الرئيسية > سياسة > وثيقة مجموعة دافع والميثاق الوطني الفلسطيني

وثيقة مجموعة دافع والميثاق الوطني الفلسطيني

يمثل تناقض الشكل مع المضمون، أو الهدف مع السبيل إليه إحدى المشاكل التي تعيق تحقيق الأهداف المرجوة من أي عمل أو مسيرة نضالية، تماما كمسار التحرر الفلسطيني. فكما احتفل شعب فلسطين بجميع مكوناته وتجمعاته بمعاني ودلالات الانتفاضة الأخيرة؛ انتفاضة كل فلسطين؛ يفترض أن نجتمع أيضا على رفض كل ما يتناقض معها، ولا يعبر عنها سياسيا وإعلاميا وطبعا ميدانيا في ساحات النضال المختلفة. لكن وقبل تسليط الضوء على واحدة من أهم التناقضات البارزة مع معاني الانتفاضة، التي نتأمل استمرارها واشتداد عودها في الأيام القادمة، لابد بداية من الإشارة إلى أهم معانيها، رغم تراجع غالبية مظاهر الانتفاضة مؤخراً. فبعد سيطرة خطاب حل الدولتين على مجمل الجسم السياسي الفلسطيني لسنوات عديدة خلت، عبرت الانتفاضة الأخيرة عن تناقض توجهات الانتفاضة مع مجمل أو غالبية برامج وتوجهات الجسم السياسي الفلسطيني، وعلى رأسه الحركتان الأبرز فتح وحماس، فمنذ تعديل الميثاق الوطني وإقرار البرنامج المرحلي، شهدنا تحول رؤية فتح وهدفها السياسي من تحرير كل فلسطين إلى إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة في العام 1967. وهو الهدف الذي تبعتها فيه مجمل فصائل العمل الوطني؛ ربما باستثناء الديمقراطية التي كانت سباقة في هذا التوجه؛ حتى ظهرت حركتا الجهاد وحماس، اللتان انتصرتا في بدايتهما لمشروع تحرير كل فلسطين وفق رؤية إسلامية بحتة. إلى أن تراجعت حركة حماس عن هذا المشروع منذ حوالي أربع سنوات عندما عدّلت وثيقتها السياسية، وفق صياغة جديدة تنطوي على قبولها الاعتراف بدولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، بشكل يشابه صياغة البرنامج المرحلي.
من هنا نجد أن أحداث الانتفاضة الأخيرة ذات المعاني التحررية الشاملة لكل فلسطين، تتناقض  مع غالبية برامج فصائل العمل الوطني والإسلامي، دون أن يتحول هذا التناقض إلى عامل صدام مباشر بينها؛ أي بين الانتفاضة والفصائل؛ حتى لو فرضنا جدلاً أن الشارع المنتفض طرف متماسك وموحد في الرؤية والتوجه؛ وهو افتراض غير صحيح بداهةً؛ لكن ما يعنينا من هذا التناقض دلالاته السلبية التي عانى منها النضال الفلسطيني تاريخياً، في حالات كثير يتحمل فيها الجسم السياسي مسؤولية إضاعة غالبية إنجازات المقاومة والنضال الشعبي منذ الفترة التي سبقت النكبة، عبر التفافه حول مطالب وأهداف الحركة النضالية الشعبية.
من كل ذلك كان لابد من المرور ولو سريعاً على البرامج السياسية المتوافقة مع توجهات الشارع سياسياً، والتي يصعب منذ الآن التيقن من مدى تطابقها معه فكرياً وثقافياً، ومنها دون أدنى شك الميثاق الوطني الفلسطيني، القائم على تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، المكون من ثلاث وثلاثين مادة، بعيداً عن التعديلات والإلغاءات التي حصلت لاحقا. وهنا لابد من استحضار الوثيقة التي انطلقت من الميثاق الوطني مع بعض الإضافات والتحسينات السياسية والثقافية والاقتصادية، وبالتحديد الوثيقة التي طرحها المفكر الراحل سلامة كيلة، رفقة مجموعة كبيرة نسبيا من رفاقه وأصدقائه، والمعنونة وثيقة الحركة الشعبية من أجل دولة فلسطين العلمانية الديمقراطية الواحدة. وهي ذات الوثيقة التي تبنتها وانطلقت منها مجموعة دافع السياسية؛ والتي سوف نشير لها لاحقا بوثيقة دافع؛ التي تضم في صفوفها بعضا من رفاق سلامة الذين ساهموا معه بصياغة الوثيقة المذكورة. لذا وانطلاقا من مدى تطابق تعبيرات الانتفاضة مع منطلقات وأهداف كل من الميثاق الوطني ووثيقة دافع، أجد من المهم إجراء مقارنة شاملة وسريعة بينهما، تسلط الضوء على أهم أسس الوثيقتين وتبرز النواحي التفصيلية في كل منهما. أي بين الميثاق الوطني الفلسطيني المقر في 7/10/1968 ووثيقة مجموعة دافع؛ وثيقة الحركة الشعبية من أجل دولة فلسطين العلمانية الديمقراطية الواحدة.
المادة 1:
تتحدث المادة الأولى من الميثاق الوطني عن موقع القضية والأرض والشعب الفلسطيني كجزء من الوطن العربي الكبير، في حين تربط وثيقة مجموعة دافع في بندها التأسيسي رقم (6) بين النضال التحرري والتقدمي الفلسطيني مع كلية النضال في الوطن العربي، كون فلسطين جزء من هذا الوطن، ولأن الوجود الصهيوني في فلسطين هدف منذ بداياته إلى منع استقلال ووحدة وتطور الوطن العربي بأكمله. وعليه فكلا الوثيقتين تنطلقان من فهم تاريخ المنطقة أولا، ودور الحركة الصهيونية الاستعماري تجاه كامل المنطقة العربية وفلسطين خصوصا عبر نهجها الإحلالي والكولونيالي فيها ثانيا.
المادة 2:
” فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة إقليمية لا تتجزأ”، إذا يحدد الميثاق الوطني حدود فلسطين بشكل واضح لا لبس فيه، وهو ذات الأمر الملاحظ في وثيقة مجموعة دافع القائلة ” الدولة الجديدة التي ستقام على أرض فلسطين التاريخية هي دولة فلسطينية”. وبالتالي تنطلق كلا الوثيقتين من كامل أرض فلسطين التاريخية دون أي انتقاص منها، مهما صغر أو كبر حجمه، على اعتبارها وحدة جغرافيا واحدة غير قابلة للتجزئة.
المادة 3:
“الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الشرعي في وطنه، ويقرر مصيره بعد أن يتم تحرير وطنه وفق مشيئته، وبمحض إرادته واختياره” إذ يتبنى الميثاق الوطني رؤية تحررية جامعة وفضفاضة، لا تطرح حلا لمجمل القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في حين تتبنى وثيقة مجموعة دافع رؤية تحررية وتقدمية شاملة بداية من حرية شعب وأرض فلسطين التاريخية وصولا إلى جميع القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على سنوات الصراع الطويلة، وعلى طبيعة المشروع الصهيوني القائم فيها الآن. مثل قولها في وصف طبيعة نظام الدولة الفلسطينية المرجوة بعد تفكيك الصهيونية ” تقوم على أساس المواطنة، وتحمي الطبقات الشعبية من الفقر والبطالة والتهميش، وتضمن التعليم المجاني وكل ما يتعلق بالضمان الاجتماعي وحقوق العمال. وتعنى بازدهار الثقافة بكل أطيافها.” وهذا تفصيل وحيد من ضمن جملة من القواعد الناظمة لهذا النظام وفق لها.
المادتين 4 و5:
تنص المادتين المذكورتين على شرعية حقوق شعب فلسطين مهما طال الزمن وبغض النظر عن مجمل المتغيرات التي فرضتها الحركة الصهيونية، كما تؤكدان على تعريف شعب فلسطين القانوني بقولها “الفلسطينيون هم المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى عام 1947، سواء من أخرج منها أو بقي فيها، وكل من ولد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو فلسطيني.” ومرة أخرى نلاحظ توافق بين نصوص الميثاق الوطني ووثيقة مجموعة دافع التي تنص على “حقوق الشعب الفلسطيني لا تسقط بالتقادم، وخصوصا حقوق اللاجئين في العودة والتعويض عن سنوات التشرد، فهذه الحقوق غير قابلة للتصرف، أو للتفاوض”
المادة 6:
“اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني لها، يعتبرون فلسطينيين.” في هذه المادة يعمل الميثاق الوطني على تقديم حل تقدمي للمشكلة اليهودية الغربية التي عملت القوى الاستعمارية على نقلها إلى أرض فلسطين، انطلاقا من قيم التسامح والمساواة والتعاضد الإنساني. إذ يعبر الميثاق عن تسامح سكان فلسطين الأصليين مع مجمل أتباع الديانة اليهودية ممن يقومون فيها إقامة طبيعية، ورفضه المطلق للقادمين إليها كغزاة إحلاليين يعملون على استبدال شعبها الأصلي بمستوطنين غريبين عن أرض فلسطين. وهو ذات الأساس الذي تنطلق منه وثيقة مجموعة دافع، آخذة بعين الاعتبار طول فترة الصراع وتعدد الأجيال المقيمة على أرض فلسطين التي تنتمي لعائلات يهودية نشأت في فلسطين بحكم حملات استيطانية سابقة، فالصفة الاستيطانية هي صفة الغزاة الأوائل، وهي صفة غير موروثة، إن أثبتت الأجيال اللاحقة رفضها لها، من خلال نبذها ومقاومتها المشروع الصهيوني ومشاركتنا النضال من أجل القضاء على مؤسساته، وهنا الحديث بالتحديد عن المؤسسات الصهيونية، ففي هذه الحالة يصبحون مناضلين من أجل تفكيك الصهيونية وهزيمتها وتحرير فلسطين منها حتى إقامة دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية الواحدة، ما يجعلهم  مواطنين في الدولة التي ناضلوا من أجلها؛ أي فلسطين؛ بحقوق كاملة أسوة بشركائهم في النضال من سكان فلسطين الأصليين. كما ينص البند رقم (6) “إن بناء هذه الدولة هو نتيجة نضال وطني وطبقي متعدد الأشكال وهو نضال مشترك ما بين أهل فلسطين وأولئك اليهود المتخلصين من الأيديولوجيا الصهيونية فدور الطرفين مهم وحاسم، لكنه ممكن فقط في إطار حل حقيقي يضمن الحقوق للجميع.”
المادتين 7 و8:
تتحدث المادتين عن قضايا مهمة وغير مرتبطة بشكل مباشر بالعملية النضالية، مثل تركيز المادة السابعة على دور التنشئة والثقافة الوطنية في بناء وعي الأجيال القادمة وتشيد جسور علاقتها مع فلسطين وقضيتها. في حين تركز المادة الثامنة على ثانوية التناقضات بين القوى الوطنية، في مقابل مركزية الصراع مع الصهيونية على اعتباره صراع الفلسطينيين الرئيسي. وهو ما عبرت عنه وثيقة دافع في بندها الأول” إن الحل يجب أن يبدأ من تفكيك الدولة الصهيونية كوجود سياسي وكيان عسكري وأيديولوجية عنصرية”، على اعتباره تناقضا رئيسيا حتى حسمه لصالح مشروع تحرري وتقدمي.
المواد 9 و10 و11:
تحدد المادة التاسعة من الميثاق الوطني الكفاح المسلح طريق تحرير فلسطين الوحيد، ومن ثم تتعمق ذات المادة والمادتان اللاحقتان 10 و11 في تفاصيل الكفاح المسلح. في حين تنطلق وثيقة مجموعة دافع من شرعية جميع الأشكال نضالية بقولها “هذا النضال المشترك يهدف إلى تشكيل بديل شعبي يحمل مشروع الدولة العلمانية الديمقراطية، ويناضل بأشكال مختلفة من أجل إنهاء الدولة الصهيونية” وهو ما يشمل الكفاح المسلح، دون إلغاء دور الوسائل الكفاحية الأخرى.
المواد 12 و13 و14 و15:
تسلط الفقرات المذكورة من الميثاق الوطني على مكانة القضية الفلسطينية عربيا، وعن تكامل التحرير والوحدة العربية بأكثر من زاوية وبعد. في حين تركز وثيقة مجموعة دافع على بعد آخر بخصوص علاقة تحرير فلسطين مع مجمل شعوب ودول المنطقة، يتمثل في التركيز على دور الدولة الصهيونية تجاه دول وشعوب المنطقة، وبالتحديد في حجز تطورها بقولها “انطلاقاً من أن الدولة الصهيونية تريد كل فلسطين لتحويلها إلى؛ دولة يهودية؛ في سياق كونها؛ قاعدة عسكرية؛ في المشروع الإمبريالي للسيطرة على البلاد العربية. والحفاظ على تفكك هذه البلاد وتخلفها، من أجل نهبها.” أي تحاول وثيقة دافع تحديد طبيعة المشروع الصهيوني، وما تفرضه هذه الطبيعة على مجمل دول وشعوب المنطقة الساعية نحو التطور والتقدم والتحرر والتكامل، من ضرورات تتطلب مواجهتها وتجاوزها كي تتمكن من تحقيق أهدافها وتطلعاتها المستقبلية المشروعة، فالصهيونية تلعب دور مركزيا في حجز تطور واستقلال شعوب ودول المنطقة.
المواد 16 و17 و18:
تتحدث المواد الشار إليها هنا إلى ثلاثة أبعاد يتضمنها مشروع تحرير فلسطين؛ روحية وإنسانية ودولية؛ تعكس تقدمية وإنسانية المشروع التحرري، على اعتبارها قيم سامية وعالمية تستوجب من شعوب العالم دعم مشروع تحرير فلسطين. وكذلك نجد في وثيقة مجموعة دافع ما يؤكد على قيم مشروع التحرير الحضارية والتقدمية والإنسانية، التي تجعل من القضية الفلسطينية قضية إنسانية جامعة، ومن الخيار المطروح حلا عادلا وقائما على المساواة والعدالة بين جميع الطبقات الشعبية، فمثلا تقول الوثيقة بما يخص الحقوق الدينية “دولة ديمقراطية علمانية تفصل الدين عن الدولة مع حماية هذه الأخيرة لحرية المعتقد والحريات العامة. والتي تقوم على أساس مبدأ المواطنة، وتحمي الطبقات الشعبية من الفقر والبطالة والتهميش، وتضمن التعليم المجاني وكل ما يتعلق بالضمان الاجتماعي وحقوق العمل.” وكما في البند رقم (7) الذي يتحدث عن أصل المشروع الصهيوني كنتاج تطور النظام الرأسمالي الدولي، ما يجعل من مواجهته والخلاص منه مهمة إنسانية جمعاء.
المواد 19 و20 و21:
تؤكد هذه المواد الثلاثة المذكورة في الميثاق الوطني على خيار تحرير فلسطين كل فلسطين، من خلال رفض الاعتراف بكل من قرار التقسيم ووعد بلفور وصك الانتداب، نظرا لتعارضهم مع ميثاق الأمم المتحدة. في حين تؤكد وثيقة مجموعة دافع على أن حل المشكلة التي بدأت منذ صدور وعد بلفور يبدأ من تفكيك الدولة الصهيونية، انطلاقا من طبيعة هذا الكيان الكولونيالية “لا نتعامل مع كيان ادعى القائمون عليه زوراً أنه هدف إلى توطين ضحايا العنف النازي، فيما هو كيان كولونيالي وجزء من منظومة السيطرة الإمبريالية على البلاد العربية. ولهذا يطغى طابعه العسكري، وطموحه للتوسّع والسيطرة. لهذا سيكون إنهاء هذا الكيان حاجة موضوعية لتصفية الدور الإمبريالية الذي يقوم به، ولقطع ارتباطه بالإمبريالية العالمية.” وعليه تؤكد وثيقة دافع على أن الحل الوحيد الممكن هو حل تحرير كامل فلسطين، بعيداً عن التعلق بأوهام حل الدولتين وإفرازاته المتعددة.
المواد 22 و23:
تتحدث المادة 22 من الميثاق الوطني عن طبيعة الحركة الصهيونية وعن ارتباطها بالإمبريالية العالمية “لصهيونية حركة سياسية مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالإمبريالية العالمية، ومعادية لجميع حركات التحرر والتقدم في العالم، وهي حركة عنصرية تعصبية في تكوينها، عدوانية توسعية استيطانية في أهدافها”. ومن ثم يتم التأكيد على دور شعوب العالم في مواجهة الصهيونية في المادتين 22 و23 ” فإن الشعب الفلسطيني يتطلع إلى نصرة جميع أحرار العالم وقوى الخير والتقدم والسلام فيه، ويناشدهم جميعاً على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم تقديم كل عون وتأييد له في نضاله العادل المشروع لتحرير وطنه.”
طبعا نجد توضيح مشابه حد التطابق في وثيقة مجموعة دافع ولاسيما في البند رقم (7) “لابد من التأكيد على دور شعوب العالم في هذا النضال الذي يخصهم أيضاً، كون الصهيونية كانت في الأصل وفي المنشأ نتاج المشروع الاستعماري الاستيطاني والإحلالي المرتبط بلحظة معينة من لحظات تطور النظام الرأسمالي الدولي. ولذلك، يجب مشاركة هذه الشعوب بالضغط على حكوماتها لانتهاج سياسات تحترم حقوق الشعب الفلسطيني…”
المواد المتبقية (من المادة 24 إلى المادة 33):
تتطرق بنود الميثاق الوطني المتبقية إلى مجموعة من المسائل المرتبطة بتكوين منظمة التحرير ودورها التمثيلي والنضالي، ومجموعة م القيم العامة التي تحكم علاقة المنظمة مع المجتمع الدولي والنظام العالمي، نظرا لكونه ميثاق المنظمة ذاتها. في حين لا تطرح وثيقة مجموعة دافع أي بند يخص منظمة التحرير، نظرا لتعارض برنامج المنظمة الحالي مع وثيقة المجموعة، وعلى اعتباره وثيقة سياسية تستعيد جوهر الميثاق الوطني مع بعض الإضافات والتوضيحات الضرورية، كما وضحنا في مقارنة المواد السابقة.
الخلاصة:
بعد مقارنة الميثاق الوطني مع وثيقة الحركة الشعبية من أجل فلسطين دولة علمانية ديمقراطية واحدة (وثيقة مجموعة دافع) نجد أن كليهما ينطلقان من ذات الأساس، أولها لهما ذات حامل مشروع التحرير، المتمثل في مجمل شعب فلسطين ومناصريه من الحركات التقدمية والتحررية على المستويين الإقليمي والدولي الأصلي في استعادة كافة حقوقه دون أي استثناء؛ حق الأرض والدولة وتقرير المصير والعودة والتعويض…إلخ. والمتمثل ثانيا في فهم طبيعة الحركة الصهيونية في فلسطين، ودورها في سياق المشروع الإمبريالي تجاه مجمل المنطقة، وممارستها التطهير العرقي والفصل العنصري من أجل ذلك. والمتجسد ثالثا في طبيعة مشروع التحرر الفلسطيني كمشروع تقدمي وإنساني متشابك مع القوى التحررية والتقدمية في المنطقة العربية وفي مجمل العالم.
في حين تبرز اختلافات طفيفة بينهما في مسائل تقنية وإجرائية وأحيانا ثقافية تعكس تطور الوعي الوطني والسياسي التحرري فلسطينيا بفعل تراكم الخبرات والتجارب النضالية على مدار الأعوام السابقة. فمثلا وبما يخص النضال التحرري نلحظ إصرار الميثاق الوطني على اعتبار الكفاح المسلح طريق التحرير الوحيد، في حين تنطلق وثيقة مجموعة دافع من أهمية جميع الأشكال النضالية بما فيه العمل الفدائي. وكذلك نجد خطابا إنسانية وتقدميا تجاه أتباع الديانة اليهودية في كلا الوثيقتين مع تباين نسبي بينهما، ناتج عن تبعات طول مدة الصراع. حيث يعتبر الميثاق كل يهودي مقيم في فلسطين قبل النكبة إقامة عادية فلسطينياً، في حين تعتقد وثيقة دافع أن كل يهودي مقيم في فلسطين ومتحرر من العقيدة والفكر الصهيوني ومنخرط في النضال الفلسطيني من أجل هزيمتها وتفكيكها فلسطينيا. إذ لم يكن قد تلاحق نشؤ أجيال جديدة من المستوطنين داخل أرض فلسطين عند كتابة الميثاق الوطني عام 1968، في حين نعلم أن هناك اليوم العديد من الأجيال المولودة والمترعرعة في فلسطين، نتيجة حملات أجدادهم وربما أباءهم الاستيطانية، وبالتالي لا تتحمل هذه الأجيال وز أفعال أباءهم وأجدادهم الإجرامية تجاه شعب وأرض فلسطين.  ما يتيح لهم في حال دعمهم الحقوق الفلسطينية الكاملة، ومشاركتهم النضال من أجل تفكيك الصهيونية وتجاوزها، اعتبارهم فلسطينيين بحكم تحررهم الكامل من الفكر والعقيدة الصهيونية، ومشاركتهم النضال من أجل دولة فلسطين الكاملة.
وعليه فنقاط الاتفاق والالتقاء واسعة ومتعددة، في حين تنحصر غالبية الخلافات أو بالأصح الاختلافات في النقاط والنواحي التي لم يعالجها الميثاق بشكل كافي ووافي، نتيجة عوامل متعددة لا مجال لذكرها الآن، وهو ما حاولت وثيقة مجموعة دافع تجاوزه وتطويره في طرحها التحرري الشامل كل فلسطين.

عن حيان جابر

حيان جابر

شاهد أيضاً

العدوان بلسانهم: محنة غزة وجحيم الـ F-16

عميرة هاس ترجمة محمود الصباغ I تقول مريم (50 عاماً): “كنت أشعر، مع كل قصف، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *