أصدقائي الإسرائيليون: لهذا أنا مع الفلسطينيين

إيلان بابيه

ترجمة محمود الصباغ

ليس سهلاً الإمساك ببوصلتنا الأخلاقية كيفما كنا؛ ولكن إن كانت تشير شمالاً -لجهة إنهاء الاستعمار والتحرر- فمن المرجح أنها دليلنا في خضم الدفق الهائل من البروباغاندة السامة والمضللة. كما ليس سهلاً أيضاً الحفاظ على تلك البوصلة عندما يضع المجتمع الذي ننتمي إليه -بقادته ووسائل إعلامه على حد سواء- نفسه في حيز أخلاقي رفيع؛ ثم يتوقع منا مشاركة ذات الغضب المبرر الذي جرى التعبير عنه في سياق ما حصل صباح السابع من تشرين أول الحالي 2023. وثمة هناك طريقة واحدة فقط لمقاومة إغراء  الالتفاف حول هذا الغضب، بمعنى الوصول إلى فهم واضح للطابع الاستعماري الاستيطاني للحركة الصهيونية، والهلع المصاحب لسياساتها ضد السكان الأصليين في فلسطين، في مرحلة ما من حياتك -حتى بصفتك مواطن يهودي في إسرائيل.

فإذا كنت تملك مثل هذا الإدراك، فلن تتردد إذن في مقاومة الإغراءات سالفة الذكر، حتى لو كانت الرسائل السامة ستصور لك الفلسطينيين كحيوانات، أو “حيوانات بشرية”. هؤلاء الأشخاص أنفسهم، أصحاب تلك الرسائل، يصرون على وصف أحداث السابع من تشرين بأنها “هولوكوست”؛ كإساءة واضحة لاستخدام ذكرى مأساة عظيمة.

ونحن نعيش على وقع نقل مثل هذه المشاعر والرسائل والعبارات ليل نهار عبر وسائل الإعلام والسياسيين الإسرائيليين. وفي الحقيقة، ما دفعني، ودفع غيري في المجتمع بالطبع، إلى الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني بجميع  الطرق المتاحة، هو هذه البوصلة الأخلاقية. وهذا ما يسمح لنا، في ذات الوقت، الإعجاب بشجاعة المقاتلين الفلسطينيين الذين استولوا على اثنتي عشرة قاعدة عسكرية، وتغلبهم على أقوى جيش في الشرق الأوسط دون أن يغيب عنا بالنا إثارة تساؤلات عديدة حول القيمة الأخلاقية أو الاستراتيجية لبعض الإجراءات التي رافقت هذه العملية.

ولأننا عملنا، على الدوام، على إنهاء الحالة الاستعمارية في فلسطين، فقد كنا نعلم، أيضاً، أنه كلما طال أمد القمع الإسرائيلي، قلّ احتمال تحول النضال التحرري  لأن يكون “عقيماً” – كما كان حال كل نضال عادل من أجل التحرير في الماضي، في أي بقعة من هذا العالم. وهذا لا يعني عدم رؤيتنا المشهد على اتساعه، ولا حتى لدقيقة واحدة الذي يعبر عن صورة شعب مستعمَر يقاتل من أجل البقاء، أو حتى كفاحه لنيل الاعتراف به كشعب وكيان، في الوقت الذي انتخب فيه مضطهدوه حكومة، مصممة على تسريع وتيرة الدمار، والقضاء على الشعب الفلسطيني.  وهذا ما دفع [حركة] حماس للتحرك وبسرعة .

من الصعب التعبير عن هذه السجالات المضادة؛ لأن وسائل الإعلام والسياسيين الغربيين ساروا خلف الخطاب والرواية الإسرائيلية، رغم إشكاليتها. وتساورني شكوك من قرروا تزيين مبنى البرلمان في لندن وبرج إيفل في باريس بألوان العلم الإسرائيلي. هل أدركوا كيف تم استقبال هذه البادرة، التي تبدو رمزية، في إسرائيل؟.

حتى الصهاينة الليبراليين يمكنهم، ولو بقدر من اللباقة، قراءة هذا العمل وهذه الإيماءة، كتبرئة كاملة لجميع الجرائم التي ارتكبها الإسرائيليون ضد الشعب الفلسطيني منذ العام 1948؛ وما تمثله هذه الإشارة، بالتالي، كتفويض مطلق لمواصلة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل الآن ضد سكان غزة.

لحسن الحظ، كانت هناك أيضاً ردود فعل مختلفة على الأحداث التي تكشّفت في الأيام القليلة الماضية. وكما كان عليه الحال في الماضي، فإن قطاعات كبيرة من المجتمعات المدنية في الغرب لم تنخدع بهذا النفاق بتلك السهولة التي كان عليها الأمر فعلاً في حالة أوكرانيا. ويعرف الكثير من الناس أنه منذ حزيران 1967 ، تعرض نحو مليون مواطن فلسطيني للسجن دون محاكمة؛ ولو لمرة واحدة في حياته على الأقل؛ تلقى خلالها العديد من الانتهاكات والتعذيب والحجز الدائم. ويعرف هؤلاء الناس أيضاً الواقع المروّع الذي خلقته إسرائيل في قطاع غزة عندما أغلقت المنطقة، وفرضت عليها حصاراً محكماً، ابتداءً من العام 2007، وممارستها المستمرة في قتل الأطفال في الضفة الغربية المحتلة.

وهذا ليس جديداً على الحركة الصهيونية على كل حال،  إذ لطالما  كان العنف أحد الوجوه الثابتة للصهيونية منذ قيام إسرائيل في العام 1948.

فيا أصدقائي الإسرائيليين الأعزاء، وبسبب قطاعات المجتمع المدني هذه بالذات، سوف يثبت في نهاية المطاف خطأ حكومتكم ووسائل إعلامكم، لأنهم لن يكونوا قادرين على لعب أو المطالبة بلعب دور الضحية دائماً، والحصول على الدعم غير المشروط، والإفلات من العقاب على جرائمهم في ذات الوقت. وسوف تظهر، عاجلاً أم آجلاً، الصورة الكبيرة، رغم الطابع المتحيز لوسائل الإعلام الغربية.

لكن السؤال الكبير هنا: هل ستتمكنون، يا أصدقائي الإسرائيليين، من رؤية الصورة الكبيرة ذاتها -التي نراها نحن- بوضوح أيضاً رغم سنوات طويلة من التلقين والهندسة الاجتماعية؟

وليس أقل أهمية من ذلك، هل أنتم قادرون على تعلم الدرس المهم الآخر -وهو درس يمكن استخلاصه من الأحداث الأخيرة- كيف أنه لا يمكن للقوة المطلقة وحدها خلق توازن بين نظام عادل من ناحية؛ وتأسيس مشروع سياسي غير أخلاقي من ناحية أخرى؟

ولكن هناك بديلاً.

في الواقع على الدوام كان هناك بديل متاح:

أن تكون فلسطين متحررة وديمقراطية من النهر إلى البحر.

فلسطين التي ترحب بعودة اللاجئين وتبنِّ مجتمعٍ لا يميز بين أفراده على أساس الثقافة أو الدين أو الإثنية.

وسوف تعمل هذه الدولة الجديدة على تصحيح شرور الماضي قدر ما يمكنها، من حيث عدم المساواة الاقتصادية وسرقة الممتلكات والحرمان من الحقوق.  بما يبشر بفجر شرق أوسط جديد.

وهذا يدفعنا للعودة إلى ما ابتدأ به حوارنا؛ ليس من السهل دائماً التمسك ببوصلتنا الأخلاقية، ولكنها إذا كانت تشير  شمالاً -إلى جهة إنهاء الاستعمار والتحرر- فمن المرجح أن تكون دليلنا عبر دفق هذه الدعاية الضبابية السامة والسياسات المنافقة واللاإنسانية، التي غالباً ما ترتكب باسم “قيمنا الغربية المشتركة”.

……..

المصدر:

https://www.palestinechronicle.com/my-israeli-friends-this-is-why-i-support-palestinians-ilan-pappe/?fbclid=IwAR3c4nWUEx5Q_F30_7s1fiQAq04STYCUTWOvPNa3Wf9_tCJuc8DwQDi33e8#

*إيلان بابيه أستاذ في جامعة إكستر. عمل سابقاً أستاذاً في العلوم السياسية في جامعة حيفا. من اشهر مؤلفاته كتاب “التطهير العرقي في فلسطين The Ethnic Cleansing of Palestine,، والشرق الأوسط الحديث The Modern Middle East ، وتاريخ فلسطين الحديثة: أرض واحدة، وشعبان A History of Modern Palestine: One Land, Two Peoples ، وعشر أساطير عن إسرائيل Ten Myths about Israel“. يوصف بابيه بأنه أحد “المؤرخين الجدد” في إسرائيل الذين سعوا إلى كتابة تاريخ تأسيس إسرائيل، منذ إصدار وثائق الحكومة البريطانية والإسرائيلية ذات الصلة في أوائل ثمانينيات القرن العشرين.

عن محمود الصباغ

كاتب ومترجم من فلسطين

شاهد أيضاً

بيان بيدرسون في الذكرى السنوية “للصراع السوري”

في  ذكرى ” الثورة المغدورة”، لا يجد هذا الفَقِيه الأممي ما يقدّمه للسوريين سوى  الإصرار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *