استيطان الفراغ: الحركة الصهيونية والأطلال الفلسطينية

نعوم ليشيم

ترجمة محمود الصباغ

استهلال

ينطوي البحث النقدي لتحولات المكان في فلسطين، والعلاقة بين الأرض والهوية القومية، على إحالات المجاز الصهيوني للأرض الفارغة، وتنويعاته ومفاهيمه المتنوعة المرتبطة بذلك. وعلى الرغم من فقدان هذا المجاز لمصداقيته على أرض الواقع، إلا أن مفاهيم محددة مثل الفراغ والمحو لا تزال تتلطى خلف الأبحاث النقدية التي تأمل في إعادة النظر في تشكيل الفضاء الإثني-القومي في إسرائيل-فلسطين وفي مصير الجغرافيات العربية المادية والثقافية، وما تعبير وضع الأثر القديم في أقفاص زجاجية ومتاحف؛ كما يقترح البعض بمنطق استشراقي وأرشفة الخرائط المعمارية إنما هو يتجاوز عتبات ما يسمى التحطيم الحضاري الذي يحدث لأغراض “تقدمية”؛ مما يقوض التظاهر القومي بإصدار نظام ثقافي-مكاني جديد. ونتيجة لذلك, تشهد هذه الخرائب على هشاشة النظام الرمزي المتعلق بالأرض الذي تسعى إليه الدولة القومية, ويشكك في القدرة الأساسية على دمج الناس والأرض.

تعمل السياسات الاستعمارية لعمليات “محو و/أو تحويل” المشهد المكاني في سياق هندسة اجتماعية كولونيالية تركز بالدرجة الأولى على الهوية والمكان والسلطة؛ من خلال  “استعمار” الهوية والثقافة  المحلية؛ بمعنى القضاء عليهما، وآليات تحويل المكان والفضاء المحليين إلى بدائل استعمارية تحمل صفة الاستدامة عبر تغيير البيئات الأساسية، لاسيما البيئة الحضرية، للمجتمع المحلي، وهذا يعني “توجيه” فوقي للاستيطان نحو مناطق محددة بهدف التأثير على “الانتشار” والتوزيع السكاني لكلا الجماعتين المعنيتين أي المستعمِر والمستعمَر. الأمر الذي سوف يؤثر على المدى الطويل على معاني المكان والتاريخ لصالح الأجندة الاستعمارية  سوف يمتد لفترات طويلة بعد انتهاء الحالة الاستعمارية (مثال الجزائر، فيتنام، جنوب أفريقيا… دول الاتحاد السوفييتي السابق… إلخ).

أما على صعيد الوضع في فلسطين، فقد تعاملت إسرائيل، منذ تأسيسها وحتى الآن، مع قضايا الأرض والهوية في سياقات متعددة ومعقدة ما بين التهويد والأمن، والطرد والمحو ..وما إلى ذلك، ولا شك أنها تلاعبت، من خلال سياساتها العنصرية العرقية، بالمكان الفلسطيني وبهويته وهوية أصحابه، كجزء جوهري من استراتيجيتها القائمة على تشكيل الواقع وتعزيز هويته القومية بما يتناسب مع المشروع الصهيونية؛ إذ يعبر الاستيطان الصهيونية بالدرجة الأولى عن سياسات “ملء الأرض الفارغة” والسيطرة على الموارد ضبط الأمن  في  حدود علاقات القوة والهيمنة وفرض “العبرنة” للتأثير، بالأحرى تغيير، المفاهيم المكانية والثقافية. وعزل المجتمعات المحلية في سياقات اجتماعية واقتصادية تخضع في نهاية المطاف للاحتياجات الاستعمارية والاستيطانية  عبر رزمة قوانين وقواعد أساسية توضع خصيصاً لضبط إيقاع الحياة اليومية للفلسطينيين

إن إعادة قراءة رواية الاستعمار تكشف عن الدمار كموقع للتناقض السياسي والتصعيد الإيديولوجي. ففي حين خلق الدمار مفارقة تاريخية  -أي الاستيلاء على المشهد المكاني العربي لإثبات استمرارية الوجود التاريخي اليهودي في فلسطين- يكشف تحليل أوثق أن هذه المفارقة ليست حالة بسيطة من المحو الثقافي، بل محاولة استعمارية لتحقيق الهيمنة حيث من المفترض أن تكون الأرض ومن خلفها المشهد المكاني- التي يُفترض سهولة الاستيلاء عليهما  والتلاعب بهما- وسيلة فعالة في بناء الهوية الجماعية والتوافق السياسي. وهنا تصبح السيادة الإقليمية شرطاً لعودة الشعب القديم (اقرأها اليهودي)  إلى جوقة الشعوب المتحضرة؛ ولا مكان ضمن هذه السردية للسكان الأصليين، فيتم تصنيفهم كمرتبة أدنى ويتحولوا إلى “موضوعات” مرت هنا ذات زمن وانتهت؛ ومثل هذا الالتباس الخطابي والمادي لتعيين الحضور الفلسطيني “الآخر” كان شرطاً جوهرياً وجودياً لخلق هوية تاريخية صهيونية مستقرة وشعوراً متماسكاً بالهدف الجماعي. تضع تقاليد السيطرة على الأرض نصب عينيها لما سيتم لاحقاً تأسيس الروح القومية الإسرائيلية عليها والسعي لشل أي قدرة على منافسة المستوطن الطبيعي والمحايد في ابتلاع الأرض.

من الثابت في أدبيات النكبة الفلسطينية، أن خرائب القرى وفضاءاتها -باعتبارها “كائن” مادي ومجاز خطابي- حافظت على قدرتها الهائلة في مقاومة “التحييد” والذوبان ضمن مشهدية مكانية بديلة عن ماضيها العربي، بل مشهدية نقيضة و”معادية”، وتصرّ هذه السرديات على إظهار ما قامت به الصهيونية بمشاركة أذرعها المختلفة (العسكرية والسياسية والثقافية) من اقتلاع سكان نحو 500 قرية وبلدة فلسطينية؛ وطردهم خارج الحدود المؤقتة للدولة الوليدة .ومن الواضح، كذلك، أن هذه العملية أدت إلى تغيير جذري في الفضاء الفلسطيني مادياً وبشرياً. فإذا كان من الممكن نسيان حادثة كفار شاليم التي تذكرها المقالة، فإن ما يدعو إلى التأمل، أن يكون هدف المهاجمين مسجداً مهجوراً، أي رمزاً فلسطينيا محلياً، وتجسيداً مادياً مكانياً لما كان سابقاً حضوراً إنسانياً وما يمثله في وضعه الحالي، كشكل من أشكال “الدمار المكاني” للفضاء الفلسطيني الذي خلقته حرب 1948، والجهود المتسقة التالية التي تبذلها الحركة الصهيونية بهدف التغيير الجذري للمشهد الفلسطيني، بماديته ورمزيته، لمحو وإزالة التاريخ المكاني والعمل على إعادة استيطان الفضاء الفلسطيني وبناء تاريخ وسردية استيطانية جديدة وفق قواعد وأسس إثنية قومية إقصائية، تحل محل السردية الأصلية لسكان القرى والبلدات الأصليين. غير أن عملية “تدوين الفراغ” -لو جاز لنا هذا القول- كأداة استعمارية في تشكيل مشروع مجتمع المستوطنين؛ ليست عملية محو بسيط، أو مجرد تجاهل ضمن المنطق الاستعماري الاستيطاني الموصوف، فبدلاً من المجاز المتواري وراء مصلحة السردية الاستعمارية، يشجّع الفراغ باعتباره نتاج الفعل المهيمين للمحو على عملية إعادة تدوينه لردم الهوة العميقة بين المخيال القومي المنظم والحقائق المعقدة على الأرض، وإلى تصور النتائج المكانية التي آلت لها  بعد الحرب.

……

نبذة مختصرة

تتناول هذه المقالة، بالنقد، الالتباس في مفاهيم الدمار والفراغ المكاني كما تظهر في الأرشيف الاستعماري، فضلاً عن اتضاح ملامحهما بالتركيز على تاريخ الاستعمار الصهيوني لفلسطين / أرض إسرائيل Eretz Israel، لمعرفة دور المواجهة مع الأرض بتمزيق البنية الإيديولوجية للفراغ، وتضع في حسبانها ملابسات الخطاب الصهيوني الرسمي بهذا الشأن.

وفي الحقيقة، لايزال الطريق طويلاً أمام الجهود النقدية لكشف حقيقة وأهمية صيرورات وأعمال الإفراغ الواقعية والمادية؛ رغم توفر العديد من الدراسات التي تفكك ومازالت تعمل على تفكيك المغالطة الاستعمارية لمقولة “الأرض الفارغة”. ومن هنا سننطلق نحو إعادة قراءة نصوص صهيونية بارزة أتت في سياق لحظات تاريخية مختلفة من عمر الحركة الصهيونية، للكشف عن تناقضات مشروعها للسيطرة على الأرض والفضاء المكاني، فضلاً عن كشف نقاط الضعف الكامنة في عملية إنتاج الهيمنة على المكان.

في ليلة التاسع من تشرين الأول من العام 2000، وبعد وقت قصير من اندلاع أعمال العنف بسبب  أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية [انتفاضة الأقصى] التي اجتاحت إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة، وقع حادث، لم يلقَ اهتماماً كافياً، في منطقة “كفار شاليم” (أحد الأحياء العمالية إلى الجنوب الشرقي لمدينة تل أبيب). حين اندفع المئات من السكان اليهود نحو مسجد مهجور يقع في قلب الحي وباشروا بهدم أحد جدرانه بالمطارق والقضبان المعدنية التي كانت بأيديهم. فقامت السلطات، على الفور، باستقدام قوة من عشرين شرطياً مسلحين بالهراوات وطوقت المبنى لحمايته من الحشد. حادث كهذا كان سينتهي بمجرد استتاب الوضع ويُطمر بين ركام آلاف الحوادث المسجلّة خلال أعمال عنف ذلك الشهر(1).

من السهولة بمكان إهمال حادثة كفار شاليم هذه، بيد أن ما حصل؛ وكذلك الأحداث المشابهة، يلقي الضوء على بعض الأدبيات التي تمكننا من تحليل [مفهوم] الأطلال والتحول التاريخي المتطرف في إسرائيل / فلسطين.

فما هي الأسباب التي أثارت، بالأحرى حفّزت، مثل هذا الهجوم على مبنى مهجور لا يمثل لتلك الجموع المهاجمة أكثر من موضوع مكاني يفترض محوه وشطبه من ذاكرتهم أصلاً؟

بالعودة إلى المسجد المستهدف، فهو يمثل أنقاض ما بقي من قرية “سلمة” العربية الفلسطينية، التي أجبر سكانها على الفرار من ديارهم عقب هجوم إسرائيلي في نهاية نيسان من العام 1948. ومثلما حصل مع غيرها من القرى العربية التي أفرغت من سكانها في فلسطين، قامت السلطات بتوطين المهاجرين اليهود في البلدة بهدف معالجة النقص الحاد في المساكن آنذاك، بالإضافة إلى المنع المادي لعودة المهجرين العرب الفلسطينيين إلى ديارهم (Morris 2004). وفي العام 1949، دمجت قرية سلمة ضمن حدود بلدية تل أبيب (Golan 2001)، وبعد ثلاث سنوات منحتها لجنة الأسماء الحكومية الإسرائيلية اسماً عبرياً جديداً: كفر شاليم (Kadmon 1994)، وتحوّل مسجد القرية إلى نادٍ شبابي؛ لكنه لم يدم طويلاً إذ نقل إلى مكان آخر في العام 1981، ومن ثم قامت السلطات بتسوير المبنى [المسجد] وإغلاقه.

يمثل تحول وإغلاق مسجد سلمة، وفقاً لتحليلات نقدية تبحث في السياسات المكانية الإسرائيلية، مثالٌ آخر إضافي على جهود الصهيونية المتسقة لإحداث تغيير جذري في المشهد المكاني العربي المادي والرمزي لفلسطين، على طريق محو وإزالة التاريخ المكاني؛ وإعادة بناء تاريخها وذاكرتها تأسيساً على مبادئ إثنو قومية صارمة (كما يظهر هذا في الأبحاث التالية؛ على سبيل المثال Benvenisti 2000 ؛ Dalsheim 2004 ؛ Masalha 1997 ؛ Ram 2009).

وإذن، فشلت الهيئات الرسمية في محو تاريخ المسجد العربي ومدلوله، بالأحرى أهميته، الثقافية، رغم بقائه مهجوراً، وربما مهملاً، لعدة عقود، علاوة على فشل الجهود الواضحة في تحويله(2). ومن الواضح أن الحشود التي هاجمت المسجد لم يخامرها أدنى شك في تاريخ المبنى العربي، كما أن هجومهم لم يشعرهم بفقدان ذاكرتهم الجمعية بخصوص معناه الرمزي لو هدم؛ فقد عرّف العديد من الأشخاص الذين أجريتُ معهم مقابلات في الاستطلاع الميداني الذي قمتُ به في الحي في الفترة 2006-2009، على نحو متواتر، المبنى على أنه “المسجد”، كما كان بمقدورهم تحديد تاريخه وربطه بتاريخ قرية سلمة قبل العام 1948 (Leshem 2010a). وتوضح الطبيعة المخادعة للمساحات الفارغة ظاهرياً حضوراً غير ثابت لمبنى شاغر يجذب مثل هذه المشاعر الشرسة والعنيفة: فغالباً ما تظل هذه المساحات ملازمة لسياسات الخطاب المكاني الرئيسي، رغم خضوعها للتدمير المادي وللجهود الحثيثة لإعادة تدوين دلالتها الثقافية.

تزخر الدراسة النقدية عن التحول المكاني في إسرائيل وفلسطين بإحالات المجاز الصهيوني عن الأرض الفارغة وتنويعاتها وصيغها العديدة. وبرغم فقدانه لمصداقيته على أرض الواقع، ما زالت مفاهيم الفراغ والمحو نشطة في الأبحاث والدراسات الأكاديمية النقدية لإعادة النظر في تشكيل الفضاء الإثنو القومي في إسرائيل وفلسطين وفي مصير الجغرافيا العربية الثقافية والمادية. وبقدر ما تكون هذه العملية عنيفة وشاملة ومكثفة، فسوف يكون ضرورياً، فيما أزعم، عدم الالتفات لظواهر الأمور عند الحديث عن مفاهيم الفراغ والمحو والإبادة المكانية، إذا ما أردنا فهم القوى الإيديولوجية والنقدية المعقدة التي تشارك في إنتاج الفضاء على نحو أفضل.

وإذا ما وضعنا في اعتبارنا ما يقف وراء الخطاب المنحرف لمجتمع المستوطنين، فيمكننا، هنا، العمل على تحليل التقنيات المكانية الملموسة للسلطة المستخدمة لدعم ما هو بطبيعته فانتازيا تأسيسية غير ثابتة وموضع نزاع.

وسوف ننطلق في التحليل بإعادة قراءة النصوص الصهيونية الرئيسية التي توثق استعمار فلسطين / أرض إسرائيل Eretz Israel في القرنين التاسع عشر والعشرين(3)؛ لاسيما بعض حالات الأرشيف الصهيوني التي أدى فيها الاصطدام بالأرض إلى فتق البناء الإيديولوجي للفراغ. كما تظهر للعيان تناقض خطاب حول الفضاءات والأمكنة العربية التي استولت عليها إسرائيل في حرب العام 1948؛ حيث يبدو مفهوم “الفضاء الفارغ” غير ثابت على نحو متزايد، وينقل، في أغلب الأحوال، معانٍ متناقضة؛ كما يكشف عن غموض إيديولوجي وسياسي عميقان.

وتسعى هذه المراجعة النقدية لتوضيح تناقض الجهود الصهيونية لاستئصال الحضور المادي في أرض يفترض أنها فارغة بداهةً، حيث يبرز فهم الفراغ بصفته صيرورة مستمرة واستبدال الخراب بأفعال ونتائج الخراب، الجهد غير المكتمل لإنجاز حيز إثني قومي متجانس في إسرائيل / فلسطين، وعلى هذا النحو؛ التصدعات التي تظهر في بنية هذه القوة المهيمنة.

الإطار التحليلي للأطلال والفراغ

لا يترادف، هنا، مفهومي الأطلال والفراغ، رغم العديد من الصلات الوثيقة بينهما. ويمكن العثور على صورة أولية في الأطلال لما اختفى وتلاشى منذ أمد بحسب التعريف الشائع. وفي بعض الحالات حيث تتحايث  مادة ومعنى الأطلال بما حيث يؤدي الإهمال التدريجي إلى تآكل الأهمية التاريخية والثقافية. واعتبرت الأطلال بقايا ملهمة تنتمي إلى الماضي التليد وتثير العديد من الذكريات حولها وعنها؛ على الأقل منذ ظهور النزعة الرومانسية، باعتبار تلك البقايا دلالة على الأصل والإرث. وتشير كاثلين ستيوارت إلى اكتساب الكتلة المدمرة معنى أو حضوراً أكثر إقناعاً من الأصل، حيث يندمج ما هو أسطوري بالمعيش اليومي (1996،93). وقد يصبح التحلل المادي، في واقع الأمر حافزاً لتجديد الاهتمام بأهمية الموقع ودلالته التاريخية (Hoorn 2009). وتقدم الطبيعة “المرنة” للأطلال أهمية محورية لعمليات التحول المكاني ذات التوجه والدوافع الإيديولوجيةـ فضلاً عن إفراغها من معناها السابق وتجريدها منه، وبالتالي تعيين معنى جديد لها. فلا يكون الفراغ، بالتالي، مجرد نتيجة تحول مبنى إلى أطلال بهذه البساطة، ولكنه يصبح في حد ذاته شكلاً من أشكال الأطلال والخراب، وآلية  تقوم بعزل ما هو عديم الأهمية لظواهر مكانية معينة وتاريخاً معيناً.

وكما تظهر العديد من الحالات التي نوقشت هنا، يعبر الفراغ أيضاً عن مرحلة غير محددة في إطار إعادة تنظيم الفضاء إيديولوجياً وسياسياً. كما يُنظر إلى الفضاء الفارغ كفشل وليس كفرصة، ويؤكد على إمكانات إنتاجية غير مستغلة، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل أيضاً عند النظر إليه كجزء من  مهمة قومية جغرافية قائمة على أفكار ومُثُل استرداد الأرض وتجديد السيادة عليها. وتدل التوترات والتناقضات الظاهرة في هذه المصطلحات على النضال لدمجها في سرد دقيق ومتماسك لإرساء الأسس الثقافية والأجندة السياسية للصهيونية.

أنتج رفع السرية عن بعض مواد الأرشيف الإسرائيلي، منذ أواخر السبعينيات، سلسلة من الروايات التاريخية المؤثرة التي طعنت في مصداقية سردية التدوين التاريخي الصهيوني المهيمن عن الأحداث المحيطة بإنشاء إسرائيل والحرب العربية اليهودية في العام 1948. وتدين المقاربة النقدية بالكثير من زخمها التحليلي لبنيتين دراسيتين عملتا على توسيع النطاق المعرفي والمنهجي للبحث التاريخي والسياسي لما يتعلق بسياسات وخطاب المكان ضمن المنظور الصهيوني؛ حيث يوضع المشروع الصهيوني في فلسطين وإسرائيل ضمن إطار استعماري استيطاني يميز المتروبول الكولونيالي عن الاستعمار الاستيطاني الذي لم يتأسس أصلاً لاستخراج فائض القيمة من العمالة المحلية.

وكما يناقش باتريك وولف الأمر؛ يعمل الاستعمار الاستيطاني “على تهجير السكان الأصليين من الأرض (أو استبدالهم)” (1999،1). وأدى هذا التمييز التصنيفي إلى ظهور تحليلات حادة لأطر الإيديولوجية والمؤسسات والسياسات الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا. وعلى الرغم من علاقات الصهيونية الاستعمارية بالعواصم الإمبريالية العثمانية والبريطانية، إلا أنها لم تعتمد قط على بيروقراطية رتيبة تحكم عدداً كبيراً من السكان الأصليين، بل سعت إلى توسيع سيطرتها على الأرض، وتشجيع الهجرة اليهودية الجماعية وتوفير فرص عمل ووظائف تضمن للمستوطنين من خلالها مستوى معيشة أوروبي.

برهن نموذج المستعمرة الاستيطانية على فائدته، لا سيما في البحوث التي تمعنت في المقاربة البنيوية للصهيونية ومبررها الجغرافي(4). فطورت، بصفتها مجتمعاً استيطانياً، موقفاً استثنائياً تجاه الأرض، تجاوز أبعادها الوظيفية وعلاقات العمالة ومؤسسات الحكم. ويُظهر عمل غابرييل بيتربيرغ (2008) صعوبات فهم الجوانب المادية للاستعمار الصهيوني دون النظر إلى ما استند عليه من مجالات دلالية وإيديولوجية منحت مصداقية فكرية للأجندة السياسية الصهيونية وساعدت في ترسيخ مكانتها المهيمنة.

وترتكز السردية الصهيونية الرئيسية على ثلاثة مفاهيم متشابكة (2008،94):

– “نفي المنفى”، الذي يؤسس للاستمرارية بين الماضي القديم للسيادة اليهودية الكتابية، وبين الحاضر الذي يسعى لتجديد هذا السيادة بإعادة استيطان فلسطين.

– “العودة إلى الأرض”، بمعنى تمكّن اليهود من إعادة تمثيل أدوار القصة الكتابية عن الخروج وخلاص الأرض المهجورة. إذ لم يكن هذا الفراغ المفترض للأرض مجرد تعبير مادي، بل مثّل أيضاً إشارة إلى وجهة نظر صهيونية ترفض الاعتراف بأي تاريخ جاد أو أصيل لا يمت لماضٍ يهوديٍّ بصلة.

– لن يتمكن اليهود من حل معضلة المنفى و”العودة إلى التاريخ” إلا بالعودة إلى الأرض.

بعبارة أخرى، تصبح السيادة على الأرض شرطاً للانضمام لتاريخ الشعوب المتحضرة. ولا يوجد ثمة حيز كبير ضمن هذه السردية الاستيطانية لحضور السكان الأصليين؛ فتتعامل الصهيونية مع العرب الفلسطينيين، بصفتهم جزء من البيئة الطبيعية كما يفترض بيتربيرغ، وبطريقة تنحدر معها منزلتهم إلى رتبة الموضوعات السلبية غير الفعالة التي يمكن التصرف معها بحرية تامة دون أي اعتبارات من أي نوع. والأهم من ذلك، لم ينشأ محو الحضور العربي الخطابي والمادي بسبب حالات تاريخية طارئة فحسب، بل كان بحد ذاته شرطاً لخلق هوية تاريخية صهيونية مستقرة وتكريس شعور متماسك بالهدف الجماعي.

وبالنظر إلى التوظيف السياسي والإيديولوجي الهائلين في خلق مثل هذا الفراغ المكاني، فسوف يشير الاعتراف بوجود سكان أصليين مستمر في السرديات الاستعمارية إلى أن أسس الخطاب الاستيطاني الصهيوني وسياساته المكانية لم يكن أقل صرامة مما تصفه بعض التحليلات النقدية للمشروع القومي اليهودي. بكلام آخر، لا تظهر حدود واضحة في العلاقة بين  نقد الاستعمار الاستيطاني ونظرية ما بعد الكولونيالية؛ فقد عارضت الملاحظات النقدية لما بعد الكولونيالية والاستيطان تحالف هذه الكيانات (ما بعد) الكولونيالية المختلفة بالنظر إلى الاختلافات التاريخية والسياسية والبنيوية التي تميز النموذجان عن بعضهما البعض.

وتسعى دراسة بيتربيرغ إلى تقديم تمايزاً أكثر وضوحاً عندما يؤكد بأن “دراسة المجتمعات الاستيطانية لا تعني على الإطلاق مشروع دراسات التابع subaltern . ولا يتمثل هدفها أصلاً في إنقاذ أصوات المحرومين وإعادة تأكيدها، ولا تلتزم بسجل أو منهجية ما بعد كولونيالية” (2008،57). فيما يحذر، في المقابل جونسون ولوسون (2000) من استبعاد الاستعمار الاستيطاني من التحليل ما بعد الكولونيالي، وذات الشيء يقال عن عدم الفائدة من استبعاد الملاحظات النقدية التي يوجهها منتقدو الاستعمار الاستيطاني لما بعد الكولونيالية. وما أود قوله هنا، إن تداخل هذين المشروعين المهمين يقدم رؤى مفيدة عن تكوين واستدامة المساحة الاستيطانية والتنازع عليها.

مهّد باحثو ما بعد الكولونيالية، من الناحية المنهجية، الطريق لإعادة النظر في أهمية الأرشيف الاستعماري الاستيطانية باعتباره يعبر عن القلق المعرفي والسياسي، أكثر من كونه مجرد مصادر منحرفة ومنحازة تؤسس وتكرس التراتبية الصارمة(5)، ووسعت القراءة المتاحة للنصوص الاستعمارية من أطر فهم  أشمل لعلاقات القوة ضمن هذه المشاريع الإيديولوجية والسياسية. كما  مثلت إعادة النظر النقدية للسلطة الاستعمارية السمة المميزة لمنظري ما بعد الكولونيالية الذين طعنوا في الصور المبسطة للمستعمر الذي لا يقهر. ولم يكن هذا مجرد جهد يركز على الأشكال المتعددة لمقاومة التراتبيات الهرمية الاستعمارية فحسب، بل عبّر أيضاً عن فهم دقيق لأوجه الغموض والتناقضات التي مثلت جوهر الحالة الاستعمارية نفسها.

ويبدو أن استكشاف الإنتاج غير المكتمل للفضاء وعدم الثبات في السرديات الاستيطانية من خلال المنظور التحليلي لنظرية ما بعد الكولونيالية لا يحتاج إلى طمس الخصائص المميزة للاستعمار الاستيطاني. ويراعي إعادة تأكيد الوجود المستمر للمستعمَر في قلب السرديات الاستيطانية أحد الانتقادات الرئيسية للمنطق الاستيطاني الاستعماري، الذي يرفض الجهود المهيمنة لإنكار دور السكان الأصليين في تشكيل الهوية الجماعية لأمة المستوطنين.

خاضت السرديات الصهيونية صراعاً لا يهدأ مع فكرة الفراغ، حيث تظهر مدى إرباك جهودها الحثيثة للوصول إلى تعيين متناسق، على نحو ما، للأطلال والخرائب. وتوضح النصوص المدروسة، هنا، المحاولات المتكررة من جانب المفكرين والمسؤولين الصهاينة لحل هذه التناقضات الجوهرية؛ أو على الأقل إيجاد طرق للتحايل عليها وتجاوزها.

تعتمد المصادر الواردة في هذا البحث على مروحة واسعة من الأساليب والتدوين التاريخي، وكثيراً ما يرتبط من كتبوها بأقطاب متعارضة داخل الطيف الإيديولوجي الصهيوني؛ فعلى سبيل المثال، لا تتشارك الهواجس الفلسفية والوجودية العميقة لشخصيات صهيونية مبكرة مثل أحد هاعام ويوسف حاييم برينر، الذي أناقشه في الجزء الأول من هذا المقال، كثيراً مع الأساليب العملية لشخصيات سياسية مثل ديفيد بن غوريون أو في لغة الموظفين البيروقراطيين أثناء نقاشهم، في فترة لحرب، مصير القرى العربية الفارغة. ويستكشف التحليل، بطريقة مماثلة، النصوص والخطابات التي تشكل الركائز الأساسية للأرشيف الصهيوني، كما يشمل أيضاً المصادر التي توثق الأبعاد المحلية للاستعمار، مثل كتيب الدعاية الذي صدر في الخمسينيات؛ أو مذكرة وزارة الخارجية متوسطة المستوى.

وسوف تسمح تغطية مجموعة متنوعة من السجلات والفترات التاريخية، والمصادر غير المعروفة نسبياً إلى جانب مع البيانات الأيديولوجية الرئيسية، في توسيع النطاق التحليلي وتتيح  فهماً أكثر شمولاً للطبيعة الشاملة لهذه الفئات العالقة في الأرشيف الصهيوني. وبمكن أن تساعد العودة إلى أرشيف الصهيونية في عرض تقويم نقدي لبعض التفسيرات العلمية الرئيسية للمشروع الصهيوني في فلسطين، والتي غالباً ما تغفل الطبيعة المعقدة والمتناقضة لهذه الفئات المكانية.

التصادم مع الأرض

أصبح شعار “أرضٌ بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض” هدفاً شعبياً في التوصيفات النقدية التي عالجت التطلعات الصهيونية للأرض؛ وموقفها تجاه السكان العرب في فلسطين. واستمر هذا الشعار يغذي لفترة طويلة موقفاً سياسياً بدائياً فظاً، تم تداوله في العقود الأولى من القرن العشرين بين جموع الصهاينة المتحمسين كجزء من محاولة تجاوز إحدى المراحل التي صاغت التجربة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ونعني بها مرحلة الاصطدام القاسي بين الأحلام المثالية للرواد الأوائل وبين الواقع على الأرض الذي يشكل التجربة الاستعمارية. وتبدو المشاعر حيال هذا الشعار(على الرغم من كونها نادرة في الشعار بحد ذاته) جليّة في الكتابات الأولى التي سعى أصحابها إلى تحقيق حلم الاستيطان الصهيوني، حيث ظهر كنداء هجومي عنيف وبروباغاندة متهالكة ناتجة من انطباع خاطئ ساعدت في خلقه. ويقول الكاتب الصهيوني وأحد مؤسسي مستعمرة رحوفوت الزراعية موشيه سميلانسكي، منذ العام 1914، كيف وصفت البروباغاندة الصهيونية منذ لحظتها الفكرية الأولى “الأرض التي كنا نتجه إليها كأرض مقفرة ومهجورة، تنتظر مخلّصها بفارغ الصبر”؛ ويلاحظ سميلانسكي، الذي عمل لاحقاً مع مؤسسات صهيونية مثل الوكالة اليهودية، كيف خلقت هذه الدعاية “شعوراً زائفاً بأن فلسطين كانت دولة بكر”. (مقتبساً في Shapira, 2000, 58). ويمكن تتبع مشاعر مماثلة في كتابات صهيونية بارزة. ففيما يشبه اعترافاً قوياً؛ يلتقط الكاتب اليهودي يوسف حاييم برينر لحظة حرجة غالباً ما تم تهميشها في روايات الهجرة اليهودية إلى فلسطين واستعمارها: “من يمكنه تخيل ألم اليهودي الذكي البائس سيء الحظ الذي يأتي إلى هنا، وهو ممتلئ رغبة في عيش حياة مختلفة مفيدة ومفعمة بالعمل المادي ورائحة الحقول؛ لكنه سرعان ما يدرك، بعد أيام قليلة من وصوله، كمْ كان حلمه كاذباً، فالأرض هنا يملكها فعلاً المسيحيون العرب، ومزارعينا ليسوا سوى مزارعين بأتم معنى الكلمة، ولا أمل لشعبنا هنا؟” (Brenner, 1924, page 153).

يصف برينر، بطريقة صريحة وغير متحيزة، الصحوة من الحلم الزائف الذي تقاسمه الرواد الصهاينة الذين جاءوا إلى فلسطين ليكتشفوا في النهاية أن “أرض اللبن والعسل” الكتابية يمتلكها ويزرعها آخرون. وما يلفت الانتباه في هذا المقطع ليس تلك الصحوة الرصينة بقدر ما هو التصوير القاتم للمسافة بين الخيال الجمعي والواقع الملموس الذي يواجهه الكاتب، والفجوة بين التجارب المادية على الأرض وبين هؤلاء “المزارعين في واقعهم التجريدي”.

لم يكن برينر وحده من اعترف بالتناقض المدمر بين المخيلة الإيديولوجية والواقع المادي. ففي بداية العام 1891، عاد أحد أسلاف الحركة الصهيونية، آشر تسفي غينسبرغ -المشهور باسمه العبري “أحد هعام” (رجل من العامة)- من رحلته الأولى إلى فلسطين التي ألهمته كتابة مقالته الشهيرة “الحقيقة من فلسطين”، ونشرته صحيفة هاميلتيس Ha-Melits العبرية في سانت بطرسبرغ . حيث أنكر صراحة إحالات المهاجرين التي هيمنت على التيار الصهيوني الرئيسي آنذاك.

قوبل المقال بردود فعل قوية. بل اتهمه البعض بتشويه جهود القومية اليهودية، بشكل عام، وجهود المستعمِرين اليهود في فلسطين العثمانية بشكل خاص.

في الواقع، يبدأ المقال بهدم توقعات القراء، ويقارن بين أمل حلم “الأرض العجيبة” ويأس واقع المستوطنين: “بعد سنوات عديدة قضيتها مفكراً ومتخيلاً أرض آبائنا وانبعاث شعبنا فيها، حالفني الحظ أخيراً أن أرى بأم عيني موضوع أحلامي، فهذه الأرض العجيبة التي تأسر قلوب الناس قاطبةً؛ من جميع الشعوب وجميع البلدان. قضيت حوالي ثلاثة أشهر هناك. رأيت أطلالاها؛ بقايا حياتها في الماضي. ولم يفتني ملاحظة حالتها المزرية في الوقت الحاضر، لكنني أوليت اهتماماً خاصاً لمستقبلها، وأينما ذهبت وحللت، كان ثمة هناك سؤال واحد يتصدر كل شيء: ما أملنا هنا، بعد كل شيء؟ (Ahad Ha’am, 2000, page 160، التشديد في الأصل).

تظهر لحظة المواجهة بين الحلم والأرض كلحظة أزمة، يتزعزع فيها طيف المخيلة الاستشراقية الكتابية القوي -كما يصفه باستفاضة [إدوارد] سعيد (1978) وراباسا (1993) وميتشل (2002) وغيرهم- بمكان لا يشبه تصورات تلك المخيلة. فالأمر ليس مجرد إدراك زيف الحلم -الفضاء الروحي الذي يشبه قصيدة رعوية تنتظر منصة لعرضها بصفتها مسرحية قومية رومانسية- بل يتعداه لما هو ربما أكثر قلقاً بالنسبة لأحاد هعام، أي تفكك المسار التاريخي الغائي الذي يقود تطور الحياة اليهودية من أمة كتابية “أرض آبائنا” إلى تدهور وانحطاط في الشتات، وأخيراً إلى إحياء الحياة القومية اليهودية في أرض إسرائيل. يحطم واقع الحياة في “الأرض” -أو بشكل أكثر دقة “أطلالها”- القدرة على تحقيق روح المشروع الصهيوني الأساسي في استيطان الأرض المتمثل في “العودة إلى التاريخ” من خلال العودة إلى الأرض.

وكما ذكرنا بإيجاز، كانت العودة المادية للشعب اليهودي إلى الوطن التاريخي أكثر من مجرد بحثاً استعمارياً عن فضاءات إنتاجية لاستخراج الموارد المادية. بل إن أساسيات السرد الصهيوني نفسه الذي يتحدث عن الخلاص كانت عرضةً للخطر: إذ يفترض من الناحية الزمنية، أن يعمل المستقبل الموعود على الإنقاذ من بؤس الماضي والحاضر. كما أشار شاي غينسبرغ في قراءة مهمة لمقال أحد هام، اندمجت الحالات الوقتية الثلاث في “سلسلة متواصلة تميزت بالأطلال والوجود البائس” (Ginsburg 2009،185). فضلاً عن تفكك الطباق المكاني المفترض وجوده بين فلسطين العثمانية هنا وبين أراضي المنفى اليهودية هناك -“نفي المنفى”-. فالأرض التي كان من المفترض أن تحل “المشكلة اليهودية” في المنفى أحدثت تآكلاً في الطباقات الأساسية (الماضي / المستقبل ؛ هنا / هناك ؛ المنفى / السيادة) التي دعمت الإيديولوجية الصهيونية وأجندتها السياسية.

ويعتبر توتر التمثيل المكاني -الفجوة بين الكلمة والعالم- ضرورياً لفهم التبرم الذي تظهره هذه النصوص. وكثيراً ما تعاملت دراسات ما بعد الكولونيالية مع البناء النصي وإسنادات صورة العالم imago mundi الاستعمارية. ويستخدم إدوارد سعيد، على سبيل المثال، مفهوم “المواقف النصية” ليصف ميل الإنسان إلى التراجع عن النص عندما تتهدد الشكوك استقراره بحيث يكتسب النص “سلطة واستخداماً أكبر حتى في الواقع الذي يصفه” (Said 1978, page 93).

يشير دافيد بون إثر إعادة صياغة مقولة سعيد، أن المواجهة بين الاستعمار والمشهد المكاني تولد “شكلاً مبالغاً فيه من الانغماس، أو “دعم” نموذج مشهد على آخر (Bunn 2002،144). ويعكس سعيد وبون، رغم اختلافات المصطلحات بينهما، اتفاقاً أكبر حول تأكيد تدوين المكان (من خلال رسم الخرائط أو مجلات السفر أو رسم المشاهد المكانية) على وجود نظام سيطرة قديم، قبل أن تطأ أقدام المستعمرين الأوروبيين الأرض المادية للأراضي “المكتشفة”، وتستمر في تأبيد أنماط هيمنة وسيطرة مماثلة بعد ذلك بفترة طويلة. وفي المقابل، تجسد كتابة برينر وأحد هعام، ديناميكية أكثر تعقيداً تبدو فيها سلطة النص غير قادرة على مقاومة الاصطدام مع واقع الاستعمار.

لا تظهر كتابة الفضاء الاستعماري هنا كتعويذة للتخلص من الغموض المكاني (de Certeau 1988،134) أو عملية محو تقضي على الصور المتنافسة، بل كموقع آخر يمكّن من رؤية أثر هذا الغموض. ولعل قراءة متأنية لفضاءات الاصطدام والمواجهة ستكشف عن حقيقة التجربة الاستعمارية؛ أي تشظي السرديات المتسقة وانخراط هذه التعقيدات في أشكال تمثيل تبدو متجانسة ظاهرياً، والنصوص ذاتها التي تقع في قلب الأرشيف الصهيوني. وكان ميرون بنفينيستي قد صكّ، في واحدة من أهم الدراسات النقدية حول التحول المكاني في إسرائيل / فلسطين، مصطلح “البقع البيضاء” لوصف الآليات المادية والخطابية التي تمنع المشهد العربي من دخول مجال الخطاب الإثنو قومي الصهيوني: لا يوجد للتجمعات والبلدات والقرى والأحياء العربية “حيز في التصور اليهودي لمشهد الوطن؛ فهي مجرد مجاميع عشوائية غير منتظمة من الكيانات ثلاثية الأبعاد” (Benvenisti 2000،56). بيد أنه يزعم، في نهاية الفقرة ذاتها، بأن “موقف السكان اليهود تجاه المشهد العربي -المادي والبشري على حد سواء- كان مزيج غريب من التجاهل والاستخفاف والقلق والمودة والتفوق والإنسانية والفضول الأنثروبولوجي، والرومانسية، وقبل كل شيء، كان موقفاً يستند إلى المركزية الإثنية الأوروبية”. إن اختزال هذا الكم الهائل من المصالح والاهتمامات وتنوع الدوافع إلى مفاهيم شاملة مثل “البقع البيضاء” أو الإرث الشائع المشترك لمجاز “الأرض الفارغة”، يدل على الحاجة التحليلية الأوسع لمقاربة أكثر دقة للوقائع المتناقضة للفضاء المستعمَر في إسرائيل / فلسطين.

الفراغ المكتظ

لا تقتصر لحظة الاصطدام على الموجات الأولى من الهجرة اليهودية إلى فلسطين فقط، بل تظهر بصورة متكررة في الأرشيف حتى في زمن أبعد من قيام الدولة(6). ويتطلب التبني التدريجي للدولة الإثنو قومية كإطار صهيوني مهيمن(7) اهتماماً خاصاً بدور سرديات الدولة في تشكيل التصور الثقافي للفضاء القومي.

يقدم كتيب، وزعت منه آلاف النسخ في أرجاء البلاد، صادراً عن إدارة المعلومات الإسرائيلية في العام 1962، (وهي هيئة رسمية تبث سياسات الحكومة على الصعيد المحلي)، مثالاً صارخاً على الجهود القومية لتحويل ما يسمى “الفضاء المهجور” تحت ستار الإنتاجية والاستغلال النفعي للموارد. ويكشف النص، ربما بطريقة أقل وضوحاً، التهديد المحتمل لما تم تعيينه كفراغ مكاني. فيصف وقائع الفضاء المكاني في الأنحاء الشمالية لإسرائيل بعد الحرب العربية اليهودية سنة1948؛ ويركز بصورة خاصة على مساحات شاسعة استولت عليها الدولة في الحرب وما ترتب عليه من استيطان المهاجرين اليهود في مستوطنات زراعية جديدة، ويتابع الإشارة إلى عامل اقتصادي مهم ظهر بعد الحرب يتمثل في وفرة الأرض، في الوقت الذي أصبحت فيه  مساحات واسعة منها مهجورة، مما فاقم مشاكل إسرائيل الأمنية. وكان الحل في المستوطنات الزراعية؛ فالأرض وفيرة ويمكن استغلالها. وسوف تعزز المستوطنات الجديدة مشاريع الزراعة وتؤمن الغذاء للسكان وتحد من المخاطر الأمنية التي تنشأ من المساحات الفارغة. (Israeli Information Administration 1962, Chapter 1).

ويصف الناقد الإسرائيلي يتسحاق لاؤور هذا النص بأنه يعبر عن “الملح الأساسي لحتميات السردية القومية” (1995،156)، التي تضع التقاليد الجغرافية والنصية التي ستبنى عليها الروح القومية الإسرائيلية؛ أي جماعة إثنو قومية من مزارعي المستعمرات الحدودية.

من ناحية أخرى؛ يخدم النص الغرض المباشر من إعادة تنظيم واقع ما بعد الحرب الفوضوي ضمن مخطط شامل للتقدم والتراكم الإنتاجي. وتشبه هذه الديناميكية ما يصفه، إلى حد ما، دولوز وغواتاري بإسالة وإعادة هيكلة رأسمالية المكان، أي إزالة الدلالات الموجودة كمقدمة لإعادة تعريفها بمصطلحات أكثر توافقاً مع التراكم الرأسمالي (2004).

لا يعتبر استخراج الموارد من الأرض في الكتيب هدفاً رئيسياً لإعادة هيكلة المكان، بقدر ما هو حل عملي للتهديدات المحتملة التي يطرحها وجود فضاء فارغ في طريق السيطرة على الأرض. ويربط الفراغ المفروض على المشهد المكاني العربي بين وظيفتين -الفضاء كمورد إنتاجي ودوره في الأجندة السياسية الإثنية-القومية- والسعي لشل أي جهد يشكك في قدرة المستوطن الطبيعي والمحايد على ابتلاع الأرض. لكن عملية “كتابة الفراغ” -على حد تعبير سيمون رايان (1994)- ليست محواً مباشراً أو تجاهلاً بسيطاً، إذ يكشف تمعناً دقيقاً، على سبيل المثال، كيف يدحض الكتيب إحدى أساسيات المنطق الاستعماري الاستيطاني الموصوف هنا.

فيصور النص، بطريقة صريحة إلى حد ما، المستوطنة الزراعية اليهودية في فلسطين -التي تم الاحتفاء بها منذ وقت طويل بسبب عقيدتها الإنتاجية وفلسفتها الاجتماعية الجديدة- كأداة استعمارية في تشكيل المشروع الاستيطاني. وعلى الرغم من الصفة المحورية لملاحظات بعض الباحثين الذين حاولوا استكشاف الأسس الاستعمارية الاستيطانية للصهيونية مثل بيتربيرغ (2008) وشافير (1996)، فإن وجود المستوطنة الزراعية الواقعي في الكتيب الحكومي أمر جدير بالملاحظة، ويدعو الفراغ إلى القيام بقراءات نقدية غزيرة تبحث في تناقضات النص الاستعماري وعدم ثباته بصورة جوهرية، بدلاً من بقائه مجازاً متوارياً في خدمة السرد الاستعماري.

لاحظ كل من حنان حيفر ويهودا شنحاف، في دراستهما للتحولات العرقية والثقافية الراديكالية في إسرائيل، أن الفعل المهيمن للمحو يمثل في ذات الوقت عملية إعادة تدوين، وكلاهما “يترك آثاراَ عديدة في الهوامش العريضة المحيطة بالخط الفاصل” بين الفضاء العربي والفضاء اليهودي (Hever and Shenhav 2011, page 70) وما يتم الكشف عنه في هذه العملية هو “العمل الخطابي النقدي” الذي يعطل الانتقال السلس من فئة إلى أخرى (سياسية أو ثقافية). فعلى سبيل المثال، يخلق كتيب إدارة المعلومات علاقة سببية بين المساحات “المهجورة” و “التهديد الأمني”. وفي الوقت الذي يشير فيه إلى “خلو الأراضي من أي وجود بشري” لحظة الاستيلاء عليها في حرب العام 1948، لا يذكر شيئاً عن الوجود المادي لأكثر من 400 قرية وبلدة عربية تم اقتلاع سكانها أثناء الحرب(8). بعضها هدم أثناء أو بعد الحرب بوقت قصير لكن العديد منها، لا سيما في المناطق النائية، بقيت سليمة حتى الستينيات (Shai 2006).

يتعمد الكتيب الغموض بشأن ما إذا كانت هذه البقايا المادية قادرة على تحريض مثل هذا القلق والشعور بالتهديد، غير أن غموض سردية الفضاء الفارغ تشهد على التحدي المتمثل في سد الفجوة بين المخيلة القومية المنظمة والحقائق المعقدة على الأرض.

سعى الخطاب الإسرائيلي الرسمي في السنوات الأولى من عمر الدولة إلى ترسيخ ما يبدو كأنه تناقضاً حول وجود بقايا مادية عربية. فمن جهة، سعى إلى تشفير الخراب والدمار حين أكد دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء للبلاد، بأن مهمة الصهيونية تكمن في “إحياء أنقاض أرض فقيرة ومدمرة… ظلت فارغة لألفي عام” (Dorman 1986, pages 73-74). فلا معنى للأطلال والدمار، بالنسبة إلى بن غوريون، إن لم يكن يشر إلى المملكة اليهودية القديمة ويعمل كلاهما دليلاً على العودة السببية teleological  إلى الأرض بعد ألفي عام من المنفى. ولا يندرج ما يعرف بمصطلح القائمة الفارغة tabula rasa، فهذه ليست صفحة بيضاء، بل محاولة لفصل الآثار عن سياقاتها الثقافية والسياسية والتاريخية(9).

ومن جهة أخرى، لا سيما حين يتم الاعتراف بأصول عربية لهذه البقايا في القرى والبلدات، ينظر إليها كـ “تهديد أمني” مما يعطي مبرراً لتدميرها. وهكذا دمرت الدولة العديد من القرى بهدف محاربة “المتسللين” العرب، ومعظمهم من اللاجئين الذين حاولوا العودة إلى فلسطين من الدول المجاورة ووجدوا مأوى لهم في المنازل المهجورة. ويذكر يحزقيل ساهار، (أول رئيس شرطة في إسرائيل) في مذكراته عمل طلبه بهدم نحو 50 قرية بحدود العام 1952، على “تخفيف حربنا ضد المتسللين  إلى حد كبير” (Sahar 1992, page 98).

ويلقي التناقض الواضح، بين “الفراغ المرغوب فيه” عند بن غوريون وتصورات ساهار للفراغ كتهديد، مزيداً من الضوء على قدرة كتيب إدارة المعلومات تخفيف، بالأحرى، إخفاء هذا التصعيد وتجاوزه ببراعة بالصراخ بصوتٍ عالٍ، كلما دق الكوز في الجرة، حول المهمة القومية للاستيطان والاستحواذ على الأرض والاستيلاء عليها؛ وهذا يعني لجهة التاريخ النقدي للاستعمار اتضاح أهمية الإحساس المتواتر بعدم خلو الفراغ من أشياء” لا تزال تحمل معنىً مربكاً.

أطلال غير مأهولة

تتأرجح التوصيفات الرسمية الإسرائيلية المبكرة للمشهد المكاني العربي الذي استولت عليه الدولة في حرب العام 1948 ، في أغلب الأحوال، بين تعابير الفراغ (بمعنى الخلاء التام emptiness ) والأطلال (بمعنى الخراب ruination). وأسّسَ هذا الخلط إلى تصور يرى افتقار هذه الفضاءات إلى النوعية الجيدة من البشر الذين يمنحوها أهمية تاريخية وثقافية، رغم الاعتراف أن هذه المساحات لم تكن فارغة مادياً(10). وتزعم الأبحاث النقدية حول التحول المكاني في إسرائيل بتمكن عملية إعادة تدوين الأرض من محو حضور السكان الأصليين أو الفئات الأخرى subaltern من خلال آليات السرد القومي المهيمن (Falah 1996; Fenster 2007; Kadman 2008). غير أن ثمة أمثلة أخرى ذات أهمية، عن السرد الصهيوني المهيمن، توضح صعوبة التوفيق بين مشهد ما بعد الحرب المدمر وبين الإحساس الجلي بالفراغ؛ بما يخلق حالة توتر وتصعيد، يؤكدها ما ورد في خطاب رئيس الوزراء بن غوريون في مؤتمر جمعية استكشاف إسرائيل، وهي جمعية صهيونية تشكلت في العام 1914 لإجراء أبحاث أثرية وتاريخية في فلسطين: ” لسنا راضين عن مصير أرضنا، حتى عن الجزء الذي نسيطر عليه. لقد حول الغزاة الأجانب أرضنا إلى صحراء. دمار واسع وإهمال وخراب ومناطق شاسعة مهجورة، وزاد الأمر صعوبة أن وسعت حرب الاستقلال من الفراغ. وهذا ما يتطلب التأكيد بأننا: … لن نقبض على سهول النقب والرمال الساحلية والجبال الجرداء لفترة طويلة. فالحفاظ على استقلالنا يجبرنا على بناء الأطلال، واستعادة الأراضي الخربة البور، واستيطان المناطق المهجورة، وتوطين سكانها في أقرب وقت ممكن (Bulletin of the Israel Exploration Society 1949, page 120).

علينا الانتباه هنا كيف يصف بن غوريون الأرض المكتسبة، فهو لا يسميها أرضاً فارغة بشكل مجرد، بل كأماكن مادية معينة تعرضت لعملية تدمير طويلة الأمد، فالفراغ، كما يصفه بن غوريون، مليئاً بالبقايا الخربة والنفايات.

ويصف بن غوريون، في مقال آخر بعد ذلك بعامين، بشكل أكثر وضوحاً الطبيعة الانتقائية لصيرورة الخراب هذه: “جلبت حرب الاستقلال الخراب والدمار لآلاف المستوطنات، وعندما نشأت الدولة لم يكن هناك سوى المستوطنات اليهودية التي أقيمت في السبعين سنة الماضية وبعضها لم يكن يهودياً “(مقتبساً في Kletter 2006 ،46، التشديد مضاف).

يشير تصوير بن غوريون الواقعي للنتائج المكانية للحرب وعواقبها، إلى وجود نقاش علني حول المساحات العربية التي استولت عليها إسرائيل خلال الحرب، بعكس غياب هذا النقاش في النقد المعاصر المشترك للخطاب الصهيوني.

وتكشف قراءة الأرشيف “بما يوافق معاني النص دون النظر إلى تأويلٍ مفترض له”، بدلاً من قراءة الوقائع المحرفة للمعرفة الرسمية (Stoler 2009)، عن نقاش غزير حول هذه المواقع؛ وأوجه شكوك عميقة حول مصيرها، فقد حذر، على سبيل المثال، مسؤول في وزارة الخارجية الإسرائيلية في العام 1957 من وجود صلات عسيرة لآثار القرى العربية والأحياء العربية، أو كتل المنازل السليمة التي بقيت مهجورة منذ العام 1948، مما تسبب بأضرار سياسية كبيرة. وخلال السنوات التسع الماضية أزيلت العديد من الأطلال، سواء من خلال مشاريع التنمية أو بسبب العوامل المناخية. لكن ما نجى منها يبرز بشكل كبير، على نقيض المشهد الجديد (Dothan 1957). ووفقاً لهذه المذكرة، ينبغي إيلاء اهتمام خاص بالبقايا العربية البادية للعيان، مثل البقايا الموجودة في “المستوطنات اليهودية أو في المراكز المهمة أو على طول طرق النقل الرئيسية”. وتركت الحالة المتداعية لهذه المواقع، كما تقول المذكرة، “انطباعاً محبطاً للغاية”. ولتجنب ذلك، “سيكون من المناسب إزالة الأنقاض التي لا يمكن ترميمها أو التي ليس لها قيمة أثرية”.

ويشير تعبير “إزالة”، في معظم الحالات، إلى الهدم، رغم بعض القلق الذي أظهره المسؤولون عن عملية الهدم في بعض الحالات. ففي اجتماع لجنة تحديد المواقع والحفاظ عليها في القدس سنة 1963، قدم أحد الأعضاء بديلاً عن الهدم  الكامل للقرى ” أقترح القيام بمسح للمكان، ونعمل، مثلما يفعلون في سويسرا، على وضع مخطط لكل مبنى قديم بغض النظر عما إذا كان معداً للهدم أم لا بهدف الحفاظ على المدن القديمة؛ ونحتفظ بصور ومخططات كل مبنى. ويمكن إدخال الأجزاء المعمارية من البيوت العربية المعدّة للهدم في متحف عربي يُنشأ لاحقاً بعد تدمير المنازل. كما ستقوم الصور الملتقطة لتلك البيوت بإظهار ما كان موجوداً في المكان الذي سيتم تدميره. وإلا فإنهم سيقولون عنا إننا دمرنا جميع الأوابد بوحشية، دون ترك وثائق حتى (The Committee for Locating and Preserving Sites in Jerusalem  1963). يبدو أن ما يفصل السويسري “المتحضر” عن البربري هو الميل -وربما حتى الالتزام- لتوثيق ورسم وأرشفة عملية التدمير. وأن ما ينبغي لومه ليس فعل الهدم أو التدمير، وإنما الإخفاق، ليس أكثر، في تسجيل وتقديم دليل على ما كان عليه المكان وكيف أصبح.

إن وضع الأوابد في علب زجاجية وأرشفة المخططات المعمارية تمثل عتبات لما يعرف بالتدمير الحضاري، والذي يحدث لأغراض “تقدمية”، بعكس أعمال العنف البربري العشوائية غير المتطورة، غير أن هذه المقترحات لم تحظ بالقبول والموافقة ولو في نطاقها البرامجي.

أخيراً، من المهم توضيح عدم مناقشة الفضاء العربي بصوره المجردة؛ ففي في أعقاب الحرب مباشرة، كانت القرى والأحياء العربية السابقة أحد الحلول الأولية المتاحة لإيواء جموع المهاجرين اليهود الذين وصلوا إلى البلاد، كما تحول العديد من “الأطلال” إلى منازل، بعضها من خلال خطة حكومية محددة مسبقاً وبعضها الآخر من قبل “واضعي اليد” اليهود أو “الغزاة” اليهود الذين سعوا للحصول على سكن أثناء أزمة نقص المساكن الحادة في أوائل الخمسينيات. وانطوى هذا الدمج العملي للمشهد العربي في “الفضاء الإسرائيلي” على آليات قانونية وسياسية معقدة(11) ولعبت دوراً رئيسياً في تشكيل النظام الداخلي الإسرائيل لمنظومة الطبقات الثقافية والاجتماعية(12).

غير أن التركيز هنا يشير إلى حالات معينة من والارتياب والتناقض المصاحبة لجهود الدولة في استيعاب هذه الأماكن ضمن الخطاب المكاني الإسرائيلي عبر مواجهة حميمية للغاية -أي أن تسكن في منزل “العدو”.

وأود القول، من خلال مثالين، كيف يحتفظ الخراب العربي، بصفته موضوعاً مادياً ومجازاً خطابياً، بقدرة هائلة على مقاومة التحييد والاستيعاب في فضاء وطني متجانس رغم تغير سكانه، ونذكر في هذا الصدد، إشارة  بيشور شالوم شطريت، وزير الشرطة والأقليات إلى الحالة المزرية لليهود من أصول عربية وشمال إفريقية الذين انتقلوا للسكن في بيوت عرب سابقين في مدينة طبريا الشمالية في نيسان 1948، وذلك خلال نقاش حكومي في العام 1949 حول الجهود المبذولة لتشجيع الهجرة اليهودية. ويشرح شطريت كيف يعيش هؤلاء المهاجرون الذين أتوا إلى طبريا في الخرائب بلا نوافذ أو أبواب؛ وإذا كان الجو دافئاً هذه الأيام؛ فكيف سيكون عليه الحال في الشتاء؟ ماذا سنفعل في الأيام الممطرة؟ لم يكن هؤلاء المهاجرون، لسبب ما، محظوظين بما فيه الكفاية، ويطلق عليهم اسم المهاجرين المغاربة والأفارقة الشماليين. … تتحدث الحكومة كثيراً عن الهجرة وتشجيعها، لكننا مكانك سر، يفرّ الناس إلى هذه البلاد؛ يأتون ويتم التخلي عنهم.. يأتون إلينا ولكننا نخذلهم  (Shetreet 1949).

ويمكننا من خلال بيان الوزير شطريت تتبع أصداء توصيف برينر المذكور سابقاً؛ فإذا كان برينر كشف مغالطة الغزو الزراعي البطولي للأرض الفارغة، فيوضح تصريح شطريت كيف تحولت الأطلال لتصير جزءً من التجربة الإسرائيلية عن الأرض الجديدة وكيف تقاوم هذه الأطلال العربية صيرورات تحييدها أو نبذها بصفتها دلالة على الآخر.

يعني إعادة استيطان الأطلال، من بين ما يعني، بدء تآكل التقسيم الرمزي بين الفضاءين اليهودي والعربي، مما يقوض الادعاء القومي بإنتاج نظام مكاني ثقافي جديد؛ ونتيجة لذلك، تشهد هذه الخرائب العربية على هشاشة النظام الجغرافي والرمزي الذي تسعى الدولة القومية لتحقيقه، مما يشكك في القدرات الأساسية على دمج الناس والأرض. ولا تقوض حقيقة تدمير مدينة طبريا القديمة بالكامل، من القيمة النقدية لهذا النوع من الإنجاز القومي المزعوم. وتكشف إعادة قراءة السردية الاستعمارية كيف تظهر الأطلال، حتى لو كان عابر، كموقع للتناقض السياسي والتوتر الإيديولوجي.

وفي حين رأى البعض في الأطلال تذكيراً مربكاً، وربما محرجاً، أو عناصر متهالكة تلطخ صورة الفضاء الحديث التقدمي أو حتى تهديد أمني، فقد رأى البعض الآخر في الأطلال نوعاً مختلفاً تماماً؛ وينظر في هذا الصدد إلى موقع القرية العربية المهجور “عين حوض” والتي تحولت إلى مستعمرة للفنانين اليهود  كمثال صارخ للطريقة التي دمجت فيها الأطلال في سياق نظام إيديولوجي يحجب النص الأصلي للاستحواذ والملكية.

وتشير سوزان سليوموفيتش إلى نظرة الفنانين الدادئيين، الذين أتوا للعيش في عين حوض، للتفكك والانحلال والتدمير كجزء من أعمال الطبيعة، وأن الحطام كان ومازال “من السمات البدائية والقديمة للمشاهد الطبيعية” (1998،51). كما يفترض حاييم يعقوبي أيضاً أن “اكتشاف العمارة الشرقية نجح في إنتاج مجموعة تاريخية منظمة كانت بمثابة أداة خاضعة لتنظيم المعرفة والذاكرة الجماعية” (2008،111). في حين لعب الخراب دوراً حاسماً في خلق مفارقة تاريخية انتقائية إيديولوجياً -أي الاستيلاء على المشهد المكاني العربي لإثبات استمرارية الوجود التاريخي اليهودي في فلسطين- يكشف تحليلها الدقيق أنها لم تكن مجرد حالة بسيطة من المحو الثقافي.

سبقت مجموعة الفنانين التي وصلت في العام 1953 محاولتين حكوميتين فاشلتين لإعادة استيطان عين حوض. شملت المحاولة الأولى نقل مجموعة من اليهود الجزائريين والتونسيين، الذين سرعان ما نقلوا إلى موقع بديل أكثر ملاءمة للعمل الزراعي (Asaf 1953،177-80). أما المحاولة الثانية فكانت نقل مجموعة من اليهود الذين نجوا من هجوم الجيش الأردني على كفار عصيون في أيار 1948؛ وقد بقيت هذه المجموعة لفترة مؤقتة في عين حوض إلى حين إنشاء قرية جديدة في العام 1950 (The Settlement Department 1949). ويعبر الإخفاق في تجرية استيطان قرية عين حوض عن التجرية التي يمكن أن تعيشها جماعة غير منخرطة أو مشاركة فيما يمكن وصفه بعملية “اكتشاف” قرية قديمة تحمل الطابع الفني الاستشراقي في منازل عين حوض شبه المهدومة.

ويمكن، ظاهرياً، إعطاء الأولوية للاحتياجات الأخرى؛ فقد تمثلت هذه الاحتياجات بالنسبة للمجموعة الأولى من مهاجري شمال إفريقيا، في القدرة على تطوير سبل العيش الأولية؛ ويمكننا الافتراض أن الأمر يختلف بالنسبة للمجموعة الثانية الناجية من كفار عصيون، الذين فقدوا أصدقاءهم وعائلاتهم في حرب 1948، فلم يكن إعادة توطينهم في قرية عربية مهجورة يحمل إغراءً أو جاذبية ريفية ورومانسية. وتشير تجارب هاتين المجموعتين اللتين لم تكونا جزءً من التيار السياسي والإيديولوجي الإسرائيلي الرئيسي إلى أن الفضاء العربي المدمر لم يكن مجرد “مجموعة تاريخية” منظمة كما يزعم يعقوبي، بل بالأحرى كان منعطفاً من المعاني والصلات المتنوعة.

الخلاصة: إعادة بناء المعنى في الفضاء المدمر

على الرغم من التأثير المدمر لمشاريع الاستعمار على الفضاء الحي لمكان معيش العديد من المجموعات الإثنية التي خضعت له، فقد زودنا النقد ما بعد الكولونيالي بأدبيات مهمة يرتكز عليها الزخم النقدي لهذه المقالة. ويتعلق الأمر برفض قبول الهيمنة الاستعمارية كبنية سلطوية مغلقة. ففي أغلب الأحيان، مثّلت الممارسات المستخدمة لفرض وتأبيد أنظمة الهيمنة والسيطرة “ارتجال جماعي من نوع ما”؛ حتى في أكثر مظاهرها تطرفاً (Richards 1993, page 3) أكثر من كونها خطة رئيسية دقيقة التنظيم والتنفيذ خالية من الأخطاء.. وظهر أن العديد من مشاريع المستوطنين واجهت تناقضات إيديولوجية وتصورات وهمية لقيادات فاشلة ولمجتمعات المستوطنين المحبطين.

ومن المفاجئ، إذن، بقاء التناقضات الإيديولوجية الصهيونية وذلك الفشل السياسي وتلك الشكوك البيروقراطية غير منظورة بدرجة كبيرة ولا تلعب دوراً جوهرياً في التاريخ الإيديولوجي والجغرافي لإسرائيل / فلسطين. ويعد إبراز أوجه الغموض هذه خطوة حاسمة لصياغة نقد أكثر دقة وتعقيداً لطبيعة الهيمنة الثقافية والمشهد السلطوي الذي تنتجه.

تشير كل مساهمة نقدية تناقش الصهيونية وإنتاج الفضاء في إسرائيل إلى مفهوم الهيمنة. ومن المفترض أن تكون الأرض والمشهد المكاني، حيث يفترض سهولة الاستيلاء عليهما  والتلاعب بهما، وسيلة فعالة في بناء الهوية الجماعية وصيغ التوافق السياسي. فالفضاء المحلي ومسارات التنزه والمشاهد المكانية للمدينة جميعها منخرطة في مشروع إثني كبير. ولتبسيط مقولة غرامشي المعقدة،  يمكن القول أن مثل هذه الأشكال من “الشعور العام” و”العفوية” تدعم تمايز الهيمنة عن الأشكال الأخرى من الإكراه المبطن (Gramsci 1971, page 323).

ويذكرنا ويليامز على نحو مهم، كيف يكمن التحدي النقدي في التأكيد على عدم تفرد الهيمنة؛ فهي “ليست حالة فردية”. وتبدو أبنيتها الداخلية، في الحقيقة، شديدة التعقيد، ويجب تجديدها باستمرار، وإعادة إنشائها وحمايتها؛ وعلى نفس المنوال، يمكن تحدي هذه الأبنية وتعديلها في بعض النواحي (Williams 2005،38).

إن التدقيق في الفئات الأساسية المستخدمة لشرعنة تأسيس نظام مهيمن، كما فعل هذا المقال، هو الخطوة الأولى لرفض ادعاء الهيمنة الكلي.

وسوف تكشف حالة غموض الفراغ والخراب، الشكوك والتناقضات العميقة المتأصلة في إنتاج وتأبيد الأنظمة المكانية الإثنوقومية، بدلاً من التجانس والتوافق.

لم يتمكن أتباع هذا المشروع المهيمن، كما يظهر التحليل، من الاتفاق على معنى هذه المصطلحات الأساسية أو معالجة تناقضاتهم، وتشير الالتباسات والانزلاقات التي تعصف بالمجال الرمزي لإنتاج الفضاء إلى تقلب البنية المهيمنة واضطرابها؛ كما تشير إلى حالات نقدية تضطر إلى الدفاع عن أسسها الإيديولوجية وإعادة تأكيدها.

تنقاد، بدرجة ما من التعميم، المقاربات النقدية الأساسية التي تتناول التاريخ الصهيوني وإنتاج الفضاء في إسرائيل/  فلسطين، إلى الجهد البحثي لاستكشاف هيكل وآلية الهيمنة الصهيونية، أو الاهتمام بأشكال مختلفة من المقاومة المضادة للهيمنة. ويؤكد النقد المقدم في هذه المقالة على بعد ثالث للتمعن النقدي، فتحدي مفهوم الفراغ الساذج وكشف طبيعة الفضاء المدمر، الذي مازال بلا حل،  يحددان تخوم السلطة والمساحات التي يزال عملها غير مكتمل. وهذا ليس مجرد مقدمة لظهور المقاومة، ولكنه فهم أكثر دقة وتعقيداً للمشهد الملتبس للسلطة في إسرائيل -الفضاء الإيديولوجي الرمزي والأساطير المضطربة بطبيعتها التي تأسست عليها الصهيونية، وكذلك المشهد غير المتجانس الذي لا يزال  يحمل آثار العنف التي ينطوي عليها الاندماج القومي للسكان والأرض.

قد يُعزى ارتباط الصهيونية بمستعمرة استيطانية محض نقية إلى لحظات تأسيسية في تطور المؤسسات الصهيونية في عشرينيات القرن الماضي (Lockman 1996 ؛ Shafir 1996).

لكن الحُجّة هنا توضح الصعوبات الهائلة في إعادة تأسيس هذا “النقاء” بنجاح ضمن معايير ومصطلحات مكانية، سواء في المشهد المادي أو في الخطاب المحيط به. ولا ينبغي، مرة أخرى، الخلط بين هذا وبين التركيز ما بعد الكولونيالي الشائع عن الغموض والتناقض كعلامات مميزة لمقاومة التابع subaltern ، رغم سعي أفعال المعارضة التخريبية هذه إلى استغلال هذه المناطق المشتبه بها. وبدلاً من ذلك، يتم التركيز على الإمكانات التحليلية الهائلة لإلقاء الضوء على التوترات التأسيسية التي شكلت هوية المستوطنين المتضاربة بشدة وعلاقتها بمجال لا يزال يدل على ماضيه العربي ويقاوم قوى التجانس للدولة الإثنو قومية.

ختاماً؛ تنطوي عملية إعادة ملء الفراغ أيضاً على رفض أخلاقي سياسي للسيطرة المهيمنة على المصطلحات الأساسية التي يمكن من خلالها التعبير عن الخلافات. ولعل غرامشي حين قال بأن “كل لغة تحتوي على عناصر تصور العالم” (Gramsci 1971, page 325)، كان يتوقع أن يركز فوكو -فيما بعد- على الممارسات الخطابية؛ حيث تسعى الهيمنة، في إحدى أكثر وظائفها تعقيداً وفعاليةً، إلى السيطرة على المفردات المتاحة وتعيين حدود الخطاب المسموح به، وتثبيط الإيضاحات المقدمة للبدائل الاجتماعية وجعله أكثر صعوبة للمحرومين في تحديد مصدر سخطهم، ناهيك عن علاجه..

وفي هذا السياق، يعمل الفراغ بطريقة مماثلة: فهو يصف ما ينتجه الدمار العنيف، غير أنه، في المقابل، يعيق بشدة القدرة على الاعتراف بأي علامة من علامات العنف الحاصل.

قد يكون حرمان المتضررين من التعبير عن خسارتهم أو تقديم دليل على الضرر الذي لحق بهم هو التعبير الأكثر تطرفاً عن قيود الهيمنة(13). ومن ثم، يمثل كشف الغموض المتجدد للفراغ والدمار تدخلاً أكاديمياً يقاوم تأثير إسكات المفردات الإيديولوجية، ويحافظ، على أقل تقدير، على قدرة الأبنية البديلة في استعادة ملاءمة وإعادة توطن هذه التواريخ المكانية غير المكتملة.

…..

العنوان الأصلي: Repopulating the emptiness : a spatial critique of ruination in Israel/Palestine

المؤلف: نعوم ليشيم Noam Leshem

المصدر: https://journals.sagepub.com/doi/abs/10.1068/d15711

……

هوامش

1 اندلعت الأحداث إثر زيارة عضو الكنيست، آنذاك، أرييل شارون إلى [جبل الهيكل] الحرم القدسي. تم تجميع وتحليل وقائع الأحداث في جميع أنحاء إسرائيل في تقرير لجنة تحقيق أور (Or،Hatib and Shamir 2003). ويرد ذكر الأحداث التي وقعت في كفر شاليم في تقرير اللجنة، المجلد2 ،الفصل5.

2 كان هذا الجهد الرسمي موجهاً بالأساس نحو السكان اليهود في إسرائيل. وطورت المجتمعات الفلسطينية العربية، سواء تلك التي نزحت داخل إسرائيل بعد اتفاقية الهدنة لعام 1949 أو تلك الذين تحولوا إلى لاجئين في الضفة الغربية وغزة والدول المجاورة، أشكالًا مضادة لإحياء ذكرى وتوثيق المعرفة التاريخية، والتي لم تتم مناقشتها في إطار هذا المقال (See: Davis 2011; Khalidi 1992; Sa’di and Abu-Lughod 2007; Slyomovics 1998).

3 على الرغم من بعض الإشارات هنا إلى الفضاءات المعاصرة في إسرائيل، إلا أننا لا نتناول بصورة مباشرة التعابير الأكثر وضوحاً عن الدمار المعاصر في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هناك ارتباطات وعلاقات متبادلة واضحة بين خطاب الفضاء الاستعماري الصهيوني المبكر والممارسات المستخدمة في ترسيخ الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة منذ العام 1967 (على سبيل المثال Kimmerling 1983 ؛ Shapira 1992). وفي العموم، سوف يكون تقديم تفسير شامل للظروف الجغرافية والتاريخية والسياسية التي تسيطر على هذه البيئات يتجاوز الأهداف المحدودة لهذا المقال تماماً.

4 انظر على سبيل المثال تحليل غيرشون شافير (1996) عن المرحلة المبكرة للحركة العمالية اليهودية في فلسطين، أو استكشاف أورن يفتحئيل النقدي (2006) للأسس الإثنية للجغرافيا السياسية في إسرائيل أو تقرير ميرون بنفينيستي (2000) الاستثنائي عن استئصال الجغرافيا الثقافية العربية  لفلسطين.

5 يتمتع عمل آن لوران ستولر (2008 ؛ 2009) بأهمية خاصة في صياغة الإطار التحليلي لهذا البحث. وهناك مجموعة ثابتة من الأعمال التي تناولت المخاوف والتخيلات التي تشكل الأرشيف الاستعماري الاستيطاني، والتي تغطي حالات جغرافية متنوعة من جنوب غرب إفريقيا الألمانية (Noyes 1992) إلى أستراليا (Carter 1987 ؛ Jacobs 1996) وكندا (Mawani 2009).

6 في زيارته الأولى للضفة الغربية بعد الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967، ردد يوسف فايتس (الذي شغل لعقود طويلة كمدير للصندوق القومي اليهودي وقاد أنشطة التحريجية) مشاعر مماثلة في مذكراته عندما شاهد إنجازات المزارعين الفلسطينيين: “كلما نظرت عن كثب، ازددت خجلاً وحرجاً أكثر وأنا أقارن “جبالنا” في القدس بجبالهم [أي العرب] في الخليل. نحن، الذين نستخدم الفولاذ (آلات الحراثة الكبيرة) ومدربين جيداً ونحتفظ بميزانيات ضخمة ومياه باهظة الثمن، لم نحقق شيئاً بمثل هذا الازدهار. نحن أقل شأناً ثقافياً وعملياً بالمقارنة، وكل ذلك لأنهم يعملون في الأرض، وهذه الأرض هي مصدر رزقهم الوحيد، وهم بعيدون عنا بكثير بهذا” (مقتبس في Segev 2008،426)

7 على عكس الرؤى ثنائية القومية أو حتى المعادية للقومية التي ظهرت في المناقشات اليهودية السابقة كرد فعل على صعود الصهيونية.

8 يبقى العدد الدقيق للقرى التي تم إخلاء سكانها خلال الحرب موضع سجال، ويتراوح من 356 قرية (Kimmerling 1983) إلى 531 (Abu-Sitta 2000 ،7). وتختلف التقديرات بسبب التعاريف المختلفة لما يشكل القرية، على عكس تعريف، على سبيل المثال، المستوطنة الزراعية الموسمية (Fischbach 2003, pages 3-4; Golan 2001, page 12)

9 لم يكن فصل الأطلال الانتقائي عن أصولها التاريخية “اختراعاً” صهيونياً بالتأكيد: يلاحظ رشيد الخالدي، مؤرخ الوطنية الفلسطينية، الاستياء الناجم عن شراء الصهاينة أراضٍ في العام 1910 في الفولة، والتي شملت أيضاً أطلال قلعة صليبية. وعبرت مقالتان أعيد نشرهما على نطاق واسع في الصحافة العربية في ذلك الوقت عن سخطهما؛ لأنه تم تسليم “قلعة” يفترض أن من بناها هو صلاح الدين [الأيوبي]، أي أنها جزء مهم من التراث الوطني الفلسطيني الناشئ. ما هو لافت في الأمر، ليس  أن بقايا الخرائب هذه تعود لقلعة بناها صلاح الدين أصلاً. بل كان الاستياء ناجماً، حسب ما اعتقدت الصحف، أن جزءً من تراث صلاح الدين […] قد تم بيعه (Khalidi 1997, page 31).

10 ويشبه هذا الأمر، الممارسة الاستعمارية المألوفة التي تعمل على قمع الفضاءات المحلية، بدلاً من تجاهلها كلياً  (Noyes 1992،196).

11 قام العديد من الباحثين الإسرائيليين بتحليل هذه العملية بشكاٍ وافٍ، لكن عمل أورن يفتحئيل وألكسندر كيدار وجيريمي فورمان يقدم منظوراً تاريخياً واسعاً وإطاراً نظرياً صارماً يضع هذه الآليات في السياق السياسي للنظام الإثنوقراطي. انظر على سبيل المثال: Forman and Kedar 2004; Kedar 2003; Yiftachel 2006

12 شهد في العقد الماضي، اهتمام أكاديمي واضح بالجغرافيا الثقافية والاجتماعية للفضاء العربي السابق. ورغم أن الكتّاب الفلسطينيين هم من قادوا هذا الطريق منذ الثمانينيات (على سبيل المثال W. Khalidi 1992)، فقد تحول علماء إسرائيليين ودوليين مؤخراً لتحليل مصير العمارة والفضاء العربيين، وتأثيرهما الأوسع على الثقافة والمجتمع الإسرائيلي. انظر:  Benvenisti 2000; LeVine 2005; Slyomovics 1998; Yacobi 2009

13 وهذا يشبه ما صاغه جان فرانسواز ليوتار بـ “شقاق Differend”، أي “قضية يتم فيها تجريد المدعي من وسائل مجادلته فيتحول بذلك إلى ضحية. وإذا ما تم تحييد المرسل والمتلقي ومنطق البينة، فإن كل شيء يحدث كما لو لم يكن هناك أضرار “(Lyotard 1996).

…..

المراجع

Abu-Sitta S H, 2000 The Palestinian Nakba 1948: The Register of Depopulated Localities in Palestine Occasional Return Centre studies 4 (The Palestinian Return Centre, London)

Ahad Ha’am (Ginsburg AZ), 2000, “Truth from Eretz Yisrael” Trans. Alan Dowty, Israel Studies 5(2) 160 – 79

Asaf A, 1953 Moshve ha-`ovdim be-Yisrael [The Workers’ Community in Israel] (Hotsaat `Enot u-Tenu`at ha-moshavim, Tel Aviv)

Benvenisti M, 2000 Sacred Landscape: The Buried History of the Holy Land since 1948 (University of California Press, Berkeley CA)

Brenner Y H, 1924 Kol kitve Y. Ḥ. Brener [The Writings of Yossef Haim Brenner] Vol. 4 (Shtibel, Tel-Aviv)

Bulletin of the Israel Exploration Society, 1949, “The Sixth Archaeological Conference” 15(3/4) 116 – 31

Bunn D, 2002, “‘Our Wattled Cott’: Mercantile and Domestic Space in Thomas Pringle’s African Landscapes” in Landscape and Power, ed. W JT Mitchell (University of Chicago Press, Chicago) pp 127–174

Carter P, 1987 The Road to Botany Bay: An Exploration of Landscape and History (Knopf, New York)

Dalsheim J, 2004, “Settler nationalism, collective memories of violence and the ‘uncanny other'” Social Identities, 10(2) 151 – 170

Davis R, 2011 Palestinian Village Histories: Geographies of the Displaced (Stanford University Press, Stanford CA)

Deleuze G, Guattari F, 2004, Anti-Oedipus (London, Continuum)

de Certeau M, 1988 The Practice of Everyday Life (University of California Press, Berkeley, CA; London)

Dorman M, (Ed) 1986 ‘Al ha-hityashvut: kovets devarim, 1915-1956 [On settlement: collected writings 1915-1956] (Hakibutz HaMeuchad, Tel Aviv)

Dothan A, 1957, Letter to Yitzhak Eylam, Director-General of the Ministry of Labor, August 13 Israel State Archives GL/13/44881

Falah G, 1996, “The 1948 Israeli-Palestinian War and its aftermath: the transformation and designification of Palestine’s cultural landscape” Annals of the Association of American Geographers 86(2) (June) 256 – 85

Fenster T, 2007, “Zikaron, Shayachut Ve-tichnun Merhavi Be-yisrael” [Memory, Belonging and Spatial Planning in Israel] Teoryah Uvikoret 30 189 – 212

Fischbach M R, 2003 Records of Dispossession: Palestinian Refugee Property and the Arab-Israeli Conflict (Columbia University Press, New York)

Forman G, Kedar A, 2004, “From Arab land to ‘Israel lands’: the legal dispossession of the Palestinians displaced by Israel in the wake of 1948” Environment and Planning D: Society & Space 22(6) 809 – 830

Ginsburg S, 2007, “’Emet me’eretz yisrael’: musag ha-emet etzel ahad ha’am” [‘Truth from Eretz Israel’: Ahad ha’am’s notion of truth], in Rega` shel huledet: mehkarim be-sifrut `ivrit u-ve-sifrut yidish li-khevod Dan Miron [Moment of Birth: Studies in Hebrew and Yiddish Literatures in Honor of Dan Miron], ed H Hever (Mosad Byalik, Jerusalem) pp 260 – 275

Golan A, 2001 Shinui merhavi–totsat milhamah: ha-shetahim ha-`Arviyim leshe-`avar bi-Medinat Yisrael, 1948-1950 [Wartime Spatial Changes: Former Arab Territories Within the State of Israel, 1948-1950] (Ben-Gurion University of the Negev Press, Sedeh-boker; Beer-Sheva)

Gramsci A, 1971, Selections from the Prison Notebooks (Lawrence & Wishart, London)

Hever H, Shenhav Y, 2011 “ha-Yehudim ha-Aravim: gilgulo shel munach” [The Arab Jews – A Genealogy of a Term] Peamim 125-127 56 – 74

Hoorn, M, 2009. Indispensable Eyesores: An Anthropology of Undesired Buildings (Berghahn Books, New York; Oxford)

Israeli Information Administration, 1962 “Pitu’ach ha-karka ve’ bitchon ha-medina [Land Development and National Security]” Israel State Archives, Unit C/3045/5

Jacobs JM, 1996 Edge of Empire: Postcolonialism and the City (Routledge, London)

Johnston A, Lawson A, 2000 “Settler Colonies”, in A Companion to Postcolonial Studies Eds. Schwarz H, Ray S. (Blackwell, Boston) pp 360 – 376

Kadman N, 2008 Be-tside ha-derekh uve-shule ha-toda’ah: deḥiḳat ha-kefarim ha-‘Aravim she-hitroḳenu be-1948 meha-śiaḥha-Yiśre’eli [Erased from Space and Consciousness] (Sifrey November, Jerusalem)

Kadmon N, 1994 Toponomasticon: Geographical Gazetteer of Israel (Carta, Jerusalem)

Kedar A, 2001, “The legal transformation of ethnic geography: Israeli law and the Palestinian landholder 1948-1967” New York University Journal of International Law & Politics 33(4) 923 – 1000

Khalidi R, 1997 Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness (Columbia University Press, New York)

Khalidi W, 1992 All that Remains: The Palestinian Villages Occupied and Depopulated by Israel in 1948 (Institute for Palestine Studies, Washington D.C.)

Kimmerling B, 1983 Zionism and Territory: The Socio-territorial Dimensions of Zionist Politics (Institute of International Studies, University of California, Berkeley CA)

Kletter R, 2006 Just Past?: The Making of Israeli Archaeology (Equinox, London; Oakville, CT)

Laor Y, 1995 Anu kotvim otakh moledet: masot al sifrut Yiśre’elit [Narratives with No Natives: Essay’s on Israeli Literature] (Hakibbutz Hameuchad Publishers, Tel Aviv)

Leshem N, 2010a Taking Place: Spatial History in Israel and the case of Salama/Kefar Shalem PhD. dissertation, The London Consortium, University of London, London

LeVine M, 2005 Overthrowing Geography: Jaffa, Tel Aviv, and the Struggle for Palestine, 1880-1948 (University of California Press, Berkeley)

Lockman Z, 1996 Comrades and Enemies: Arab and Jewish Workers in Palestine, 1906-1948 (University of California Press, Berkeley)

Lyotard J-F, 1996, The Differend: Phrases in Dispute (Minneapolis, University of Minnesota Press)

Masalha N, 1997 A land without a people: Israel, transfer and the Palestinians, 1949-96 (Faber and Faber, London)

Mawani R, 2009 Colonial Proximities: Crossracial Encounters and Juridical Truths in British Columbia, 1871-1921 (UBC Press, Vancouver)

Mitchell WJT, 2002, Landscape and Power (Chicago, University of Chicago Press)

Morris B, 2004 Birth of the Palestinian Refugee Problem Revisited (Cambridge University Press, Cambridge)

Noyes J K, 1992 Colonial Space: Spatiality in the Discourse of German South West Africa 1884-1915 (Harwood Academic Publishers, Chur, Switzerland; Philadelphia, PA)

Or T, Hatib H, Shamir S, 2003. The Official Commission for the Investigation of Clashes Between the Security Forces and Israeli Citizens in October 2000, in Hebrew, http://elyon1.court.gov.il/heb/veadot/or/inside_index.htm, Retrieved 1 July 2011

Piterberg G, 2008, The Returns of Zionism: Myths, Politics and Scholarship in Israel (London & New York, Verso)

Rabasa J, 1993 Inventing America: Spanish Historiography and the Formation of Eurocentrism (University of Oklahoma Press, Norman, OK)

Ram U, 2003, “Ways of Forgetting: Israel and the Obliterated Memory of the Palestinian Nakba” Journal of Historical Sociology 22(3) 366 – 395

Richards T, 1993, The Imperial Archive: Knowledge and the Fantasy of Empire (London & New York, Verso)

Ryan S, 1994, “Inscribing the emptiness: cartography, exploration and the construction of Australia”, in De-Scribing Empire: Post Colonialism and Textuality Eds C Tiffin, A Lawson (Routledge, London; New York) pp 115 – 130

Sa’di A H, Abu-Lughod L, eds. 2007 Nakba: Palestine, 1948, and the Claims of Memory (Columbia University Press, New York)

Sahar Y, 1992 Sippur Hayyay [My life story] (Israel Ministry of Defense Press, Tel-Aviv)

Said E, 1978, Orientalism (New York, Pantheon Books)

Segev T, 2008, 1967: Israel, the War, and the Year That Transformed the Middle East (New York: Metropolitan Books)

Shafir G, 1996, Land, Labor and the Origins of the Israeli-Palestinian Conflict, 1882-1914 (Berkeley, University of California Press)

Shai A, 2006, “The fate of abandoned Arab villages in Israel, 1965-1969” History & Memory 18(2) 86 – 106

Shapira A, 1992 Land and Power: The Zionist Resort to Force, 1881-1948 (Oxford University Press, New York)

——— 2000, “Hirbet Hizah: between remembrance and forgetting” Jewish Social Studies 7(1) 1 –62

Shetreet B-S, 1949 “Israeli Government meeting minutes 23 August 1949” Israel State Archives open access material

Slyomovics S, 1998 The Object of Memory: Arab and Jew Narrate the Palestinian Village (University of Pennsylvania Press, Philadelphia)

Stewart K, 1996 A Space on the Side of the Road: Cultural poetics in an “other” America (Princeton University Press, Princeton NJ)

Stoler A L, 2008, “Imperial debris: reflections on ruins and ruination”, Cultural Anthropology 23(2) 191 – 219

——— 2009 Along the Archival Grain: Epistemic Anxieties and Colonial Common Sense (Princeton University Press, Princeton NJ)

The Committee for Locating and Preserving Sites in Jerusalem, 1963, “Meeting Protocol”, 24 February 1963 ISA GL/2/44889

The Settlement Department, 1949 Monthly Reports for the Haifa Region, May 1949 Central Zionist Archives 15S 9388

Williams R 2005, “Base and Superstructure in Marxist Cultural Theory” in Culture and Materialism: Selected Essays (London, Verso) pp 31 – 49

Wolfe P, 1999, Settler Colonialism and the Transformation of Anthropology: The Politics and Poetics of an Ethnographic Event (London, Continuum)

Yacobi H, 2008 “Architecture, Orientalism and Identity: The Politics of the Israeli-Built Environment” Israel Studies 13(1) 94 – 118

——— 2009, The Jewish-Arab City: Spatio-politics in a Mixed Community (London; New York, Routledge)

Yiftachel O, 2006 Ethnocracy: Land and Identity Politics in Israel Palestine (University of Pennsylvania Press, Philadelphia)

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

بيان بيدرسون في الذكرى السنوية “للصراع السوري”

في  ذكرى ” الثورة المغدورة”، لا يجد هذا الفَقِيه الأممي ما يقدّمه للسوريين سوى  الإصرار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *