من دفاتر أيام عادل الأسطة (4)

VIII      

ستنتهي الحرب والنقد الأدبي في العالم العربي بين قرنين : قفلة

06:04:2023

أعادتني أسطر ” ستنتهي الحرب ” إلى عشرات الكتب والدراسات والمقالات والمقولات النقدية التي كتبت في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن ٢٠ والعقدين الأولين من القرن ٢١ ، وجعلتني أمعن النظر في الفارق بين كتب النقد في قرنين مختلفين فأرى بينها ، في مجملها ، بونا شاسعا : من نقد يتوقف أمام الموضوع والقضايا السياسية والاجتماعية والفكرية ، ويربط هذا كله بموقف الكاتب ، إلى نقد يركز على قضايا شكلية تقارب العنوان والأسلوب والبناء وتهمل المؤلف والمعطيات الخارجية كلها . نقد يعطي الأولوية إلى الموضوع والإنسان ونقد يمنح الأولوية للشكل واللغة ، وقد لخص رأي نجيب محفوظ الذي أورده إبراهيم عبد المجيد ، في شهادته عن النقد الأدبي ، الفارق بين نوعي النقد :

” ماكنتش أعرف إن النقد بقى صعب كدا ” ( فصول ، العدد ١٠٦ ، صفحة ٢٣٠ ) ، وسوف يعزز رأي محفوظ هذا من يقرأ مجلة فصول وكتب النقد الأدبي المنجزة في العقدين الأخيرين ويقارنها بكتب النقد الأدبي التي صدرت في القرن الماضي .

سوف يلحظ قاريء الكتب الصادرة في العقدين الأخيرين أنه يغلب على قسم كبير منها الآتي :

إنها كتب نظرية معادة مكرورة تتكئ على مناهج نصية لا يقرؤها إلا قراء قليلون جدا ، وهي تختلف عما كانت تتسم به كتب النقد في النصف الثاني من القرن الماضي التي كانت نسبة عالية من المهتمين بالأدب تقرؤها وتتفاعل معها وهي أيضا تريح أتباعها من اتخاذ موقف في حياتهم قد يزج بهم في مشاكل مع السلطة الحاكمة أو مع الأحزاب المختلفة عن حزبهم .

وربما كان الناقد الفلسطيني المرحوم حسام الخطيب من أوائل النقاد العرب الذين التفتوا إلى النقد الأدبي الجديد ، وذلك في دراسته التي نشرها في كتاب ” الشعر العربي في نهاية القرن ” ( ١٩٩٧ ) تحت عنوان ” تقنية النص التكويني ومغامرة مع نص درويشي ” .

في دراسته يتوقف الخطيب أمام مصطلحات نقدية جديدة هي النص المتشعب والنص الرافل والبطاقة المتشعبة ويقدم شرحا لها ويوضح كيف تتشكل النصوص وكيف يمكن أن تقرأ في ضوء الاستعانة بالحاسوب والمعطيات التكنولوجية الحديثة ، وربما توحي دراسته إلى أن المقطع الذي غنته كارول سماحة تشكل من نصوص مختلفة منها سطر محمود درويش ” يحكون في بلادنا ، يحكون في شجن ” .

يترجم الخطيب مصطلح النص المتشعب الذي صاغه Ted Nelson في العام ١٩٦٥ على النحو الآتي :

” النص المتشعب Hypertext في علم الحاسوب هو تسمية مجازية لطريقة في تقديم المعلومات يترابط فيها النص والصور والأصوات والأفعال معا في شبكة من الترابطات مركبة وغير تعاقبية مما يسمح لمستعمل النص [ القاريء سابقا ] أن يجول browse في الموضوعات ذات العلاقة دون التقيد بالترتيب الذي بنيت عليه هذه الموضوعات ، وهذه الوصلات تكون غالبا من تأسيس مؤلف وثيقة النص المتشعب أو من تأسيس المستعمل ، حسبما يمليه مقصد الوثيقة ” ( صفحة ٦٩ ) ، ولتوضيح المصطلح يأتي الخطيب بمثال أدبي هو كلمة ” بحيرة ” التي ما إن نكتبها في غوغل ، حتى تقودنا إلى أشكال البحيرات في العالم ، ماضيا وحاضرا ، ويمكن أن تقدم لنا نموذجا لبحيرة ، وحين يكون النص معدا إعدادا أدبيا يمكن أن تقدم أسماء وربما نماذج من القصائد التي قيلت في البحيرات… إلخ .

عندما تابعت في سلسلة مقالات فكرة الانتظار والتضحية ودفع الثمن عقب الكاتب محمد مو حجيري الذي تابع قصة الأسطر وغناءها في صحيفة ” المدن ” اللبنانية ، عقب على ما كتبت بأن الجديد في الأسطر هو عبارة ” وتصافح القادة ” ، وعندما حككت ذاكرتي عن ورود هذه العبارة في الشعر العربي الحديث تذكرت قصيدة مظفر النواب ” قراءة في دفتر المطر ” ( ١٩٦٩ ) وفيها قال الشاعر :

” وأخيرا صافح قادتنا الأعداء ونحن نحارب

ورأيناهم ناموا في الجيش الآخر والجيش يحارب “

وتذكرت قصيدة أمل دنقل ” لا تصالح ” التي كتب فيها عن الشيوخ الشروخ الذين استطابوا الثريد وامتطاء العبيد .

وربما كانت رواية يوسف القعيد ” الحرب في بر مصر ” ( منشورات صلاح الدين / القدس ١٩٧٩ ) من أبرز روايات الحرب في الأدب العربي بعد ١٩٧٣ التي تجسد السطر ” لا أعلم من باع الوطن ولكني رأيت من دفع الثمن ” ، فالعمدة لا يرسل ابنه إلى الحرب ويقنع الخفير بأن يرسل ، نيابة عنه ، ابنه الوحيد الذي يستشهد ويظل أبوه ينتظره ، والطريف أن العمدة صار والد الشهيد ويأخذ مستحقاته المالية ، ثم يعطيها بدوره للخفير . لقد سرق منه حتى شرف أن يكون والد شهيد . ولا تبتعد رواية هدى بركات ” حجر الضحك ” عن الفكرة نفسها ، فالمقاتلون الشبان ينجرون إلى معارك تصب في مصلحة المنتفعين من الحرب الذين يتلقفون أنصارهم ومسلحيهم وشهداءهم من فروج أمهاتهم . ( رفيف صيداوي : النظرة الروائية إلى الحرب اللبنانية ، ص ٢٩١ ) .

هل نعثر في كتابات درويش على فكرة دفع الثمن وبيع الوطن مصوغة بكلمات أخرى ؟

اقرأوا ما كتبه في كتابه ” وداعا أيتها الحرب وداعا أيها السلام “( ١٩٧٤ ) :

” الشعب يعطي الدم ، والحاكم يأخذ الزينة . يحتاج إلى دم الشعب من أجل الطاعة .

– تريد أن تعرف : انتصرنا أم هزمنا ؟ منذ تشرين والناس تسأل هذا السؤال ولا أحد يجيب . هل كانت لعبة ؟ ” ( ١٤٣ )

هل كانت لعبة ليتصافح القادة ؟

وبعد أربع سنوات من تشرين ” صافح قادتنا الأعداء ” .

لعل هذه الكتابة ” قفلة ” للخوض في شأن الأسطر التي نسبت إلى محمود درويش وغنتها كارول سماحة .

من دفاتر أيام عادل الأسطة (5)

IX

عن د.عادل الاسطه

شاهد أيضاً

تحت شجرة بوذا

الشاعرة السورية : فرات إسبر . ( الكتاب 300 صفحة ) الناشر : دار العرب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *