من دفاتر أيام عادل الاسطة (3)

VI

الـعـرس الـفـلـسـطـيـنـي: والدة الشهيد التي تنتظر ابنها

2022-08-21

انشغلت في الأيام الأخيرة بموضوعين يفضي أحدهما إلى الآخر، الأول هو التحقق من نسبة مقطع إلى جبران خليل جبران ومحمود درويش ونصه: «ستنتهي الحرب ويتصافح القادة، وتبقى تلك العجوز تنتظر ابنها الشهيد، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب، وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل»، وقد أدرجته على صفحتي ناشداً المهتمين بالإدلاء بدلوهم.

كان نبيل طنوس من المغار ترجم المقطع إلى العبرية ونسبه إلى درويش وطلب مني أن أتيقن من الأمر، فقد كتب أحد قرائه أنه ينسب إلى جبران.

وليست هذه هي المرة الأولى التي ينسب فيها قول إلى درويش دون التأكد منه.

توقف أمام الظاهرة صقر أبو فخر وكتب فيها «عن فبركة القصائد والوثائق والنصوص» (أنظر الأيام الفلسطينية 18/ 12/ 2012) وهذا دفعني إلى كتابة مقال «فبركة القصائد» أتيت فيه على قصيدة «لهفي على القدس الشريف» التي نسبت إلى درويش وقصيدة «كفرت بإسرائيل التي نسبت إلى مظفر النواب» (الأيام الفلسطينية 7/ 4/ 2013).

قبل أشهر سألني زياد خداش عن مقطع أدرج في وسائل التواصل الاجتماعي ونسب إلى درويش:

« كنت سأشتري لك البنفسج هذا الصباح

لكن الرفاق كانوا جياعا

فاشتريت لهم الخبز

وكتبت لك قصيدة حب»

وأنا أبحث عثرت على مقال كتبه درويش عنوانه «ناظم حكمت: النشيد الخالد» يرد فيه المقطع وقد اقتبسه درويش من ناظم (محمد خليل، محمود درويش: مقالات وحوارات1960 – 1970، 2001 ص 102).

وحتى اللحظة لم أتأكد من صاحب النص الأول «ستنتهي الحرب..» على الرغم من أنني عثرت على معنى قريب منه ورد في مقال لدرويش «ذاهبان إلى البحر» ورد في كتابه «وداعا أيتها الحرب وداعا أيها السلم» (1974) واقتبس فيه مقاطع من كتابه «يوميات الحزن العادي» (1973) ومن كتاب لكتاب إسرائيليين «التقصير» ومن رسالة فدائي فلسطيني إلى أمه وهو ذاهب إلى المعركة. فيما أورده درويش من اقتباسات من الكتاب الإسرائيليين كتابة عن الجنود الإسرائيليين الذين دفعوا حياتهم ثمنا لبناء وطن وعن قادتهم وجنرالاتهم الذين قبضوا الثمن فازداد رأسمالهم وكبرت مشاريعهم، وتكرار دال الوطن في كتابات درويش الشعرية والنثرية وفي المقطع الذي نسب إليه أحد أسبابه هو تكرار هذا الدال في الكتابات العبرية، ولا ينفي هذا تكراره في الأدبيات الفلسطينية قبل 1948، بخاصة في أشعار إبراهيم طوقان.

الكتابة عن العجوز التي انتظرت ابنها والزوجة التي انتظرت زوجها يذكر أيضا بكلمات أغنية مارسيل خليفة «أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها وعاد مستشهدا فبكت دمعتين ووردا ولم تنزو في ثياب الحداد» وهذا كله يذكر برواية السوري أديب نحوي «عرس فلسطيني» (1970) وعززه في الأيام العشرة الأخيرة استشهاد إبراهيم النابلسي وزغاريد أمه في وداعه والجدل الذي ثار حول ذلك.

توقف شمعون بلاص في كتابه «الأدب العربي في ظل الحرب» (الترجمة العربية 1984) مطولا أمام «عرس فلسطيني» التي تأتي على عرس الشهيد الفدائي وكتب عن احتفال الأب بعرس ابنه الذي استشهد ليلة عرسه، فقد عاد من عملية فدائية مستشهدا.

في يوم الأرض في 30 آذار 1976 استشهد ستة فلسطينيين فكتب سميح القاسم فيهم شعراً وردت فيه الزغرودة «يا أم الشهيد وزغردي كل الشباب ولادك»، وصار الفلسطينيون مع الأيام يحتفلون بنبأ استشهاد ابنهم بالزغاريد، وصار هذا الاستقبال موضع جدل وكتابة، وقد أثير الجدل مؤخراً يوم استشهاد إبراهيم النابلسي في نابلس، بخاصة حين كتبت فلسطينية تقيم في السويد هي نور هيثم عن ردود أفعال الصحافة الغربية التي أتت على موقف بعض الغربيين من موقف أم إبراهيم.

في قراءاتي لكتابات درويش حول الموقف من الاستشهاد قراءة تعاقبية لاحظت الآتي:

في «ذاهبان إلى البحر» من «وداعا أيتها الحرب..»  يكتب عن اختلاف إقدام الجندي الإسرائيلي والفدائي الفلسطيني على القتال وما يعقب ذلك من نتائج «لقد مات شيء كثير في القلب الإسرائيلي الشاب.. مات شيء كثير..» رأيت شبابا يموتون، ولا أحد منهم يصرخ قبل أن يسقط «ما أجمل الموت في سبيل الوطن» أو «يعيش السلام والأمن». لقد بكوا كالأطفال، دون أن يعرفوا إذا ما حققوا «السلام والأمن».

لقد وقع الخلاف بينهم وبين «الوطن» الذي سرقوه من شعب آخر، وحين يموت المرء، دون أن يعرف لماذا يموت، أو حين يعرف أنه يموت من أجل سرقة، فإن موته يكون بلا مجد وبلا شهية. هذا ما مات فيهم، وهذا ما ازدهر في نفسية الشاب الفلسطيني العربي الذي يذهب إلى الموت كما يذهب إلى الزفاف، وهذا هو الفارق بين موتين.(120).

هل ظل الشاعر الذي اقتبس فقرة من رسالة فدائي قبل استشهاده يرد فيها «ما أجمل طعم الموت عندما يمتزج بالأرض ..

.. إنني أشعر بثقل المخيمات ينزاح عن صدري، ووحول الأزقة تتحول إلى طرق واسعة معبدة في وجه الشمس» هل ظل الشاعر يرى ما رأى؟

لا شك في أن هناك شبابا مقاومين كثرا ما زالوا يقبلون على الشهادة مثل هذا الفدائي صاحب الرسالة، وأن هناك أمهات عديدات يستقبلن نبأ استشهاد الابن بالزغاريد، ولكن الشاعر صار ينظر إلى حسرة الآباء، فترك الشهيد نفسه يتكلم. لنقرأ ما كتبه في «حالة حصار» على لسان الشهيد: «لا تصدق زغاريدهن، وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا». وكان والد إبراهيم حزينا ومثله كان والد محمد الشحام الذي اغتيل في بيته قبل أيام.

الكتابة تطول وتستحق النقاش والجدل.

المصدر: https://www.al-ayyam.ps/ar_page.php?id=157984d7y360285399Y157984d7

VII

الحرب والانتظار في الأدب السوفييتي: وحدة الأدب العالمي

2023-04-02

هل صحيح أن أسطر« ستنتهي الحرب ويتصافح القادة وتبقى تلك العجوز تنتظر ابنها» ساذجة وسطحية؟ وهل البحث عن قائلها مضيعة للوقت وغير مجد؟

أثار الكاتب فراس حاج عمر محمد، وقبله مقالي في جريدة الأيام الفلسطينية (٢١ آب ٢٠٢٢) والفقرة التي نشرتها على الفيس بوك حولها، جدلا حول مدى عمقها، فقد رأى بعض المعلقين أنها لا يمكن أن تكون لمحمود درويش وأن صاحبها ليس أكثر من طالب توجيهي يتدرب على كتابة موضوع إنشاء، وهذا ما لم أره، إذ أعادتني إلى أعمال أدبية يمتاز كاتبوها بالعمق تمحورت بعض نصوصهم التي غدت عالمية حول موضوعات الأسطر وهي الحرب والانتظار والتضحية بالنفس وجني المكاسب، وهذا ما توقفت أمامه في مقالاتي في الأسابيع الثلاثة الأخيرة، وقد أنفقت الشهر الماضي أبحث في الكتب وفي غوغل علني أصل إلى نتيجة.

هكذا عدت من جديد باحثا وباحثا لا يكل ولا يمل حتى ضجر بعض القراء مما أكتب متسائلين عن جدوى ما أقوم به، ناسين أو متناسين أنه البحث عن الحقيقة ونبش الذاكرة والعودة إلى المصادر والمراجع وعدم إطلاق القول على عواهنه.

أعادني بحثي إلى مقولة الأديب الألماني (غوته) «وحدة الأدب العالمي» وإلى أحد معاني كلمة بنية «التجريد والتعميم والنموذج: من البنية الثابتة في أعمال مؤلف واحد إلى البنية الثابتة لأعمال مؤلفين مختلفين في عصر واحد وكذلك من البنية الثابتة لأعمال أدبية مختلفة في لغة واحدة إلى لغة ممتدة في الثقافة»، وهذا ما يلحظ في نصوص الحرب في الآداب العالمية المختلفة. إننا سنلحظ مثلا فيها كلها الموتيفات الآتية:

– فكرة الانتظار.

– فكرة الوطن والتضحية في سبيله.

– فكرة الجندي المضحي بنفسه والقائد الذي يجني المكاسب.

ولقد بحثت عنها في كتب «موتيفات الأدب العالمي وأفكاره» وتحت عنوان الحرب  «Krieg  /  War» يقرأ المرء عن الاعتداء وصراع الإخوة، ولقد بحثت أيضا في كتب المقاومة والحرب وما أكثرها وتوقفت أمام كتاب شاكر نوري «المقاومة في الأدب السوفييتي» وكتاب حنا مينة ونجاح العطار «أدب الحرب» وكتاب غالي شكري «الماركسية والأدب» وكتاب رفيف رضا صيداوي «النظرة الروائية إلى الحرب اللبنانية 1975 – 1995» لأقرأ فيها ولأجد أنها لا تخلو من المعاني التي كثفتها الأسطر.

يمكن في هذه المقالة الاقتباس من كتاب شاكر نوري وغالي شكري مثالا.

في كتاب الأول نقرأ قصيدة لـ (قسطنطين سيمنوف) يقول فيها:

«ماذا يمكن أن نقول لهم؟ كم بائسة هي دموعهم

لكن المرأة العجوز أدركت لم نكن بهذه القساوة

إنها قرأت حزننا وأجابت:

«اذهبوا الآن يا أعزائي، وسننتظر عودتكم»

آه! سننتظر… وحقول القمح تتموج .. وتتمايل

الغابات تصرخ: « ننتظر عودتكم!»

ويتحدث إلى حبيبته قائلا:

«انتظريني وسوف أعود إلى البيت

لكن يجب أن تنتظري طويلا»

وقد وردت القصيدة نفسها في كتاب العطار وحنا مينة. وقد أورد الدكتور يحيى الشعار في تعليقاته على الموضوع قصيدة «الأم» لـ (أندريه ديمنتيف) وتصف أما انتظرت ابنها المشارك في الحرب ثلاثين عاما. وماذا عن تصافح القادة؟ هل تصافحوا في نهاية الحرب العالمية الثانية؟

لا أريد أن أخوض في هذا لإشكاليته، ولكن حتى القادة الذين توخت شعوبهم منهم الخير وأملت أن يقودها إلى الحرية سرعان ما تحولوا إلى عبادة ذواتهم تحتل صورتهم الأمكنة كلها في حين أهملوها – أي الشعوب – وتسلطوا عليها.

في كتابه «الماركسية والأدب» يتوقف شكري أمام المقطع الآتي من قصيدة (يفتشنكو) «سوق سمبرسك»:

«أما الفلاحة فقد استلقت في الوحل!

كانت الاستعدادات تجري على قدم وساق

لنصب تمثال جديد لشخص ما

أما الفلاحة السكرى فقد استلقت في الوحل».

بل ذهب بعض القراء إلى ربط أغنية كارول سماحة بأغنية (Marlene Dietrich) (قل لي: أين توجد الأزهار؟) ومارلين ديتريتش ممثلة ومغنية ألمانية وقفت ضد هتلر وشجعت الحرب عليه وتبرعت ببعض أموالها في سبيل ذلك، وتأتي كلمات أغنيتها على الفتيات اللاتي حملن باقات الأزهار لإهدائها للرجال الذين ذهبوا إلى الحرب وصاروا جنودا ولم يعودوا فقد استقروا في القبور التي صارت تئن لصوت الرياح، بل إن بعض القراء ذكرني بأغنية« Are you going to Scarborough »  لـ (غارفيلد) وهي عن جندي مات في الحرب – وكان الجنرال طلب منه أن يطلق النار – ويطلب من زملائه أن يذهبوا ويخبروا حبيبته التي صنعت له وشاحا ويسلموا على الزعتر والبقدونس وووو ….

هل أخطأ (غوته) وهل أخطأ البنيويون فيما ذهبوا إليه؟

https://www.al-ayyam.ps/ar_page.php?id=15e9b44cy367637580Y15e9b44c

عن د.عادل الاسطه

شاهد أيضاً

تداعيات حرب 2023/ 2024: تـداعـيـات قـراءة روايـة ابتسام عازم «سفر الاختفاء»

عندما كتبت عن يافا نبهني بعض القراء إلى رواية ابتسام عازم «سفر الاختفاء» (2014). وعندما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *