الرئيسية > أدب > وين بيتنا!

وين بيتنا!

“كتبت هذه القصة في سجن صيدنايا. وبعدما أطلق سراحي، عرضتها على الفنان التشكيلي الكبير، المرحوم “مصطفى الحلاج” وطلب مني عدم نشرها في أي مكان، لأن الفكرة قد يعمل منها جدارية, ورحل ولا أعلم حتى هذه اللحظة ما الذي حصل”.

محمد كتيلة

-1-

تنفلت الذاكرة، تخرج من عقال كوفية بيضاء، ترتطم بجدران زمن غامض، ولا يرتد إلا الصدى. يتسلل ضجيج حارة دير ياسين، في مخيم اليرموك، أصوات المارة والباعة المتجولون، حوافر الدواب، داخل تلافيف الدماغ، ضباباً يمسح عنها تاريخاً، ومن ثم تخرج الأصوات كلها، سديماً يبعثر الزمن.

كعادة أقرب إلى الصلاة، يغادر أبو محمود منزله عصراً، معتمراً سبعين عاماً، تاركاً لنباح الباب من ورائه، أن يعلن إحتجاجاً أصم. يمشي بخطوات متلعثمة، وعيناه تثبتان الأفق في نقطة ساكنة من البؤبؤين.

بعد مغيبه كل يوم، ترتفع في السماء صيحات الأطفال وهم يبحثون عن مزق الخرق البالية، علّهم يصنعون منها كرات للعب، لكن دون جدوى.

في زحمة الشتاء القارص، يبعثرون الزوايا الرطبة، طلباً لبقايا أكياس الإسمنت، علب كرتونية فارغة، ليحرقوها هرباً من البرد، لكن وفي كل آيبة له، تستطيع أن ترى جيوبه وقد إنتفخت بالخرق والأوراق، وكلمتين ترفرفان ما بين شاربيه ولحيته البيضاء “وين بيتنا”.

جميع من في الحارة، كباراً وصغاراً، يتبرع لإيصاله البيت، ودائماً تسمع من بعض الرجال الذين يلعبون الزهر، أمام بيوتهم، من يقول: مسكين أبو محمود.. خرَّف، وآخر، راكبه شيطان، وآخر فقد ذاكرته من يوم ما أُبعد عن البلآد ..

تدوِّم الكلمتان في سماء الحارة يومياً. كلمتان تخترقان السمع والبيوت الطينية، تصنعان خيمة عارية، تتحرك في كل الإتجاهات، تنسلان من لحيته البيضاء، تتأرجحان في الهواء، تتشبثان بالأرجل، بالأيادي، تلفحان الوجوه، والكل من حوله يسأل: إلى متى تبقى حاله هكذا..؟

-2-

ظلت سنين الخطوات تتراكم في الفراغ الحاصل، في حارة دير ياسين، التي تغيرت دون إسمها. بقيت كما هي، تعلن عن نفسها في الغدو والرواح، رغم إختفاء الرجال من أمام بيوتهم التي احتلها الإسمنت عنوة. وحدهم الأطفال لم يتغيروا، سوى أنهم أصبحوا يلعبون بكرات مطاطية، فلم يبق لأبي محمود إلا علب الكولا والبيبسي الفارغة، في زوايا الطريق الوحيد.

كان لا يزال هائماً في تيهه المستمر، بلحية ضبابية وشارب أصفر، يتهدل كالعمر. الضجيج يغلف المكان، وكلما اشتد زعيق أبواق السيارات، ترتفع الكلمتان صيحتي زمن. في مشيته، شئ من الموسيقى الجنائزية، أخذ يتوغل في كل التغيرات التي طرأت على الحارة. عيناه أبداً إلى الأمام، وإيقاع ساخن، يزحف من فمه تجاه الزحمة “وين بيتنا”.

لا أحد يعرف كيف تم هذا التزاوج بين كلمة  “وين” التي ينطقها بإصرار، وكلمة “بيتنا” المخففة، الممزوجة بالحزن والعتمة.

دائماً يبتدئ الإيقاع من بداية أوبته ولا ينتهي، كترنيمة سماوية زرقاء. يصل إلى مكان تَجمع فيه الأولاد، وهم يتقافزون بالضحك والكرة.. تعلو صرخاتهم شرفة الشمس الراحلة، يتقدم ويتكاثف الصياح والفقدان، على قشرة الدماغ وينمحيان، يتقدم أكثر، تتسلل الكرة من بين الأيادي الصغيرة، تتقافز أمام أبي محمود، يتوقف وهو يعلن عن نفسه “وين بيتنا”.  تتسمر الوجوه على الكرة وعليه، تنخرس الحارة، لا أحد يجرؤ على الإقتراب، ما عدا طفل في السادسة من العمر، تحركت قدماه ببطْ نحو الكرة، ماداً إحدى يديه إليها وعينان ذئبيتان أخذتا تمشطان الجسد المتسمر كالصخر.  إقترب حتى دنا منه. الكرة تتقافز، ومن بين القفزات، سمع إيقاعاً غريباً عليه، يهطل من أعلى الجسد “وين بيتنا”. رمقه بعينيه مذهولاً، تكرر الإيقاع ثانية وثالثة، ولأن نظرات أبي محمود مصوبة نحو المجهول، أمسك الطفل بيده، أخذ يهزها بحذر في البداية، وكلما تناهت إلى سمعه الكلمتان، يهزهما بشكل أسرع،. ضغط بكفه على أصابعه الواجمة، شده باتجاه معاكس، إستدار أبو محمود بطريقة آلية وهو يدمدم “وين بيتنا”.

حث الطفل الخطى، إلتفت إليه، سمع نفس الكلمتين، أحس بثقل خطوات أبي محمود، تراجع قليلاً حتى حاذاه، ومشى به بشكل أسرع. مشيا سوية، إنعطف به في زقاق ضيق. بعد قليل من المسافة، ضرب الطفل باباً بقدمه، فُتح الباب، أطلت منه إمرأة في الأربعين من العمر، نظرت إلى إبنها وقالت: هيا ادخل، وتلعثمت في الحرف الأخير، عندما لاحظت أمامها مباشرة رجلاً عجوزاً، ينظر إلى نقطة ثابتة في الأفق، ويد طفلها متشبثة بيده، فأردفت خائفة: باسم الله الرحمن الرحيم… شو بدك

“وين بتنا”، فصرخت مذعورة: أعوذ بالله.. أترك الصبي.

أخذت تصرخ وهي تسحب طفلها من يده إلى الداخل. عندها ولأول مرة، إبتدأت الكلمات تتحول إلى حركة، إرتعشت أصابع أبي محمود، وراحت تشد على يد الطفل، والطفل يصرخ في وجه أمه ويقول : هادا إلي.. أنا لقيته.. هادا إلي.. بدي ياه.. بدي ياه.

وحين علا الصراخ، أخذت النسوة يلملمن أطفالهن ويدخلنهم إلى المنازل، ومن ثم بدأن يتجمعن حول أبي محمود والطفل، والأم تصرخ من جديد: اتركوا.. عيب على شيبتك، والطفل يصرخ بشدة متعرقاً: هادا إلي.. هادا إلي، وأبو محمود لم يبارح ألأفق بعينيه.

تعالى الصياح من النسوة، ومن البعيد، اقتربت عجوز تستعين بعصا، أبعدت النسوة وشقت طريقها نحو أبي محمود. نظرت إليه بحنو بالغ، أمسكت بيده الأخرى والطفل حائر، ثم صاحت بعصبية حادة، بعد أن تفرستهم جميعاً بغضب: ولكو ما عاد تعرفوا مين هاد!!! هاد أبو محمود يلي تغرب زينا وزيكو يا كلاب… شو نسيتو … تفو عليكو..

سحبته من يده ومضت به. إستسلم الطفل بهدوء لهذا المنظر، وظل يراقبهما بعينيه المغسولتين بالدموع حتى انعطفا باتجاه حارة دير ياسين. نظر إلى أمه معاتباً وبوجه حزين وقال : شفتي راح.. بس أنا يلي لقيته.

عن محمد كتيلة

شاهد أيضاً

جدلية التجسيد والتجريد في الاقتران الإنساني-الرقمي، فيلم Her مثالاً

من بين الكثير من الاقتباسات المتناثرة في هذا الفضاء الرقمي، هناك واحدة للفيزيائي الشهير ألبرت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *