية(67). وهكذا وضعت المدينة القديمة رمزياً في ظل الحدائق المحيطة بها، وسط مدينة القدس المستقبلية الحديثة. وبالتالي منع تحديث المدينة القديمة تقريباً من أجل الحفاظ على الماضي وزراعة فسيفساء خلابة لأماكن العبادة والعمارة الشرقية المتوسطية والأوابد الأثرية القديمة(68). ويمكن ملاحظة الفرق بين استخدام تقسيم المناطق في خطط القدس الانتدابية وبين تصميم مدينة استعمارية نموذجية بمقارنة خطة آشبي مع الخطة البريطانية لتقسيم العاصمة الأوغندية كمبالا 1919 (الشكل 5)(69).

الشكل 5. “Kampala 1919 Scheme.” From H. Kendall, Town Planning in Uganda: A Brief Description of the Efforts Made by Government to Control Development of Urban Areas from 1915 to 1955 (London: The Crown Agents, 1955), facing p.21. Reprinted by permission.

تمت مناقشة تخطيط كمبالا التي أصبحت محمية بريطانية في العام 1888 في كتاب هنري كندال “تخطيط المدن في أوغندة”(70). تطورت كمبالا في البداية كمدينة مزدوجة، كمبالا-منغو، حيث يعيش الأوروبيين والهنود في كمبالا، والأفارقة في منغو(71). وكانت إحدى السمات الرئيسية لخطة العام 1919 إنشاء حزام أخضر مركزي يفصل المناطق السكنية الأوروبية عن بقية المدينة. يظهر الحي الأوروبي المتوقع، في المخطط، كمنطقة كبيرة مظللة بشكل قطري مائل في الجزء العلوي من المدينة، بما في ذلك أحياء كولولو و ناكاسيرو. ويملي حدها الجنوبي شكل الحزام الأخضر (الذي يشمل المناطق الخضراء وملعب غولف لتسلية وترفيه سكان المدينة الأوروبيين). ويشار أيضا إلى حي آسيوي، جنوب شرقي الحزام الأخضر مظلل أفقياً. وإلى الجنوب الغربي، تشير المناطق الداكنة إلى منطقة التجارة الآسيوية، والمناطق المخططة بخطوط متقاطعة إلى منطقة أوروبية. وتحدد المناطق المنقّطة “الأماكن العامة المفتوحة”. وكتب كندال حول هذه الخطة: “تمت مناقشة مبادئ مشروع الخطة العامة بالتفصيل، لاسيما ما يتعلق بمستقبل السوق الهندي الحالي وموقع مناطق الحزام الأخضر التي تفصل المناطق السكنية للأعراق الرئيسية الثلاثة عن بعضها البعض وعن المنطقة التجارية أو السوق”(72). ورغم ذكر “ثلاثة أعراق” في نصه -الأفارقة والأوروبيين والهنود- يبدو أن خطة تقسيم المناطق للعام 1919 تقسّم المدينة إلى مناطق أوروبية وآسيوية؛ ولا تضع في اعتبارها منطقة منغو: المركز الحضري الإفريقي الرئيسي الواقع على الخريطة جنوب “حدود البلدة” في كمبالا، ولايتم تصنيفها كمنطقة “أفريقية” أو ذكرها في مفتاح الخريطة. كما يتم عرض “مساحة عامة مقترحة” واسعة (أي حزام أخضر آخر أو حزام صحي آخر) لفصل منغو عن المناطق التجارية في كمبالا. ويتفق نقص التحديد هذا مع ملاحظة  كاثرين كوكيري – فيدروفيتش ما اعتبرته ظاهرة متكررة في التمدن الحضري الاستعماري الإفريقي: يعترف بالمدينة الأوروبية كحيز حضري “حقيقي”، بينما ينظر إلى المستوطنات الأفريقية (التي تم تحديدها كضواحي في كتاب كندال (73)) كمراكز تنموية عشوائية غير خاضعة للسيطرة(74). ومن ثم تقر خطة تقسيم كمبالا بمستويين من الفصل العنصري. يشمل الأول التقسيم الطبقي المستمد من الهند الإمبراطورية(75)؛ ويفصل الثاني التقسيم المزدوج عن السكان الأفارقة. والنتيجة هي وقوع المجموعة الرئيسية من الوظائف الحضرية الأفريقية خارج حدود المدينة كما هو مفترض.

وعلى النقيض من ذلك، تتجنب خطة تقسيم آشبي للقدس الاعتراف بانقسامات اجتماعية وثقافية، وتظهر جميع المناطق السكنية والتجارية والصناعية كمساحات متجانسة غير متمايزة من الناحية الثقافية أو، كما هو الحال في خطة كمبالا، غير متمايزة من ناحية الخصائص العرقية. كان الوضع في القدس يواجه صعوبات واضحة، يمثل  أحدها التشكيل الفعلي للأحياء الجديدة خارج أسوار المدينة بطرق تتكرر فيها الفسيفساء الثقافية المتنوعة في المدينة القديمة. وأحد هذه الصعوبات الأخرى يتمثل في إنتاج خليط سكاني يقاوم بصورة كبيرة تعريفات السكان الأصليين أو غير الأصليين/الأوروبيين” بسبب توالي قرون عديدة من الممارسات الدينية المتعددة الطوائف النابعة من أصول مختلفة، بما في ذلك الأصول الأوروبية. وكان يعني هذا، من بين أشياء أخرى، ضرورة مسامية (بمعنى نفوذية) أي حزام أخضر أو متنزه حول البلدة القديمة، لا أن يكون منطقة فصل (بمعنى مصمتة). وتجدر الإشارة هنا عدم فرادة القدس، ضمن هذا السياق، في وجود أنماط من التمييز/ الفصل الإثني والديني، حيث أظهرت مدن استعمارية مختلفة في آسيا وأفريقيا أشكالاً متعددة من الفصل الثقافي والاجتماعي قبل وصول الأوروبيين، حين فرضت القوى الاستعمارية على رأس هذا مستوىً جديداً من الفصل هكذا ببساطة(76). لكن حالة القدس في عهد الانتداب تختلف عن هذه المدن من ناحيتين. أولاً، أدت التوترات والمواجهات الحضرية بين العرب واليهود إلى معضلات مكانية اختار المخططون عمداً عدم التعامل معها. ثانياً، اختاروا عدم فرض شكل استعماري “المدينة المزدوجة” من الفصل على تخطيط الحيز الموجود. وتظهر خطة واحدة فقط لحي سكني في القدس 1920-1922 (الشكل 6). وهي خطة لضاحية حديثة يهودية صممها المهندس المعماري اليهودي ومخطط المدينة ريتشارد كوفمان(77). وأطلق عليه الاسم العبري “رحافيا غاردن سيتي Garden City [Rehavia] ” (78).

الشكل 6. Richard Kauffmann, “Plan for Janjirieh Garden City [Rehavia].” From C.R. Ashbee, ed., Jerusalem 1920–1922: Being the Records of the Pro-Jerusalem Council during the First Two Years of the Civil Administration (London: John Murray, 1924), No.65. Reprinted by permission.

ويفضّل آشبي عدم الإشارة إليه كحي يهودي، ويذكره فقط بالاسم العربي للمكان “جنزاريا غاردن سيتي Janziriah Garden City ” (مكتوب بالاسم جنزاريا على المخطط)، وبالتالي يمتنع مرة أخرى عن الإشارة إلى الانقسامات الطائفية. ومثل أحياء غاردن سيتي في المدن الأخرى في ذلك الوقت، يتألف الحي من حدائق خاصة تحيط بالمنازل التي يختلف موقعها بالنسبة للشارع لتجنب مظهر التناظر المفرط. يتم تخطيط الشوارع بشكل عام بالنسبة للجادة الرئيسية التي تخترق الحي، ولكن يتم تجنب الشبكة الصارمة، وتوفير نظام منفصل من الممرات لتحسين حركة المشاة(79).

ومن المهم ذكر عدم إشارة آشبي في خرائطه أو في كتابه إلى العلاقة بين تخطيط الأحياء والتقاليد السكنية المحلية. فكانت المباني السكنية التقليدية في القدس خلال القرنين التاسع عشر تتألف، إلى حد كبير، من “الحوش” العربي الفلسطيني، أو “الباحة chatzer” اليهودية -ويستند كلاهما على مبادئ  متشابهة(80). ولكن آشبي لا يشير أبداً إلى النسيج المشترك الذي أوجدته هذه الشقق، ولا إلى النواة العائلية التي تطورت حولها. كما لا يشير إلى الأحياء القائمة في أوائل القرن العشرين والتي تطورت فيها المساكن بعيداً عن الأنواع التقليدية. كما لا يوضح في أي حي جديد من أحياء الطوائف اليهودية والمسيحية والإسلامية سيتم إقامة حي أو أحياء غاردن سيتي المقترحة. ولعله  كان يعتزم، بإدراجه “جنزاريا غاردن سيتي” في كتابه، إظهار كيف لحي في القدس يمكنه تمثيل التخطيط الحديث للمدينة، وبصفته مؤيداً لأفكار “جاردن سيتي”، كان يروج، على الأرجح، إلى مثل هذا النموذج للعديد من الأحياء السكنية الخاصة المبنية خلال العقد الأول من الانتداب البريطاني على يد اليهود والعرب: المسيحيين منهم والمسلمين(81).

هنري كندال: احتفاء وتكريم

كُلف هنري كيندال كمخطط مدينة حكومي لفلسطين في العام 1935 وبقي في هذا المنصب حتى العام 1948. وتعتبر مخططاته الحضرية التي سنناقشها هنا كما ظهرت في كتابه Jerusalem: The City Plan, Preservation and Development during the British Mandate 1918–1948، ذات أهمية كبيرة، لأنه يلخص عملية التنمية العمرانية في القدس خلال فترة الانتداب البريطاني بأكملها. وعلى مدى السنوات التي انقضت بين خطط آشبي وخطط كندال، صدرت مخططات أخرى على درجة من الأهمية أيضاً، لعل أبرزها مخطط كليفورد هوليداي، الذي تمت الموافقة عليه في العام 1930 كأول مخطط قانوني للمدينة(82). ويقدم كتاب كندال إسهامه الخاص المتمثل في مخطط جديد للمدينة وضع في العام 1944، يخصص في قسم كبير منه المرفق بالصور وصفاً باذخاً للبلدة القديمة، وتاريخها، ومشاريع الحفاظ على التراث والترميم البريطانية. كما يوضح المباني الرسمية التي شيدتها سلطات الانتداب(83). ومن الواضح أن الغرض من نشر الكتاب عشية الانسحاب البريطاني من فلسطين إيداع سجل رسمي عن دور بريطانيا في الحفاظ على القدس وتطويرها. وفي الواقع، قدم آخر مفوض سامي في فلسطين، السير آلان غوردون كننغهام، هذا الكتاب كتكريم “للجهود المبذولة للحفاظ على الماضي القديم مع إضافة الجديد بما يتوافق معه، وعملية تزاوج ما هو تقدمي وحديث مع ما هو عتيق ونفيس”(84). وكانت السنوات العشر الأخيرة من الانتداب البريطاني فترة عنف في فلسطين وقد أصبحت النزعتين القوميتين الصهيونية والعربية أكثر تحديداً وتطرفاً(85)، مما أدى إلى اشتباكات متكررة وشديدة. حاول البريطانيون استخدام القوة لتقييد واحتواء هذا العنف في الوقت الذي سعوا فيه أيضاً لإيجاد حلول دبلوماسية لمصادره الأساسية. وزاد تقدم الحرب العالمية الثانية من تعقيد السياسات البريطانية في الشرق الأوسط عموماً، وفي فلسطين خصوصاً. ومع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن الانتداب لن يكون ترتيباً دائماً. وتأكدت الشكوك بشأنه من خلال النزاعات داخل الحكومة البريطانية نفسها(86).

وطرحت بريطانيا خلال هذه السنوات العديد من المقترحات لتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وفلسطينية، تم رفضها جميعهاً سواء من طرفي النزاع أو من أحدهما. ومن المثير للاهتمام، أن أياً من هذه المقترحات لم يمنح القدس لأي طرف. وبرغم امتصاص المنطقة الانتدابية “أ” حصة أكبر من طاقات الإمبراطورية المتهالكة بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، إلا أن الاقتراح البريطاني الثالث والأخير في العام 1946، أصر على بقاء المدينة في أيدي البريطانيين(87). كما أن الاقتراح الرابع الذي ينص على تقسيم  البلاد، والذي قدمته الأمم المتحدة في العام 1947، وضع المدينة كمنطقة دولية(88). وعلى الرغم من  تحديد الخطط واللوائح الواردة في كتاب كندال لمسار التطوير لسنوات عديدة قادمة، ورغم أن العمارة البريطانية الرسمية التي ظهرت فيها لم تكن مؤقتة، فقد اتسم موقف كندال تجاه مستقبل المدينة بالحذر:” هذا المخطط.. أكثر تعبيراً عن مختلف الخطط والمخططات المختلفة القائمة التي تم إعدادها، بدلاً من مسح حضري يتضمن توصيات لتطوير خطة رئيسية. لقد سمعنا في الآونة الأخيرة الكثير عن خطط طموحة تم التخلي عنها حالما أعلنت. إن تطوير مدينة القدس الحديثة مرتبط بمستقبلها السياسي، وهذا يستدعي اهتمام الأمم المتحدة”(89).

شمل مخطط كيندال الحضري للقدس العديد من الخرائط، وثقت بعضها تخطيط القدس في ذلك الوقت، وبعضها، كما ذكر أعلاه، يحتوي على خطط للتنمية المستقبلية. غير أن مخططات تنمية كندال تميزت بالعديد من الالتباسات. فقد كانت، من بين أمور أخرى، غير مترابطة وتفتقر إلى التفاصيل والتوضيحات النصية. وعبرت في العام 1944، بصورة رئيسية عن الفترة المضطربة التي وضعت فيها. وكما هو الحال في خطة آشبي السابقة، يتجسد عدم اليقين بشأن مستقبل القدس في افتقار خطة كندال إلى طرق وأساليب معينة للتعامل مع حقائق الواقع الحضري للمدينة. ومن بين الاتجاهات الأخرى للتخطيط الحضري  خلال فترة الانتداب (وبتشجيع من المسؤولين البريطانيين)، خضعت المنطقة خارج أسوار المدينة القديمة لعملية نمو وتحديث متسارعة، بما في ذلك تطوير البنية التحتية الضخمة. ويوضح  كندال في خطته لتقسيم الأراضي سنة 1944 تطور المدينة بشكل عام وفقاً لتوجيهات سابقة (الشكل 7). تم بناء المساكن والأعمال نحو الغرب والشمال والجنوب. كما تطور نظام المتنزهات، الذي يطلق عليه كندال “محمية طبيعية”، لجهة الشرق -رغم تقلص حجمها بصورة كبيرة بسبب النمو السريع في المدينة. وبالمثل، وكما قصد آشبي، استخدم نظام المتنزهات لإطار المدينة القديمة وحمايتها من التطور الجديد (ولكن ليس لفصل سكانها عن بقية المدينة).

الشكل 7. Henry Kendall, The 1944 Scheme: Zoning Plan. From H. Kendall, Jerusalem: The City Plan, Preservation and Development during the British Mandate, 1918–1948 (London: His Majesty’s Stationery Office, 1948), map facing p.26. Reprinted by permission.

وعلى غرار خطة غيديس للعام1918، شملت خطة كندال للعام 1944 نظام طرق حديث، مع طريق دائرية تحيط بالمدينة. كما تخصص الخطة مساحة أكبر للصناعة، ورغم ذلك، وعلى غرار أسلافه، علق كندال بأن “القدس غير مناسبة للصناعات الثقيلة.. ومن المؤكد تعارض التنمية الواضح مع جوانبها الثقافية والدينية الأكثر أهمية(90). ورغم مرور أكثر من عشرين عاماً على خطة آشبي، لايزال التركيز موجهاً بالدرجة الأولى نحو الفائض الروحي للمدينة. وتظهر مناطق الحفظ أيضاً في مخطط تقسيم المناطق للعام 1944، التي تم تحديدها في الخريطة باسم “المناطق الأثرية”. وكلما كانت الإطارات السوداء المتقطعة، يصعب في كثير من الأحيان تحديد موقعها. وتتكون معظمها أيضاً من مناطق سكنية، مما يجعل من غير الواضح كيف سيتم التنقيب فيها، أو كيف ستستمر الأحياء السكنية في حالة وجودها(91). وعند محاولة تحليل تخصيص المناطق السكنية، فالغموض في خطة كندال للعام 1944 يبعث على مزيد من الإرباك. وتقسم المفاتيح الإيضاحية للخريطة المناطق السكنية إلى مناطق A – F بناء على حجم المساكن الفردية في كل منطقة(92). وثمة فكرتان مفيدتان هنا. أولاً،  يقترح كندال، كما فعل آشبي، إنشاء ضواحي حدائق للمناطق النائية -على الرغم من احتمال احتوائها أيضاً مباني سكنية حديثة، وليس فقط فيلات خاصة(93). ثانياً، تعرض خطته، مثل سابقيه، عدم حساسية واضحة تجاه أنماط السكن المحلية في المنطقة (94). ويبرر وضع قيود شديدة على حجم المنزل بالتأكيد على أن “منزل بمساحة بين 150 إلى 180 متر مربع في المنطقة كافٍ لتلبية الاحتياجات العادية لمعظم الأسر المقدسية”(95). ويتجاهل احتمال بناء منازل أكبر للأثرياء، كما يتجاهل حقيقة أن العرب واليهود التقليديين أو الأرثوذكس لديهم أسر كبيرة للغاية في أغلب الحالات. وفي النهاية، قام كندال بدمج أنظمة ولوائح الإسكان هذه في نظام مخطط المدينة، والذي اعتبره معاصره كليفورد هوليدي تقييداً، حيث انتقده بتبنيه خطة قديمة تعتمد على “السيطرة التنظيمية والتقييدية على التنمية”(96).

وفي نقد خطة “لو كوربوزييه” لمدينة الجزائر المعروفة باسم Plan Obus، التي ظهرت في الثلاثينات وأوائل الأربعينيات، ناقشت ميشيل لامبراكوس تجاهل خطة الإسكان الحديث هذه العلاقة بين شكل السكن التقليدي الإسلامي لمثل هذه المؤسسات فوق العائلية كالعائلة الموسعة والعشيرة التي تحظى بمنافع فائقة(97). وأكدت على رؤية مخططي المدينة الاستعمارية إلى مثل هذه الأنماط التقليدية باعتبارها عائقاً أما تنمية وتطوير اقتصاد رأسمالي(98). ويتفق مع مثل هذا الرأي، تركيز كندال على السكن الحديث، إلى جانب استخدامه لحجم المسكن كمعيار لتقسيم المناطق. وفي الواقع، قد تكون خططه للتقسيم  قائمة على رغبته في إدخال معايير حديثة، استناداً إلى هياكل الاقتصاد الرأسمالي، إلى القدس. إن تأثير هذا التجاهل على البنية الاجتماعية والثقافية الموجودة في المدينة لا يتضح إلا من خلال استخدام نظام ألوان مربك. وكان من المستحيل إيجاد، في معظم أجزاء خريطة التقسيم للعام 1944، ارتباط  بين الألوان في مفتاح التوضيح، والتي تكون في بعض الحالات مؤطرة أو مخططة، وتحمل ألوان الخريطة نفسها. ومن غير الواضح، بالتالي، أي من الأحياء والطرق موجودة حالياً تخضع لاقتراح تطويرها مستقبلاً. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن العديد من المناطق السكنية تتداخل مع مناطق الفضاء المفتوح.

انتقد هوليدي هذا الغموض الغرافيكي بحدة في سياق مراجعة كتاب كندال في العام 1948. وربما يكون هذا، كما يصف هوليدي، نتيجة “تكرار خاطئ”(99). ولكني أود اقتراح أن عدم الاتساق كان مقصوداً جزئياً على الأقل. ولم يتم ذكر أي “منطقة سكنية” بالاسم في خطة العام 1944، مما يجعل تقسيمها إلى أحياء دينية وطائفية تقسيماً غير مرئياً. كما يذكر المفتاح التوضيحي “المدينة القديمة” و”سلوان” و”الطور” بجوار مربع أزرق، ولكن لا يوجد سبب معين لمنحها تمايز خاص. لا يمكن، ببساطة، لأي خطة تقسيم تجاهل التقسيم الأساسي لمدينة مثل القدس إلى أحياء أن تنقل حقيقة نسيجها الحضري الحالي، ناهيك عن التنبؤ بمستقبلها. وبما أن العرب الفلسطينيين واليهود خاضوا صراعاً تنافسياً في العديد من مناطق المدينة، فربما حاول كندال أيضاً تجنب أي بيان سياسي يمكن تفسيره كتخصيص للتطوير المستقبلي للأراضي لإحدى الجماعتين دون الأخرى. ومن السمات الرئيسية الأخرى لخطة كيندال رفضه تحديد حي “بريطاني” أو “أوروبي”. ويتمثل الواقع هنا بأن مثل هذا الإعلان الصريح عن الوجود الأجنبي خلال السنوات الأخيرة من الانتداب -حتى أكثر من زمن آشبي- سيؤدي  إلى إلحاق المزيد من الأضرار الفادحة في محاولات البريطانيين حل النزاع بين العرب واليهود، ويؤثر على نحو مباشر على صورة بريطانيا كوسيط، ليس فقط في عيون السكان المحليين، ولكن أيضاً في نظر العالم. وقد أبرز استبعاد أي وجود بريطاني من الخرائط أمل كندال في أن ينظر إلى كتابه كتذكار عن الانتداب البريطاني للبلد وليس بصفته بيان عن استمرار ملكية المدينة

وعلى الرغم من قراره التخلي عن التقسيمات الإثنية والدينية في خريطة تقسيم المناطق الرئيسية، إلا أن كتابه يتضمن خريطة أخرى بعنوان “توزيع السكان” (الشكل 8). ويشير هذا إلى المناطق التي يسكنها اليهود والمسيحيون والمسلمون، حيث يشير اللون الأزرق إلى مناطق السكان اليهود، واللون الأخضر إلى مناطق المسلمين والأرجواني إلى المناطق المسيحية. لكن الخريطة لا تتناول التقسيمات الفرعية بحسب الطائفة، ولا تشير إلى المناطق التي يتشارك السكن فيها مجموعتان أو أكثر. كما أن كتل الألوان في الخريطة تصبح أقل وضوحاً بسبب تسميات إضافية مثل “المناطق المكتظة” و “التجارية” و “الصناعية”. علاوة على ذلك، لا يحاول كيندال ربط المعلومات الموجودة في المخطط العام لتقسيم المناطق بهذه الخريطة الثانية، وبالتالي فإن أنماط تنمية المشاريع قد تعكس الانقسامات الدينية الموجودة في المدينة. كما تظهر خريطة أخرى، تصف “تجميع وحدات الأحياء”، تبدو غير واقعية اليوم أيضاً (الشكل 9). ويبدو واضحاً أن هذا يمثل تطبيقاً لنظريات التخطيط البريطانية المعاصرة، التي تقول بارتباط الأحياء الخلوية، التي يحتوي كل منها على مدرسة ابتدائية ومتاجر، بتقسيم هرمي وطرق لتشكيل المدينة(100). ومع ذلك، تطفو في خريطة كيندال الأشكال الحيوية في اللونين البني الداكن والبيج، والتي تمثل الأحياء، بحرية بين الطرق الرئيسية في المدينة. وتشير الأشكال البنية الداكنة إلى “الأحياء الموجودة”؛ وتشير الهالات البيج المحيطة بها إلى امتداداتها. وتشير الأشكال الأرضية البنية إلى الأحياء المستقبلية.

الشكل 8. Henry Kendall, “1944 Survey: Distribution of the Population.” From H. Kendall, Jerusalem: The City Plan, Preservation and Development During the British Mandate, 1918–1948 (London: His Majesty’s Stationery Office, 1948), map facing p.34. Reprinted by permission.

وبالنسبة للنموذج البريطاني النظري، تحتوي نواة كل حي في القدس على مدرسة (يشار إليها بنقطة حمراء) ومتاجر (يشار إليها بنقطة زرقاء). ومع ذلك، فهي تفتقر إلى المرافق الأساسية الشرق أوسطية مثل أماكن العبادة (سواء كانت مساجد، أو كنس أو كنائس) والحمامات العامة، والحمامات اليهودية الخاصة mikveh. ويتجنب كندال، من خلال حذف هذه الدلالات الثقافية أو الدينية، مرة أخرى الالتزام بالإشارة إلى جماعة على حساب الأخرى. وعلى النقيض من ذلك، قام ألبرت لابراد بتضمين أماكن مثل الحمامات العامة والمدارس القرآنية والمساجد والأفران في خططه للأحياء الجديدة في الدار البيضاء(101).

وإذن، تتجاهل الخريطة في الشكل 9، أيضاً الأحياء الحضرية الإثنية أو الطائفية، مما يخلق أيضاً وهم مساحة حضرية موحدة.

الشكل 9. Henry Kendall , “The 1944 Scheme: Grouping of Neighbourhood Units.” From H. Kendall, Jerusalem: The City Plan, Preservation and Development During the British Mandate, 1918–1948 (London: His Majesty’s Stationery Office, 1948), map facing p.40. Reprinted by permission.

حاولت خطط كندال الحضرية، من خلال العديد من الصور والرسومات التوضيحية للقدس التي ملأت بقية كتابه، محو الخصائص الإثنية والدينية والثقافية الأساسية للمدينة. ووضعت في مكانهم في نهاية عهد الانتداب تأكيدات على إمكانات التنمية الحديثة غير المقيدة.

تعريف النمط المعماري

تم تخصيص أجزاء كبيرة من كتب آشبي وكندال لتحديد نمط معماري مناسب للأقسام الجديدة المخططة في القدس. وقد استلهما أفكارهما من المباني القديمة والبيئة الحضرية “الشرقية” للبلدة القديمة عند تحديد الأنماط المعمارية، وأدى الإقرار بقيمة البلدة القديمة كنموذج للعمارة الجديدة إلى منح البلدة القديمة دفعة قوية وزخماً إضافياً للحفاظ عليها. وكانت مواقف آشبي وكندال متشابهة فيما يتعلق بمسائل تحديد وحفظ نمط جديد للعمارة حين اعتمد كلاهما على النمط الشائع عادةً في المدن الاستعمارية. وكانت المحافظة على البلدة القديمة تدار في السنوات الأولى من الانتداب من قبل جمعية حماية القدس. وبرز المفهوم الرومنسي والاستشراقي الذي تمسك به ضباطهاً في الملاحظات الافتتاحية لآشبي في خطط القدس 1918-1920: كان هدف جمعية [حماية القدس] يتمثل في اعتبار المدينة القديمة وحدة مستقلة في حد ذاته، ضمن محيط سورها، بقلعتها الكبيرة مع أبراجها الخمسة، وتتقاطع مع شوارعها المسقوفة وقناطرها المقببة، حيث تتداخل البيوت في طبقات متراصة فوق بعضها البعض.. “صهيون هي مدينة متماسكة ومدمجة معا”. إن هذا الترابط أو الوحدة، التي تميز القدس، هي ما حرصت الجمعية على الحفاظ عليه(102). وهكذا أصبحت المدينة القديمة خاضعة للتدخل البريطاني، حيث هيمنت المفاهيم الغربية والمفاهيمية المتعلقة بالحفاظ على المناطق الحضرية على الممارسات والأنشطة المعمارية. كما حملت القرارات البريطانية المتعلقة بالنسيج الحضري أيضاً أغراضاً سياسيةً مميزة، كان أولها نزع شرعية الحقبة الأخيرة من حكم الدولة العثمانية. وقام المسؤولون البريطانيون بفرز خيوط تاريخية معينة، مع الحفاظ، قبل كل شيء، على مفهومهم المثالي للقدس. وبالتالي، بقيت الآثار الإسرءيلية القديمة والرومانية والإسلامية والصليبية والآثار المقدّسة تعامل بوصفها كنوزاً. بالإضافة إلى الآثار العثمانية من عصر السلطان سليمان القانوني. وأبدى العديد من الآثاريين والمؤرخين، الذي تعاونوا في إنتاج مؤلفات آشبي، إعجابهم في المواقع المنسوبة لهذه الحقب، ونوقشت  خطط الحفاظ عليها بالتفصيل. كما أعرب هنري كندال مراراً عن إعجابه بهذه العصور(103).

وعلى عكس ذلك تماماً، تم التقليل من قيمة المشاريع العثمانية الأخيرة بشكل منهجي(104). وتم تبرير محو الأدلة المادية للفترة العثمانية المتأخرة هذه من خلال التقليل المستمر من قيمة الأتراك(105). وهكذا، تضمنت مقالة نشرت في لندن تايمز في الخامس من شباط1919، ترحيباً بالمخططات البريطانية الجديدة للقدس، وربما كانت المقالة من تأليف آشبي، وجاء فيها: من الصعب تخيل تناقضاً أكثر حدةً بين القدس الكامنة في خيال البشر، سواء كان يفكر فيها من منظور محمد ومعراجه نحو السماء، أو من عظمة سليمان، أو من عظة المسيح على الجبل، وبين تلك القدس التي تركها لنا الأتراك، فهذه الأخيرة ليست إلا  قدس مجسدة بمشهد تصويري رائع لبلدة متوسطية لكنها بلدة قروسطية قذرة، مع امتدادات مترامية الأطراف من الضواحي وأبنية خشبية غير ملائمة البتة، تفتقر إلى المياه، وطرق سيئة غبر مناسبة تسير بك نحو المجهول(106). غير أن الإدارة العثمانية كانت قد أدخلت، في الواقع، العديد من التحسينات على القدس في نهاية القرن التاسع عشر. ورغم ذلك، واجهت السلطات البريطانية، فيما بعد، مشاكل جدية عديدة، واستخدموا هذه المواقع المتهالكة لتعزيز مطالبهم بالمدينة. وتضم كتب آشبي وكندال على العديد من التعليقات المشابهة لتلك الواردة في مقال تايمز. وكان الموضوع دائم التكرار هو النظافة، أو بالأحرى نقصها أو عدم وجودها. واستخدمت مزاعم قلة النظافة وغياب أنظمة الصرف الصحي في الأراضي المستعمَرة بشكل روتيني كمبرر لامتلاكها من قبل القوى الأوروبية. وفي حالة فلسطين، استخدم آشبي و كندال هذا الموضوع لنزع شرعية حكام البلاد السابقين(108). وكان ينظر إلى “المدينة الأصلية” في الإطار الاستعماري عموماً، كموقع معماري “مشهدي خلاب”، وسيل مروري غير منتظم وقذر(109). وبدلاً من استخدام هذا الخطاب المدمر لتأسيس تفوق المدينة “الأوروبية”، فقد استخدمه آشبي وكندال للاستنكار والتأسف على إهمال من سبقهم. ويناقش آشبي على وجه الخصوص الحاجة الماسة إلى تنظيف النفايات التي خلفها الأتراك وراءهم(110).  كما شدد، وكذلك كندال، على ما اعتبراه عدم احترام الأتراك للأهمية الأثرية لأسوار المدينة(111). وأشار كيندال أيضاً إلى حالة المباني عموماً والبلدة القديمة المروعة “قبل وصول البريطانيين”(112). وربما كانت أكثر الأعمال رمزية على محو فترة الحكم العثماني هدم برج الساعة المزخرف والسبيل المائي المجاور له، وهما من الرموز التي أشار إليهما كيندال بـ “القبيحة”، واعتبرهما آشبي رموزاً “بشعة”(113). علماً أن برج الساعة من الصروح العثمانية التي نصبت في العام 1901 في المدينة قرب بوابة يافا [باب الخليل] إحياءً للذكرى الخامسة والعشرين لحكم السلطان عبد الحميد(114). قبل أن يتم تفكيك البرج في العام 1924 رغم الاحتجاجات العامة(115). .كما أشار كيندال إلى “إخلاء المحلات القبيحة في محيط بوابة دمشق [باب العمود]”(116). وربط عملية الهدم هنا بشكل شرعي حيث: وزعت إخطارات، بالتعاون مع السلطات المحلية، لأصحاب العقارات، تمنحهم وقتاً كافياً للعثور على أماكن بديلة. لتبدأ بعدها مباشرة إجراءات نزع الملكية، ثم، بعد فترة وجيزة لا تتعدى بضعة أشهر، هدمت المباني ودفعت تعويضات لأصحابها(117).

ويقدم كندال في الجزء الذي يتناول فيه من كتابه تدفق الحركة المرورية في المناطق الحضرية، وصفاً لمدخل القدس الغربي: “تمتد طريق الخليل عبر منطقة فيها بعض البنيان وتوفر واجهة لبعض المباني التي تقع ضمن منطقة إعادة الإعمار الجاهزة للهدم(118) [التأكيد من عندي].. كما يعرب عن أمله في تحقيق “السلطات المحلية، بالتعاون مع أشخاص أكفاء، نوعاً أكثر رضاً للتعبير المعماري للمباني..”(119). وفي وقتنا الحالي ينظر إلى كلمات كندال كتعابير استعمارية واضحة، رغم تأكيده على مزايا التعاون مع “السلطات المحلية”. ورغم عدم الكشف عن هوية هذه “السلطات”، فمن المرجح أن يكون المقصود الإدارة البلدية المقدسية شبه المستقلة(120). ويعكس هذا، مرة أخرى، شروط الانتداب التي تملي على السلطات البريطانية ضرورة تبني تقليد جديد للحكم الذاتي والاستقلالية الحكومية بين السكان المحليين. بيد أن كندال نفسه لم يبد أي اهتمام لينظر إلى آراء السكان المحليين أثناء التشاور مع السلطات المحلية.. وكما كتب آشبي أيضاً، بطريقة تتسق مع الخطاب الاستعماري، حول كيفية إشراك السكان المحليين في مهام تنظيف الأنقاض “التركية” وتنفيذ أشغال إعادة البناء الأثري. وكان قد لاحظ كيف “يمنع العمل اليدوي.. من الانخراط في تكهنات سياسية فارغة”(122)، وذلك في سياق ارتياحه من آفاق التعاون القسري(122).. وبوجه عام، اقترب البريطانيون من الحفاظ على القدس وتطويرها بطريقة مماثلة للخطوات التي اعتمدتها السلطات الاستعمارية الفرنسية في مدن المغرب العربي. فعلى سبيل المثال، خصّص الفرنسيون البلدة القديمة في مدينة الرباط والقصبة في الجزائر العاصمة للمحافظة عليها بسبب نسيجهما الشرقي الساحر(123). ومع ذلك، ففي المدينتين، كما في القدس، كان للحفظ أيضاً أجندة هيمنة واضحة، وكان يتميز بأوضاع وأساليب تبرير مماثلة لما هو في النصوص الاستعمارية(124).

وعلى الرغم من هذا التشابهات، فهدف حماية الوظائف الدينية في القدس جعلها متميزة عن الحالة الفرنسية. كان أهم مبدأ في القدس السماح للأديان الثلاثة بمواصلة طقوسها الهامة في أماكنها المقدسة. ولهذا السبب، فإن الحفاظ على القدس لا يمكنه أن يشمل إقصاء سكان المدينة القديمة الأصليين -كما كان الحال في الرباط على سبيل المثال(125). يجب التأكيد على أن  تعبير سكان البلدة القديمة في القدس يتضمن السكان الأصليين والمهاجرين من أوروبا والشرق الأوسط، ومختلف الأصول الأخرى، وأن هؤلاء بدأوا بالفعل في الاستقرار خارج أسوار المدينة، مستنسخين تجمعاتهم القديمة في مساحات جديدة.

وثمة هدف آخر مهم للحفاظ يتمثل في الحفاظ على مباني البلدة القديمة كمصدر لنمط معماري يكون “مناسباً” للقدس الحديثة. ومن المفترض أن يتماشى هذا النمط الجديد مع عمارة القباب والسقوف المسطحة والأقواس والأبنية الحجرية المعروضة بشكل مثير للإعجاب من خلال الصور في أعمال آشبي وكندال (شكل 10).

الشكل 10. Photograph entitled “Domes: various types in the Mount Zion Area.” From H. Kendall, Jerusalem: The City Plan, Preservation and Development During the British Mandate, 1918–1948 (London: His Majesty’s Stationery Office, 1948), Fig.86. Reprinted by permission.

للتأكيد مرة أخرى، تشبه هذه المقاربة، النهج السائد في المغرب الفرنسي، حيث استخدم المخططون الاستعماريون العناصر الأسلوبية للعمارة المغربية التقليدية لتعيين نمط مناسب لأسلوب التطوير الجديد(126). أما في القدس فكان ينظر لعمارة بلدتها القديمة كنمط ثابت غير قابل للتطور والتغيير. وأتى “التهديد” الوحيد لهذا التصور من الخارج على هيئة أسلوب “أجنبي” أو عمارة أوروبية، وهو تهديد كان من المفترض تجنبه قدر الإمكان.

واعتبر آشبي، على وجه الخصوص، غزو العمارة الأوروبية ليس مجرد مشكلة في الأسلوب فحسب، بل أيضاً في التقنية والمواد(127). وهكذا، تم تطوير قوانين ولوائح تضع قيوداً على أسلوب البناء وتسمح فقط باستخدام الحجر المحلي، وتطورت هذه اللوائح لتصبح مذهباً سائداً في أساليب تشييد أبنية المدينة الحديثة (128). وبهذه الطريقة، تحولت تقاليد البناء لسكان القدس إلى قانون. ولكن، وكما جاء في أطروحة بعنوان “المشكلة الاستعمارية” (1938): “ينتمي العرف إلى المجتمع نفسه، ولكن شطب حق التفسير والتغيير في المجتمع، هو بحد ذاته شكل من أشكال العنف الأكثر خطورة، وإن كان أقل وضوحاً من مصادرة الأراضي الزراعية أو الغابات”. وبمجرد تدوين العرف، وصياغته في تشريع واستثماره من قبل السلطة الأوروبية بصلاحياتها الكاملة فائقة القوة، سيصبح قابلاً بلا أدنى شك للتطبيق على المجتمع المحلي مثلما يمكن  تطبيق حد الجلد رغم أنه لم يعد ينتمي إلى أعراف المجتمع (129). وضمت سلطات الانتداب البريطاني بدقة هذا الأسلوب وتعريفه في القدس.

وتعد خطة أشبي لإعادة تنظيم وتصميم المنطقة الواقعة خارج بوابة يافا [باب الخليل] مثالاً ممتازاً لهذا النهج. واقترح استبدال المباني الجديدة ذات الطرز الأوروبية هناك بمبانٍ تتميز بسلسلة من القباب والأقواس البيضاء (شكل 11). كما تم تحديد المباني التي يجب هدمها والتي تعود لفترة ما قبل الانتداب، بحيث ستشتمل أشغال إعادة تشكيل المنطقة على عملية محو تاريخي. ومع ذلك، لم يقدم آشبي مع هذا الاقتراح خططاً معماريةً مفصلةً، ويبدو أن اهتمامه كان في الغالب يركز على التفاعل الجمالي للواجهات. وفي رسم تخطيطي، أعاد آشبي أيضاً استنساخ الرموز التي تظهر في الصورة، مؤكداً على الملابس التقليدية بهدف نقل أجواء مشرقية. لا تكثر مثل هذه التفاصيل المشرقية الخلابة ﻓﻲ النصوص الموجودة في كتب جمعية حماية القدس، في حين تظهر في أعماله تصاوير فوتوغرافية لشخصيات مرتدية ثياب طويلة وتقود الجمال والحمير ومخططات معمارية بشكل روتيني شخصيات مسروقة قيادة الجمال والحمير أو تحمل سلال(130).

الشكل11. Charles Robert Ashbee, photograph of the Jaffa Gate Market, coupled with a sketch showing “Proposed alterations from the same point with the reconstructed café and a low built containing wall for a properly regulated market.” From C.R. Ashbee, ed., Jerusalem 1920–1922: Being the Records of the Pro-Jerusalem Council during the First Two Years of the Civil Administration (London: John Murray, 1924), Nos.42–43. Reprinted by permission.

ويظهر كتاب كندال أيضاً السكان المحليين بطريقة تؤبد التقاليد الشرقية. ويقدم، على غرار آشبي، العديد من الاقتراحات أيضاً للواجهات “المشرقية” والمشهدية المكانية. في حين تغص رسوماته وخططه بشخصيات “مشرقية”. ويمكن ملاحظة ذلك، على سبيل المثال، في نموذج تم إعداده لإعادة بناء بوابة دمشق [باب العمود]، حيث ينتصب مرتفعاً شخص يرتدي الثياب ويقود جملًا وآخر يركب حماراً صعوداً فوق المنحدر (الشكل 12). وفيما يتعلق بالمحافظة على التراث المعماري وتعريف الأسلوب، فقد اتبع آشبي وكندال فيما كتباه عن القدس نهجاً يحاكي إلى حد كبير المواقف الاستعمارية السائدة. ويبدو أنه يتعارض مع طابع مخططات التنمية الحضرية المقدمة في الكتب، مما يزيد من الإحساس بالتناقض المرتبط بالوضع البريطاني في المدينة.

الشكل 12. Henry Kendall, “Damascus Gate Improvement Scheme,” photograph of model. From H. Kendall, Jerusalem: The City Plan, Preservation and Development During the British Mandate, 1918–1948 (London: His Majesty’s Stationery Office, 1948), Fig.27. Reprinted by permission.

صورة التعايش

نظراً لأن القدس لم تتحول إلى عاصمة مستعمَرة بريطانية قط، فلا يمكننا الحديث عن تعبير استعماري أو عن عملية تصفية الاستعمار في خططها الحضرية. ولكن يمكن ملاحظة بعض خصائص هاتين العمليتين، والتي شكلت إعادة النقاش حول الحيز العمراني. فأولاً، قامت الاتجاهات الاستعمارية بتجميد تاريخ البلدة القديمة وتأبيده، في الوقت الذي تمت فيه محاولات محو علامات وآثار النظام العثماني وإدخال سياسات عمرانية جديدة. واستخدمت عملية حفظ المدينة القديمة، في الواقع، كبروباغاندة واسعة لتسويغ الحكم البريطاني. ويمكننا سماع شعار “لا أحد يفعل ذلك بشكل أفضل” يتردد في كتابات الفترة الانتدابية. ثانياً، استخراج آشبي وكندال تقاليد العمارة في البلدة القديمة، واستخدمت لتسمية وتعيين نمط معماري مناسب للمباني الجديدة. لم يتم تقديم مخططات معمارية جديدة بالتفصيل في منشورات آشبي أو كندال، ولكن من الواضح أن تخطيط الأحياء لم يأخذ في الاعتبار الممارسات الثقافية المحلية والمساكن التقليدية. ثالثاً، عرضت سياسات التخطيط للقدس جوانب معينة من عملية تصفية الاستعمار، حيث أظهر هذا التخطيط المدينة وكأنها تنتمي لسكانها الأصليين الذين كانوا مطالبين بأداء وظائف إدارية معينة، وتم تشجيعهم على التعاون مع السلطات البريطانية. وعلى الرغم من أوجه التشابه هذه مع مدن استعمارية أخرى، اختلف تخطيط القدس بشكل ملحوظ عن النموذج الاستعماري. برغم فصل البلدة القديمة عن المدينة الجديدة بحزام أخضر، كما هو مألوف في المدن الاستعمارية، فلم يكن الهدف هو الفصل، بقدر ما كان خلق منطقة “روحية”. بالإضافة إلى ذلك، تجاهلت مخططات آشبي وكندال ميل السكان للانعزال الثقافي والديني، سواء داخل المدينة القديمة، أو في المناطق الأحدث خارج أسوارها، على الرغم من إدراكهما الواضح لوجود الديانات التوحيدية الثلاثة  كعناصر أساسية في طابع المدينة.

علاوة على ذلك، كان وجود البريطانيين كسلطة حاكمة غائب فعلياً في خرائط الخطط. ومن ثم، فإن ظاهرة الفصل القسري الاستعمارية بين السكان “الأوروبيين” و “السكان الأصليين” لم تتجسد في مخططات التنمية الحضرية في القدس. رغم تعبير النصوص المصاحبة عن هذا الإحساس بالسلطة من خلال أدوات بلاغية شائعة في خطابات الخطاب الاستعماري(131). وسيكون من المبالغة في التبسيط محاولة تفسير هذه الاختلافات بين القدس والمدن الاستعمارية الأخرى فقط على أساس تكامل القدس الفريد(132)، ومن الضرورة بمكان، بدلا من ذلك، دراسة الحالة الانتدابية التي تختلف عن الحالة الاستعمارية. وبالنظر ضمن هذا السياق، فمن الممكن رؤية الخطط الحضرية التي نوقشت هنا كتعبير غامض عن ازدواجية ناجمة من عدم اليقين الذي كان يحيط بالانتداب البريطاني وما ينتج من التباس حول مستقبل المدينة. وفي الواقع، يدلل عدم وضوح الحقائق الاجتماعية والثقافية في القدس في جميع الخطط التي نوقشت هنا على وجود جو من المؤقت الراهن وعدم الاستقرار السياسي، والذي عبر عنه في بعض الأحيان المسؤولون البريطانيون بشأن الانتداب. وعبرت المخططات البريطانية عن ضرورة تجسيد السيطرة في الوقت الذي أقرت بالحقوق المتنامية لكل من اليهود والعرب في تأكيد هوياتهم الوطنية الخاصة. وهكذا تأسست الخطط على المستوى الحضري من خلال الحاجة إلى استتباب النزاع الناشئ الذي تطور من طموحات وتطلعات الثقافات والثقافات الفرعية في تعريف مساحاتها الحضرية في ذات المنطقة الجغرافية.

تدعم كتابات آشبي وكندال هذا الجهد الرامي إلى الحفاظ على صورة الانتداب الحضارية الناجحة لحماية المدينة من خلال تجنب النقاشات المتعلقة بالنزاعات داخل المدينة، لأن السماح بها سينعكس سلباً على نجاح الانتداب. وبدلاً من ذلك، تكرر النصوص أهمية القدس للبريطانيين ورغبتهم في الحفاظ على انتدابها. وتم الاحتفاء بهذا التفاني البريطاني بخصوص القدس من خلال تركيز الكتب على أجزاء الخطط التي تم تنفيذها في الواقع خلال سنوات الانتداب، مثل مشاريع البناء الحكومية وعمليات الحفظ والصيانة في المدينة القديمة. وعلى الرغم من حالة الطمس الدائمة للوجود البريطاني في هذه الخرائط، إلا أن العمل على وصف خطط المدن الجديدة كان في حد ذاته بمثابة إعادة صياغة وتثبيت للسلطة السياسية والثقافية. وأسس المسؤولون البريطانيون “خرائط هيمنة”، من خلال إعادة إنتاج المساحة الحضرية لسكان المدينة(133)، وبعبارة أخرى، نقلوا قوة سيطرتهم كأسياد الانتداب من خلال بيان رسمي يعبر عن الفضاء الحضري في القدس. ورسّخ إنشاء الخرائط، في هذه العملية، الذي رسم خطط عهد الانتداب للقدس، مساحة وهمية من التعايش، وخلق صورة لبريطانيا كوسيط محايد، يسعى إلى مدينة سلمية وخطة حضرية موحدة. وكانت المدينة القديمة في مركز هذه الخرائط، حيث تعمل سردياتها التاريخية ليس فقط كتذكير لتعقيدات حيزها المتعدد الثقافات فحسب، بل أيضاً كرمز للتعايش السلمي المنشود.

نقلت مخططات المدينة الغربية الحديثة المفروضة على المدينة، بمنتزهاتها، وطرقها السريعة، وأحياء حدائقها، رسالة مفادها أن الحداثة يمكنها تجاوز الحواجز الاجتماعية والثقافية، ليس هذا فحسب، بل أخفت تلك الحواجز أيضاً. كما شددت المخططات الحديثة على الحاجة لوجود كيان غربي قادر على إدارة تنفيذها. وأدت حتمية التحديث، في غياب الحكم الاستعماري المباشر، إلى تسويغ وجود السلطة الانتدابية(134). وهكذا يمكن فهم حالات الغموض الموجود في الخرائط بشكل أفضل في سياق الظروف التاريخية الأوسع، مما يكشف عن الأصوات المتنوعة للإداريين والمخططين والسياسيين البريطانيين.

ناقشنا للتو، هنا، وجهات النظر المختلفة بين المخططين البريطانيين، فضلاً عن المقاربة البريطانية المتناقض لنظام الانتداب. وكما أشار كينغ، تؤكد هذه المقاربات المختلفة على ضرورة تجنب التعميمات ليس فقط عند مناقشة السكان الأصليين للمدينة (في حالته “المستعمِرين” في مدينة استعمارية)، ولكن ايضاً عند مناقشة وكلاء السلطات الحاكمة(135)، ويمثلهم في حالة فلسطين الانتدابية، المسؤولين الذين صاغوا السياسات البريطانية وأنشأوا المخططات والخطط العمرانية والحضرية لمدينة القدس. وبالتالي، اكتسبت مخططات القدس هذه خصائصها الفريدة، التي تم تشكيلها وفقاً لأسلوب حكم متميز وفريد فيما يتعلق بإعادة النقاش حول الحقائق الثقافية والسياسية، مما أدى إلى انحرافها عن التخطيط الحضري الاستعماري النموذجي الأكثر توجهاً. وبسبب هذه الاختلافات، اقترحنا هنا النظر إليها  كخطط إلزامية وليست استعمارية.

ينهي تقرير لجنة دراسات عصبة الأمم بشأن الانتداب على فلسطين، الصادر في حزيران 1930، استعراضه بخاتمة تفيد أن “انتداب فلسطين يمثل واحدة من التجارب السياسية والاجتماعية العظيمة في التاريخ”(136) من عدة نواحي، وهذا ينطبق أيضاً على مخططات التنمية العمرانية في القدس، والتي يمكن اعتبارها تجارب، تتميز بغموض لا يعكس الواقع الثقافي للمدينة ولا الصراع العربي اليهودي ولا دور بريطانيا فيه. فبدلاً من إعادة تأكيد وجود القدس المضطرب خلال الانتداب، كانت هذه الخطط ترسم على طوبوغرافيا تلال المدينة المقدسة تصوراً لماضيها ولأملها في مستقبل سلمي.

….

العنوان الأصلي Marrying Modern Progress with Treasured Antiquity: Jerusalem City Plans during the British Mandate, 1917–1948

المؤلف INBAL BEN-ASHER GITLER

المصدر Traditional Dwellings and Settlements Review. Volume Number 1 2003

…..

قدمت نسخة موجزة من هذه المادة في الاجتماع السنوي الرابع والخمسين لجمعية المؤرخين المعماريين في تورنتو/كندا، نيسان 2001

المراجع

  1. C.R. Ashbee, A Palestine Notebook: 1918–1923 (Garden City, NY: Doubleday, Page & Co., 1923), p.276.
  2. C.R. Ashbee, ed., Jerusalem 1918–1920: Being the Records of the Pro-Jerusalem Council during the Period of the British Military Administration (London: John Murray, 1921); C.R. Ashbee, ed., Jerusalem 1920–1922: Being the Records of the Pro-Jerusalem Council during the First Two Years of the Civil Administration (London: John Murray, 1924); and Kendall, Jerusalem: The City Plan, Preservation and Development during the British Mandate 1918–1948 (London: His Majesty’s Stationery Office, 1948).
  3. R. Fuchs and G. Herbert, “A Colonial Portrait of Jerusalem: British Architecture in Mandate-Era Palestine,” in N. AL Sayyad, ed., Hybrid Urbanism: On the Identity Discourse and the Built Environment (Westport: Praeger, 2001), p.85.
  4. B. Hyman, “British Planners in Palestine, 1918–1936,” unpublished Ph.D. dissertation, The London School of Economics and Political Science, 1994, pp.26–30.
  5. Ibid., p.26.
  6. Y. Ben-Arieh, A City Reflected in its Times: Jerusalem in the Nineteenth Century (Jerusalem: Yad Izhak Ben-Zvi Publications, 1977, in Hebrew), pp.155–59,316–18.
  7. See S. Bianca, Urban Form in the Arab World (London: Thames and Hudson, 2000), pp.169–71.
  8. Ibid., pp.7–8; and R. Kark and M. Oren-Nordheim, Jerusalem, and its Environs: Quarters, Neighborhoods, Villages 1800–1948 (Jerusalem: Academon, 1995, in Hebrew), pp.176–77.
  9. M. Gilbert, Jerusalem in the 20th Century (New York: John Wiley & Sons, 1996), pp.67–72.
  10. Y. Ben-Arieh, A City Reflected in its Times: New Jerusalem – The Beginnings (Jerusalem: Yad Izhak Ben-Zvi Publications, 1979, in Hebrew). This entire book provides an excellent source of information on the subject; see, for example, pp.616–27. See also Gilbert, Jerusalem in the 20th Century,

pp.9–10.

  1. An historical account of these developments is given in Ben-Arieh, A City Reflected in its Times, pp.178–203; and in Kark and Oren-Nordheim, Jerusalem and its Environs, pp. 17–31,142–43. Specific building projects have been discussed in M. Crinson, Empire Building: Orientalism and Victorian

Architecture (London: Routledge, 1996), pp.198–226; D. Kroyanker, Jerusalem Architecture: Periods and Styles: European- Christian Buildings outside the Old City Walls (Jerusalem: Keter, 1991, in Hebrew); and E. Meyer, “Die Dormition auf dem Berge Zion in Jerusalem, eine Denkmalskirche Kaiser

Wilhelms II. im Heiligen Land,” Architectura, Vol.14 No.2 (1984), pp.149–70; and E. Meyer-Maril, “Binyan Augusta- Victoria al Har-Hazeytim,” Ariel,

Vols.122–123 (1997)(in Hebrew), pp.51–62.

  1. Crinson, Empire Building, pp.2,200,227,234 n.1.
  2. R. Adelson, London, and the Invention of the Middle East: Money, Power, and War, 1902–1922 (New Haven: Yale, 1995), pp.169–89; and Y.

Porat and Y. Shavit, eds., The History of Eretz Israel: The British Mandate and the Jewish National Home (Jerusalem: Keter, 1982, in Hebrew), pp.12–14.

  1. For a general discussion of the British religious and spiritual ties to the Holy Land, see B. Tuchman, Bible, and Sword: England and Palestine from the Bronze Age to Balfour (New York: New York University Press, 1956).
  2. Ashbee, ed., Jerusalem 1918–1920, p.v.
  3. Kendall, Jerusalem: The City Plan, p.4.
  4. A detailed account of the founding of the Pro-Jerusalem Society, its aims, and actions, is given in R. Storrs, Orientations (London: Ivor Nicholson & Watson, 1937), pp.363–70.
  5. Ashbee, ed., Jerusalem 1918–1920, p.vii.
  6. R. Storrs, The Memoirs of Ronald Storrs (New York: G.P. Putnam’s Sons, 1937), p.327.
  7. For a comprehensive account of Britain’s alliances during and after World War I, see D. Fromkin, A Peace to End All Peace: The

Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East (New York: Henry Holt, 1989), especially parts 6–9.

  1. Ashbee, ed., Jerusalem 1918–1920, pp.4–5.
  2. The photographs form an intriguing record of Jerusalem in the beginning of the twentieth century. The majority of photos serve to document sites designated for architectural conservation or renovation. They are coupled with sketches that Ashbee made suggesting how to implement these

projects. One example is figure 11 of this article. Yet the photos are in themselves worthy of a separate study.

  1. Mclean’s plan is discussed in Hyman, “British Planners in Palestine,” pp.39–96.
  2. The edict appears as item 2 on the map’s legend.
  3. This is defined in item 2 on the map’s legend.
  4. Urban transformations that took place in Cairo during the colonial era are discussed in M. Scharabi, “Stadt- und Stadtarchitektur im Nahen Osten zur Kolonialzeit: Das Beispiel Kairo,” Architectura, Vol.15 No.1 (1985), pp.47–51; and in J. Abu-Lughod, Cairo: 1001 Years of the City Victorious (Princeton: Princeton University Press, 1971), pp.99–143.
  5. Hyman, “British Planners in Palestine,” pp.45–47.
  6. Ibid., pp.41–42.
  7. Hyman also notes this affinity, and compares the grand monument axis to planning for Washington, D.C. See Hyman, “British Planners in Palestine,” p.82. This comparison is noteworthy, as the plans for Washington, D.C., apparently influenced those of New Delhi. See R. Irving, Indian

Summer: Luytens, Baker and Imperial Delhi (New Haven: Yale, 1981), pp.82–84.

  1. Irving, Indian Summer, pp.73–75.
  2. For an analysis of the principles and layout of colonial cities using New Delhi as a case study, see A.D. King, Colonial Urban Development: Culture, Social Power and Environment (London: Routledge & Kegan Paul, 1976), especially chapter 10.
  3. Britain’s strategic interest lay in protecting the Suez Canal. Control over Palestine would create a protective buffer between Britain’s most important artery to its dominions in the east and any threat from the north. The terms of this control would be defined in post-World War I negotiations, primarily between Britain and her allies. These were conducted by Britain’s top diplomats, including Prime Minister David Lloyd George, Foreign Secretary Arthur Balfour, and others. See Tuchman, Bible and Sword, pp.210–14; Adelson, London and the Invention of the Middle East, pp.136–54; and Gilbert, Jerusalem in the 20th Century, pp.42–43.
  4. Geddes’s plan is discussed in Hyman, “British Planners in Palestine,” pp.121–44.
  5. The plans for the Hebrew University conceived by Geddes in collaboration with his son-in-law, the architect Frank Mears, are discussed in H. Meller, Patrick Geddes: Social Evolutionist and City Planner (London: Routledge, 1990), pp.263–84; D. Dolev, “Architectural Orientalism in the Hebrew

University,” Assaph, Section B No.3, (1998), pp.217–34; Fuchs and Herbert, “A Colonial Portrait of Jerusalem,” pp.98–102; and V. Welter, Biopolis: Patrick Geddes and the City of Life (Cambridge, MA: MIT Press, 2002), pp.229–39.

  1. Meller, Patrick Geddes, p.276. This criticism is also mentioned by Ashbee in Jerusalem 1918–1920, p.12, and by Kendall in Jerusalem City Plan, p.4.
  2. Meller, Patrick Geddes, pp.276–77.
  3. Geddes’s concept of “conservative surgery” is discussed in P. Clavel, “Ebenezer Howard and Patrick Geddes: Two Approaches to City Development,” in K.C. Parsons and D. Schuyler, eds., From Garden City to Green City: The Legacy of Ebenezer Howard (Baltimore: John Hopkins University Press, 2002), pp.53–55; and Welter, Biopolis, p.109.
  4. Welter, Biopolis, pp.116–20.
  5. In the last years of the twentieth century, construction began on a beltway along lines similar to those in Geddes’s 1919 scheme. Most of it has now been completed.
  6. For a biography of Ashbee, see A. Crawford’s landmark work, C.R. Ashbee: Architect, Designer and Romantic Socialist (New Haven: Yale, 1985). Ashbee’s town planning in Jerusalem is discussed in Hyman, “British Planners in Palestine,” pp.357–415.
  7. Porath and Shavit, eds., The History of Eretz Israel, p.18. It is important to note that by 1920 the British had already instigated civilian rule in Palestine and nominated a high commissioner, despite the refusal of the Turks to relinquish sovereignty there. See Adelson, London and the Invention of the Middle East, pp.183–84, and Gilbert, Jerusalem in the 20th Century, p.85.
  8. Gilbert, Jerusalem in the 20th Century, pp.200–5; and Porath and Shavit, eds. The History of Eretz Israel, pp.11–14,20–33. The history of this clash of interests, especially as reflected in the Balfour Declaration, is discussed in Tuchman, Bible and Sword, pp.198–203, and in Adelson, London and the

Invention of the Middle East, pp.149–54. For a discussion of the unique terms of the Palestine Mandate in the framework of the mandate system as a whole, see The Mandate System: Origins — Principles — Application (Geneva: League of Nations, 1945), pp.24–32.

  1. Ashbee, A Palestine Notebook, p.205.
  2. This is evident, for example, when he discusses the Egyptian Nationalist Manifesto of 1919 as a model for Palestine. See Ashbee, A Palestine Notebook, pp.182–83.
  3. Ashbee, A Palestine Notebook, p.206. Written July 11, 1922.
  4. The Colonial Problem (London: British Royal Institute of International Affairs, 1938), p.249.
  5. R.F. Betts, Uncertain Dimensions : Western Overseas Empires in the Twentieth Century (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1985), pp.48–49.
  6. F.S. Northedge, “1917–1919: The Implications for Britain,” Journal of Contemporary History, Vol.3 No.4 (October 1968), pp.202–3.
  7. Fromkin, A Peace to End All Peace, pp.361–63.
  8. Ibid., p.374.
  9. Ibid., p.448.
  10. Ibid., pp.499–501,556. See also Gilbert, Jerusalem in the 20th Century, pp.94–95.
  11. Ashbee discusses his zoning principles in Where the Great City Stands: A Study in New Civics (London: Essex House Press, 1917), pp.59–67.
  12. Ibid., pp.61–63. For the development of the New York City zoning scheme, see A. Sutcliffe, Towards the Planned City: Germany, Britain, the United States and France, 1780–1914 (New York: St. Martin’s Press, 1981), pp.116–21.
  13. For this policy, see Porat and Shavit, eds., The History of Eretz Israel, pp.28–29; and R. Storrs, Orientations, pp.364–65.
  14. British land-ownership policies in Palestine are discussed in Kark and Oren-Nordheim, Jerusalem and its Environs, p.167,178,259–76,299–300; and M. Bunton, “‘Progressive Civilizations and Deep-Rooted Traditions’: Land Laws, Development, and British Rule in Palestine in the 1920’s,” in G. Blue, M. Bunton, and R. Croizier, eds., Colonialism, and the Modern World: Selected Studies (Armonk, NY, and London: M.E. Sharpe, 2002), pp.145–63.
  15. R. Khalidi, Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness (New York: Columbia University Press, 1997), pp.114–17; T. Segev, Palestine under the British (Jerusalem: Keter, 1999, in Hebrew), pp.89–107; and Porat and Shavit, eds., The History of Eretz Israel, pp.103–6.
  16. A.D. King, “Colonial Cities: Global Pivots of Change,” in R.J. Ross and G.J. Telkamp, eds., Colonial Cities (Dordrecht: Martinus Nijhoff Publishers, 1985), pp.22–23; A.D. King, “Exporting Planning: The Colonial and Neo-Colonial Experience,” in G.E. Cherry, ed., Shaping an Urban World (London:

Mansell, 1980), pp.212–13. For case-specific discussions, see J. Abu-Lughod, Rabat: Urban Apartheid in Morocco (Princeton: Princeton University Press, 1980), especially chapters 7–8; Z. Çelik, Urban Forms and Colonial Confrontations: Algiers Under French Rule (Berkeley: University of California

Press, 1997), pp.26–27,35–39; Irving, Indian Summer, pp.75,76; and G. Wright, The Politics of Design in French Colonial Urbanism (Chicago: University of Chicago Press, 1991), pp.145–49.

  1. King, “Colonial Cities: Global Pivots of Change,” pp.25–26.
  2. Kark and Oren-Nordheim, Jerusalem and its Environs, pp.167,212. Ashbee, for example, chose to live in the Arab village of Wadi Joz, to the north of the Old City. See Ashbee, A Palestine Notebook, p.208.
  3. The greenbelt as a means of segregation is discussed in King, “Colonial Cities: Global Pivots of Change,” pp.24–26; and King, Colonial Urban Development, pp.39–40.
  4. T.R. Metcalf, Ideologies of the Raj (Cambridge: Cambridge University Press, 1994), pp.180–81; and King, Colonial Urban Development, pp.88,271.
  5. Abu-Lughod, Rabat: Urban Apartheid in Morocco, pp.142–47.
  6. The idea of the greenbelt, adopted by both Ashbee and Geddes, stemmed from Ebenezer Howard’s concept of a belt of agriculture surrounding the Garden City. This was later developed as a park area around existing metropolitan centers, and was furthered as such especially by the leading

British planner-architect Raymond Unwin, who had collaborated with Geddes on a plan for a suburb of Dublin in 1914. See R. Freestone, “Greenbelts in City and Regional Planning,” and M. Miller, “The Origins of the Garden City Neighborhood,” both in Parsons and Schuyler, eds., From Garden City to Green City, pp.73–74,120.

  1. P. Rabinow, “Colonialism, Modernity: The French in Morocco,” in N. AL Sayyad, ed., Forms of Dominance: On the Architecture and Urbanism of the Colonial Enterprise (Aldershot: Avebury, 1992), p.172.
  2. Ashbee, ed., Jerusalem 1918–1920, p.21.
  3. I. Ben-Asher Gitler, “C.R. Ashbee’s Jerusalem Years: Arts & Crafts, Orientalism and British Regionalism,” Assaph, Vol.5 (2000), pp.29–41.
  4. The long-term adverse effects that halting urban development had on the Old City are discussed in E. Schiller, “Ha’eer Ha’atika Kayom” (“The Old City Today”), in E. Schiller and G. Biger, eds., Yerushalayim: Ha’eer Ha’atika (Jerusalem: The Old City), special publication of Ariel, Vols.57–58 (1988) (in Hebrew), pp.70–92.
  5. Interestingly enough, in 1903 Uganda was offered by the British to the Zionist leader Theodore Herzl as a land where a national home for the Jewish people could be established. This offer, unacceptable to the majority of members of the World Zionist Congress, who envisioned a return to the land of the Bible, died with Herzl in 1904. See Fromkin, A Peace to End All Peace, pp.272–74.
  6. H. Kendall, Town Planning in Uganda: A Brief Description of the Efforts Made by Government to Control Development of Urban Areas from 1915 to 1955 (London: The Crown Agents, 1955), facing p.21. Kendall became director of town planning for Uganda sometime after his Palestine commission terminated in 1948 with the end of the British Mandate.
  7. A. Southall, “Imperialism and Urban Development,” in P. Duignan and L.H. Gann, Colonialism in Africa 1870–1960 (London: Cambridge University Press, 1971), p.237. From a report on the population of Kampala by A.E. Mirams, Town Planning Advisor to the Government of Uganda, it would appear that already in the late 1920s these distinctions disintegrated. According to Mirams’s report, by 1930 the majority of Kampala’s inhabitants

were African. Thus, the city obviously did not evolve according to the 1919 designations. See A.E. Mirams, Report on the Town Planning and Development of Kampala (Antebbe: The Government Printer, 1930), Vol.1, pp.17–20.

  1. Kendall, Town Planning in Uganda, p.21.
  2. Ibid., inside cover.
  3. C. Coquery-Vidrovitch, “The Process of Urbanization in Africa (From the Origins to the Beginning of Independence),” African Studies Review, Vol.34 No.1 (1991), p.69. See also King, “Exporting Planning,” p.208.
  4. For a discussion of segregation in India, see Metcalf, Ideologies of the Raj, pp.179–81.
  5. King, “Colonial Cities: Global Pivots of Change,” p.22.
  6. Richard Kauffmann planned the majority of the first modern Jewish garden suburbs in Jerusalem, such as Talpioth, Bait-Hakerem, and Bayit Vagan. He was influenced mostly by modern urban planning of his native Germany but was also well aware of the British Garden City movement. See D.

Kroyanker, Jerusalem Architecture: Periods and Styles: The Period of the British Mandate, 1918–1948 (Jerusalem: Keter, 1991, in Hebrew), pp.248–84; Kark and Oren-Nordheim, Jerusalem and its Environs, pp.201–4; R. Kauffmann, “Talpioth, Erlaeuterungsbericht zum Bebauungsplan,” Central Zionist Archives, Jerusalem, L18/78/4,1, n.d.

  1. The principles of the Garden City neighborhood are discussed in M. Miller, “The Origins of the Garden City Neighborhood,” in Parsons and Schuyler, eds., From Garden City to Green City, pp.99–130.
  2. Ibid.
  3. For the Jewish residential building types, see Kark and Oren-Nordheim, Jerusalem and its Environs, pp.137–140; and Ben-Arieh, A City Reflected in its Times, pp.248–53,257,273–58. For the Palestinian type, see R. Fuchs, “The Palestinian Arab House and the Islamic Primitive Hut,” Muqarnas, Vol.15 (1998), pp.157–77; and R. Kark and S. Landman, “Hayezia’a Ha-Muslemit Michutz La Chomot beshalhey Hatkufa ha’Ottomanit” (“Muslim Building Outside the Walls in the Heyday of the Ottoman Period”), in S. Shealtiel, Prakim Betoldot Yerushalayim Bazman Hachadash (Jerusalem: Yad Ben-Zvi and Israel Ministry of Defense, 1981, in Hebrew), pp.194–207.
  4. The approaches to planning of the different sections’ neighborhoods are discussed in Kark and Oren-Nordheim, Jerusalem and its Environs, pp.166–243.
  5. Ibid., pp.172. Holliday’s Jerusalem work is discussed in Hyman, “British Planners in Palestine,” pp.436–75,526–27.
  6. The most prominent of these were built by the British architect Austen St. Barb Harrison. They are discussed in R.A. Fuchs, “Austen St. Barb Harrison: A British Architect in the Holy Land,” unpublished Ph.D. dissertation, Technion, Haifa, 1992 (in Hebrew); and Fuchs and Herbert, “A Colonial Portrait of Jerusalem,” pp.91–98.
  7. Kendall, Jerusalem: The City Plan, p.v.
  8. An historical account of these events is given in N. Bethell, The Palestine Triangle: The Struggle between the British, the Jews and the Arabs 1935–48 (London: Andre Deutch,1979); and R.W. Zweig, Britain, and Palestine during the Second World War (Suffolk: Boydell Press, 1986).
  9. M.J. Cohen, Palestine: Retreat from the Mandate: The Making of British Policy, 1936–45 (New York: Holmes & Meier, 1978), pp.160–85.
  10. Porat and Shavit, eds., The History of Eretz Israel, pp.77–79; and Bethell, The Palestine Triangle, pp.257,269–70.
  11. Porat and Shavit, eds., The History of Eretz Israel, pp.46–54,79–84; and Bethell, The Palestine Triangle, pp.30–38,194–202,294–97.
  12. Kendall, Jerusalem: The City Plan, p.xi.
  13. Ibid., p.3.
  14. The existence of ancient archaeological sites within areas of urban development has been a recurring phenomenon due to Jerusalem’s long history. It still poses a substantial challenge to urban planners and architects.
  15. Kendall, Jerusalem: The City Plan, p.25.
  16. Ibid., facing p.44 and p.50.
  17. It is noteworthy that in Town Planning in Uganda, Kendall does take into account certain cultural aspects of local indigenous dwellings. His zoning plan for Kampala, made in 1951 and apparently exhibiting a preliminary expression of decolonization, is an intriguing comparison to the Jerusalem

1944 scheme but is beyond the scope of this paper. See Kendall, Town Planning in Uganda, p.24 and map facing p.25.

  1. Kendall, Jerusalem: The City Plan, p.19.
  2. C. Holliday, “Jerusalem City Plan by Henry Kendall (1948),” R.I.B.A. Journal (August 1948), p.469.
  3. M. Lamprakos, “Le Corbusier and Algiers: The Plan Obus as Colonial Urbanism,” in N. AL Sayyad, ed., Forms of Dominance, pp.198–99. Another example which can be cited is Michele Ecochard’s failed attempt to provide adequately sized dwellings for Morrocans in Casablanca in 1946. See Rabinow, “Colonialism, Modernity,” pp.180–81.
  4. Lamprakos, “Le Corbusier and Algiers” pp.198–99.
  5. Holliday, “Jerusalem City Plan by Henry Kendall (1948),” p.469.
  6. W. Houghton-Evans, “Schemata in British new town planning”, in G.E. Cherry, ed., Shaping an Urban World, pp.109–10.
  7. Rabinow, “Colonialism, Modernity,” p.178.
  8. Ashbee, ed., Jerusalem 1918–1920, p.1.
  9. Kendall, Jerusalem: The City Plan. See, for example, pp.12,14.
  10. Much of the Ottoman architecture dated from the late nineteenth century and beginning of the twentieth was emulative of European eclecticism, such as the neo- Baroque clock tower discussed below. It is probably due to the “foreign” influences of this style that the British did not value it as highly as earlier Ottoman architecture, which did contribute greatly to the “Oriental” atmosphere of the city. In all likelihood, this is the reason for the British distinction between “appropriate” and “unsuitable” Ottoman architecture in the city.
  11. A useful definition of architectural erasure is given in A. Wharton, “Erasure: Eliminating the Space of Late Ancient Judaism,” in L.I. Levine, Z. Weiss, and D. ‘Amit, eds., From Dura to Sepphoris: Studies in Jewish Art and Society in Late Antiquity (Portsmouth, RI; Journal of Roman Archaeology, 2000), p.195.
  12. The Times (London) (February 5, 1919). The article, as it first appeared was not signed. Only the attribution “(from a correspondent)” appeared under the title “Reconstruction in Jerusalem.” However, Ashbee later included this article in A Palestine Notebook, citing the same date and claiming authorship. See Ashbee, A Palestine Notebook, pp.78–80.
  13. Kark and Oren-Nordheim, Jerusalem and its Environs, pp.29–31.
  14. See, for example, the case of India, described by Thomas Metcalf in Ideologies of the Raj, pp.171–76.
  15. King, Colonial Urban Development, p.88.
  16. Ashbee, ed., Jerusalem 1918–1920, p.2.
  17. Ibid., p.22.
  18. Kendall, Jerusalem: The City Plan, p.37.
  19. Ibid., p.6.; Ashbee, A Palestine Notebook, p.182.
  20. For a discussion of the events related to the demolition of the clock tower, see Fuchs and Herbert, “A Colonial Portrait of Jerusalem,” pp.89–91.
  21. Kark and Oren-Nordheim, Jerusalem and its Environs, p.35.
  22. Kendall, Jerusalem: The City Plan, p.17.
  23. Ibid.
  24. Ibid., p.20.
  25. Ibid.
  26. An excellent account of the history of the municipality in the years of the Mandate is given in P.A. Alsberg, “Hama’avak al Rashut Iriyat Yerushalayim Bitkufat Hamandat” (“The Struggle over the Leadership of the Jerusalem Municipality during the Mandate Period”), in Shealtiel, Prakim Betoldot Yerushalayim Bazman Hachadash.
  27. The Palestine Mandate (Geneva: League of Nations Association of the U.S., 1930), p.23, article 3.
  28. Ashbee, ed., Jerusalem 1918–1920, p.34.
  29. This aspect is discussed in relation to Rabat in Wright, The Politics of Design in French Colonial Urbanism, pp.85–90; and in relation to Algiers in Çelik, Urban Forms and Colonial Confrontation, pp.25–26.
  30. See Wright, The Politics of Design in French Colonial Urbanism, pp.89–90,117–18; and Çelik, Urban Forms and Colonial Confrontations, pp.40–42.
  31. Abu-Lughod, Rabat: Urban Apartheid in Morocco, pp.141–44.
  32. Rabinow, “Colonialism, Modernity,” pp.175–79.
  33. Report by Mr. C.R. Ashbee on the Arts and Crafts of Jerusalem and District (1918), p.44. Copy of the report from the Felicity Ashbee Papers, in the Jerusalem Municipal Archive, box 361 [C.R. Ashbee].
  34. Many of these style-setting regulations are in effect to date.
  35. The Colonial Problem, p.264. Cited from Pierre Charles, S.J., Le Problème des Centres extra-coutumiers, pp.118–27.
  36. Conventions of Orientalism in British art and photography have been dealt with widely in art historical research. The following studies on the subject should be mentioned, to name a few of the most relevant: J. Sweetman, The Oriental Obsession: Islamic Inspiration in British and American Art and Architecture, 1500–1920 (Cambridge: Cambridge University Press, 1988); J.M. MacKenzie, Orientalism: History, Theory and the Arts (Manchester: Manchester University Press, 1995); and J. Davis, The Landscape of Belief: Encountering the Holy Land in Nineteenth-Century American Art and Culture (Princeton: Princeton University Press, 1996).
  37. For a discussion of these devices, see A. Loomba, Colonialism/Postcolonialism (London: Routledge, 1998), pp.43–57.
  38. My use of the term “hybrid” in this context is based on the definitions put forth by Nezar AL Sayyad in: “Hybrid Culture/Hybrid Urbanism: Pandora’s Box of the Third Place,” in AL Sayyad, ed., Hybrid Urbanism, pp.1–17.
  39. The term “cartography of hegemony” is used in the context of colonial space-power relations by Ananya Roy in “‘The Reverse Side of the World’: Identity, Space and Power,” in AlSayyad, ed., Hybrid Urbanism, p.241.
  40. The role of modernization in colonial discourse is discussed by D. Spurr in The Rhetoric of Empire: Colonial Discourse in Journalism, Travel Writing and Imperial Administration (Durham, NC: Duke University Press, 1993), p.70.
  41. A.D. King, “Rethinking Colonialism,” in AlSayyad, ed., Forms of Dominance, pp.339–55.
  42. The Palestine Mandate Vol.1, No.3, June 1930 (Geneva: League of Nations Association of the U.S.), p.16.

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

حرب إسرائيل السرية ضد المحكمة الجنائية الدولية: تسع سنوات من المراقبة والتدخل

يوفال إبراهام ميرون رابوبورت ترجمة محمود الصباغ استهلال بينما تواصل إسرائيل عدوانها الوحشي ضد الفلسطينيين، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *