الرئيسية > أدب > قلب مغتصب
لوحة: سراب الصفدي

قلب مغتصب

لم تشأ أن تعترف بينها وبين نفسها أنه اغتصبها، لم تستطع الاعتراف بذلك أبداً، فقد اتخذت قراراً حتى قبل أن يزيح جسده الثقيل العاري عن جسدها المُستباح بأن ما حصل ليس اغتصاباً.

ولم تسمح لأي صوت معارض أن يشكك بقرارها، فكل حواسها تحوّلت إلى كلاب حراسة تنتفض بقوة وشراسة لتمزق كل فكرة أو إحساس يؤكدان لها أنه اغتصبها.

لم يخطر ببالها أن تتساءل إلى متى ستستطيع دفن الحقيقة؟ وهل من الممكن لإنسان أن يدفن الحقيقة إلى الأبد؟! ما تعرفه أنها تحجّرت بعد أن استباح جسدها واغتصبها، فلم تذرف دمعة واحدة، لم تصرخ، ولم تتفوه بكلمة، حتى صوت تنفسها الخافت انطفأ.

اغتصاب.. هل خطر ببالك يوماً يا منال أن تتعرضي للاغتصاب! أن تكوني مُغتصبة؟ سؤال قمعته أيضاً، ولم تتجرأ بطرحه على نفسها، لكنها صارت تفكر تفكيراً مشوشاً ومضطرباً بالنساء اللاتي تعرّضن للاغتصاب، اللاتي سمعت بقصصهن وشاهدت بعضهن على الشاشة منكسرات، وقد شُوشت صورة وجوههن تحسباً من الفضيحة. ترى كيف يشعرن؟ وما حجم الأذى النفسي الذي يتركه الاغتصاب في نفوسهن؟ وكيف يداوين هذا الجرح البليغ؟ وأية عقد نفسية يتركها الاغتصاب في أرواحهن؟

لم تجبْ على أي من هذه الأسئلة لأن روحها كانت مُنسحقة تماماً، كانت تحس أن آلة جهنمية سحقت روحها، وصار خيالها يفرز دوماً صورة واحدة صورة شاحنة عملاقة تدوسها وتهرس جسدها وهي طفلة في السابعة من عمرها، استطاع ذهنها المتبلد أن يتساءل سؤالاً واحداً لماذا تتخيل نفسها طفلة تُدهس! لماذا لا يعكس خيالها صورتها الحالية امرأة جميلة!

لم تستطع استعادة فعل الاغتصاب كاملاً، لكنها لم تستطع طمسه كلياً أيضاً، ومن وقت لآخر كانت تنفلت أمام نظرها صوراً مباغتة مشوشة سريعة تجعل جسدها يقشعر مشمئزاً ثم تعود إلى جمودها.. أدهشها الهدوء الميت الذي لبسها بعد الاغتصاب، حالة من الجمود المتحجر، كما لو أنها تحوّلت إلى امرأة من رخام، كيف غاب إحساسها بجسدها تماماً ، كما لو أنها صارت شبحاً، فقط حين تنفلتُ بعضاً من صور أما عينيها، يهتز جسدها قرفاً وألماً كما لو أنه يستعيد كينونته من لحم ودم.. ومضات خاطفة من الإحساس الأليم، ثم تعود إلى حالة التحنيط..

في الليلة التالية، بعد الاغتصاب نامت بعمق من العاشرة مساءً، لكنها أفاقت مجفلة الثالثة فجراً إثر حلم غريب يصورها عالقة في حقل من الأعشاب اللزجة الطويلة ذات الرائحة المقززة، حلم غريب ومخيف، ترى أين يكمن كل هذا الرعب في هذا الحلم؟ حتى قذفها من السرير مرتعبة كما لو أنها تلقت صدمة قوية في ظهرها.. لقد حلمت بكوابيس كثيرة، لكن فزعها لم يكن طاغياً وشديداً كما أحست وهي عالقة في حقل الأعشاب اللزجة الطويلة.. حلمٌ مضمخ بالفزع العميق الكامن في روحها. كانت ضربات قلبها قوية ومؤلمة لدرجة وضعت راحتها تحت ثديها الأيسر وضغطت كأنها تحاول السيطرة والإمساك بقلب جُن من ألم الإهانة، مكتلإ مُغتصب، وانكشفت لديها فجأة دلالة الكابوس، فالأعشاب اللزجة الطويلة ترمز لأشعار صدره الكثيفة الشاحبة الدبقة بالعرق، كانت تدفعه بقوة في صدره ويداها تغوصان في الشعر الكثيف المبلل بعرق كريه الرائحة لم يستطع عطره الكثيف تبديده.

ورغم الفزع المهيمن الذي تفتق من الحلم، ومحاولتها السيطرة على دقات قلبها، فإن جانباً واعياً من عقلها افتتن من عبارة “قلبٌ مغتصبُ”، شربت الماء وتنبهت للجفاف الشديد في حلقها، وعادت لتتكوم في سريرها متخذة وضعية الجنين كما لو أنها تحتمي من أذى وشيك، ويداها تقبضان بشدة على الغطاء مستمدة منه دعماً تحتاجه بكل روحها ولا تجده. فكرت أنه لا يوجد إنسان على وجه الأرض يمكن أن تبوح له أنها تعرّضت لاغتصاب، ابتسمت بمرارة مدارية ومتهربة من حقيقة قاسية، وحدها مع نساء أحسّت بأرواحهن وأحزانهن وانكساراتهن وصمتهن، نساء مُغتصبات مثلها، يلزمن الصمت بل يحاولن محو هذا الفعل الكريه من ذاكرتهن وإنكاره كأنه لم يحدث!

غرقت في النوم، كما لو أن عقلها استنهض آلية لحمايتها من مرجع الصحو، وأذى الذكريات، وتركت دموعها تتيبس على أهدابها، ولم تعد تحلم لأسابيع بعد تلك الحادثة أحست أن رأفة كونية شملتها وهبطت عليها من السماء، وعاشت أيامها كأن شيئاً لم يحدث، ولم يغيّر الاغتصاب قيد شعرة في إيقاع يومها، حتى أن لم ترتبك حين تحدق بوجهها في المرآة، ولم يخطر ببالها أن تتساءل لماذا سارعت بدفن تلك الحادثة في أعماق روحها وإنكارها كما لو أنها لم تحدث قط! ولماذا تزور الحقيقة وتقنع نفسها بأن ما حصل كان جنس، أو زنى، أو حب، أو أي شيء، ما عدا الاغتصاب!

لماذا يا منال تهضمين حقك وتبرئين رجلاً انتهك حرمة جسدك!

لماذا لا تجرئين على مواجهته والصراخ بوجهه وعيناك تنغرسان في عينيه بتحدٍ وغضب، وصوت الحق يمزق حنجرتك: أنتَ اغتصبتني.

أحست بغضب لأن حالة العطالة انحسرت، ولأن هذا السؤال تجسد أو اخترق ذهنها المشلول من الصدمة، أحست بغضب لفشلها في قمع هذا السؤال المتحدي المزعج، ثم سخِرت من السؤال وأجابت بسخرية: العين لا يمكن أن تقاوم المخرز…

العين لا تقاوم المخرز، كررت هذه العبارة مراراً وبمرارة متزايدة كل مرة، حاولت أن تتذكر متى سمعتها لأول مرة، وكم كان عمرها؟ لكن عقلها ظل غارقاً في البلادة وذاكرتها في سبات، أحست أن عمرها محترق، كما لو أن مخزون ذاكرتها في صور وأحداث قد احترق من تعرّضها للاغتصاب، فزعت إذ أدركت أن علاقتها بماضيها قد نُسفت، وبأنها بعد الفعل الكريه صارت امرأة بلا ذاكرة… لقد تغيرّت حقاً، صار تفكيرها بطيئاً ساذجاً، لا تستطيع ملاحقة الفكرة والوصول إلى نتيجة، كما لو أنها لا تعرف آلية التفكير، حتى مفرداتها تقلصت وصارت محددة، وعباراتها مضيرة وركيكة، كانت تمرر الزمن كما لو أنه حبات مسبحة المهم أن يتشقلب الليل والنهار وتهرب من حياتها بهذا التعاقب الممل والأبدي للأيام.. امرأة تهرب من نفسها وذاكرتها وقلبها المُغتصب.. امرأة اعتقدت أنها دفنت جريمة تعرضت لها بالصمت والإهمال.. ولم تتوقع أن تفصيل صغير مفاجئ سوف يصفعها صفعة طيرت صوابها بلحظة، وجعلت أوجاع روحها تنتفض بقوة، وأحيت ذاكرتها الشاحبة، كانت تمسح الغبار عن الكراسي الخشبية لغرفة الطعام حين لمحت بين مقبضي الكرسي والوسادة زر قميصها عالق في الثنية، انهمرت الصور حية موجعة ولم يعد بإمكانها إيقاف هذا التدفق، كما لو أن ثقباً أحدث في ذاكرتها، وبدأت تتدفق منه الصور.. كانت وجهاً لوجه معه، مع المغتصب، مع الرجل المتنفذ، الشهير، والذي أكرمها بأن أعطاها موعداً لتلتقيه بعد الحفل الكبير لتكريمه.. وقد شارك العديد من الوزراء، والشخصيات الهامة المتنفذة في حفل تكريمه، كانت تسمع عنه منذ زمن بعيد أنه (الكل بالكل) حتى أن لقبه صار (الكل بالكل)، إذ رغب بمساعدة أحد ساعده، وإن لم يرغب، فالحسرة على طالب المساعدة… وجدت نفسها تسعى للقائه فقد اجمع كل معارفها أنه يمكن أن يحقق حلمها وحلم حبيبة قلبها ساميا التي لم توظف رغم تخرجها من الجامعة منذ سبع سنوات، كان أستاذة رياضيات متفوقة تنتظر مسابقات التعيين التي تعلن عنها وزارة التربية، وغالباً ما تسمع بالإعلان وتقرأه بعد المسابقة وبعد أن يتم اختيار المدرسين وتوظيفهم، حاولت أن تتأقلم مع واقعها، فأعطت دروساً في مدارس بعيدة في الريف، لكن بؤس المواصلات وتكاليف “التكاسي” التي تضطر لاستخدامها كي تحمي نفسها من ذلك الباصات.. جعلها تدرك سريعاً أن اختيارها خاطئ، فكان راتبها يتبخر في المواصلات.. حاولت أن تسعى جاهدة لإعطاء دروس خصوصية، لكن الطلاب كانوا يفضلون أستاذة موظفة في المدارس ـ معروفة وذات سمعة جيدة.

بعد أربع سنوات من التخبط أهملت الصبية شهادتها الجامعية تماماً، وانكبت على الخياطة، كانت ماهرة بالخياطة، لكنها تخيط ثياباً لأختها ولنفسها، أعلنت أنها ستتحول إلى خياطة. وبدأت تستقبل الزبونات… لم تستطع منال تحمل هزيمة ابنة أخيها، إنما ساميا بمثابة ابنتها، ربتها مذ كانت في التاسعة من عمرها، كانت أسرتها، حاولت أن تعوضها عن فقدانها لوالديها، وكانت تجد نفسها فيها، ليس للشبه الكبير بينهم، بل لأن روح ساميا المرحة والمتمردة والطموحة تذكرها بباكورة شبابها… ساميا هي أملها وحلمها، فكيف تسمح لها أن تيأس وتصير خياطة وأن تهمل شهادتها الجامعية وهي المتفوقة في الرياضيات، لذا بدأت تسعى بصبر وبالسر لتجد الواسطة التي توظف ساميا، وترسخها كأستاذة رياضيات في إحدى المدارس الحكومية المرموقة… أجمع كل معارف منال أن حلمها سوف يتحقق لو أراد الكل بالكل، وهو لقبه، كان أشبه بمؤسسة، مخرجاً سينمائياً ومنتجاً، وعضو في مجلس الشعب، وفي شبابه مثّل عدة أدوار سينمائية وقد تعمّدت أن تحضر تكريمه وأن تكون بكامل أناقتها وفتنتها، وأن تجد طريقاً إليه وسط الحشد لتبنه إعجابها، كانت تعرف أنه زير نساء، ولم تمانع أن يلاطفها وأن يغازلها غزلاً سطحياً في سبيل تحقيق حلمها وحلم ساميا… لم تتوقع أنه سيفتتن بها وسيطرد المعجبين والمتوددين حوله، كما يهش ذباباً، بادرته بأنها تعرف كرمه ونفوذه وبأنها ستطلب منه طلباً تتمنى أن يلبيه.

قال لها: اعتبري طلبك متحقق.

ردت بدلال: لكني لم أطلب بعد، أقصد لا تعرف ماذا سأطلب.

رد بتأكيد أكبر: اعتبري طلبك متحقق…

– الله يخليك ويعطيك طول العمر والصحة، وإن شاء الله من نجاح إلى نجاح..

– متى سأراك..

ارتبكت، أحست بخطر خفي سيداهمها قريباً… أحس بارتباكها، فقرر نسفه:

– اسمعي بعد حفل تكريمي، لدي حولي ساعة، قبل أن أنضم إلى حفل العشاء الذي يقيمونه على شرفي، أين يمكن أن أراك..

وجدت نفسها تجازف كأنها ترمي نفسها من حافة جرف إلى هاوية سحيقة..

في بيتي أو أحببت..

– غاصت عيناه الكهلتان في جوف أجفانه المتهدّلة، كان في بداية عقده السابع، ردد باسماً: لو أحببتُ! أنا أتمنى..

تجاهلت الصراخ المستنكر في أعماقها، ماذا فعلت يا منال! ماذا فعلت! شتمت الصوت المستنكر وكزّت على أسنانها غاضبة: يجب أن تحصل ساميا على الوظيفة.

طلب رقم هاتفها الخليوي، قال أنه سيتصل بها حال انتهاء حفل التكريم، وسيهديها ساعة من وقته الثمين.. كانت مشاعرها مضطربة لدرجة لم تعرف هل عليها أن تفرح أم تحزن، ألا تستحق ساميا هذه المجازفة! فليأتي إلى بيتها وليغازلها إذا رغب، ستسمح له بشيء من غزل مقابل أن تحصل ساميا على الوظيفة.. لكن لماذا تشعر بكل هذا القلق، كما لو أنها تستشعر أي خطر يحدق بها، قلقها العظيم أربكها، كما لو أنها تحدس ما الذي سيحصل. لذا حين اتصل بها، هوى قلبها فزعاً من رنين هاتفها، وردت مخطوفة الأنفاس، سألها بثقة عن عنوان بيتها، فردت شاعرة كيف صار صوتها باهتاً مسطحاً.. خطر لها لو تبتلع حبة دواء مهدئاً، لكنها غيرت رأيها حين فكرت محاولة طمأنة نفسها أن زيارته لها لن تكون طويلة، لأنه ـ وكما قال ـ مرتبط بعشاء رسمي مع الجهة التي تكرمه.

كانت تلبس تنورة كحلية تصل حتى الركبتين وقميصاً وردياً مخططاً بالأبيض، بأزرار بيضاء، ولم تفهم لماذا تأملت نفسها طويلاً في المرآة وهي تنتظره، لكنها شعرت بالرضى، كما لو أن جمالها الذي أكدته المرآة سيضمن لها الحصول على مرادها ـ كانت واثقة أنه لن يرد طلبها، لكن ترى ما الثمن؟! ماذا سيطلب: ترى هل زجّت نفسها في موقف صعب أم أنها لم تكن تملك خياراً آخر، كيف تنسى سنوات الذل والألم الصامت وهي ترى ساميا شابة رائعة تبحث عن وظيفة.

ما إن فتحت له الباب حتى ضمها إلى صدره قائلاً: ما أجملك…

ابتسمت وهي تتملص من ذراعيه الضخمتين وتقول له تفضل…

جلست مقابله فأبدى إعجابه بساقيها البديعتين، ابتسمت، وسألته ماذا يشرب؟

فقال مداعباً: أشرب من يديك السم.

ردت محاولة أن تداري اضطرابها وتصطنع فرحاً لا تحسه: معاذ الله، أيعقل…

لم يتركها تكمل قال: إن لم يكن لديك مانعاً أشرب النبيذ ـ لأن تكريمي الحقيقي هو أنني التقيتك، أنت رائعة الجمال.

ضحكت: أنا!!

قال: أجل، وأظنك تعرفين..

أحضرت زجاجة النبيذ الوحيدة التي تحتفظ بها منذ أشهر، والتي كان من المفترض أن تشربها مع رجل آخر، مع عشيق خيب أملها، ابتسمت وهي تفتح الزجاجة، ابتسامة ساخرة من مفارقات الحياة، ترى هل تمزح معها الحياة؟! كم من المرات تشتري هدايا لرجل ما فتجد نفسها تقدمها لرجل آخر؟! أيكون عنوان حياتها خطأ في التوقيت أو عدم الثبات أو الاستقرار؟!

لكن هل هناك شيء ثابت في الحياة؟!

أبدى إعجابه بالنبيذ، وجدت نفسها تطريه وتمتدحه، مد لها راحة يده طالباً يدها، صُدمت كانت راحته عملاقة، لم تجد يداً بمثل هذه الضخامة، مدت يدها، فغاصت في راحته كما تغوص في وسادة، نظر في عينيها وقال بحزم: اطلبي ما تشائين..

أعجبها أسلوبه المباشر، فحكت له عن ساميا، سأل: أهي ابنتك.

– إنها ابنة أخي رحمه الله، لكني ربيتها.

– إذاً أهي يتيمة الأم أيضاً.

– أجل.

– من حظها أنها تعيش معك.

– ساميا محبطة جداً، لم توفق بوظيفة، رغم أنها حاصلة على شهادة جامعية في الرياضيات بدرجة جيد جداً.

– غداً ستكون ساميا موظفة..

شهقت من لهجة اليقين التي تكلم بها، إنه نموذج فريد من البشر، كما لو أنه سامر أتصدقه! كيف لا تصدقه؟! ما الذي يضطره ليؤكد لها أن ساميا ستتوظف..

همت أن تسأله أنت جاد بكلامك!! لكنها خجلت، وكما لو أنه قرأ أفكارها.

فقال لها معاتباً: أراك متشككة بكلامي، لو لم يكن الوقت مساءً، لكنتُ اصطحبتك إلى مكتبي لترين بنفسك أنه يكفي اتصال واجد مني حتى تتوظف ابنتك.

شرب كأس النبيذ بجرعتين، وصب لنفسه المزيد، بدأ بحمله إطراء على جمالها وفتنها كان حضوره طاغياً يسحقها، ولم تملك سوى ابتسامات عصبية تختبئ وراءها وتداري توترها، امتدت راحته العملاقة إلى تنورتها ورفعتها إلى الأعلى ليكشف عن فخذيها ويشهق مبهوراً بجمالها، انتفضت واقفة وابتعدت خطوات ولت يسعفها عقلها بأية كلمات.. ضحك وقال: لا يجب أن تخفي جمالك أنت ساحرة, جميلة جداً…

ابتسمت، كان وجهه قد ازداد تغضناً وهو يبتسم وينظر إليها باشتهاء وقح أشار إليها أن تجلس بجانبه… لم تتحرك، كانت تفكر بساميا، التي يجب أن تحصل على الوظيفة، هطل مطر من صور ساميا منكبة على ماكينة الخياطة وتسهر حتى الفجر لتخيط للجارات.. أمرتها تلك الصور أن تتحرك باتجاهه وتجلس إلى جانبه، شمت رائحة الكهولة المنبعثة من جوف فمه، والتي لا يفلح مركّز النعناع الذي يمصه دوماً في طرد تلك الرائحة المنبعثة من جوفه… تنشق بعمق رائحتها وأغمض عينيه منتشياً، ثم امتدت يده ثانية إلى فخذيها، انكمشت، لكنها لم تنتفض ولم تمانع، كان صوت الماكينة الرتيب يطن في أذنها.. يبد أن تتوقف ساميا عن الخياطة وتستعيد كرامتها كمدرسة رياضيات، باغتها بأن افترس شفتيها بقبلة، انتفضت واقفة وهمت بالصراخ، لكنها نجحت في آخر لحظة في كبح صراخها وقالت: ما هذا!

وقَفَ فبدت مقارنة به ضئيلة، كان ضخم الجثة، مثاراً، اندفع نحوها يهصر خصرها وهو ينخر قائلاً: سحرتني يا شيطانة، سحرتني، أموت عشقاً بامرأة مثلك…

اشتبكا في عناق أو لعبة، تذكرت بألعاب الطفولة حين يشتبك طفلان يريد أحدهما تخليص الآخر دمية، أو غرض ما… كان الاغتصاب قد بدأ، لكنها ولسذاجتها وغرورها لم تعتقد أبداً بأن ما يحصل اغتصاباً، ربما كان عقلها مرضوضاَ وعاجزاً عن تفسير ما يحدث وسيحدث، ربما ـ لسذاجتها وغبائها ـ اعتقدت أنه يستحيل أن تتعرض لاغتصاب، حاولت دفعه والتملص من ذراعيه وهي تكرر بآلية ما هذا، ما هذا؟! واعية مرة بعد مرة الانهيار في صوتها، وبدت لها تلك العبارة ما هذا؟! أعظم دليل على هزيمتها، كان كأنه شحذ كل قواه واعتمد خطة الهجوم الكاسح الذي يباغت الفريسة ويشلها ويجعلها غير قادرة على المقاومة، وباشر بفك أزرار قميصها، لكن نفاد الصبر جعله يقطع بعض الأزرار، وقبل أن تستوعب أنه يعربها، كانت يده تشق طريقها إلى مؤخرتها تتحسسها وتهرسها، كانت كل حركة يقوم بها تشعرها بألم فظيع، ألم الانتهاك والذل، أحست أنه لا يمكن إيقاف شهوة رجل، فهي تكتسح كالطوفان، ولم تملك وسيلة لمقاومته، سوى الذهول والهذيان بعبارة يتيمة: ما هذا!

حتى عيناه أحستهما تحفران أثلاماً في وجهها، عينان لا تحملان أي تعبير، عينان ميتتان معتمتان بعماء الشهوة، كانت لا تزال واقفة وسط الصالون، جسدها مستباح وهو يطبق عليها كوحش، يمنعها من التملص والفرار، وكانت لا تزال تعتقد أنه بإمكانها إيقاف هذا الغزو، وبأن عبارة ما هذا! أشبه بتعويذة ستحميها منه، كان يريد الإسراع في التهامها قبل أن تنجح بابتكار وسيلة للفرار منه، طوال عمره اعتمد أسلوب المباغتة والصدمة، الطريقة الأنجح في شل الفريسة، مدججاً بنفوذه ومناصبه، كان يحقق ببساطة ما يريد، حين أحس باشتداد مقاومتها زجرها بعصبية وصرخ: كفاك تمنعاً كفاك.. بدأ إحساس مفاجئ يتصاعد في أعماقها، إحساسها بالعجز ولم تنجح في الفرار من طغيان جسده فهو يمارس سلطة غامضة عليها، ليست قوة بدنية فحسب، بل سلطة نفوذه وشهرته، وإيحاءه الدائم لمن حوله أنه الرجل الذي لا يُرفض، كانت تشعر أنه تتمزق وتتشظى، وفي تلك اللحظات بالذات انكشفت لها حياتها الجوانية العميقة والمحجوبة بألف ستار وستار، ورأت كمّ الحوادث التي مرت في حياتها وهي مقموعة ومُغتصبة دون اغتصاب جسدي، وموجوعة دون صفعات، ومُعنّفة دون كلمات، ومسلوبة الحرية والكرامة تحت غطاء من أرق الكلمات، بدت لها تلك اللحظات تتويجاً لسنوات من القهر والذل، لذا فحين حاول أن يدس عضوه بين فخذيها تهاوت وأحست بوهن عجيب أشبه بالموت، كادت تسقط، فسحبها إلى الأريكة، ولكن فكرة أضاءت بذهنها. سوف تدمره بأن تدعه يضاجع جثة، حوّلت نفسها إلى جثة هامدة، وتجمدت عيناها على نظرة خاوية فارغة تبث احتقاراً صامتاً، نظرة حملت كل القرف والاحتقار له، وتحققت المعجزة انكمش عضوه وصار بحالة مزرية، فجن جنونه وأمرها أن تضعه في فمها فرفضت بقوة، فصار يتوسل أن تساعده، وبدأ يشتم عضوه، وأخذ يتوسل، وتحوّل الوحش إلى مسخ وشحاذ يرجو ويتوسل ويستعطف.

لم يعد غازياً ولم تعد مستباحة، انكماش عضوه أفقده هيبته ورجولته، كانا عالقين في شرك، مهزومين ومُنتهكين، فشل في السيطرة على انفعالاته، وعكست عيناه ألم الخزي والمهانة، قصد الحمام وغسله بالماء على أمل إنعاشه. وعاد إليها مستلقية كمشلولة لم تفكر حتى باستغلال لحظة ابتعاده والقيام، كانت تريد أن تدفع المهانة إلى نهايتها، شيء ما يغويها أن تترك الأحداث تكتمل، ثم هناك غاية عليها أن تتشبث بها، تأمين الوظيفة لساميا. رجع من الحمام راسماً وجهاً جديداً، داعب فخذيها بانبهار ورجاها أن تساعده ليستعيد رجولته، رفعت نظرها إلى وجهه. غضت نظرها وهي تعي أنه عجوز، كل ملامحه متهدلة، عجوز بجسد ضخم. تخيلت كم عرف من نساء أمكنها أن ترى الرجل الذي كان في شبابه.

كم غزى من نساء، تنزل نظرها على كتفيه وساعديه، وبطنه المشدودة الضخمة حاولت أن تتخيل كيف كان في شبابه، بالتأكيد كان رجلاً جميلاً، ثم حطت نظرتها على تلك الزائدة الرخوة الضئيلة بين فخذيه، وأمكنها أن تشعر أي خزي يحسه رجل عنيف.. أثلج صدرها شعور المهانة الذي يحسه، لقد جاء غازياً فصار رهينة، أجل إنه الآن رهينتها، يتوسل أن تسعفه، ولعظيم دهشتها وجدت نفسها تمسك برفق ذلك العضو المشلول وتداعب بحنان، وهي تقول، بسيطة، بسيطة، اللقاء الأول يكون دوماً صعباً ومتوتراً.

ثم إن حفل تكريمك والتوتر والسعادة والانفعال ومشاعر كثيرة أحسست بها كل ذلك يؤثر.. آه والنبيذ أيضاً. أنت تعرف الكحول يؤثر كثيراً على المقدرة الجنسية للرجل… كانت تتكلم بصوتٍ رقيق عذب وسروالها منحسر حتى ركبتيها. وأزرار قميصها مقطعة، والرضوض التي ألحقتها راحتيه العملاقتين بجسدها تومض بألم عميق، تتكلم ويدها تمسك عضوه الميت برفق كما لو أنه حيوان مريض، تحنو عليه قبل أن يموت..

همد الوحش واستكان، صار خاضعاً لها كلياً، منذ تلك اللحظة سيصير عبدها بطريقة غامضة. منذ تلك اللحظة سيصير رهينتها، معادلة معقدة، انقلبت الحقائق.. وفَقد تماماً هيبته كغازٍ ومغتصب..

أخذت نفساً عميقاً وأرغمت نفسها أن تفتعل موجة مَرح تبدو حقيقية لشدة إتقانها، قالت بصوت مغناج: ما رأيك بفنجان قهوة، مع قطعة من الشوكولا المرة التي فيها نسبة الكاكاو 85%.

أذعن لرغبتها، رفع بنطاله بانكسار، وجلس يلتقط أنفاسه، ويلملم كرامته المبعثرة… وقبل أن يرشف القهوة، جلست بجانبه، أمسكت يده وتفحصتها ومسحت ظاهرها وباطنها بحنان، وهي تقول له: بسيطة، بسيطة، لا تكتئب: كما قلت لك المرة الأولى تكون صعبة…

ومن بؤبؤي عينيه الصغيرتين شعت نظرة انبهار وامتنان.

قال لها: أنتِ رائعة، رائعة..

– متى سنزورك في مكتبك من أجل وظيفة ساميا.

– غداً الحادية عشرة صباحاً سأكون بانتظاركما…

– أشكرك.

رن هاتفه الخليوي يستعجلونه، فقد تأخر على موعد العشاء الذي أقيم على شرفه.

ذابت الشوكولا المرة في فمها وأعطت طعماً رائعاً لمرارتها الطافحة من أعماقها، فكرت وهي تفرق شيئاً فشيئاً في متاهة ما حدث، وفي ذهول روحها، بأن الاغتصاب انتهى بمواساتها للمغُتصب؟!

هل عليها أن تجنّد الأطباء النفسانيين وكتب علم النفس لتفسير ما حدث؟!

منال تكتب…

ثمة لحظات أعجز فيها عن مواجهة ساميا، مجرد وجودها بجانبي، أو لحظة تلتقي عيوننا أشعر بمدى ما هويتُ إليه من انحطاط وتعهّر، تباغتني تلك اللحظات تتفجّر في روحي بدوي عاصف من المشاعر العنيفة، تشبه صداعاً عنيفاً يفجّر الرأس فجأة.. لتلك اللحظات ثقل حقيقي، أحس أنني مثقلة حد التخمة بذكريات موجعة مقززة، لكنها حقيقية، تصفعني ذاكرتي بصورتي مع الكهل (الكل بالكل)، مع رجال غيره أيضاً، انقدتُ إليهم غصباً ورصا، لم يعد من فرق، ساميا نقية طاهرة تشبهني حين كنتُ في عمرها، أحبها بجنون ليس لأنها ابنة أخي الذي أذلّه السرطان في عز شبابه وتأملته يموت ببطء، ليس لأنها يتيمة لأم أيضاً، بل لأنني أرى فيها نفسي قبل أن أتعهّر، يا للألم الذي أحسه في تلك اللحظات التي تتكثف فيها حقيقتي، كبخار متكاثف يأخذ شكل امرأة، لكن هل أعرف حقاً حقيقيتي؟! وهل هناك حقيقة واحدة للإنسان أو وجههاً واحداً له؟! هل حقيقتي مثلاً أنني عهرّتُ نفسي مع (الكل بالكل)كي تحصل ساميا على وظيفة؟! لكن كيف أنسى سعادتها ودورانها منتشية من السعادة وهي تصفق وتقفز: أخيراً تحقق حلمي…

ساميا حصلت على الوظيفة، وتتقاضى راتباً شهرياً يكفيها ويشعرها بالأمان، وبعد أشهر من حصولها على الوظيفة صار لديها عدد كبير من الطلاب الراغبين بدروس خصوصية،.. نظرات الحب والامتنان التي تخصني بها تربكني هل تعرف كيف أمّنت لها عمتها الوظيفة؟!

لكن لماذا يتملّكني حدسٌ قوي وغريب أحياناً، حدسٌ لشدة قوته يسري رعشة في جسدي، بأنني لن أتمكن من حمايتها، وبأنني ذات يوم كنتُ مثلها نقية وطاهرة ثم عهّرني زمن ابن كلب، يستفزني هذا الحدس يدفعني إلى الجنون غضباً، أنتفضُ وأنا أصرخ بصوت أخرس يمزق حنجرتي: مستحيل، مستحيل، ساميا يجب أن تبقى طاهرة، ستبقى طاهرة، ساميا ستخلصني من عهري وتشفيني من دنس روحي نجاحها والمستقبل الباهر الذي ينتظرها، والشاب العاشق الذي ستتزوجه والذي سيعاملها باحترام وحب… كل ذلك يعيد إلى روحي شيئاً من طمأنينة وفرح…

كم من الليالي جلسنا معاً، ساميا وأنا، في الصالون، ساميا تدرس وأنا أتظاهر أنني أتابع مسلسلاً، تسألني بنعومة: هل تشربين معي شاياً أخضر؟!

لا رغبة لدي بشرب الشاي لكني أرد بحماسة: يا سلام، كما لو أنك تقرئين أفكاري، لدي رغبة كبيرة بشرب الشاي الأخضر…

أسألها فجأة بلهفة: هل تحبينني يا ساميا..

تبتسم خجلة مرتبكة وتقول: أحبك جداً..

فأسال: هل تعرفي أنا كم أحبك..

– عمتو، ما معنى هذه الأسئلة!

أضحك، هيا، حضري الشاي الأخضر

تقترب مني، تقبل راسي، تسد أنفها بإصبعيها وتقول مازحة: أوف رائحة الصبغّة فواحة، ثم تمسح على شعري بحنان وتقول: أنتِ أمي وأبي أنتِ كل دنياي، أحبك بلا حدود…

أرتجف، ليس لتأثري بكل هذا الحب النقي الطاهر، بل ارتجافاً يشبه تلك الصدمة التي تحصل حين يلتقي قطبين متنافرين، هي تمثل قوة النقاء والطهر والكرامة، وأنا أمثل التعهّر والغش والكذب..

أريدها أن تبتعد، أخاف أن ألوثها، لوهلة أتمنى لو أدفعها بعيداً، وأحذرها من الاقتراب مني أو لمسي، صراخ مكبوت يمزق حنجرتي: أنا عاهرة يا ساميا عاهرة… لكن رغبتي بالتطهّر أقوى.. أرشف الشاي، وهي ترشف الشاي، أسمع حفيف صفحات كتابها، أفكر أنها تثق بي، بنقائي وطهري، أشعر كيف يتفتق الهلع من أعماقي، ويجعل كتفي تنحنيان، ينقضُ علي سؤال خبيث: ماذا لو عرفت ساميا حقيقتي، ستنهار بالتأكيد، ستفقد ثقتها بالنسا والحياة، وقد تقتل نفسها لقد قست عليها الحياة حين فقدت أمها وأبيها من السنة نفسها، كانت في التاسعة من عمرها ثم وجدت عزاءها في عمّة.. هل تعرف أي اضطراب وهلع أحسهما وأنا جالسة بهدوء أرشف الشاي، وأقاوم رغبة خبيثة أن أبوح لها بكل شيء…

انتفض وأجلس بجانبها، أمسح على شعرها، وأقبل وجنتيها قبلات تهمة أقول لها: أحبك وأحتاج أن أضمك إلى صدري، توسد رأسها في حضني وتتنهد أشعر كيف تغزوني أمواجاً من الطهر، تتدفق من قلبها إلى قاع روحي المُعتم أمواج تملك القدرة على تبديد الظلمات الكثيفة المطبقة على روحي..

أنسحب إلى غرفتي، أدرك مدى وحدتي، أقسى أنواع الوحدة هي تلك التي يولدها فينا الإحساس بالإثم، العُهر هو النفي، مهما حاولت سأظل مطرودة خارج عالم النقاء والطهر الذي يعيش فيه أحبائي. ساميا وفراس ومجيد.. لكن هل كنتُ لأملك خياراً آخر؟!

هل تستطيع امرأة وحيدة أن تحافظ على نقاء روحها في زمن المادة والعهر؟

ألا يجب أن أكون كبش فداء عن ساميا وفراس ومجيد؟!

ألا يجب أن أتعهّر كي يعشوا بكرامة؟!

لكن كم من الذكريات والأحداث طمرتها في داخلي، لدرجة أتعجب من سعة ذاكرتي لكل تلك الأحداث، مشكلتي تكمن في اعتقادي أنني حين أطمر حوادث معينة كما لو أنني دفنتها، كما لو أنها ماتت ودفنتها، لكن حين تتحرك تلك الكتلة في أعماقي أدرك أي فرق شاسع بين الدفن والطمر.. فكل شيء لا يزال حياً في أعماقي، ومن وقت لآخر يتقلقل، كما تتحرك الصخور في جوف الأرض محدثة زلزالاً، يقوّض ويدمر.. وإلا كيف أُفسر ذلك التقصّف المباغت الذي يفاجئني كما لو أنني جبلٌ يتصدع، وكيف أكون جالسة بهدوء أقرأ كتاباً أو مسترخية أتابع برنامجاً تلفزيونياً، أنتفض فجأة كما لو أن صفعة كهربائية مستني، وأهرع إلى سريري أنبطح وأتكوّر من الألم، وأنا أصدر أصواتاً كالأنين.. وصورة حيوان مذبوح يلفظ روحه مرتسمة في خيالي.

في تلك اللحظات أعرف أن كل ما طمرته يتقلقل ويطالب بحقه في الوجود، في الأخذ بالثأر ينبهني ذلك الزلزال أنني أملك قوة كبيرة مدفونة في قرارة نفسي، وبأنه من الجريمة أن أستسلم لفكرة أنه من المستحيل إصلاح عطب روحي؟..

إصلاح نفسي، يدهشني هذا التعبير، يستوقفني كما لو أنني لم أسمع به قبلاً..

كيف يمكنني إصلاح نفسي بعد أن مرغتها في دنس العهر، وهؤلاء الرجال الذين اشتبكت معهم بعلاقات مصلحة، لا تحمل ذرة حب، كيف سأمحوهم م ذاكرتي؟!

كل علاقة خرّبت فيّ شيئاً.. تحوّلت ببطء من إنسانة تحمل أخلاقاً ومبادئ، إلى إنسانة تعرّت من الأخلاق والكرامة، معتقدةً أنها بهذه الطريقة تحقق أهدافاً ومكاسب..

قد يطول زلزال روحي لأيام، فأشعر بكياني يرتجف من حمى الرفض والكراهية لكل ما حصل معي، أشعر بقشعريرة الحمى، فروحي ملتهبة من الدنس..

يمزق صراخي حنجرتي، يشق صدري: أريد أن أبرأ، أن أبرأ..

استسلمُ للجنون، لهلوسات وخيالات تتلبسني، تتغير لغتي ومفرداتي، ويبدو لي الجنون هو الحل الوحيد، لساعات أظل بحالة ذهول غير مصدقة ما عشته كيف، كيف أتظاهر أنني سيدة محترمة، فاضلة مؤتمنة على أولاد أخي، أربيهم على القيم والأخلاق، وأعطيهم مواعظ أخلاقية مُنافقة، كيف يؤمنون أنني امرأة فاضلة، بينما أنا عاهرة…

عاهرة، تتحول الحروف إلى سكاكين تقّطع روحي، جسدي مُستباح وهبته لرجال اعتقدتُ أن بإمكاني محوهم في ذاكرتي، أتلوى في سريري ملتاعة من هول ما عشته، ينجدني النحيب، أعطانا الله موهبة ذرف الدموع كي نذوب بها خيباتنا وآلامنا… نحيبي متقطع، تتخلله ضحكات أليمة منطوية على نفسي وحيدة وحدة شيطان يدرك كم هو مكروه، أشعر بعد عاصفة الدموع أنني أعبر نفقاً، أشعر أنني أعبر إلى مستوى أعلى من محدوديتي، وبأن روحي تتفتح كزهرة نضرة بعد أن كانت ذابلة.. يمتلئ فضائي فجأة بشذى مُسكر، أدرك أن العاصفة المدوية التي زلزلت حواسي هي التي قذفتني من قلب الجحيم، فُتحت أبواب الجحيم وخرجت روحي الملتهبة من الجوف الكاوي الحارق، أين قرأت أن كل جدار هو باب، حين تفتح أبواب الجحيم نُطل على السماء، سماء فسيحة نقية كروح طاهرة، روح شفيت من الدنس، أنتقض من سريري الأشبه بقبر، أغسل وجهي بالماء البارد.. أفتح النافذة وأرنو إلى سماء نقية زرقاء.. الأزرق هو لون الشفاء، أحبس أنفاسي مبهورة، وقد أدركتُ أنني يمكن أن أتعلم من السماء، فالسماء تتكلم.

عن هيفاء بيطار

Avatar

شاهد أيضاً

محاكمة السياسة للأدب

في القرن الماضي، سُجلت سابقتان مشهورتان من محاولات السياسة محاكمة الفن والأدب، هما الجدانوفية والمكارثية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *