الرئيسية > أدب > وجبة غداء: قصة قصيرة

وجبة غداء: قصة قصيرة

قصة: توم سومرست موم

ترجمة : وليد يوسف
كنت قد رأيتها في المسرحية، واستجابة لإيماءة منها ذهبتُ خلال الاستراحة وجلست بجانبها. مر وقت طويل منذ آخر مرة التقينا فيها، وإذا لم يذكر أحدٌ اسمها أمامي، فلا أظن  كنتُ سأتذكر اسمها. بعد أن جلست خاطبتني بلباقة: “حسناً، لقد مرت سنوات عديدة على لقائنا أول مرة. يا إلهي كيف يطير الوقت! وها نحن مثلما كنا، لم نتغيّر أو نكبر. هل تتذكر أول مرة رأيتك فيها؟ لقد دعوتني يومها إلى تناول الغداء”.
فهل تذكرت؟
نعم، كان ذلك قبل عشرين عاماً، وكنت أعيش في باريس. في شقة صغيرة في الحي اللاتيني تطل على مقبرة، وكنت، بالكاد، أكسب من المال ما  يكفيني للحفاظ على الجسد والروح معاً. وكانتْ هي قد قرأتْ كتابي وكتبتْ لي عنه. فأجبتها وشكرتها، ثم ما لبثتْ أن بعثتْ رسالة أخرى تفيد بأنها سوف تمر عبر باريس وترغب في إجراء محادثة معي؛ لكنّ وقتها كان قصيراً ومحدوداً، وكانت الفترة الوحيدة التي تستطيع القدوم فيها هي يوم الخميس التالي؛ لأنها ستقضي صباح ذلك اليوم في لوكسمبورغ، وطلبت مني أن أدعوها إلى مأدبة غداء صغيرة في مطعم فويوت. والفويوت هذا، مطعمٌ يأكل فيه أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي، وهو  أكثر بكثير من إمكانياتي المالية، لدرجة أنني لم أفكر مطلقاً في الذهاب إلى هناك. لكن إطراءها لي جعلني أشعر بالنشوة من ناحية. وكنتُ أصغر من أن أقول “لا” لامرأة من ناحية ثانية (ويمكنني أن أضيف، أن القليل من الرجال يتعلمون هذا بعد أن يكبروا جداً، بحيث لا يترتب على ما يقولونه للمرأة أية نتائج). كان معي ثمانون فرنكاً ستكفيني لبقية الشهر. وبالتالي يجب أن يكون الغداء متواضعاً وغير مكلف. و إن كان ثمنه أكثر من خمسة عشر فرنكاً، فيجب أن أتوقف عن تناول القهوة خلال الأسبوعين المقبلين كي أتمكن من إدارة ما يكفي.
أجبت صديقتي – بالمراسلة – بأني سوف ألتقيها في مطعم فويوت، يوم الخميس في الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً. لم تكن صغيرة جداً  كما توقعت. أما من حيث مظهرها، كانت من النوع الذي تشعر أنه مفروض عليك فرضاً أكثر من كونها جذابة. كانت في الأربعين من عمرها (هذه سن ساحرة، لكنها هي ليست تلك التي تثير شغفاً مفاجئاً ومدمّراً من الوهلة الأولى)، وقد أعطتني انطباعاً بأن أسنانها بيضاء وكبيرة أكثر من الضروري لأي شخص عادي. بالإضافة إلى أنها كانت ثرثارة، ولكن نظراً لأنها بدت تميل إلى التحدث عني، فقد كنت على استعداد لأن أكون مستمعاً جيداً ويقظاً.
ذُهلتُ عندما أحضروا لائحة الأسعار، لأنها كانت أعلى بكثير مما كنت أتوقع. لكنها طمأنتني عندما قالت: “أنا لا آكل أي شيء على الغداء”.
فأجبتها بكرم شديد: “أوه، لا تقولي ذلك!”.
فقالتك: “أنا لا آكل أكثر من شيء واحد. أعتقد أن الناس يأكلون كثيراً في هذه الأيام. ربما أطلب سمكة صغيرة. أتساءل عما إذا كان لديهم أي سمك السلمون”.
حسناً، كان ذلك الوقت مبكراً من العام لسمك السلمون، ولم يكن مدرجاً في لائحة الأسعار، لكنني سألت النادل إذا كان عندهم منه. فأجاب النادل بنعم، لقد جاءنا حديثاً سلمون ممتاز، وما لدينا الآن هو أول كمية سلمون نستلمها هذا الموسم. فطلبتُ وجبة سلمون لضيفتي. سألها النادل عما إذا كانت ستحصل على شيء الآن بينما يعدّون السلمون، فأجابت: “لا، أنا لا آكل أكثر من شيء واحد. إلا إذا كان لديك القليل من الكافيار. فأنا لا أمانع الحصول على بعض الكافيار”.
غاص قلبي قليلاً. كنت أعلم أنني لا أستطيع تحمل تكلفة الكافيار، لكنني لم أستطع أن أخبرها بذلك. فطلبت من النادل على مضض أن يحضر الكافيار. أما لنفسي، فقد اخترت الطبق الأرخص في القائمة وكان ذلك قطعة لحم ضأن.
قالت: “أعتقد أن قرارك بطلب اللحم غير صائب. لا أعرف كيف يمكنك أن تعمل بعد تناول أشياء ثقيلة مثل شرائح اللحم. أنا لا أؤمن بإرهاق معدتي”.
ثم جاء سؤال الشراب.
قالت: “أنا لا أشرب أي شيء على الغداء”.
أجبت على الفور “ولا أنا”.
“ما عدا النبيذ الأبيض” قالت ذلك كما لو أنني لم أتحدث شيئاً. ”هذا النبيذ الفرنسي الأبيض خفيف للغاية. إنه رائع لعملية الهضم”.
“ماذا تحبين أن تشربي؟” سألتها، بكرم لكن بتردد واضح.
ابتسمت قليلاً فشاهدت وميضاً يلمع من أسنانها البيضاء، وقالت:
“لن يسمح لي طبيبي بشرب أي شيء سوى الشمبانيا”.
تخيّلت وجهي قد تحوّل أصفر شاحباً الآن. فطلبتُ لها نصف زجاجة. وأردفتُ عرضاً أن طبيبي منعني تماماً من شرب الشمبانيا.
فسألتني: “ماذا ستشرب إذن؟”
فقلت: “ماء”
أكلتْ الكافيار وأكلتْ السلمون. تحدثتْ بمرح عن الفن والأدب والموسيقى. أما أنا فكان بالي مشغولاً بقيمة الفاتورة التي ستأتي الآن. عندما وصلتني قطعة لحم الضأن الخاصة بي، راحت تتكلم بجديّة و حزم.
“أرى أنك معتاد على تناول غداء ثقيل. أنا متأكد من أن ذلك خطأ. لماذا لا تتبع طريقتي وتأكل شيئاً واحداً؟ أنا متأكد من أنك ستشعر بتحسن كبير جرّاء ذلك”.
قلت: “كما ترين، فأنا سوف آكل شيئاً واحداً”.
جاء النادل مرة أخرى ومعه الفاتورة، فلوّحت له بإيماءة من يدها أن يضعها جانباً. ثم أردفت: “لا، لا، أنا لا آكل أي شيء على الغداء. أو آكل مجرد قضمة، لا أريد أكثر من ذلك، وأنا آكل ذلك كذريعة لتستمر المحادثة أكثر من اهتمامي بالأكل. ولا يمكنني أن أتناول أي شيء أكثر من ذلك، إلا إذا كان لديهم بعض الهليون. فسوف أكون آسفة إنْ غادرت باريس دون أن آكل بعضاً منه”.
كاد قلبي أن يتوقف. لقد رأيت الهليون في المتاجر وعرفت أنه باهظ الثمن بشكل مرعب. وكان يسيل اللعاب في فمي أغلب الأحيان عندما كنت أراه.
توجهت بكلامي للنادل: “تريد السيدة أن تعرف ما إذا كان لديكم بعض الهليون”.
حاولت جهدي أن أجعل النادل يقول ليس لدينا الهليون، لكن سبقتني ابتسامة سعيدة على وجهه العريض الذي يشبه الكاهن، وأكد لي أن لديهم نوعاً ممتازاً منه، طازجاً جداً، وطريّاً للغاية.
تنهدت ضيفتي قائلة: “أنا لست بجائعة، ولكن إنْ أصررتْ فلا أمانع بعض الهليون”.
طلبت من النادل أن يحضره إذن.
“ألن تأخذ أنت منه أيضاً؟”
“لا، أنا لا آكل الهليون أبداً”.
“أعرف أن بعض الناس لا يحبونه. بالواقع، أنت تفسد ذوقك باللحوم التي تأكلها”.
انتظرنا حتى تم طهي الهليون. واستولى الذعر علي. لم يعد السؤال الآن كم مقدار المال الذي سوف ينقصني لبقية الشهر، لكنّه أصبح هل ما أملكه يكفي لدفع الفاتورة؟ إذْ أنه من المخزي أن أجد نفسي أقصّر بمقدار عشرة فرنكات وأضطر إلى الاقتراض من ضيفتي. ليس من السهل عليّ القيام بذلك. فقد كنت أعرف بالضبط كم أملك في جيبي، وإذا جاءت الفاتورة أكثر مما أملك، فسوف أضع يدي في جيبي وأصرخ صرخة درامية وأقول إنه قد تم انتشالي. سيكون الأمر محرجاً إذا لم يكن لديها ما يكفي من المال لدفع الفاتورة. عندها سيكون الشيء الوحيد الذي سوف أفعله هو أن أترك ساعتي وأقول إنني سأعود وأدفع لاحقاً.
أحضروا طبق الهليون. كان يبدو أنه من النوع الجيد ومنظره يفتح الشهية. وكانت رائحة الزبدة المذابة لطهيه تدغدغ خياشيم أنفي مثلما كانت القرابين المحروقة تدغدغ خياشيم الإله يهوه. شاهدت كيف أن هذه المرأة الغريبة تدفعهم دفعاً إلى أسفل حلقها في لقمات كبيرة، بينما رحتُ أنا، وبطريقة مهذبة، أتحدث عن حالة الدراما في البلقان، إلى أن انتهتْ من الطبق كله.
سألتها: ” هل تريدين القهوة؟”.
أجابت: “نعم، فقط آيس كريم مع القهوة”.
لم أعدْ مهتماً الآن، لذا طلبت قهوة لنفسي وآيس كريم مع القهوة لها.
قالت وهي تأكل الآيس كريم: “أتعلم؟ هناك شيء واحد أؤمن به تماماً” ثم أضافت: “يجب على المرء دائماً أن يتوقف عن أكل الوجبة قبل أن يصل إلى شبعه إلى حد التخمة”.
“هل ما زلت جائعة؟” سألتها بصوت منخفض.
“أوه، لا، أنا لست جائعةً؛ فكما ترى، أنا لا آكل وجبة الغداء. أشرب فقط فنجاناً من القهوة في الصباح و أبقى هكذا إلى أن تحين الوجبة الرئيسية مساءً، أما وقت الظهيرة فلا أتناول شيئاً أكثر من صنف واحد على الغداء”.
“نعم، إني أرى ذلك!”
ثم حدث شيء رهيب. فبينما كنا ننتظر القهوة، جاء النادل إلينا، بابتسامة رائعة على وجهه المزيف، حاملاً سلة كبيرة مليئة بالخوخ الريّان، لون حبّاته مثل خدود طفلة خجولة. شعرت كأن فيهم نغمات ساحرة من الريف الإيطالي. لكني متأكد أن الخوخ ليس موسمه الآن. والله وحده يعرف كم سوف يكون ثمنه. ثم انتبهت بعد قليل، أن ضيفتي، أثناء انهماكها بالحديث، أكلتْ حبة منهم بشكل تلقائي.
ثم قالت: “كما ترى، لقد ملأت معدتك بالكثير من اللحم” – شريحتي الصغيرة البائسة – “ولم يعد بإمكانك تناول المزيد من أي شيء. لكنني أنا تناولت وجبة خفيفة فقط، وسأستمتع الآن بالخوخ”.
جاءت الفاتورة، وعندما دفعتها وجدتُ أنه بقي معي فقط ما يعادل بخشيشاً قليلاً وغير كافٍ. فاستقرت عيناها للحظة على الفرنكات الثلاثة التي تركتها للنادل، ولاحظتُ أنها اعتقدتْ أنني لئيم. لكني عندما خرجت من المطعم أمضيت شهراً كاملاً وليس في جيبي بنساً واحداً.
وبينما كنا نتصافح للوداع قالت: “استمع لنصيحتي، ولا تأكل أكثر من شيء واحد على الغداء!”.
أجبتها: “سأفعل ما هو أفضل من ذلك. فلن آكل شيئاً على العشاء الليلة”.
فصرخت بفرح: “أنت طريف!”، ثم أوقفت سيارة أجرة و قفزت بداخلها وهي تقول: “أنت طريف و ظريف!”.
وها أنا أنتقم أخيراً. ولا أعتقد أنني من النوع الانتقامي، لكن عندما يعاونك الرب على أمرٍ ما، يصبح من الصعب أن لا تكون النتيجة مقبولة. فها هي تزن اليوم واحداً وعشرين حجراً*.
…………..

هامش: الحجر أو سْتونْ: وحدة قياس  أوزان بريطانية لم تعد مستعملة على نطاق واسع، يعادل الستون الواحد حوالي ستة و نصف كيلو غراماً تقريباً-  المترجم.
……..

ملاحظات:

……

العنوان الأصلي: The Luncheon

المصدر: The Complete Short Stories of W. Somerset Maugham, Vol. I

تاريخ النشر: 1951

الناشر: William Heinemann Ltd

عن وليد يوسف

كاتب و مترجم فلسطيني

شاهد أيضاً

جدلية التجسيد والتجريد في الاقتران الإنساني-الرقمي، فيلم Her مثالاً

من بين الكثير من الاقتباسات المتناثرة في هذا الفضاء الرقمي، هناك واحدة للفيزيائي الشهير ألبرت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *