أفكار منتصف النهار (13): تأملات في اللامعقول

بداية أتمنى أن نتأمل تلك اللغة الخشبية في الإعلام السوري والتي رُسخت منذ أكثر من ثلاثة عقود :سأنقل الكتابة كما هي من موقع واتس لاتحاد الكتاب العرب في اللاذقية : ( وسط حضور جماهيري كبير أحيا المركز الثقافي لسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في اللاذقية بالتعاون مع اتحاد الكتاب العرب في اللاذقية ، الذكرى ( الرابعة والثلاثين ) لرحيل الإمام الخميني ق .س . تحت عنوان ( الإمام الخميني مسيرة بوصلتها فلسطين ) شارك فيها الأستاذ علي رضا فديوي مدير المركز الثقافي الإيراني في اللاذقية والوزير اللبناني السابق الدكتور طراد حمادة وغيرهم ، وقد عبر المشاركون عن فكر القائد الخميني ( ق .س ) مُفجر الثورة الإسلامية التي أطاحت بحكم الطاغوت ، ودحرجت تاجه تحت أقدام الشعب الإيراني المؤمن بنهج قائده وبعقيدة ثورته ، وركز المشاركون على إيمان الإمام الخميني بالقضية الفلسطينية التي أولاها أهمية لا تقل أهمية عن تحرير بلاده من حكم الشرطي الأميركي في المنطقة برمتها وشعوبها ( المُستضعفة ) من خطر الغدة السرطانية كما كان يُحب ( أي الخميني ) أن يُسمي الكيان الإسرائيلي وقضى حياته قدس سره يعمل على وجوب زوال إسرائيل ) .

وأنا أقرأ بذهول ما سبق خاصة كلمات مثل ( الطاغوت ) التي انقرضت برأيي ( والمقصود بالطاغوت شاه إيران ) ، ثم ضحكت من عبارة ( الغدة السرطانية ) وانهمرت في خيالي صور آلاف المرضى الأحبة الذين عانوا كثيراً من مرض السرطان – خاصة سرطان الغدة الدرقية ( لأنهم استعملوا عبارة الغدة السرطانية ) . وصدقاً طوال الوقت كانت صورة مهسا أميني تبطن الكتابة ، وثورة نساء إيران العظيمة ضد حرية المرأة الإيرانية والتحكم بلباسها وحياتها ، ثورة النساء الإيرانيات بعد مقتل الشابة مهسا أميني تحت التعذيب على يد شرطة الأخلاق ، ثورة ألهبت نساء العالم كله ، ثورة مُباركة ، منارة للحرية والأخلاق والشجاعة . أظن أن الله كان حكيماً حين جعل الدماغ البشري نصفين أو فصين أيمن وأيسر ، لأن القسم الأيمن من دماغي طغت عليه صورة مهسا أميني وتفتقت كل صور القمع والإعدامات في إيران ( التي أظهر التقرير أخيراً أن إيران تُعتبر من أعلى الدول في الإعدامات ، هي تعدم المثليين ( إعدام وليس سجن ) الكثير من المثليين يطلبون اللجوء الإنساني في دول أوروبية كي لا تعدمهم إيران ، ثم أن معدلات البطالة والفقر في تزايد كبير جداً في إيران ، وأين حرية الرأي ؟ في الحضيض ، قرأت الكثير من الروايات الإيرانية المترجمة مثلاً فيلم (امرأة ورجل ) المشهور اعتبرته وزارة الثقافة في إيران مُعيب ( فالشيطان دوماً بين المرأة والرجل ) غيرت اسمه إلى ( آدم وحواء ) ، رواية ( أن تقرأ لوليتا في طهران ) لكاتبة إيرانية عظيمة ( آذر نفيسي ) طردت من عملها كأستاذة جامعية في جامعة طهران وغيرها من الجامعات بسبب رفضها ارتداء الحجاب . غادرت إلى أميركا . كيف ننسى الشاعرة الإيرانية العظيمة ( فروغ فرخ زاد ) التي ماتت – كما يُقال بحادث سيارة وهي في عز شبابها – لكنني أؤمن ككثيرين أنها ماتت قتلاً خاصة بعد قصائدها الجريئة جداً . قصيدتها التي كتبت فيها ( أثمت إثماً مُشبعاً باللذة ) تسببت أن يُطلقها زوجها ويطردها والدها من المنزل .

الجانب الآخر أو الثاني من دماغي كان يعرض لي حياتي وحياة الأحبة السوريين في سوريا التي أجمع العالم على تسميتها ( مأساة القرن )، صدقاً صرت أطلب الرحمة من دماغي كي يرحمني إذ انهمرت كل صور الأحبة أصدقائي ومعظمهم سجناء رأي ، شباب في عمر البراعم يقضون سنواتاً طويلة في السجن ، يضيع شبابهم ، بعضهم سُجن أكثر من عشرين عاماً وقرأنا روايات عظيمة لسجناء الرأي في سوريا ، مثل رواية القوقعة وغيرها ، تعذيب مُروع وموت ، وأين حرية الرأي !!! أين الثقافة الحرة والفن والسينما والمسرح !!! كل أشكال الثقافة في سوريا من نوع( كيف نقول لا لأميركا ) أو ( الغزو والتطبيع الثقافي ) أي كتاب القومية ( وحدة حرية اشتراكية ) بابتكارات مشابهة .( بالمناسبة في فرنسا تُدرس الفلسفة في كل الصفوف المدرسية وفي الجامعات مهما كان اختصاص الطالب )  كم أشعر بالقهر حين حضرت مؤتمراً في لبنان كان عن ( نيتشه ) الفيلسوف الذي أعشقه الذي يمجد القوة ، في الوقت ذاته كان صديق مبدع غالي جداً طبيب اختصاصي في التشريح – الدكتور منير شحود – يُفصل من عمله كمدرس لمادة التشريح في جامعة تشرين في اللاذقية ( وكم كان محبوباً من طلابه ) تم فصله وقطع رزقه لسبب سياسي يُقال لأنه قاطع اللبناني ( ناصر قنديل ) في محاضرة كان يلقيها في جامعة تشرين في اللاذقية . الفساد المُروع في كل قطاعات الدولة في سوريا ، المنتجعات السياحية قمة البذخ ( منتجع القرداحة ربما عشرة نجوم ) حفلات مسؤولين وأعضاء مجلس الشعب التي تكلف المليارات ولم نعد نسمع عن المساءلة : من أين لك هذا !!! بينما أكثر من 85 بالمئة من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر ، يعيش في قاع الفقر ، وكل يوم يكتشف أن هناك قاعاً أعمق من القاع ، اليوم سعر علبة سمنة البقرة الحلوب ربع مليون ليرة سورية فتأمل يرعاك الله ، وسعر كيلو لحم الخروف 130 ألف أي أعلى راتب تماماً . . ويا للهول لو تجرأ المواطن واشتكى من العتمة أو غلاء المعيشة أو فساد التعليم حيث معظم الطلاب يقصدون المعاهد الخاصة أو الدروس الخصوصية . كم أحزن حين أٌقرأ كتابات لسوريين هي مُقتطفات من كتب لعظماء أو آية من الإنجيل أو القرآن ، أشعر وأحس تماماً أنهم لا يجرؤون أن يكتبوا ما يُهين روحهم ويسحقها بلا رحمة فيلجؤون لهذه العبارات كي لا ينفجروا . لا يزال ملك الإنسانية رامي فيتالي في السجن هو الذي دفع كل ثروته لإنقاذ – قدر استطاعته – أطفال سوريا المتسولين وهبطت عليه تهمة تلقي الأموال من الخارج !!! وهو لا يزال في السجن ، وكتب أحد الأصدقاء أنه سأل أحد القضاة عن وضع رامي فأجابه القاضي : إنها مسألة وقت !!! تذكرت مقالي الذي كان بعنوان ( يحيا الفعل المبني للمجهول في سوريا ) مسألة وقت !!! يا له من جواب مطاطي قد يكون سنواتاً !!!

إذاً القاسم المُشترك الأعظم ( كما درسنا في الرياضيات ) بين إيران وسوريا هو حماية شعبيهما من الاستضعاف الذي سببه إسرائيل أو الغدة السرطانية ، أي هدف الخميني قدس الله سره وهدف النظام السوري الحرية والسعادة والرفاهية للشعبين السوري والإيراني وكل ما سبق وذكرته لا قيمة له . فالسرطان هو إسرائيل فقط . والإمام الخميني بوصلته فلسطين . كلنا نتفق أن إسرائيل احتلال اغتصبت فلسطين وهجرت وقتلت شعبها . لكن للأسف أصبح الفلسطيني والسوري تتم المُتاجرة بمعاناتهما ،

في ظل تلك الأوضاع الكارثية في سوريا وإيران ( الفقر وانعدام الحرية والموت والقمع والفساد ) تُتحفنا المراكز الثقافية السورية الإيرانية بمحاضرات سُوريالية مُنفصلة كُلياً عن واقع الناس ومعاناتهم التي فاقت التصور . ومن البديهي أن وظيفة الأدب أخلاقية وإنسانية أي تبني معاناة الناس بصدق ونزاهة وشجاعة . وكي يكتمل ذهولنا يجب أن نتذكر أن جائزة فلسطين العالمية للآداب قيمتها – 60 ألف دولار – وليس معروفاً بدقة من الجهة الممولة على الأغلب إيران ، المذهل أن الأعمال المُشاركة يُمكن أن تُقبل بكل اللغات : الإنكليزية ، الفارسية ، العربية ، التركية ، الإسبانية ، الروسية ، الصينية ، المالاوية ، الأوردية الخ .

هو الهول ولا شيء سوى الهول . لماذا كل هذه اللغات من أجل جائزة فلسطين العالمية للأداب ، لو تعطون ( 60 ألف دولار لشباب فلسطين وأطفالها أليس أفضل ) .

وبمناسبة الجوائز فقد طرح اتحاد الكتاب العرب جائزة وليد إخلاصي عن القصة القصيرة . قيمة المرتبة الأولى : 200 ألف ليرة سورية والثانية 150 ألف والثالثة 100 ألف

أخيراً أتمنى أن نقضي على خطر الغدة السرطانية التي تجعل الشعوب مُستضعفة وأن نقضي على الطاغوت .

عن هيفاء بيطار

شاهد أيضاً

أفكار منتصف النهار (29) الضمانات للعودة إلى سوريا

لست بحاجة لإثبات كم أعشق وطني – سوريا – وكم أحن إلى اللاذقية المُنتهكة والتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *