الرئيسية > توثيق > من أوراق مخيّم اختصر وطناً: بعيوني وعلى لساني (6)

من أوراق مخيّم اختصر وطناً: بعيوني وعلى لساني (6)

الورقة السادسة

ناشطي مخيم اليرموك

مصير نشطاء وإعلاميي مخيّم اليرموك لم يختلف في شيء عن ذاك الذي واجهه نشطاء وإعلاميّو الثورة السورية منذ لحظة اندلاعها؛ أمثال إياد الشربجي وغياث مطر والقاشوش والساروت وغيرهم المئات من مختلف المدن والبلدات السورية. فلقد أظهر النظام هَوَساً في القمع، قلّ نظيره بحقّ الناشطين السّلميين، حيث لم يدّخر وسيلة للتخلص منهم إلاّ واتّبعها؛ بدءً من القصف والاغتيال، قنصاً، وانتهاءً بالاعتقال والتعذيب حتى الموت، مروراً بالتّنكيل بذويهم بلا وازع او رحمة. على عكس تعاطيه مع التكفيريين الذين أطلق سراحهم من سجن صيدنايا أواسط العام 2011، ليكوّنوا النواة الحقيقية في مشروع “أسلمة الثورة”‘ التضليلي الجهنمي، أمثال حسّان عبود، مؤسس أحرار الشام، وزهران علوش، مؤسس جيش الإسلامـ وأبو محمد الجولاني، أمير جبهة النصرة، وأحمد الشيخ مؤسس لواء صقور الإسلام.

في وقت لاحق، وتحت ذريعة “القضاء” على قطعان هؤلاء القتَلة سيعمد النظام إلى تدمير مخيم اليرموك، أكبر مدينة فلسطينية بالعالم، على رؤوس أصحابه. والطامّة الكبرى حين سيطلع علينا من يستبسل في تبرير هذا الفعل الإجرامي الذي فاق كلّ تصوّر، مثل سيّئة الذّكر والصيت ليلى خالد وفريقها المتخاذل!. كان للنشطاء الفلسطينيين السوريين نصيبهم الفادح من آلة قمع النظام الوحشية إذ بلغت حصيلة المعتقلين منهم نحو 2000 معتقلاً منذ بداية الثورة، في حين قضى أكثر من 620 معتقلاً تحت التعذيب، ولازالت أجهزة المخابرات تفرض طوقاً من التعتيم على مصير أكثر من 100 معتقلة فلسطينية، وفقاً لتقرير مجموعة العمل من اجل فلسطينيي سورية لعام 2019. (ومن المتوقع أن تكون أعداد المعتقلين وضحايا التعذيب أكبر مما تم الإعلان عنه ، بسبب غياب أي إحصاءات رسمية صادرة عن النظام ، بالإضافة إلى تخوّف أهالي بعض المعتقلين والضحايا من الإفصاح عن تلك الحالات خوفاً من ردّة فعل المخابرات). أما الذين استشهدوا قصفاً أو قنصاً أو تحت التعذيب فأذكر منهم: الإعلامي والمصور إياس أحمد فرحات(1)، الإعلامي والإغاثي خالد بكراوي، الإعلامي أحمد كوسا، الإعلامي والفنان حسّان حسّان، الإغاثي أحمد حسام عمايري، الإغاثي محمود ماجد جلبوط، المهندس أشرف عاطف عمر، الأخوان ناصر وحسام سخنيني، الإغاثي محمد تيسير حسن، الصحفي بلال أحمد، الإعلامي رامي حجو، الإعلامي علي مصلح (مخيم خان الشيح)، الإغاثي فادي حسين عمورة، المصوّر جهاد الشهابي (الملقب جفرا)، الإغاثي بهاء سليم الأمين الأبطح، المصوّر فادي أبو عجاج، الإعلامي ومدير مركز الشجرة لتوثيق الذاكرة الفلسطينية غسان الشهابي، المصور بسام حميدي، الإعلامي يامن ظاهر (مخيم خان الشيح)، الإعلامي بلال سعيد، الإعلامي منير الخطيب، الأخوان الإغاثيان يوسف وشاهر فضيل شحادة، الإعلامي والإغاثي أنس عمارة، الفنان الموسيقي والمغنّي محمد ذيب أبو الرز، الإعلامي والمهندس البرمجي باسل خرطبيل الصفدي، وأما الّذين اعتقلوا ولم يعرف عنهم شيئا حتى كتابة هذه السطور فأذكر منهم على سبيل المثال: الإعلامي يزن عريشة، المصور نيراز سعيد، أحمد فيصل درويش، الأخوين أحمد ومحمد محمود حميدي، علاء الدين عبد عللوه، كرم أحمد عفاني، عائشة محمود الكفري، أحمد خميس (2)، بهاء محمود الباش، محمد رضا النعيمي، بيسان عبد الغني، منتصر أحمد غنايم، وسيم محمد فالوجي، عطاف عرابي، هاني اللافي (مخيم خان الشيح)، عامر عبدالخالق الهندي، سعاد سعود سعود (مخيم خان الشيح)، علي سعيد الشهابي. وإذ أكتفي هنا بذكر أسماء بعض الناشطين الفلسطينيين السوريين الشهداء والمعتقلين، سأتوقّف عند الشهيد باسل خرطبيل الصفدي، والمعتقل علي سعيد الشهابي (أبو السعيد) الذي لم يعرف عن مصيره شيئا حتى الآن. على أمل ان أكرّس حيّزاً خاصّاً أعرض فيه جميع أسماء الناشطين الشهداء، والمعتقلين والمغيّبين، قسراً، مستعيناً في ذلك بمراكز التوثيق الحقوقية المختصة. أما عن سبب اختيار باسل خرطبيل الصفدي، وعلي سعيد الشهابي فلأنهما كثّفا، على نحو عميق وحاسم، وحدة المسار والمصير بين الفلسطينيين السوريين (اقرأ السوريين من أصل فلسطيني) والسوريين على حدٍّ سواء. أكان ذلك في خطابهما النظري والسياسي أو في ممارساتهما الحياتية والعملية.

باسل خرطبيل الصفدي

ولد الصّفدي لأبوين فلسطينيين في دمشق في العام 1981 فكان ثنائيّ الهويّة والهوى، الثنائية التي دفعته إلى تبوّء المواقع الأولى في صفوف الثورة السورية، مدافعاً عنها بأسلحته التي لا يجيد استخدام غيرها: برمجيات مفتوحة وكاميرا ثلاثية الأبعاد. وكانت أكبر شركات برمجيات الإنترنت مثل “فايرفوكس” و “ويكيبديا” و “فابريكتورز” قد أكدت على أنّ الصفدي لم يكن مجرّد مهندس معلوماتيّة عادي، بل كان “عبقريّاً” يحوّل التقنيّة إلى إبداع، ويستثمر هذا الإبداع في التنمية البشرية، وهذا بحدّ ذاته سببا كافياً للاعتقال بعرف نظام، لم يرّ في سوريا سوى مزرعة مغلقة لحسابه الخاص، حيث اعتقلته المخابرات العسكرية في الخامس عشر من آذار 2012  في الذكرى السنوية الأولى لاندلاع الثورة السورية. وكانت مجلة “فورين بوليسي Foreign policy” قد اختارته  كواحد من أفضل 100 مفكر عالمي للعام 2012. وله السبق في فتح خدمة الإنترنت في سوريا، وجعلها في متناول عموم السوريين.

ساهم باسل في تحويل الإنترنت إلى قوة ثورية سلمية رافقت الثورة السورية منذ بدء اندلاعها. تم إعدامه في تشرين الأول من العام 2015 بعد أيام قليلة على نقله من سجن عدرا إلى صيدنايا. ومن المفارقات المفجعة حقاً، في سوريا الأسد كلّ المفارقات مفجعة، أنه بعد أقل من عام على تنفيذ حكم الإعدام بحق ثروة قومية حقيقية بحجم باسل خرطبيل الصفدي، ومن ذات السّجن الذي أُعدم فيه، أُطلق سراح الإرهابي حسن صوفان الذي صار فيما بعد زعيم حركة أحرار الشام السلفية المجرمة!

حين جاءها نبأ استشهاده كتبت زوجته المحامية نورا غازي الصفدي:

” شكرا لكم فقد قتلتم حبيبي..

شكرا لكم فبفضلكم كنت عروس الثورة ، وبفضلكم أصبحت أرملة..

يا خسارة سوريا

يا خسارة فلسطين،

يا خسارتي”!

رأى باسل أن “الهاتف المزوّد بكاميرا أقوى بمئة مرّة من البندقية” ظنّاً منه أن تعميم صور القمع الوحشي الذي كان يتعرّض له المتظاهرون السلميون، سيدفع بالمجتمع الدولي إلى التدخل لوقف معاناة السوريين، بعد عقود من الفساد والقمع والظلم.. لكن باسل كان حالماً، شأن جميع السوريين المعذّبين، حين اتّضح أن رهانهم على عواصم الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان كانت كمن يقبض على الرّيح؛ “لا يمكنهم منعنا، سوريا”! ، تلك كانت تغريدة أطلقها باسل في 17 كانون الأول\ ديسمبر من العام 2011 ، وكم كانت أثيرة إلى قلب كل سوري حر وقلب كل فلسطيني حر، كانت بمثابة مهماز يحرّضهم نحو الخلاص من الاستبداد ونيل الحرية. لكنّ جعجعة المجتمع الدولي، المؤازر عمليّاً لنظام القتل والإرهاب، كانت هي الأقوى. وسوف يكتب التاريخ اسم الفلسطيني السوري باسل خرطبيل الصفدي في سجل الخالدين.

علي سعيد الشهابي (أبو السعيد)

من مواليد مدينة دمشق 1955 حائز على إجازة في الأدب الانكليزي من جامعتها. لم يحترف العمل الثوري طوال حياته، لكنّني أزعم أن ليس كمثله أحد في تفانيه وفي توظيف جلّ وقته وإمكاناته في كفاحه من أجل التغيير الديمقراطي السياسي والاجتماعي في سوريا، إنما أيضاً في دفع الفواتير الباهظة المترتبة عن كفاحه العنيد. أبو السعيد باسق القامة قوي الجسم رشيق الحركة، وسيم الروح والمحيّا، نقيّ القلب والسّريرة طيّب المعشر، مقدام دينامي التفكير والممارسة، أكثر ما تحرّضه الصعاب على الخوض فيما يراه صائباً وسديداً، دون أن يعرف الاستسلام طريقا إليه، مرّ عليه من الأهوال ما تعجز عن حملها الجبال؛ لكنّه بقي شامخاً  كالطّود صلداً لا تفتر له عزيمة، عدا عن اعتقالاته المتكررة، فَقَد أخويه الإثنين: حسين، طالب الهندسة المدنيّة المتميّز، الذي قضى في حادث سير على طريق دمّر. وأيمن، تاجر عقارات، الذي توفّي إثر حادث أليم في أحد مطاعم دمّر، خسر ابنتيه الاثنتين (من زواجه الأول): ليديا وميديا، وكانتا في عمر الورود نتيجة مرض التلاسيميا اللعين، وحرمه حادث سير، على طريق اللاذقية دمشق  من ابنه سعيد (من زواجه الثاني) وهو لم يبلغ بعد العاشرة.

أبو السعيد مقامر رهيب ( بالمعنى المجازي)  يراهن على انتصار قضيته، قضية الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، هكذا وبكل بساطة..

اعتقلته المخابرات العسكرية لأول مرة في أوائل تشرين الأول من العام 1974، وهو في التاسعة عشر من عمره، بتهمة الانتماء للمنظمة الشيوعية العربية، ثمانية أشهر قضاها في سجن المزة قبل أن يطلق سراحه في أوائل أيار من العام 1975. و اعتقل، في العام 1982، وفي الذكرى السنوية السادسة ليوم الأرض الفلسطيني، وذلك أثناء عمله، كمدرس لمادة اللغة الانكليزية في إعدادية القسطل في مخيم اليرموك، حيث أطلق عناصر الدورية عليه النار عند محاولته الهرب، لكنه لم يُصب. وأُخلي سبيله في أواسط كانون الأول من العام 1991.  تسع سنين ونصف قضى، نحو ثلاث منها في كركون الشيخ حسن، وما تبقى منها أمضاه في سجن عدرا بريف دمشق. والتهمة هي الانتماء لحزب العمل الشيوعي؛ الحزب الذي كان أبو السعيد قد انسحب منه، أصلاً، قبل تاريخ اعتقاله بأشهر عديدة.

ألم اقل أن سورية الأسد هي بلد المفارقات المفجعة؟! مفارقة قد ترقى إلى مستوى الكوميدية التراجيدية حين نعلم أن (أبو السعيد) كان قد “انطرد” من حزب العمل. وعقوبة الطّرد هنا تعني الفصل من الحزب مع التّشهير ( اقرأ التجريس)، بقرار صادر عن محكمة حزبية(3) ترأسها، آنذاك، الدكتور عبد العزيز الخير، الذي لن أكفّ عن المطالبة بإطلاق سراحه، الآن ودائماً، من سجون النظام. على الرغم من حكمه الفظيع و المروّع، الذي كان قد اتّخذه في “المحكمة الفضيحة” الخاصة بالرفيق صارم، بعد نحو ستٍّ من السّنين على تاريخ حكمه القراقوشي على الرفيق (أبو السعيد) (4)

اعتقل علي الشهابي، للمرّة الثالثة، في الأول من آب عام 2006 بتهمة تأسيس “تيار سوريا للجميع” وأطلق سراحه في التاسع من كانون الثاني 2007 . حوالي خمسة أشهر قضاهم في فرع أمن الدولة في كفر سوسة. وبتاريخ 17 – 12 – 2012، أي، بعد ضربة الميغ لمخيم اليرموك بيوم واحد، اعتقل عند حاجز شارع نسرين التابع لفرع فلسطين، بالقرب من مدخل المخيم، ولم يعرف عنه شيئا حتى الآن.

في أواسط العام 2013 وخلال أحد لقاءاتنا مع الدكتور طلال ناجي في مكتبه في حي المزرعة بوسط دمشق، باعتبارنا هيئة أهلية، وبحضور الهوّاري و أبو محمد سليم وعلي العبدو ومحمود يونس وزكريا عبدالله وأبو الجاسم قواريط وأبو خطاب. طلبتُ منه أن يعمل جدياً على إطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين ومنهم أبو السعيد، فأجاب بصوته الجهوري الأجشّ وبالحرف: “إن اسم أخونا علي سعيد الشهابي على رأس قائمة المعتقلين الذين نطالب بهم كجبهة، وإن رفيقنا أبو حازم[ ويقصد أبو حازم (عمر الشهابي) عم علي السعيد وعضو مكتب سياسي في الجبهة الشعبية-القيادة العامة التي يتزعمها أحمد جبريل] قد صرعني من كثر ما طالبني بذلك. لدرجة أني هاتفت أمامه العميد سهيل رمضان، رئيس فرع فلسطين في ذلك الوقت، فأقسم الرجل، أنه تم إطلاق سراحه من الفرع مساء يوم (..) فقلت في نفسي، والحديث كله للدكتور ناجي، ربما أطلق سراحه من فرع فلسطين، واعتقله فرع الدوريات (المجاور لفرع فلسطين جانب حي القزّاز جنوبي دمشق)، فهاتفتُ-والكلام لطلال ناجي- رئيس فرع الدوريات، فنفى نفياً قاطعاً، أن يكون قد حصل هذا الأمر”.

علي يا أبو السعيد ، لعلني لا أبالغ حين أقول إن في دمشق ومخيم اليرموك كما في الدير وحلب واللاذقية وطرطوس، كما في حوران وحمص وحماة.. ثمّة قلوب محبّة لازالت تداوم الانتظار وتحيا على أمل اللقاء بك؛ لذا أرجو منك، بالوكالة عنهم وبالأصالة عن نفسي، ألاّ تطيل الغياب.

قبل أن اختم في هذا الجانب، لا غنىً عن الإشارة إلى أن صمت السلطة الفلسطينية بجناحيها (الفتحاوي والحمساوي) على الانتهاكات الفظيعة التي يرتكبها النظام بحق الفلسطينيين السوريين، يضعها في موقع العجز عن تلبية أبسط حقوقهم واحتياجاتهم؛ كالسعي الجاد لإطلاق سراح أبنائهم من المعتقلات مثلاً، وإذا ما استمرت على هذه الحال من الكساح والعجز واللامبالاة، عندها سيدفع بهم حكم الضرورة ومنطق الأشياء إلى البحث عن بدائل جديدة قطعاً. وعليه، تحضرني حكاية طريفة تعبّر أيما تعبير عمّا خلصتُ إليه:

يُحكى أن ملكاً من ملوك العرب اعتقل رجلاً، فجاءت قبيلته، بشيوخها وأمرائها ورجالها.. إلى قصر الملك تطالب به. فقال الملك: من هذا الرّجل الذي جئتم كلّكم في طلبه؟ فأجابوه بصوت واحد: هو مليكنا !  فقال: لم يخبرنا ذلك. فقالوا : أنِف أن يذلّ نفسه فأراد أن يريك عزّته بقومه. فأطلقه الملك في الحال. وبعد بضعة أيام علِم الملك أن الرجل ما هو إلاّ راعي إبِل القبيلة. فأرسل إليهم مستفسراً؛ فكان ردّهم:  “لا أمير فينا إن ذَلَّ راعينا” .. ولا شرعيّة لسلطة، أو لمنظمة تصمت عن إذلال شعبها واعتقال خيرة مناضليه !

سوف أتوقّف، هنا، عن كتابة أوراق المخيم “الذي اختصر وطناً”، على أن أتوسّع بها في وقت لاحق. ولكن قبل أن أختم، لابد من التنويه بحادثة حصلت داخل المخيم عقب إطلاق سراح  الدكتور إياد الشهابي و نضال باكير وآخرين أواسط أيار من العام 2012، , تداعت فعاليات مختلفة من المخيم لتوجيه الشكر لحركة الجهاد الإسلامي على اعتبار أن زعيمها هو من توسط لدى فرع فلسطين لإخلاء سبيلهم، مع أن الحقيقة غير ذلك تماماً (5). بعد ذلك، وفي أول زيارة لوفد السلطة الفلسطينية إلى دمشق(6)، أواسط شباط 2013، ثمة من جاء يشكر للوفد زيارته قبل أن يعرف فيما إذا كان الوفد جاداً في معالجة محنة مخيمات سورية أم لا، لابل أمعن في المديح وقال في الوفد مالم يقله مالك بالخمر. وبعد انتهاء زيارته التي استمرت أربعة أيام عاد الوفد إلى رام الله منتشياً من حفاوة الاستقبال التي أظهرها له موظّفوه هناك (7).  وبعد ثلاثة أشهر على زيارته الأولى، كانت مخيمات الفلسطينيين في سورية، واليرموك منها بخاصة، تعيش وضعاً  كارثياً حقيقياً، حضر بعدها وفد السلطة الفلسطينية برئاسة السيد أحمد المجدلاني للبحث مع المسؤولين السوريين في موضوعيْن اثنيْن لا ثالث لهما: الأول عام، ويتعلق باستعادة مكاتب حركة فتح التي كانت قد استولت عليها جماعة أبو موسى في العام 1983، بدعم تام من المخابرات السورية. والثاني خاص، يتعلق بتسوية الوضع التجنيدي للسيد المجدلاني في شعبة تجنيد فلسطين كونه من أصول فلسطينية سورية.

طبعا رجع الوفد إلى رام الله بعد أن حاز على تهنئة وتبريك قادة الفصائل الفلسطينية على إنجازه الكبير، وخصوصا بعدما تحوّلت “ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية” في دمشق إلى “سفارة دولة فلسطين”. وعليه، إذا كان موت ما يزيد عن مائتي شخص جوعاً في مخيم اليرموك سببه حصار النظام الخانق وسوء وانحطاط القائمين على المؤسسات الإغاثية؛ فإنّ تدمير مخيم اليرموك وقتل وتهجير سكانه جاء نتيجة مقايضة بين النظام الفلسطيني والنظام السوري، مقايضة ناجحة تم بموجبها سكوت “الممثل الشرعي للفلسطينيين” عن مجازر النظام بحق المخيمات مقابل شرعنة مكاتب حركة فتح في سورية.

لكن سخرية التاريخ أبت إلا وأن تتمظهر عيانياً وبالملموس حين دفع المجدلاني، صاغراً، خمسة آلاف دولاراً أمريكياً لقاء تسوية وضعه التجنيدي.  ومثلما لازال حراميّة الإعانات يتباكون على الدم الفلسطيني السوري المهدور على صفحاتهم الفيسبوكية  كما في المنابر والمحافل المختلفة، لازال النظام الفلسطيني “متمسّكاً” بوحدانية تمثيل الكلّ الفلسطيني من غير أن يرفّ له جفن.

………..

هوامش

1- اول شهيد في مخيم اليرموك استشهد في 13- 7- 2012 أثناء تغطيته بالكاميرا لمظاهرة قامت في المخيم تنديدا بمقتل 14 مجندا من جيش التحرير الفلسطيني في الشمال السوري على يد النظام.

2- أسير محرر خلال صفقة التبادل الروسية الاسرائيلية مقابل رفاة الجندي زخريا باومل ، التي جرت في اوساط عام 2019.

3-حجة المحكمة أن (أبو السعيد) قد سرّب لأصدقائه أعمال المؤتمر التأسيسي لحزب العمل الشيوعي في سورية الذي انعقد في بيروت في آب\ أغسطس من العام 1981. والحقيقة أن كل مجريات المؤتمر كانت قد أصبحت بحوزة أجهزة المخابرات بعد اعترافات بعض الرفاق المؤتمرين، الذين اعتقلوا عند المصنع، أثناء عودتهم من بيروت إلى دمشق بعيْد انتهاء أعمال المؤتمر.

4-لتناول هذه القضية العار ،في تاريخ اليسار عموماً والجديد منه بخاصة، بحث آخر مكانه ليس هنا بكل تأكيد.

5- كان ذلك في مكتب حركة الجهاد الإسلامي الواقع غرب شارع اليرموك، مقابل استراحة الأيام, وقد حضره، آنذاك، إضافة لفاعليات المخيم: السيد زياد نخالة الأمين العام الحالي لحركة الجهاد. والملفت في الأمر أن السيد نخالة دخل القاعة المخصصة للقاء مع مرافقين اثنين جهميْن ببدلتيْن رصاصيتيْن رسميتيْن وفي أذن كل منهما سماعة. لم يذكراني غير بمرافقة معتمد ملالي طهران في الضاحية البيروتية.

6- ضم الوفد كلا من السادة زكريا الاغا عضو اللجنة المركزية في حركة فتح ورئيس دائرة اللاجئين في منظمة التحرير ، والسيد احمد مجدلاني امين عام جبهة النضال وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ، والسيد بلال قاسم امين سر المكتب السياسي لجبهة التحرير الفلسطينية ، والعميد اسماعيل فراج من المخابرات الفلسطينية.

7- جميع قادة وكوادر فصائل منظمة التحرير بمن فيهم السفير الفلسطيني بدمشق هم موظفون مأجورون لدى السلطة الفلسطينية.

عن ياسر جلبوط

شاهد أيضاً

زكريا الزبيدي في عيون صديقة

اليوم هو الثاني عشر من أيلول\ سبتمبر 2021، أي مضى ستة أيام على “الهروب الكبير” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *