الرئيسية > توثيق > كيف صرت فدائيّاً
الحدود السوريةاللبنانية.مركز المصنع

كيف صرت فدائيّاً

كان ذلك منذ عهد مضى, زمن لم يعد سوى ذكرى، فذات صباح من ربيع العام 1978, دخل إلى قاعة صفنا في معهد فلسطين “الأليانس” في حي الأمين “حارة اليهود” بدمشق، الأستاذ فتحي رشيد. لم يبدأ الدرس على غير عادته، بل وقف في منتصف القاعة يتأملنا واحداً واحداً، بهدوء في البداية، ثم بعصبية، وقد صار وجهه يتلوّن أحمراً مثل الدم، وأخيراً انفجر يقول: “احنا قاعدين هون والفدائيين بلبنان يخوضون أشرس المعارك.” [ وكان يقصد ما بات يعرف لاحقاً بحرب الأيام الثمانية]. لقد كان لكلماته علينا وقعاً أشد من الرصاص، فنحن نحترمه، ليس لأنه معلمنا فقط، بل لأنه من المناضلين الذي خاضوا معارك حقيقية ضد العدو الصهيوني، وكان ممن شاركوا في معارك حرب تشرين 1973، وقد تعرض لإصابة على إثرها. في تلك الحصة-التي سوف تغيّر حياتي وتقلبها رأساً على عقب- علمنا أن مجموعة فدائية تتبع لحركة فتح كانت قد تسللت عبر البحر ونزلت في كيبوتز معيان مخائيل جنوب حيفا، وانطلقوا باتجاه تل أبيب واشتبكوا مع جنود الاحتلال لينتهي الأمر باستشهاد معظم عناصر المجموعة وأسر اثنين من المقاتلين, وهي الحادثة التي تعرف في ذاكرة الشعب الفلسطيني باسم عملية “دلال المغربي” وتعرف رسمياً باسم “عملية الشهيد كال عدوان” تخليداً لذكرى أحد مؤسسيي حركة فتح وعضو لجنتها المركزية، ومسؤول مكتب الإعلام في م ت ف، حينها، والذي اغتالته إسرائيل- رفقة أبو يوسف النجار وكمال ناصر- في بيروت في العام 1973.

كان لكلمات الأستاذ فتحي رشيد أثر بالغ علينا، نحن طلاب الصف الثاني الإعدادي، فلولا كلماته تلك لم يكن مقدّرا لروايتي هذا أن تعيش، ولولا، بعد ذاك، أن شاهدنا دورية الجمارك التي كانت متوقفة عند مفرق الزبداني فاعتقدنا أنها دورية تابعة للشرطة أو للأمن لما كان لحكايتي أن تبقى حيّة. كنا صغاراً فتية في طور المراهقة مازالت خبرتنا في الحياة غضّة، اتخذنا قرارنا بترك مقاعد الدراسة و توجهنا منذ الصباح الباكر-قبل بدء المدرسة- باتجاه محطة حافلات الزبداني بقصد الذهاب، من هناك وبطريقة لاشرعية، إلى لبنان والالتحاق بالفدائيين، لم نكن نفاضل فصيل على آخر أو نعيّن جهة بدلاً من غيرها، جلّ ما نعرفه أننا نريد أن نصير فدائيين، وأن الأمر يتطلب قليلاً من الصبر وبعض الجهد، أمًا كيفية الدخول إلى لبنان، فقد قيل لنا أن ثمة-عند مفرق الزبداني- “مزفتة” (براميل لغلي مادة القار المستخدم في تزفيت الطرق)، وحتى نصير في لبنان، ليس علينا سوى التوجه غرب تلك المزفتة. الأمر سهل إذن، هكذا حدثنا أنفسنا أنا ومن معي: عصام عويدات، حسين قدّورة، كايد بهلول، فاروق بهلول، والمرحوم عبد السلام عبد العال، ستة طلاب حلمهم كان قريب أن يتحقق بأن يصبحوا فدائيين.

لم نشأ أن ننزل من الحافلة، ربما بسبب خوفنا، وبقينا في مقاعدنا حتى آخر خط الزبداني.

وأول ما قمنا به بعد أن غادرنا الحافلة، أن نتّجه نحو سكّة القطار، ومن هناك سرنا بشكل متوازٍ مع خطوط السكّة الحديدية كي لا نضيع، ولاعتقادنا أن هذه أسهل طريقة تؤدي بنا إلى دربٍ يقودنا نحو لبنان، غير أننا، ويا للمصادفة، وصلنا إلى نبع نهر بردى، ومن هناك، إلى الغرب من النبع وعلى سفح جرف صخري شاهق كانت ترتاح قرية صغيرة تُعرف باسم “بطرونة” (تغيّر اسمها إلى الروضة فيما بعد) كما أعلمنا أحد الفلاحين، فذهبنا باتجاه البطرونة وتابعنا طريقنا صعوداً في الجبل الصخري، ونحن نعتقد أن لبنان لابد أن يكون خلف هذا الجرف، وأن الفدائيين لابد أن يكونوا بانتظارنا هناك أيضاً. ولابد، أيضاً، أننا أمضينا النهار بطوله نسير حتى التقينا فجأة بأحد الرعاة، لسوء حظنا كان أخرساً، لم نتمكن من التفاهم معه، لكنّه أشار بيده باتجاه بلدة كفير يابوس، فما كان منّا إلا أن نسير حيث أشار ومن هناك كان علينا متابعة السير باتجاه تلال كفير يابوس مع حلول الظلام، ومع العشاء تقريباً بدأت تظهر في الأفق أضواء السيارات التي تعبر الطريق الرئيسي ( حينها لم نكن نعرف أنه طريق لبنان، وقد عرفنا فيا بعد أنه الطريق الذي يربط بلدة جديدة يابوس بالحدود الدولية عند منطقة “المصنع اللبنانية”).

كان قد مرّ علينا نهار كامل دون أن نأكل أو نشرب، وقد زاد على ذلك خوفنا وترقبنا كلما اقتربنا مما كنا نعتقد أنه الحدود الدولية بين سوريا ولبنان، وما إن تجاوزنا مصابيح إنارة نقطة الحدود السورية حتى عدونا سريعاً على الطريق لعام فعبرناه وتابعنا مسيرنا في التلال القريبة المغطاة بأشجار البلوط والزعبوب البرّي، ومع تقدم الليل كان الجو يزداد عتمةً وبرودةً، وقد شارفت أقدامنا على تقبيل الأرض وملامسة أصابعنا لها بعد اهتراء أحذيتنا. وبينما نحن نسير، والجوع والعطش والتعب أخذوا منا مأخذهم، لاح لنا من بعيد أضواء خافتة اعتقدنا أنها لمواقع الفدائيين، مما منحنا أملاً وهمّةً جعلانا نسير ساعة أخرى، دون أن نشعر بها، نزولاً باتجاه الضوء، حتى هجمت علينا الكلاب من كل ناحية. ولكننا لم نكترث لها وتابعنا السير، فقد كان هدفنا ذلك الضوء الخافت الذي بات يعني لنا الماء والطعان والدفء. وفجأة أتانا صوت ينادي بطريقة غريبة، فاقتربنا منه ونحن نركض دون أن نلوي على شيء، وإذا بنا نقف أمام “بيت شعر” والنار مشتعلة والكلاب من حولنا تحاصرنا، ولم يتوقف عواؤها حتى صرخ بها البدوي  صاحب الخيمة، فهدأت، واقترب منا الرجل ودعانا للدخول. تحلّقنا حول النار، فقد كان البرد ينخز عظامنا، وأولم الرجل لنا قصعة من الكشك الساخن مع سمن عربية وخبز صاج، ولم يكن أي منّا قد جرب هذا الطبق من قبل، فالتهمناه بسرعة وشربنا القهوة والشاي، ومن ثم قلنا للرجل البدوي عن وجهتنا، فقال: لابأس، بعد قليل سيصل ابني محفوظ مع التراكتور قادماً من سهل مجدل عنجر من معمل السكر، وفعلاً لم يتأخر محفوظ كثيراً فقد وصل التراكتور يجر خلفه مقطورة مليئة ببقايا الشوندر السكري المعصور، فدعانا للصعود إلى المقطورة، التي كانت، لحس حظنا، دافئة، بفضل بقايا الشوندر القادم لتوه من المعمل. سار بنا محفوظ نحو نصف ساعة، ثم توقف، وساعدناه في إفراغ حمولة بقايا الشوندر بالقرب من مبيت القطيع، وتابعنا بعدها السير لأقل من عشر دقائق، لنتوقف، قسراً، بعد أن سمعنا صوت أحدهم (الحرس) يأمرنا بالتوقف شاهراً سلاحه في وجهنا ويخفي وجهه بالكوفية الفلسطينية، عرفنا فيما بعد أنه أبو خالد الحمصي، واسمه الحقيقي جمال عبد الجليل السواس الذي أخذنا إلى غرفة قائد المعسكر أبو محمد مصطفى عشّو، وهو قائد مركز تدريب قوات الكرامة التّابعة لحركة فتح، وبدأت حفلة التوبيخ منه ومن بقية المدربين الموجودين، وبدأت المحاضرات تنهال علينا: كيف تتركوا المدرسة وتغامروا بهذا المسير؟ ومن قال لكم أننا بحاجة إلى مقاتلين وأشبال صغار؟ نحن، أي الثورة، بحاجة إلى متعلمين ومتدربين يعون أمور الحياة، وهنا بدأ التثاؤب يزحف نحو وجوهنا وبدأت جفونا تلتصق ببعضها البعض، فما كان منهم إلّا أن يدعونا ننام في خيمة مع أبي خالد الحمصي.

استيقظنا مع خطوط صباح اليوم التالي، وبدأنا نستكشف المكان المحيط بنا، والذي تبين لنا من خلال أجوبة المقاتلين الموجودين قبلنا في المعسكر أننا على مقربة من الحدود السورية، ولا نبتعد سوى 2 كم عن جديدة يابوس السوريّة، ومثلهما عن عيتا الفخار اللبنانيّة، والمعسكر ،حيث نحن، يقع في مؤخرة قوات الكرامة المنتشرة على امتداد منطقة العرقوب حتى مدينة حاصبيّا داخل الأراضي اللبنانيّة.

اجتمع بنا قائد المعسكر من جديد، وهو يهدد بإعادتنا إلى دمشق، ونحن نصرّ، بعناد، على البقاء في المعسكر، مما تسبب في تبرم القائد ومجموعة المدربين “أذكر منهم إبراهيم أبو الحصين (استشهد فيما بعد)، والأخ تيسير، والأخ أبو فراس (صف ضابط انشق عن تنظيم الصاعقة عقب أحداث مخيم تل الزعتر ليلتحق بحركة فتح) والأخ عبد الله أبو صوصين (من مرتبات قوات عين جالوت) وأبو عرقوب (وهو ضابط خريج الاتحاد السوفييتي، استشهد فيما بعد) والأخ عبد الفتّاح المفوض السيّاسي الذي رافقنا نحو ثلاثة أسابيع وهو يشرح لنا مبادئ وتعاليم وتاريخ حركة فتح والحرب الأهلية اللبنانيّة وأحداث أيلول.. وغيرها من الأحداث الهامة في تاريخ الثورة والقضية الفلسطينية. لقد كان معظم كوادر ومقاتلي المعسكر من السوريين والفلسطينيين السوريين من اليرموك وجرمانا، وكان ممرض المعسكر الأخ أبو ناهض من قطاع غزة وهو أشبه بطبيب متمرس، أما خيمة المطبخ فكان المسؤول عنها الأخ أبو عادل*، فلسطيني لبناني من تعلبايا يساعده أبو يحيى فلسطيني لبناني من بيروت.

كان يقع بالقرب من معسكر تدريب قوات الكرامة، حيث وصلنا، خراسانات ضخمة (مستودعات أسلحة) تابعة لتسليح حركة فتح، ويقع خلف تلك المستودعات، على سفح تلة متوسطة، عدة حفر تقبع فيها سيارات شحن عسكرية، بالإضافة إلى مبنى إسمنتي يهجع بداخله بعض الحافلات  السيارات الصغيرة. كانت هذه المجموعة من الأبنية تسمى “النقليات” أو وحدة النقل، وكان موقعها يطلّ على الطريق الواصل بين عيتا الفخار وينطا. وكانت بمثابة نقطة انطلاق لي كي أكتشف حجم حركة فتح وتعدد المهام فيها في سياق العمل الفدائي الفلسطيني، بعد أن كنت قد حفظت أسماء الفصائل الفلسطينية وأسماء أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية، حتى إني حفظت أسماء جميع الأمناء العامّين لتلك الفصائل والأحزاب، باعتباري أتبع لقوات الكرامة، التي هي بمثابة تشكيل عسكري “لواء عسكري بتسميات الجيوش النظامية” بقيادة سيء  الذكر أبو هاجم (وهو عقيد ركن منشق عن الجيش الأردني وشقيق سيء السيط والسمعة أيضاً أبو الزعيم).

كانت تتألف قوات الكرامة من كتيبة الجليل وكتيبة نسور العرقوب وقطاع الجولان** بقيادة أبو إبراهيم عبّود وكتيبة المحمولة بقيادة أبو دلال، وكانت تلك القوات تنتشر أساساً في منطقة العرقوب، وكانت تحتفظ القوات بوجود دائم لها في الجبل تتمثل بإحدى كتائبها، وغالباً ما يحصل أن تكون كتيبة في دورة تدريبية في معسكرنا (إعادة تدريب ولياقة وصيانة)، وقبل أن نلتقي بأي من تلك الوحدات في هذا المعسكر، كان لقاءنا الأول مع المتدربين الإيرانيين (حزب توده ومجاهدي خلق) اللذان سوف يشكلان لاحقاً جسم الثورة الإيرانية ضد نظام الشاه. بعد مغادرة العناصر الإيرانية لفترة وجيزة، تم عقد دورة تدريبية للمئات من شباب مدينة بعبلك البقاعيّة ممن ينتمون لحركة فتح ولحركة أفواج المحرومين اللبنانيين والتي عرفت فينا بعد باسم حركة أمل، وفي هذه الظروف، وفي ظلّ هذا التعدد الذي شهدناه ونحن مراهقين لا تتجاوز أعمارنا الخمسة عشر عاماً، بدأ يتشكل في جزء من وعينا نوع من الاعتزاز بحركة فتح وقدرتها وإمكانيتها، وكنّا، بلا استثناء، قد بدأنا بالتعصب للحركة ولقائدها أبو عمّار.

بعد مرور أشهر قليلة على وجودنا في معسكر قوات الكرامة، أصبحنا على دراية بسيطة (لكنها كانت عظيمة بالنسبة لنا في حينه) بوضع حركة فتح والفصائل والقيادات وبعض المعارك في لبنان والأردن، وفقاً للمعلومات التي كنا نستقيها من الكوادر الأكبر عمراً وتجربة منا.

وبعد فترة من الاستقرار والهدوء، قرّر قائد المعسكر إيفادي إلى دورة تدريبية على “سلاح الإشارة” (اللاسلكي) في مقر المحطة المركزية لفتح على قمة جبل ومقام الخضر في بلدة عيتا الفخار، وكانت المحطة في مبنى يتبع للمقام، وكان مسؤول المحطة الأخ أبو أيمن (من سكان دمشق، دمّر) ونائبه الأخ هاني (من سكان دير مقرن، وادي بردى)، شعرت حينها أنني انتزعت ثقة الكوادر الذين رشحوني للدورة، وبعدها شعرت بعنفوان كبير ومعنويات عالية عندما أثنى عليّ الأخ أبو أيمن قائلاً: هذا الشبل ذكي وملتزم وواعٍ لدرجة أنه استطاع فك الشيفرة وإرسال برقيات بصوته لجميع المحطات من الأسبوع الأول للدورة. كان هذا أمام بعض قيادات حركة فتح، وقد عرفت منهم الشهيدين سعد صايل، أبو الوليد وخليل الوزير، أبو جهاد. وبحكم تدريبي على اللاسلكي والعمل في المحطة، اطّلعت على أسماء جميع الوحدات والتشكيلات العسكريّة والأمنية واللوجستية الخدماتية التابعة للحركة، مع رموزها وأرقامها التي قدد تتغير كل شهر وأحياناً تتغير بشكل مباغت.  وكنت من موقع المحطة أستطيع رصد ومشاهدة بلدة لسلطان يعقوب، والتي كانت تبدو مثل برج مرتفع لجبل الخضر الذي يقع موقعنا على قمته، حيث تقع أسفله بلدة عيتا الفخار الجميلة التي تتواجد فيها قيادة قوات اليرموك (أبو خالد، ياسين سعادة قائد القوات) وفيها مركز للأمن تابع للقوات ومركز أمني آخر تابع لقوات الكرامة، وموقع الإمداد والتموين وعيادة صحيّة مجهّزة بشكل جد وبسيارتين GMC وتتبع العيادة للخدمات الطبية العسكرية، وأما المشفى الرئيسي للخدمات لطبية فكان موجوداً في بلدة “خربة روحا” جنوباً باتجاه العرقوب، وكان فيه الطبيب الأكثر شهرةً بين المقاتلين، الدكتور محمد قويدر. وبالقرب من عيتا الفخار والسلطان يعقوب وباتجاه كامد اللوز، ثمة بلدة صغيرة تدعى “عزّة” وفيها موقع كبير لسلاح الهندسة وجرافات ومعدات أخرى، وبعدها باتجاه راشيّا، وعلى مفرق خربة روحا، كان يقع كراج صيانة السيارات العسكرية وكان مسؤول الكراج الأخ أبو كاظم.

كانت عيتا الفخار من المواقع الكبرة لحركة فتح، التي تقع على مقربة من الحدود الورية اللبنانية، حتى أن العديد من المقاتلين كانوا يقطنون فيها. كان في ساحة البلدة دكان فيروز المعلوف الصغيرة، التي كانت تتوقف عندها حافلة الإجازات القادمة من بيروت باتجاه دمشق- مروراً بعيتا الفخار وطريق حلوة، ينطا وصولاً إلى دير العشائر عبر وادي الصاعقة حيث نقطة الضابطة الفدائية (من الفروع الأمنية السورية) لتسجيل المغادرين والقادمين. أما نحن، المقاتلون المتواجدون، كنا نحبذ المشي إلى بيادر العدس حيث تقع دكان الجميلة سهيلة-أعتقد أن اسمها كان سهيلة- بين مخفر الدرك وحاجز قوات الردع العرببة (وحدات من جيش دولة الإمارات العربية المتحدة )، كانت سهيلة فتاة جميلة أتت من البرازيل لتسكن في لبنان، كنا نفرّغ ما في جيوبنا على مشروبات البيبسي وشوكولاة “شوكوبرينس” وطوال الوقت نحدّق في سهيلة وعيون سهيلة المتحررة وتسافر عيوننا بين طيات جينزها الأزرق الذي يظهر قوامها المشدود والبلوزة القطنية التي تخفي صدرها العارم وزنودها الغضة. كانت سهيلة، وهي الفتاة المرحة ذات الروح الشفافة، لا تتحرّج من الحديث والمزاح معنا أو مع الجنود الإماراتيين. يا لسهيلة وأيام سهيلة وعيون سهيلة, لست أدري ماذا حلّ بها، أهي حيّة أم ميتة, وسواء كان هذا أو ذاك، فلن أنساها, وكيف أنس من كانت سبباً في بلوغي مبلغ الرجال وفي إيقاظ هرموناتي النائمة وانبثاقها؟

في التلال المحيط بمعسكر التدريب كانت تتجمع كتيبة قطاع الجولان بقيادة أبو إبراهيم عبود، وهو من الرعيل الفتحاوي الأول في منطقة العرقوب، مع الشهيدين نعيم ومصباح عبد الحق (الأخير استشهد في سجون الأسد الأب). وقد كان سبب تواجد كتيبة قطاع الجولان هو إجراء دورة تدريبية، وكانت فرصة لأن يلتقي أبناء مخيم اليرموك الموجودين في القطاع: سعيد حردان وخالد الشبل وسعيد الطلهينة وشباب درعا ودمشق والجولان مع معارفهم الموجودين في المعسكر، أي نحن، ومعظمهم كانوا يعرفون بعضهم البعض قبل التحاقهم بالعمل المسلح الفلسطيني، وبعد هذه الدورة، جاءت إلى المعسكر مجموعات كبيرة من بيروت بقيادة الأخ عارف خطّاب ( أبو العبد) أيضاً لإتمام دورة قتالية، ولكن هذه الدورة لم تكن لقوات الكرامة، كان توجدهم ضمن حرم المعسكر فقط.. وهنا بدأت تفسد أخلاقنا، عندما تعرفنا على طبقة بيروت “المقاتلة” الذي يحملون المسدسات ويلبسون أفضل الثياب وأغلاها وأجملها، وبدؤوا يحدثونا عن بطولاتهم في ملاهي بيروت وفي منطقتي الروشة والزيتونة..

لم يرق الأمر للأخ مصطفى عشّو، ولم يستسغ هذا الاحتكاك مع هذه النوعية من المقاتلين، فأمر بأن تتوجه مجموعات من المقاتلين إلى قواعدنا في تعلبايا ومرج الزهور ومدوخا إلى حين انتهاء الدورة. أمّا المجموعة المتبقيّة في المعسكر فكان نصيبها من قساوة التدريب الذي كانت تعتمده مدرسة القتال بقيادة عارف خطاب لا يقلّ عن نصيب مقاتلي بيروت الذين بدا عليهم التغيير الجسدي والمعنوي (يعني تبهدلوا بصراحة). من تلك اللحظة بدأ طموحنا يتطور باتجاه الانتقال إلى الجنوب أو بيروت. وقد أتت الأوامر من أبي عمار وأبي جهاد بفرز مجموعة من مقاتلي الحركة للانضمام إلى قوات عين جالوت (جيش التحرير الفلسطيني) وكنت ومجموعة كبيرة من زملائي من المفرزين إلى وحدة العمليات المركزية (كتيبة الشهيد فاخر النحال) لاحقاً، وكان الإشراف على نقلنا وتدريبنا على يد العقيد عبد الله صيام والعقيد أبو مرزوق والعقيد جمعة مصباح الجمل, فاتجهنا إلى النبطية (عربصاليم-حبوش -حومين -الجرمق -صربا) وبدأنا تدريباتنا هناك كأننا عناصر أغرار لانعرف شيئاً، كانت المجموعة المشرفة على التدريب في قوات عين جالوت عبارة عن عناصر صاعقة محترفة في الجيش المصري ومعظمهم كان لديه تجارب ميدانية على الجبهة المصرية، وفي الصومال وأوغندة ونيكاراغوا، وأذكر منهم: الشهيد إبراهيم يوسف أبو الحصين والشهيد سعدي حسن حميدة والشهيد الرائد حامد الكحلوت والأخ الشيخ سالم أبو عمره (مدرب الإشارة) والأخ إبراهيم الزهار والأخ إبراهيم جاد الله.

وبدأنا في مواقعنا الجديدة في جنوب لبنان في التعرف على جغرافية المنطقة أكثر وكذلك على أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية والفصائل الفلسطينية. الملفت للنظر، في حينه، أن معظم قرى الجنوب كانت موالية في الانتماء إلى الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي وحزب البعث -جناح العراق. وكانت قد بدأت تظهر في الأفق بوادر بعض الاشتباكات مع حركة أمل التي بدأت تظهر بشكل طائفي بغيض بعد استلام الخميني للسلطة في طهران، ففي بادئ الأمر كانوا يفتعلون الاشتباكات مع الجبهة الشعبية-القيادة العامة، بحكم علاقتها المتميزة مع القذافي، ولاحقاً ومع بدء الحرب العراقية الإيرانية بدؤوا التحرش وبشكل مستفز بعناصر جبهة التحرير العربية وحزب البعث تنظيم العراق. وكنا، نحن في حركة فتح، نلعب دور الشرطي الذي يحسم المعركة ويفرض الصلح بالقوة وبالنفوذ، معظم الاشتباكات كانت تقع في كفر رمان وحبوش وزفتة وعربصاليم، وكنا على احتكاك خاطئ وغير سليم مع قوات الطوارئ الدوية العاملة في جنوب لبنان، فكنا نبدي تعاطفنا مع الفيجيين والسنغاليين لشعورنا بأنهم يقفون في صفنا، في حين كنا ننظر بعين الريبة للهولنديين والفنلنديين لإحساسنا أنهم يقفون في صف إسرائيل.

تميزت تلك الفترة بالاشتباكات والقصف المتبادل مع قوات جيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد، وأما جيش التحرير الذي صرنا ننتمي إليه، فقد كان الجميع يتعامل معه على أنه “فتح” وكانت قواته تألف من الفوج الأول مدرع، وهو أكبر تشكيل عسكري فلسطيني آنذاك، وكان ينتشر على مواقع تمتد من شمال صيدا حتى مدينة صور أقصى الجنوب، ويليه في الحجم كتيبة مصعب بن عمير وكانت تنتشر في الشبريجا وجوار النخل والمطرية والرشيدية، وكتيبة مدفعية وكتيبة صواريخ والوحدة الخاصة بقيادة النقيب عليان أبو عاذرة والتي كانت وحدة عسكرية مميزة. أما قوات أجنادين التي تتبع جيش التحرير أيضاً فقد كانت تتمركز في شمال لبنان وفي بيروت. أما لواء الشقيف، والذي كانت كتيبتنا أحد تشكيلاته فكان تحت أمرة العقيد جمعة الجمل أبو هاني، الغريب في الأمر أن قيادة هذا الجيش ورئاسة أركانه كانت في العاصمة المصرية القاهرة بقادة العميد منصور، وكان العميد فخري شقّورة يعرف بمنصب مسير أمور الجيش في لبنان، وبين ضباط هذا الجيش كان ثمة مجموعة من قوات القادسية وقوات حطين الذين انشقوا إبّان معارك مخيم تل الزعتر, واذكر منهم المقدم سالم عمرو والنقيب أحمد لبد

كانت مهمتنا في منطقة الجرمق والدمشقية والمحمودية وحرش النبي طاهر، شمال جسر الخردلي الذي يصل قضاء النبطية بقضاء مرجعيون، هو التسلل خلف خطوط قوات الطوارئ الدولية وزرع الكمائن وتسهيل عمل الدوريات باتجاه الشريط الحدودي. وكنا، وللمرة الأولى نتعرف على ما يدعى القوات المشتركة (قوات الفصائل الفلسطينية والأحزاب الوطنية اللبنانية وجيش لبنان العربي) وكانت فتح هي التشكيل الأكبر والأقوى ضمن جسم هذه القوات، وشهدت تلك الفترة عمليّات تسلل وإنزالات جويّة وبحرية على الجنوب اللبناني: إنزال العيشيّة، إنزال الصرفند، إنزال المطريّة، إنزال الزهراني، إنزال الدامور، التسلل إلى قلعة الشقيف وحرش النبي طاهر.. ومعركة الجرمق التي استمرت ليلة كاملة وحتى صباح اليوم التالي والتي كانت من أشد وأقوى المعارك التي خاضتها المقاومة الفلسطينية، وتحديداً قوات حركة فتح، في التصدي للإنزالات الإسرائيلية، وكان قد استشهد في معركة الجرمق وما تلاها كلّ من :

الشهيد إبراهيم يوسف أبو الحصين

 الشهيد سعدي حسن حميدة

الشهيد فياض غدادة

الشهيد سعيد صنديد عودة

 الشهيد الرائد حامد العبد الكحلوت

الشهيد الملازم أول أحمد محمد أبو عمره

الشهيد العقيد عوني عبيد قائد سلاح الهندسة في جيش التحرير الفلسطيني

ومن مخيم اليرموك ودمشق كنا: ماجد عبد الغني خالد (الكسوة، من سكان المخيم، وقد أصيب في المعركة) ومحمود أبو خميس وسمير حسين ووسام العائدي وعدنان عبد الحق  وياسر الصعبي وعبد الحكيم الشقيري وأحمد شحرور وخليل عطايا (دمشق، حي الميدان\ القاعة) وعبد الله الكردي (دمشق، حي الميدان\ القاعة) ومحمود سعيد( دمشق، حي الميدان\ القاعة)

سهيل الحلبي (حلب)

سمير الكردي (عفرين)

وغيرهم كثير ممن لم أعد أذكر أسماءهم***

وبذلك تحوّل وجودنا في الجنوب إلى موقع الدفاع والحذر من الإنزالات وتسلل الوحدات الإسرائيلية، في حين كان الهدف من وجودنا عكس ذلك، أي المبادرة في التسلل والعمل خلف خطوط العدو، ويعود السبب في ذلك إلى بدء امتلاك القوات الفلسطينية لسلاح المدفعية بعيدة المدى ولصواريخ “غراد”، أما السبب الثاني فيعود لوجود جيش لبنان الجنوبي- بقيادة العقيد سعد حداد. وإذا كان مفهوماً أنّ تواجد مجموعات سعد حداد سوف تشكل عائقاً بشرياً ولوجستياً وعسكرياً أمام تسلل قوت الثورة الفلسطينية، فإن الذي غيّر، في واقع الأمر، آليات العمل العسكري، سواء بالنسبة لقوات الثورة الفلسطينية أو للجانب الإسرائيلي، يعود لامتلاك الثورة سلاح المدفعية والصواريخ. ذلك أنه قبل امتلاك قوات الثورة الفلسطينية للأسلحة الثقيلة، كانت التشكيلات المقاتلة تعتمد على الكمائن والإغارة وزرع الألغام والتسلل باتجاه المواقع الإسرائيلية في العمق، أمّا وقد أصبح الاعتماد على الصواريخ وبطاريات المدفعية وحرب التشكيلات العسكرية النظامية، فقد دفع هذا الأمر بالجيش الإسرائيلي إلى تبديل عقيدته القتالية وتعديل قواعد الاشتباك من خلال التحول إلى استراتيجيات عمل مجموعات الكوماندوس وحرب العصابات، فانقلبت الآية، واستمر الوضع على ما هو عليه حتى حرب تموز 1981 والتي سمّيت بحرب الجسور، نظراً لاستهداف الطيران الإسرائيلي الجسور التي تصل بين مدن وقرى وبلدات الجنوب اللبناني وتدمير معظمها.

بعد أن قضينا عاماً كاملاً في قضاء النبطيّة، صدرت الأوامر بإعادة انتشار الكتيبة، تمهيداً لنقلها بالكامل إلى منطقة السعديّات، كان فصيلنا يتمركز في بلدة صربا على الطريق المؤدي إلى عنقون مروراً ببلدة صغيرة اسمها عرب الجل، وكانت هذا القرية هي التجمع السنّي الوحيد في كامل محيط بلدة صربا وكان سكانها جميعهم لا يحملون الجنسية اللبنانية (يطلق عليهم “قيد الدرس) شأنهم شأن عرب الفاعور وعرب اللويس وعرب وادي خالد -جميعهم ينتمون للطائفة السنية وجميعهم “قيد الدرس”

في هذه المرحلة من العام 1980، ازدادت حدّة الاشتباكات مع حركة أمل، سيما وأن الحرب العراقيّة الإيرانية بدأت تشتد وتستعر، وأذكر اشتباك بلدة “زفتة” الذي اضطررنا، فيه، لاستخدام مدافع الهاون والرشاشات الثقيلة لردع عناصر حركة أمل ومنعهم من مهاجمة تشكيلات الشيوعيين والحزب القومي السوري والجبهة العربية. وكان في بلدة زفتة تلك مقر تنظيم مصر العروبة الذي كانت تموّله حركة فتح وكان بقيادة طالب مصري اذكر أن اسمه كان تيمور، وهو الذي وقف بوجه السادات على الملأ واتهمه بالخيانة (التقينا عدة مرات بتيمور في بلدة صربا عندما كان يأتي لزيارتنا. وبالإضافة إلى تيمور، لابد أن أذكر الصحفي اللبناني الشيوعي أحمد منتش والذي كان يعمل في جريدة النداء، فقد كان المسلم الوحيد الذي يقطن في بلدة صربا المارونيّة والتي تدين بالولاء في معظمها لكميل شمعون، وكان الرفيق أحمد صديقاً مقرباً من الشهيد الرائد حامد الكحلوت الذي كان، بدوره، ينتمي للحزب الشيوعي الفلسطيني-قطاع غزة).

قبل انتقالنا إلى السعديات، تم تكليفنا بعملية تجنيد الشباب الفلسطيني واللبناني من خريجي الجامعات ومعهد سبلين، لتأدية خدمة إلزامية مدتها 6 أشهر في صفوف جيش التحرير، بغض النظر عن انتماءاتهم الفصائليّة، وترافقت هذا المرحلة أيضاً بوصول دفعات من الطلاب الفلسطينيين خريجي الجامعات الأوربية والاتحاد السوفييتي وكوبا وباكستان وليبيا والجزائر والعراق، لتأدية خدمة إلزامية لمدة ستة أشهر أيضاً. كنا نطلق على هذه العملية اسم “التعبة” وقد شاركت بنفسي أكثر من مرّة في مهام إحضار مجندين من مخيمي الميّة وميّة وعين الحلوة من مواقع تنظيمات التي ينتمون لها.

 خلال عملية انتقال الكتيبة إلى مواقعها الجديدة في السعديّات، بدأنا بنقل المستودعات أولاً، وكان ذلك ليلاً وبصورة سريّة تامّة وعلى فترات وأيام متباعدة، وعندما بدأنا بإخلاء المقاتلين، فقد قمنا بذلك بواسطة سيارات مدنيّة بالتعاون مع شباب الحزب الشيوعي اللبناني من بلدتي جباع وجرجوع. استلمنا مهامنا الجديدة في الدبيّة وضهر المغارة والدلههميّة والطريق الساحلي من الدامور (جمرك فلسطين) إلى منطقة الجيّة، مروراً بقصر شمعون وقصر غندور على شاطئ السّعديّات.

وكانت مواقع مدفعية الهاون تقع في قصر الدلهميّة (منتجع يملكه الرئيس اللبناني الأسبق وزعيم حزب الأحرار اليميني الانعزالي كميل شمعون) ومؤخرة الكتيبة ومستودعات العتاد والتّموين في بلدة البرجين والتلال المطلّة على ملتقى النهرين. وفي تلك الفترة تم تعيين المقدم سالم عمرو قائداً للكتيبة والمقدّم، الشهيد لاحقاً، أحمد أبو طبيخ رئيساً للأركان، والرائد خميس كلّاب قائداً للسريّة الأولى، أما على رأس السريّة الثانية فقد كان النقيب حسن أبو الجديان، في منطقة ضهر المغارة لمشرفة على الساحل مباشرةً، أما قيادة الكتيبة فقد كانت في بلدة الدّبيّة، وانتقلت أنا إلى غرفة الإشارة برفقة الأخ عيسى والأخت ناديا والأخت نضال، بقيادة الشيخ سالم أبو عمرو، الذي كان بمثابة أبٍ للمقاتلين ومستشاراً لقائد الكتيبة، فهو بالإضافة إلى إلمامه في الشأن العسكري، كان له حضوره الاجتماعي المميز والجميل. أمّا الإدارة والذّاتية فكانت بعهدة محمود فوزي النجار (استشهد لاحقاً) والأمباشي إبراهيم والشاويش سعد أبو غيده (من ملاك الجيش المصري).

كانت مهمة الكتيبة حماية لطريق الساحلي من عمليات الإنزال والتسلل، وكان يشاركنا في هذا القاطع العملياتي، سريّة من كتيبة المحمولة التابعة لقوّات الكرامة، وسريّة تابعة للفوج الأول المدرّع وبطّارية مدفعيّة تربض في جبال بلدة بعاصير القريبة، وكانت هذه التشكيلات تتبع لغرفة عمليات واحدة مقرّها بلدة الدّامور بقيادة العقيد الركن محمد أبو سلطان. من الجدير ذكره، هنا، وجود سريّة مقاتلة بحدود مئة عنصر، جميعهم من الفارّين من نظام حافظ الأسد في سوريا (من مدن حماة وحلب) وكان ثمة تعليمات تحظر علينا الاحتكاك بهم، بهدف الحفاظ عليهم وعلى سريّتهم باعتبارهم مطلوبين للنظام السّوري. وجميعهم كانوا من أبناء أو اشقاء أو أقارب بعض أعضاء حركة الإخوان المسلمين المطاردين من قبل النظام السوري، علماً أن عناصر هذه المجموعة ليسوا أعضاء أو منتسبين لجماعة الإخوان أو أي تنظيم سياسي سوري أو غيره.

بدأت كتيبتنا منذ اليوم الأول بتنفيذ المهام المنوطة بها، فكان يتمّ توزيع الكمائن كل مساء، على طول الساحل، وقرب مفترقات الطرق، وأخطر تلك الكمائن، وأشدّها أهميةً ما كان يرابط عند جسر الدامور وقصر غندور (مفرق السّعديّات)، وقد شهدت تلك الفترة محاولات إنزال عديدة من قبل الجيش الإسرائيلي، وكان يترافق ذلك مع قصف بحري مركّز من البوارج الحربية، وفي إحدى محاولات الإنزال تلك، والتي اكتشفتها بعض كمائننا، كان المقدّم سالم عمرو، في موقع قريب للغاية وبرفقته اثنين من المقاتلين، فتسلّل إلى أحد لمباني التي مازالت قيد الإنشاء، بعد أن تبيّن أن وحدة “الكوماندوس” الإسرائيلي تتقدم باتجاه هذا المبنى. استطاع المقدم سالم الوصول إلى الطابق الثالث بخفة، وعند حاولته الاختباء خلف أحد الأعمدة الإسمنتيّة، سقط-للأسف- في فتحة المصعد، مما أدّى إلى تعرّضه إلى كسور في مناطق عدّة من جسمه ( ذهب، فيما بعد، للعلاج في روسيا)، وفي ذات توقيت سقوطه، كانت قد بدأت في الاشتباك مع العدو إحدى مجموعاتنا ومجموعة أخرى من كتيبة المحمولة بقيادة الأخ أبو عرقوب الذي توقف قلبه فجأةً عندما خذله رشّاش الـ 500 فاستعصى ولم يطلق النار.

بدأ القصف المتبادل من البحر وعلى البحر، حيث تمركزت الزوارق الإسرائيلية والبارجة، وحلّق الطيران فوقنا بكثافة وبدأ بإلقاء قذائف الإنارة لإعاقة حركتنا وتسهيل انسحاب المجموعة المهاجمة. وما إن بزغ فجر يومٍ جديد حتى توقف الاشتباك، وغادر العدو أرض المعركة، تاركاً خلفه الكثير من الذخيرة والعبوات، وبعض معدّات الغوص، وهذه الأخيرة عثرنا عليها قرب الشاطئ مع معدات الإسعاف السريع.

دفعت تلك العملية اللجنة العلمية التابعة لحركة فتح للقيام بإجراء تجارب على الصواريخ المعدّلة قبالة شاطئ السعديّات بالتعاون مع كتيبتنا، وقد زوّدونا، لأجل ذلك، بالمناظير الليلية الليزرية وأجهزة لاسلكي من نوع “راكال 97” صغير الحجم مزوّد بهوائي عمودي وآخر أفقي لتسهيل تنقلنا واتصالاتنا ومراقبتنا للمنطقة الساحليّة، كما تمَّ تكليف المقدّم خليل حسين عبدو( أبو ثائر) بقيادة الكتيبة، بسبب غياب المقدّم سالم عمرو للعلاج، كما تم تعيين المقدّم محمد النبريصي لقيادة أركان الكتيبة، وزارنا الرئيس الراحل أبو عمّار مرتين متتاليتين في موقعنا في السعديّات، وكان معه في المرتين الشهيد العقيد عبد الله صيام، الذي كان يولي اهتماماً كبيراً بمقاتلي الكتيبة وتجربتهم المميزة في جنوب لبنان، وكان ذلك له هدف وخطة (تشكيل مجموعات تتلقى تدريبات خاصّة، وتعلّم اللغة العربية، والتدريب على المراقبة والتنصت.. إلخ).

في هذا المنطقة خضنا حربين متتاليتين في زمن قصير, حرب تموز 1981 وحرب حزيران 1982 والتي تعرف باسم الغزوة أو الاجتياح, عاد بعضنا إلى أهله، وبعضنا لم يعد، ارتحل في المنافي، أو احتضن الثرى جسده, وبقيت الفكرة والذكرى حيّة لا تموت.

…..

* أبو عادل شحادة هو أبٌ لشهيدين: أحدهما فُقد اثناء اجتياح العام 1982، والثاني، وهو عادل والذي أعرفه جيداً، استشهد في مواجهة قوات المارينز في معارك سوق الغرب. وقد علمت، من أحد الأصدقاء الذي يقطن في تعلبايا، أن أبا عادل مازال حياً يرزق وقد بات عجوزاً أكلته السنون والأيام بظهر محنيّ رغم طوله الفارع كما أعهده، وأبو عادل يعمل الآن في تنظيف مجارير الصرف الصحي، ومازال يضع صور أبنائه أمامه متأملاً عودة ابنه الذي قُيّدَ مفقوداً، لا يسعني -من هذا المنبر، ومن حيث أنا، إلّا أن أوجّه تحية حارّة صادقة للعم أبو عادل، الجندي الفلسطيني المجهول، الذي ضحّى بأبنائه، وأمضى سنوات عمره وزهوتها في صفوف الثورة، وها هو اليوم من المنسيين، مثله مثل كثيرين غيره، لا يمكنهم أن يكونوا إلّا شرفاء نظيفي الأيدي. حق أبو عادل وغيره في رقبة القيادة الفلسطينية المتخاذلة الفاسدة بتلاوينها كافة.

** أذكر إني لم أستطع أن أخفي سعادتي حين علمت بوجود وحدة قتالية في الحركة باسم الجولان، وبالفعل فيها كوادر ومقاتلين من الجولان المحتل، وأذكر منهم الأخ حسين العفنان

*** للمزيد عن معركة الجرمق، انظر، https://www.aljarmaqcenter.com/%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b1%d9%85%d9%82-%d8%ac%d9%86%d9%88%d8%a8-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86/

عن عبدالله الولي

شاهد أيضاً

زكريا الزبيدي في عيون صديقة

اليوم هو الثاني عشر من أيلول\ سبتمبر 2021، أي مضى ستة أيام على “الهروب الكبير” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *