من أوراق مخيم اختصر وطناً: بعيوني وعلى لساني(2)

الورقة الثانية

أبو خطاب، لجنة الانضباط

لا أبالغ إذا قلت أن لجنة الانضباط كانت من أهم لجان الهيئة الأهلية، إن لم نقل أهمها بإطلاق، نظراً لطبيعة مهامها الشاقة والمعقّدة، كذلك لأهمية الأماكن الحسّاسة الخطرة التي ينبغي التعامل معها والتواجد فيها، أي نقاط التماس لمواقع الاشتباك بين قوات النظام والفصائل المسلّحة(1). وتكوّنت اللجنة، منذ البداية، من موظفين وأصحاب مهن حرّة ممّن تقطّعت بهم السّبل في بيئةٍ باتت منذ قصف الميغ منطقة عسكرية، كما شارك فيها عدد كبير من الطلبة الجامعيين الذين بات الخروج من المخيم، لمعظمهم، محفوفاً بمخاطر جمّة عند حواجز النظام، وبالأخص حاجز جامع البشير عند الطرف الشمالي للمخيم باتجاه الفرن الآلي، حيث صار مألوفاً مشاهدة عملاء مقنّعين يقفون إلى جانب عناصر الحاجز للتعرّف على “الأشخاص المطلوبين”، وليس غريباً علامات الخوف التي ترتسم على وجوه أفراد الحاجز. خوفٌ ممتزج بحذر وترقّب، فكانوا يدقّقون في البطاقات الشخصية وفي وجوه الناس المنهكة الذين صار لزاماً عليهم الاصطفاف في طوابير طويلة(2) يتابعون بقلق شديد أية إشارة من إصبع مقنّع منطفئ الضمير، كانت كافية لتحديد مصائرهم، بل حتى مصائر أسر بأكملها(3).

تم تكليف أبو خطاب (يوسف الخطيب)، بإجماع أعضاء الهيئة، مسؤولاً عن لجنة الانضباط، ليشرف ويدير و يشارك أعمال هؤلاء المتطوّعين الفدائيين بحق. وأبو خطاب هذا، رجلٌ باسقٌ، ممتلئ القامة، خفيف الظل، يكاد ينهي العقد الرابع من عمره، وهو من قرية بلد الشيخ الفلسطينية جنوبي حيفا، وقد عُرفَ عنه عشقٌ لافتٌ للمخيم، وشغفٌ قلَّ مثيله لمساعدة المحتاجين. وكان إذا أدّى عملاً، لا يدعه إلّا بعد أن ينجزه بتفانٍ واتقان شديدان، عملاً بقول الرسول الكريم “إن الله يحبُ إذا عمٍلَ أحدُكم عمَلاً أنْ يُتقنه”، كان أبو خطاب، بشهادة من عرفه، شجاع مقدام لا يعرف الخوف إليه طريقاً، كانت علاقته بأعضاء الهيئة يسودها المحبّة والاحترام والغيرة على شبابها، صاحب مبادرة وآراء بنّاءة ومقترحات عمليّة يحرص على أن تعود بالنّفع على الجميع، مثل اقتراحه، على الهيئة، أن تكون م ت ف هي المرجعية الوحيدة لها، لما لها من رمزية تاريخية ولوقعها الإيجابي وأثرها الخاص على الفصائل المسلحة، رغم أن هذا الاقتراح كان مستفزاً إلى حدّ ما بالنسبة للجيش الحر ولحركة الجهاد الإسلامي، غير أن أبو خطاب (وهو المقاتل العنيد في قوات العاصفة، قبل أن يغادرها في مطلع التسعينيات ليلتحق بحركة الجهاد الإسلامي) لم يكن مقتنعاً يوماً-على حد علمي- بأداء فصائل الجيش الحر في المخيم، وكان  يستثار، كمن لدغته أفعى، لو حضر نقاشاً وذُكرَ فيه الجيش الحر، فيقتحم دائرة النقاش بعد أن يرسم ابتسامة عريضة وبلا مقدمات يقول “الجيش الكرّ”. وأذكر ذات مرة في أحد النقاشات الموسّعة للهيئة دار اشتباك لفظي حاد بينه وبين محمد تواتي (أبو أيهم- مسؤول حركة فتح في المخيم والعضو الحركي في قيادة إقليم سوريا) حين نهاه محذراً، بطريقة لا تخلو من الفظاظة والمزايدة، من استخدام عبارته تلك، وعلت أصواتهما حتى كان يمكن سماعها من دوار فلسطين!

أمّا عن عدائه لحركة الجهاد، وتحديداً لشخص أبو مجاهد مسؤولها في سوريا، فأعتقد أنه كان يتعلق أساساً بمحض قضايا تنظيمية كان قد عاشها قبل فصله من الحركة عند اندلاع الثورة السورية.

 كان أبو خطاب يقيم في منطقة حارة المغاربة مع زوجته وأولاده. وما إن يلوح صباح المخيم وتدبّ الحياة في شرايينه حتى تراه قادماً من بعيد بخطىً منتظمة مهيبة متقدماً فريق الانضباط ببزاتهم البرتقالية الأليفة في مسير يومي يبدأ من أمام ملبوسات الأهرام في شارع القدس مروراً بشارع اليرموك، فيلقي السلام على من يصادفه صغيراً كان أو كبيراً، وما إن يجنّ الليل ويغرز مخالبه في سماء المخيم ،حيث يعمّ السكون المخيف الذي تخترقه بين الفينة والأخرى قذيفة هاون، حتى يعود أبو خطاب إلى أسرته لينعم ببعض الهدوء و الراحة . كان “صباح أبو خطاب يبعث الأمن والسلام في نفوس سكان المخيم”. هكذا كان يصفه الحاج أبو عوض صاحب بقّاليّة الكرمل.

نظراً لمهام لجنة الانضباط وعملها المباشر مع حواجز النظام، فقد اتّخذت من محل الحوراني، في ساحة الريجة، لبيع لوازم النجارين و صنع المفاتيح مقراً لها/ فكان المحل بمثابة “مكتب” فريق اللجنة، وعلى بعد أمتار قليلة منه كان يتمركز قسم كبير من عناصر الفصائل المسلحة في العمارات الملاصقة القريبة وفي مكتب “العنبر” العقاري. وهناك بالضبط كان عمل أبو خطّاب(4)، يوزّع المهام على فريقه مرشداً ناصحاً ومنبهاً بانتظار بدء خروج ودخول الأهالي من وإلى المخيم. أما عدّة عملهم فكانت عبارة عن العربات  “المعدّلة”(5) لباعة الفول لتناسب المهام الجديدة المنوطة بها، بالإضافة إلى عربات الخضرة وبعض الألواح الخشبية وخطّافات ” شناكل” حديدية لأعمال الرفع والعتالة.. إلخ. وكان من أبرز الأعمال اليومية لفريق الانضباط:

– إخراج المرضى والجرحى من المخيم إلى دوار البطيخة حيث يتم نقلهم من هناك بسيارات الهلال الأحمر إلى المشافي الحكوميّة لاسيما مشفى المجتهد القريب أو مشفى المواساة الأبعد نسبياً(6).

– مساعدة كبار السن في الخروج إلى حي الزاهرة القريب لتأمين حاجاتهم اليومية من خبزٍ وخضارٍ ومواد تموينية أخرى.

– مساعدة العائدين للمخيم ممن أنجزوا أعمالهم وأنهوا أمورهم في العاصمة دمشق.

كانت ساحة الريجة بمثابة مملكة لأبي خطاب، فكان يرى نفسه هناك امبراطوراً بلا منافس، فلم يكن يأبه بالمسلحين مهما كانت أعدادهم وعتادهم، وفيما لو صدر عن أحدهم سلوكاً لم يرق له بحق السكان كان يصرخ بكل ما أوتي من قوة و يندفع نحو مثل نمرٍ يلاحق طريدته. وكان من النادر أن يمضي يوماً من غير مشاكل مع عناصر الجيش الحر/ يثيرها أحياناً شخصٌ نزقٌ عديم الأخلاق، موتور، مثقل بحساسية وعداء مفرطين تجاه أبو خطاب شخصياً. علماً أن أبا خطاب تعرّض لرصاصة غادرة من أحد قنّاصي النظام المتمركزين في بناء البنك العربي، فأُصيبت ركبته اليسرى، الأمر الذي منعه من مغادرة منزله لنحو عشرة أيام، وحين شعر ببعض التحسن صار يذهب إلى ساحة الريجة للإشراف على عمل لجنة الانضباط مستعملاً كرسيّاً متحرّكاً وأحياناً عكّاز. ولكن الحال لم يدم طويلاً، إذ اختطف في أواخر شباط \فبراير 2014 من قبل عناصر جبهة النصرة في شارع اليرموك ولم يُسمع عنه أي خبر من ذلك الحين، إلى أن تسرّب  خبر، بعد شهر من اختطافه، يلمح إلى تصفيته في سجن جبهة النصرة في حي الحجر الأسود المتاخم للمخيم.

وطالما بدأت الحديث في هذه الورقة عن ” الأشخاص”، فلابد لي من القول هنا أن التذكير بما قاله ليون تروتسكي ذات يوم ” ثمة اشخاص لانطلب منهم أي شيء، ولا نتوقع منهم أي شيء، وذلك لسبب بسيط هو أنه ليس لديهم ما يمكنهم أن يقدّموه، فهم يفتقرون حتى إلى ورقة تين تخفي عُريهم عن الحادة لذلك” .. انتهى الاقتباس.

ومناسبة هذا القول إني اكتشفت -ولو متأخراً- كم كنتُ ساذجاً حين اعتقدت أن أعضاء مكاتب م ت ف الذين فرّوا من المخيم هاربين، بعد غارة الميغ، سوف يعاقبون و يحاسبون من جانب قادة منظماتهم، لأفاجأ بعودتهم، بعد عدة أيّام، إلى مكاتبهم وكأن شيئاً لم يكن، لا بل صاروا يتصدّرون قاعة اجتماعات الهيئة باعتبارهم ” أم الولد” كما يقال، أو ربما لأنهم أصحاب” الطلكة الأولى”! لقد بدا واضحاً أنّ ثمة توجّهاً جدّيّاً للعمل ضمن لجان الهيئة بوصفهم “قادة” يجب أن يُعمل لهم حساب. قد لا أجد تعبراً ملائماً يصف حالهم هذه أكثر دقّة من قول المأثور الشعبي يصف من يشبههم بأنه ” شخّاخ وقاعد بالنص”!.

لقد تعلّمنا عبر تجاربنا و تجارب غيرنا أن ألف باء العمل الوطني والأهلي لطالما يؤكّد على أن القائد يستمد شرعيته من احترام و تقدير الناس و يحرص اشد الحرص على كسب ثقتهم بحضوره الفاعل و مناقبيته الفريدة، وبالأخص، ممارسته العملية التي تنتصر لحقوقهم المعيشيّة و الحياتيّة قبل كل شيء، لاسيما في أوقات الأزمات.

أجل، لقد كنت ساذجاً، ربما إلى حد العبط حين اعتقدت ذلك. ويشبه ذلك حين ساورتني أوهاماً عدّة حول إمكانية تحييد المخيم، لقد كنت أرى في المخيم ليس جغرافيا فحسب، وإنما حيّز سياسي له رمزيته ودلالته الخاصّتين. لكن للأحلام، أيضاً، عذوبتها و جاذبيتها و سحرها. فهي، فضلاً عن الأمل الذي تغذيه و تحرسه و ارعاه، تمدّنا بأسباب الطاقة التي لا غنى عنها لننهل منها لنجاح أي عمل ربما لهذا كان عمل الهيئة الأهلية مخضّلاً و باهراً وجليلاً، لاسيما قبل أن يُصادر نهائياً من الفصائل التي كانت أحد أسباب تفاقم أزمة المخيم. ولتفسير ما سبق، سوف أتوقف بدايةً عند سلوك بعضٍ من جماعة ” الطلكة الأولى” خلال الأزمة.

أبو عماد- حسني حمدان            

مسؤول إقليم سوريا في حركة فتح, رجلٌ عصاميّ قد تجاوز الستين ببضع سنين، وإذا ما فكّرت بالكشف عن أخيار الناس في المخيم، فأحسبُ أنّ مكانته ستكون في سويداء القلب منهم. يعود بأصوله إلى بلدة لوبية \ طبرية. قضى ست سنوات من عمره في سجون النظام، وهو بالمناسبة جاري في شارع سبع السباع الممتد بين شارع الجاعونة و شارع القدس، ولا يفصل منزلي عن نزله سوى بضعة أبنية. محبوب من جيرانه و على درجة عالية من الثقة والاحترام، ويمتاز بقدرة فائقة على ضبط النفس، أو ربما، لأنه هادئٌ بطبعه. يستقبل زوّاره من معارف و أصدقاء و أخوة في غرفة واسعة تطل نافذتها على شارع القدس، وقد أصبحت هذه الغرفة، فيما بعد، ابه بمكتبه الخاص، مكتب مسؤول إقليم حركة فتح في سوريا. يؤخذ على أبي عماد عدم تمتّعه بأي مستوى من مستويات الشخصية الكاريزمية، مما يدفع إلى القول، دون مجازفة، افتقاره إلى روح القيادي التي يفترض أن تكون علامة فارقة و لازمة لمطلق مسؤول تنظيمي، فما بالك إذا كان مسؤولاً في أكبر فصيل فلسطيني وأوسعه انتشاراً(7). وقد ساهمت هذه الصفة، أي افتقار الأخ حسن حمدان للكاريزما، في إرخاء ظلالها السلبية جدّاً على مجمل سلوك حركة فتح في تعاطيها بالشأن المخيّمجي أثناء الأزمة(8). من الجدير ذكره أن الأخ حسني حمدان كان من طليعة من نزح، مع أسرته، إلى لبنان إثر ضربة الميغ مباشرة

محمد تواتي، أبو أيهم

عضو قيادة إقليم سوريا في حركة فتح و مسؤولها الكشفي’ رجل ستيني من “مغاربة المخيم” ويُنظر له باعتباره من أوائل الفتحاويين في المخيم وأبرز نشطاء ” معسكر الأشبال”. أبو أيهم رجلٌ طيبٌ ، بسيط الحال حد السذاجة، غير أنه يعرف من أين تؤكل الكتف، مثله في ذلك مثل سار من احترف العمل الفصائلي، ربما لغريزة ما متأصّلة فيه، حيث ينشد درء الأخطار بأعمال لا تقلّ خطراً، و لا أعلم كيف يستقيم هذا مع رجل تدرج في المسؤوليات القيادية ويفترض أنه يمتلك باعاً طويلاً في التعامل مع الأفراد والأمزجة المختلفة(9). ولعلّ سلوكه هذا يُفسّر بانعدام أسباب التواصل اللفظي الحيوي و المنتج، بما يمكن القول أنه يفتقر لأبسط المعايير التي ينبغي أن تتوفر بكا من يتنطح لتبوء موقع قيادي، فهو شخص: كما رأيت، سريع الغضب، يهزّه النقد و يخربط كيانه إلى درجة يرثى لها حقاً، ولايتورع عن استعمال يده إن عجز لسانه-وهذه لعمري من أقبح صفات المرء-، ومن النادر أن ترى لسانه لا يعاني من العجز. وللعلم فقط، نزح الأخ محمد تواتي مع أسرته إلى مسكان أبناء الشهداء في ضاحية عدرا بعد ضربة الميغ مباشرة

والشيء بالشيء يذكر، لا يقلّ سلوك شباب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عمن سبق ذكرهم، لجهة فرارهم المخزي من مكاتبهم بعد ضربة الميغ، وهو ما سوف يظلّ عاراً يجللهم مدى حياتهم، ولابد لي هنا من تسجيل خالص التقدير للرفيقة أمل عصفور من كوادر لجبهة و كذلك للرفيق تيسير عيسى لما بذلاه ولا زالا، من جهود  نبيلة خلال عملهم في الهيئة.

ومن المناسب هنا، التمييز، ولو نظرياً، بين الفصائل المنضوية في إطار ما يعرف بـ “التحالف الوطني الفلسطيني”(10) وتلك المنضوية في إطار م ت ف(11). على الرغم من أن الفروقات فيما بينهما باتت معدومة عند الحديث عن الشأن السوري. وإذا كان من المفهوم تماماً هروب ممثلي فصائل التحالف الوطني- أسوة بما فعله موظفي البلدة و المؤسسات الحكومية- بسبب انحيازهم التام والعلني إلى جانب النظام، لاسيما بعد أن أدركت تلك القوى أن المخيم على وشك أن يصبح مسرحاً لنشاط الفصائل المعارضة المسلحة وأن هذه الأخيرة لن تقبل باقل من الاستيلاء على مكاتبها و ممتلكات كوادرها، إن لم يكن زجهم في سجونها لو استطاعت ذلك، وهذا بحد ذاته أحد النتائج المدمرة ذاتيا بسبب مواقفها المعلنة و التحاقها لقسري بنظام الأسد.

ولكن السؤال الكبير الذي يطرحه كل يرموكي وفلسطيني، لماذا كانت مواقف الشعبية و الديمقراطية و فتح لا تقل سوءً وتخاذلاً عن موقف فصائل التحالف الوطني؟ ماذا يدور في اذهانهم حين سمحوا لكوادرهم بترك مكاتبهم و الالتحاق بمكاتب حي المزرعة في قلب دمشق، يدرك كل يرموكي أن هذه الفصائل، فصائل م ت ف الرئيسية، أبدت موقفاً- مضمراً حيناً ومعلناً أحياناً أخرى، منحازاً لنظام الأسد وحلفائه في حربه ضد الشعب السوري (وعلى نحو أكثر تحديداً موقفهم من إيران العزيزة جداً على قلب الرفيق ماهر الطاهر، صبي نصر الله في المكتب السياسي للجبهة الشعبية)، ولعلّ هذا ما يفسّر عدم مفاجأتي- أنا وغيري- من حالة الغزل القائمة بين الرفيق عمر مراد مسؤول إقليم سوريا في الجبهة الشعبية و مسؤول إقليم سوريا في القيادة العامة آنذاك أبو كفاح دبّور. ولكن ما كان يضفي طابع المهزلة والسخرية، بكل مفردات الأسف، من حالة الغزل هذه أنها كانت علاقة حب من جانب واحد، من طرف الجبهة الشعبية التي أسسها حكيم الشعب جورج حبش.

وثمة سؤال يفرض نفسه بقوة، وبمعزل عن التصريحات الناريّة التي كانت تصدر من رام الله بلسان ياسر عبد ربّه، على سبيل المثال، والتي كان يهاجم فيها نظام الأسد بسبب استهدافه المتكرر للمخيمات الفلسطينية في سوريا، والتي كانت، أي التصريحات، موضع ترحيب من اليرامكة وباقي فلسطينيي مخيمات سوريا، فما الذي حققته حركة فتح- السلطة من مكاسب في وقوفها إلى جانب النظام؟ دون أن يعني ذلك، بالضرورة، أنه كان على قيادة فتح أن تقف إلى جانب المعارضة،

هل جنّب هذا الموقف التدمير التام لمخيم درعا أو التدمير الجزئي لمعظم مخيمات سوريا في مناطق النزاع؟

هل منع هذا الموقف النظام من عدم تطاوله على النشطاء الفلسطينيين وزجهم في سجونه وأقبية فروعه الأمنية؟ و كان من بينهم قياديين في الحركة اعتقلوا من أماكن عملهم واستشهدوا تحت التعذيب مثل الأخ موعد موعد والدكتور علاء الدين يوسف وعلاء الجودة، فضلاً عن نشطاء الهيئة الأهلية الذين قضوا بصمت من غير “بواكي” عليهم، علماً أن الهيئة الأهلية حين جعلت من م ت ف مرجعيتها الوحيدة كانت تعتقد، ويا لبلاهة هذا، أن المنظمة سوف تكون عوناً للمخيم ولليرامكة وللنشطاء الميدانيين الفاعلين داخل المخيم وليس للمسوخ الانتهازية التي لا تساوي شروى نقير.

…..

هوامش

1-عرّض الرفيق فؤاد العمر، أبو باسل، لرصاصة قنّاص في صدره أثناء عمله في ساحة الريجة، فنُقل على الفور إلى مشفى فلسطين. وبعد إجراء الإسعافات اللازمة، أجرى أحد الشباب حواراً قصيراً مصوراً معه قال فيه، من بين أشياء عدة،:” إن الذي استهدفني قنّاص تابع للنظام متمركز في البناء الذي يقع فيه البنك العربي عند مدخل المخيم الشمالي القريب من ساحة الريجة”، وقد بثت قناة الجزيرة القطرية هذا الحوار في مساء ذلك اليوم، ولعلّ هذا المقطع كان السبب في اعتقاله، لاحقاً، عند دوار البطيخة، ومن ثم استشهاده تحت التعذيب في أقبية فرع فلسطين.

2-كان طابور الخروج من المخيم يمتد من مدخل المخيم عند جامع البشير ليصل إلى ساحة الريجة، بينما كان طابور الدخول يمتد من الجامع ليصل إلى مدخل حي الزاهرة المجاور، وكان ينتشر على أسطح الأبنية المحيطة بجامع البشير ومدخل المخيم العديد من عناصر القنّاصة المحترفين يصعب الوصول إليهم نظراً لتخفّيهم بطريقة احترافية عالية. (ثمة إشاعات كانت تتردد بأنهم عناصر روسيّة أو إيرانية).

3-قد يخطر في بال مسؤول الحاجز أن يمنع الدخول والخروج معاً، أو يمنع الدخول فقط أو الخروج فقط، لسبب ما، ربما لخلافه مع زوجته مثلاً أو لاشتياقه لها/ نظراً لأن معظمهم أو جميعهم ليسوا من سكان المنطقة، وكثيراً ما كان يأتي الأمر منهم بصيغة فجّة و فظّة “اليوم سكّرنا أبَقا ندخّل حدا”، فضلاً عن الإبداع في اختراع واستحداث الشتائم المختلفة.

4-كان نطاق عمل اللجنة يتداخل مع نطاق عمل لجنة الخدمات العامة، لذلك كان من الشائع رؤية عناصر من لجنة الانضباط يعملون على مد خطوط الهاتف أو تركيب مصابيح الإنارة وبالعكس، كان عناصر من لجنة الخدمات ينقلون مرضى السكر أو القصور الكلوي على العربات باتجاه دوار البطيخة.

5-نظراً لعدم توفر حمّالات خاصّة بالمرضى أو كراسي متحركة للعجزة وأمام استهتار فصائل المزرعة المشين وعدم استجابتها لطلبات الهيئة المتكررة، استطاع أبو حطاب وبجهد خاص أن يؤمّن كرسيين، كما قام بإصلاح سرير متهالك لنقل المرضى جعل عليه عجلات خاصة ليصبح صالحاً للاستعمال.

6-جرى اتفاق لتبادل جثتين بين قوات النظام وأحد الفصائل المسلّحة، على أن تقوم الهيئة الأهلية-من خلال لجنة الانضباط- بتنفيذ عملية التبادل. تمّ إخراج الجثّة من المخيم بعربة الانضباط وتسليمها لقوات الانضباط ومن ثم لقوات النظام خلف مخفر شرطة اليرموك، وعند العودة بالجثة المطلوبة للفصيل المسلّح، انفجرت وأصيب عدداً من متطوّعي اللجنة وأفراداً مدنيين كانوا يمرّون بالصدفة من هناك، وتبيّن لاحقاً أن المدعو ماهر المؤذّن الذي ينتمي لقوة الدفاع الوطني وللجبهة الشعبية- القيادة العامّة الموالية للنظام، هو من وضع العبوة المتفجرة في الجثة.

7-يبدو أن مدرسة ياسر عرفات في الكاريزما الاستثنائيّة لم يتخرّج منه سوى هو نفسه، ربّما لهذا السبب وجدتَ الفتحاويين أيتاماً بعد استشهاده، وهذا لعمري أحد مثالب الختيار البليغة

8-لم تكن نادرة البتة تلك المرّات التي نكون فيها مجتمعين في “مكتب” الأخ أبو عماد حمدان، لأمرٍ ضروري وعاجل، ولم يقطع الاجتماع ليخرج إل الصلاة في جامع فلسطين القريب، مصطحباً معه المصلّين من الجمع الموجود، بعد أن يقول عبارته الشهيرة: “بدكوش تقوموا عَ الصلاة يا جماعة”؟، وكأن الصلاة هي سجود و ركوع وحسب!, مثل هذا السلوك المجاني الذي لا يقدم ولا يؤخر في قيمة ومعنى أي عمل وطني أراه-باعتقادي الشخصي- افتقاراً تاماً لجوهر الشخصيّة الكاريزميّة و لروح القيادة.

9-أثناء الزيارات المتكرّرة للوفد الرئاسي الفلسطيني إلى دمشق و المؤلف من: زكريا الأغا و أحمد مجدلاني، وبلال قاسم، وضابط برتبة لواء من الأمن الفلسطيني (نسيت اسمه) كان للهيئة نصيبها من لقاءاته كلما حضر. وكان اللقاء الأول في مبنى سفارة فلسطين والثاني في قاعة اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني في حي المزرعة بدمشق، في كلا اللقاءين كان الأخ محمد تواتي يمضي معظم وقت اللقاء خارج القاعة، بصحبة مساعدين اثنين من فرع فلسطين منتدبان حصيصاً لمتابعة لاجتماعات الفلسطينية في دمشق.

10-وتشمل: فتح الانتفاضة، الجبهة الشعبية-القيادة العامة، جبهة النضال-خالد عبد المجيد، الصاعقة، جبهة التحرير الفلسطينية-علي عزيز، الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري، حركة الجهاد الإسلامي

110وتشمل فتح-السلطة، الجبهة الديمقراطية، الجبهة الشعبية، فدا، جبهة النضال-سمير غوشة، جبهة التحرير الفلسطينية-أبو العبّاس، حزب الشعب الفلسطيني

عن ياسر جلبوط

شاهد أيضاً

قضية دير مار الياس الكرمل: الديني والسياسي (1)

القسم الأول آلاف من الحجاج المسيحيين واتباع الطوائف المسيحية العربية في الوطن يؤمّون دير مار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *