الرئيسية > أدب > في مسرح غسان كنفاني
غسان كنفاني، مصدر الصورة مجلة الهدف

في مسرح غسان كنفاني

الماركسيون أصحاب فلسفة واقعية حسية تبدأ من الواقع وتنتهي إليه فكل ما هو في الوجود من أفكار، وحياة إجتماعية، ما هي إلا انعكاسات للمادة التي ترتد إليها، ويبدأ منها الجدل .

غسان كنفاني ذو الخلفية الماركسية في رؤيته للعالم والوجود، القاص والروائي، والشهيد أدرك أهمية خشبة المسرح وقدرتها على تمرير أفكاره نحو حواس جمهوره مباشرة.

هذا الجمهور الذي لم يغب غسان يوماُ عنه ولا عن همومه كمثقفٍ ملتصق بشعبه وقضاياه، دفع غسان أن يدخل عالم المسرح، عالم مصاب بجمال المفارقة، وابتداع للواقع وصياغته صياغة واعية تقوم على المتخيل والتصوير والتشكيل. غسان يستند إلى الواقع ويستوعبه ويتمثله، ثم يصبّه في معمارية فنية تقوم على التماسك والانسجام والتآلف الجدلي. انعكست فلسفة غسان المادية على جميع أعماله الأدبية، وخاصة أعماله المسرحية رغم قلّتها فكتب ثلاثة مسرحيات هي “الباب- النبي والقبعة- البئر” وسوف نسلط الضوء عليها، ومن ثم سوف نمر قليلاً على منجزٍ اّخر “جسر إلى الأبد” كتبه غسان على أساس أنه حلقات إذاعية، ولكن بعض النقاد عالجوه على أساس أنه نص مسرحي، والبعض الأخر رفض هذه المعالجة واعتبروه حلقات إذاعية يطغى عليها الجانب المسموع .

مسرحية الباب 1964م  وتوظيف الأسطورة ..

يتناول غسان في هذا النص الأسطورة العربية المعروفة حول الصراع الذي يقوم بين الإنسان “عاد- شداد- مرثد” و بين الألهة “هبا”. المسرحية تعالج مرحلة مهمة من مراحل التطور التاريخي للوعي الإنساني عندما بدأ هذا الوعي بالإنسلاخ عن ما هو غيبي في تفسير الوجود .

بالرغم من الجفاف الذي قضى على كل حياة في المدينة “عاد” الذي يتمرد على الألهة “هبا ” يرفض قدوم المطر، بأمرٍ منها ويُقتل في معركة معها، ثم يأتي ولده “شداد” رافضاً جنة الألهة الموعودة عندما يخاطب والدته :” ربما تطمعين بالجنة، فيربت هبا على ظهرك وتهتز لحيته البيضاء ويقول لك.. أدخلي الى الجنة.. وحين نظرت إليها عرفت بأن الجنة لا تستحق الطاعة، عرفت أن “هبا” لا يستحق كل تلك القرابين، وكل ذلك المجد”.

يقرر شداد الاستمرار على نهج والده في مقارعة الألهة ومن بعده أيضاً ابنه مرثد، والإصرار على بناء حكمهم وجنتهم على الأرض دون تدخل الألهة .

أراد غسان أن يقول من خلال اختياره للباب كعنوان لنصّه، إن قبول العبودية، والخنوع، والاستكانة ما هي إلا طريقة تفكير، و إرثٌ إجتماعي كأنّه جدار من الإسمنت المسلح الذي يعيق أيّ تحول نحو الأمام. إنّ تغير طريقة تفكيرنا، يعني أن نهدم هذه الجدران، أن نهدم جميع الأبواب الموصدة. نحن سجناء طريقة تفكيرنا لا أكثر. وهذا يتناقض مع فعل الإستكانه الذي سيطر على أبطال رواية رجال تحت الشمس والتي كتبت بنفس الفترة التي كتبت فيه هذه المسرحية. كأن غسان قد أراد لنا أن نرى طريقتين في التفكير رغم أن الموت يجمع كلا العملين الأدبيين. في مسرحية الباب هناك توق نحو الحرية، ومقاومة ضد الإستعلاء، والخنوع، على عكس ما حدث في الرواية التي كانت تعبيرًا  عن حالة الارتهان للضعف، والقدرية الإلهية.

 “ينهض، يهز شداد بعنف، وهو يشير إلى الباب، أترى هذا الباب، أنظر إليه جيدا! لقد تآكلت أظافري، وأنا أخمشه كالقط المجنون، لقد ذابت عظامي من فرط ما انهمرت فوقه.. لقد حطمت جمجمتي كي أشق ثغرة تتسع ليطران كلمة حقيقية واحدة..”

في هذا النص يعكس غسان  فلسفته المادية التاريخية في قراءته للواقع فيستلهم التاريخ ويعيد قراءته، ومعالجته داعياً الى التحرر من الفكر الغيبي الذي ينهش عقولنا ” كل شيء طبيعي وكل ظاهرة تشتمل على طرفي تضاد” كما  يقول ماركس. المجهول والمعلوم، المحسوس والغيبي، الموت والحياة، الإجبار والاختيار. تحيلني هذه المسرحية أيضاً الى رواية غسان غير المكتملة “الأعمى والأطرش” عندما اجتمع رجلان أعمى وأطرش عند قبر الولي مجترح المعجزات، وقررا في النهاية هدم قبر الولي بعد أن اكتشفا أنه فطر، فطر لا أكثر. كانت هذه الرواية مكمّلة للدعوة التي بدأ بها غسان في مسرحية الباب. على الفلسطيني أن يهدم هذه الجانب من طريقة التفكير المكبّلة بالعادات والتقاليد الإجتماعية أن يخرج الفلسطيني من أسطورته، ومن معجزاته الإلهية نحو تفكير أكثر واقعية وعلمية. إنّه الولوج إلى عالم المحسوسات والتفكير النقدي للتجربة. هي دعوة للخروج عمّا هو سائد في حياتنا اليومية الإجتماعية نحو مساحة أوسع من الحرية.

يقول شداد: الموت، الموت إنه الاختيار الحقيقي الباقي لنا جميعاً.. أن تختار في الوقت المناسب قبل أن يفرض عليك في الوقت غير المناسب.

مسرحية (القبعة والنبي 1967م)

في مقدمة النص يحدد غسان كنفاني الإطار العام للسينوغرافيا، طاولتان يفصل بينها حاجز حديدي يأخذ دور قفص الإتهام بتداور جزئي في خشبة المسرح. يحاول غسان هنا تسليط الضوء على الصراع القائم بين  الفضيلة، وبين مغريات الحياة المادية.

شاب يتهم بقتل شيء ما سقط من السماء يطرحه غسان على أنه شيء منطقي يحتكم الى العقل، ومجرد من العواطف يسميه “الشيء” وهي شخصية محورية لدى الكاتب الذي يحدد له ملامح مادية بحته، قد يكون كما جاء في النص على شكل قبعة لها أغصان تُحرك من خلال ممثل يجلس تحت الطاولة، ولها أغصان تهتز كلما تحدث هذا الشيء، إنه الدلالة الجديدة التي أراد غسان طرحها لتطور الوعي البشري.. إذاً ما هو موجود في السماء ليس الألهة “هبا”، بل عالمٌ ماديٌ كنا نجهله فأعطيناه صفة القداسة.

أثناء محاكمة الشاب “المتهم” نبدأ بالتعرف على حياته الاجتماعية والسياسية .. حبيبته التي تحمل بداخل أحشائها جنينًا منه رغم عدم زواجهما، ووالدتها التي منذ بداية المسرحية تهاجمه وتظهر حجم الفقر الذي يعيشه هذا الشاب عندما تطالبه بدفع تكاليف إجهاض الجنين، وعندما  “المتهم” يصرح لها أنه هارب من دائنيه، الجزار والخضرجي واللحام والطبيب، ترفض تزويجه لابنتها.

هذا “الشيء” القادم من السماء يكشف حجم المصالح التي تحكم العلاقات داخل المجتمع، عندما يطرح المتهم أنّه يستطيع بيع هذا “الشيء” بمبلغ ثمين تحل من خلاله جميع المشاكل المادية التي يعاني منها، وبالتالي يمكنه ذلك من سداد جميع ديونه، ومنها الزواج، وبعد أن توافق الفتاة على ذلك، وتقوم بتشجيعه، وهنا نستطيع في نهاية النص أن نشعر بدلالة “الشيء” على أنه يمثل الضمير الذي ينبه الشاب الى أفعاله. يرفض “المتهم” بيع هذا ” الشيء” وبالتالي ينتصر الضمير الأخلاقي على المنفعة الخاصة والرغبات الذاتية، ورغم ذلك تعطيك النهاية شعوراً أن الصراع بين هذين الضدين لن ينتهي.

المادية التاريخية، دعوة لقراءة التاريخ “مسرحية البئر”

مرّة أخرى يعود غسان كنفاني إلى التاريخ من أجل تعرية الواقع الاجتماعي والسياسي الذي نعيشه، وصراعات السلطة، ودسائس البطانة التي تحيط بالحاكم، بعد أن أنهى علاقته بالسماء ووضع وعينا على حقيقة ما يحدث فعلاً. إنها الأنظمة السياسية، والاقتصادية إذن، إنه الأنسان الذي يتحكم بهذا العالم ويرسم ملامحه.

تدور أحداث المسرحية زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد، والدسائس التي كانت تحاك حول الخلافة في عهده وحتى بعد مماته، ولمن ستؤول الخلافة من بعده. تبدأ القصة عندما يقرر هارون الرشيد البحث عن بئرٍ كان يراوده في الحلم فيطلب من تابعه ووزيره المخلص جعفر أن يرافقه للبحث عنه وعندما يجد البثر يجد أيضاً شيخاً طاعنًا في السن داخل البئر وعندما يسأله عن سبب وجوده داخل البئر يرد عليه الشيخ بأن لا ينسى صاحبه داخل البئر (الوزير جعفر) وأن لا ينساه كما نسي الذين من قبله من الخلفاء الكثيرين من أتباعهم في هذا البئر، فها هو الشيخ “الكائن” لقبه في المسرحية يقول للخليفة أنهُّ كان من أتباع (المنصور.. والمهدي.. وموسى الهادي) وأنّه كان من أكثر الرجال صدقاً وأمانة في بطانتهم تجاه الخلافة والحكم.. ولكنها الدسائس.

يطلب “الكائن” الشيخ من الخليفة هارون أن يعتني بوزيره جعفر البرمكي رغم علمه المسبق بأنه سوف يفعل به كما فعل الذين من قبله من الخلفاء بعد أن يعطيه قارورتين تمنحان الحياة، والنساء، والمال بشرط واحده له والأخرى لصديقه. إلا أنه ورغم وجوده في أعلى سلطة في البلاد يتجاهل هذا الوعد الذي قطعه للشيخ في وجوب المحافظة على صديقه جعفر البرمكي. وهذا ما حصل فعلاً رغم حبّ الخليفة لوزيره إلا أنّه أنصت للواشيين من أهل بيته وخاصة زوجته التي أرادت الحكم لابنها لا لابن الزوجة الأخرى الجارية، وانتهى به المطاف الى أن يأمر بقتل صديقه ووزيره جعفر، و بذلك سار على نفس ماقام به الخلفاء الذين سبقوه وبهذا تتحقق نبوءة الشيخ “الكائن”.

يعود غسان كنفاني في هذا النص إلى تحريك الصراع  من جديد بين ضدين. الحياة والموت، الفوضى والنظام، الشك واليقين مستلهماً الماضي من أجل إيقاظ الحاضر والتعمق في معطياته .

نص تجريبي “جسر الى الأبد” :

ربما يعتقد البعض من النقاد أن كتابة غسان لهذا النص بطريقة التمثيلية الإذاعية يبعدها عن المسرح وطريقة بناء النص المسرحي. دون الدخول بشكل معمق ببناء هذا النص لأن مقالي هذا يصب في تبيان الخط الفلسفي الذي أراد غسان طرحه في مسرحياته، وليس البحث في نقد عملية البناء المسرحي وفضاءاته .

إلا أنّني وقبل الدخول في قراءتي للنص أحب أن أنوه إلى أنّه وبرغم توزيع هذا النص إلى حلقات تمثيلية إذاعية إلا أنّ غسان تعامل معه وفق طريقة بناء النص المسرحي من حيث الحوار، والحدث، والزمان، والمكان، وحتّى أنّنا نستطيع القول أنّ غسان كان سباقاً فيما شهده المسرح من تطور في العقود الأخيرة من حيث إدخال السينما والدراما التلفزيونية الى الإخراج المسرحي، وهذا يجعلنا نتوقف قليلاً عند هذه التجربة.

النص يتحدث عن شاب اسمه “فارس” الذي يقرر السفر بعد موت والده، عندما ضاقت به الدنيا، وساءت أحواله بشكل لم يعد من الممكن احتماله، وخاصة أمام الدائنين الذين يطرقون  بيته كلّ يوم.

يقرر “فارس” السفر دون أن يخبر والدته المريضة العاجزة عن المشي، وبعد شهرين يعود بعد أن تطورت أحواله المادية إلا أنّه يصطدم بغياب والدته عن البيت، وعندما يسأل عنها يعجز الجميع عن معرفة مكان تواجدها فيصاب بالشعور بالذنب بأنه سبب موت والدته، ويتراكم ويتطور هذا الشعور ليصل الى مرحلة يقتنع فيها أنّه قتل والدته.

وفي أحدى الليالي يأتيه ملاك الموت، ليخبره بأن موته قد اقترب وأنّ بعد ستّة ثلاثاء لن يعيش السابع. وهنا يقرر الشاب الانتحار أكثر من مرة إلا أنّه لا يموت رغم كل المحاولات التي قام بها.

هنا يسلم “فارس” للقدر وللعبة الموت والحياة حتى يصادف فتاة تصبح في ما بعد حبيبته التي تبدأ بالسؤال عن والدته حتّى تكتشف أن والدة فارس غادرت المنزل بعد نصف ساعة من مغادرة ولدها البيت، وبالتالي موتها كان في نفس اليوم الذي غادر به، فتخبر “فارس” بالحقيقة وبالتالي ينتهي لديه الشعور بالذنب لقتله والدته، وهنا عندما يأتيه ملاك الموت يتحداه بأن يستطيع  أخذ روحه.. هل كان فارس بحاجة الى أحد حتّى يزيح هذه الغمامة عن عينيه؟ أم أن حاجته للحبيبة هي التي دفعته إلى أن يعود إلى الحياة مرّة أخرى؟.

في المشهد الأخير، أو (اللوحة الأخيرة) يقرر فارس أنه لا يستحق الموت، وهذا العقاب :

فارس: لم أقتلها.. يا إلهي.. إنّ ذلك يغير كلّ شيء.

رجاء: لقد انتصرنا يا فارس.

فارس: أنا لا أستحق العقاب القاسي إذن.

رجاء: لا.. لا تستحق.. الليلة إذا ما أتى الشبح (الموت) سأبصق في وجهه وسوف أقول له.. كاذب.. كاذب.. كاذب.

هناك خطٌ عام يسير عليه غسان في جميع نصوصه المسرحية، خطٌ يتطور بشكلٍ تشعر أنك يجب أن تنتظر نصه التالي لأن هناك بوحٌ جديد يرتبط بالذي سبقه.. تبعية للفكر الغيبي عندما كانت الأسطورة هي المكون الأساسي للوعي الإنساني في مسرحية (الباب) وكيف بدأ الإنسان بالتمرد على الآلهة، ومن ثم مسرحية (القبعة والنبي) وأن الأشياء، أو العوالم التي نجهلها ما هي إلا إطار مادي يرتبط بتصوراتنا عنه وعن أنفسنا، وهنا يبدأ غسان بإحالة نظرته المادية العلمية إلى واقع معاش يحكى على لسان شخوصه المسرحية عندما يوجّه الصراع إلى الموضوع الاقتصادي والسياسي المتمثل في هيئة المحكمة كسلطة تتراوح في قوانينها بين الغيبية والوضعية .

ومتابعته لهذا الخط في مسرحية (البئر) عندما ينتهي إلى القول أن أسباب شقاء الأنسان ما هي إلا خضوعه لأنظمة استبدادية تحكمها بطانات فاسدة، ليعود في نصه (جسر إلى الأبد) ويشن هجوماً عنيفاً على طريقة التفكير الغيبي التي يتبعها الانسان في مجتمعنا عندما يستسلم للمجهول فيسطر عليه العجز .

غسان مضى في كتاباته المسرحية نحو جعل أيديولوجيته الماركسية، حياة تعاش وتحكى فوق خشبة المسرح، وأبطاله نهرٌ من البواعث والمحركات والدوافع التي تدعو إلى تطهير نفوس البشر من العجز أمام القدر، و الموت، عندما جعل أبطاله يواجهون ملاك الموت ورفضهم لأن تحدد لهم السماء حياتهم ومماتهم، كما فعل مع أبطاله في مسرحيته (الباب).

فضاءات غسان المسرحية مليئة بالتأملات الفلسفية، إنها فضاءات تدعو الى التعمق أكثر في الوجود والعدم، في الموت والحياة، في الحب والكراهية، السلطة، والأعراف الاجتماعية، لتحيلك أخيراً إلى فضاءات تنبش السراديب العميقة للنفس البشرية وتخرج إلى السطح تلك الرغبات المخفية وراء سلوكياتنا. إنها فضاءات تقوم على قلب (المنطق الواقعي) وتأسيس المتناقض والمتنافر، وبناء العلاقات المحتملة ضمن مساحة الأفعال التي يمارسها أبطال غسان التي تتصف جميعها بتلك “الحالات النفسية والعقلية التي تدافع عن نفسها ضد عدم كفاية ما تشعر به وضد إحساسها بالعدمية”  كما يقول أوكتاف مانوني .

فضاءات تمزج بين الكلاسيكي، واللامعقول والتراجيدي والواقعية.. فضاءات تنقل الصراع من ما بين الإنسان والآلهة، إلى ما بين الإنسان والقدر، ثم يتطور الصراع ليكون بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان ومفهومات مادية حسية، ووجودية .

مسرح غسان إنعكاس لفلسفته المادية التي تحارب كل ما هو غيبي وتدعو إلى التفكير العلمي. لذلك نراه يشنّ هجوماً عنيفاً على كل ما هو مجهول. فبقدر ما كان غسان مسكوناً بالقضية الفلسطينية فقد كان أيضاً مسكوناً بهاجس فكري .كل شيء في الوجود وحتى الإنسان نفسه وتفكيره والمجتمع كذلك بما فيها وبمن فيها، كلها انعكاسات للمادة التي ترتد إليها، والتي يبدأ منها الجدل.

النصوص جميعها اعتمد فيها غسان على وجود علاقة جدلية جاءت عن طريق ثنائيات. ففي كل نص هناك ثنائية هي التي تحرك الصراع.. انهزام الموت أمام الحياة، انهزام السماء وقدرها أمام قوى الأرض (الإنسان) ومنطقه العقلي، انهزام الوهم أمام الحقيقة .

 يقول شداد في مسرحية الباب: (يتجه إلى ركن الغرفة ويجلس فوق إحدى الطنافس ويبدو وكأنه يحلم “لقد علمتموني طاعة هبا منذ نعومة أظفاري.. وكنتم تقولون لي إنني لو أطعته لأدخلني الجنة، الجنة كانت كل شئ في هبا.. ولذلك وضعت في ذهني أن أبني جنتي فأتخلص من هبا، وأجعل من نفسي “هبا” لا يريد أن يطاع ولا يريد أن يطيع..”

 إنه التحريض على الثورة  ليس من خلال حمل السلاح، ولا هي ثورة ضد محتل بل ثورة على الفكر الغيبي. ثورة على الخوف من المجهول، وثورة على الفقر والاستغلال الذي تمارسه الأنظمة السياسية والاقتصادية المستبدة. إنها ثورة لإعلاء صوت الضمير الأنساني.

في مسرحية القبعة والنبي يقول على لسان بطله عندما يطلب منه بيع “الشيء” الدال على صوت الضمير:

(السيدة: دع الأمور تسير بيسر أيها العزيز.. لا تعاند. كن واقعياً. تصور كيف يستطيع صديقك مساعدتنا بلا حدود. صديقك الطيب. تتخلص من الجنين وتسدد ديونك وندخل دخولا رائعاً إلى حياه زوجية لا تنتهي سعادتها.. بل تصور أنه يستطيع تخليصك من السجن. قال لي اللحام الآن إن جميع أصحاب الدكاكين في الحارة قد تضافروا لرفع الدعوى ضدك.. أنها فضيحة حقاً.

المتهم: لن أبيعه.

السيدة: أيها العزيز!

المتهم: كيف سيكون بمقدورك أن تفهمي؟ أقول لك إنه عالمي.)

بدأ الصراع عند غسان لاهوتياُ ثم ميتافيزيقياً ليمضي أخيراً نحو ما يريد، الصراع الحقيقي، والوعي الحقيقي هو القانون الوضعي.. صراع الإنسان مع الذات والآخر. غسان ورغم قلّة كتاباته المسرحية استطاع الكشف عن المعادل الموضوعي المادي لمجمل الحياة الاجتماعية وجوهر المجتمع البشري من خلال ترجمته للفكر الفلسفي الذي ينتمي اليه.. “الإنسان ليس بحاجة إلى محرك أولي للحياة والكون، إنّه بحاجة الى أن يعي أن الحركة دائمة وذاتيّه”.

المراجع

  • شعث، أحمد. ( 2010). الأسطورة والخطاب الأيدولوجي في مسرحية الباب لغسان كنفاني. مجلة جامعة البحوث، مجدل 5.
  • سفر، بسام. (2016). قراءة في مسرح غسان كنفاني. أنتجلنسيا للثقافة والفكر الحر.
  • كنفاني، غسان .( 1964). مسرحية الباب. مؤسسة الأبحاث العربية
  • كنفاني، غسان. ( 1973). القبعة والنبي. مجلة الشؤون الفلسطينية.
  • كنفاني، غسان. ( 2015). جسر الى الأبد. مؤسسة الأبحاث العربية.
  • عيسى، يحيى و نقرش، عمر. (2013). توظيف التراث في النص المسرحي الفلسطيني. مجلة جامعة النجاح للأبحاث (العلوم الانسانية) المجلد 27 (3) ، 2013.

عن متولي أبو ناصر

شاهد أيضاً

جدلية التجسيد والتجريد في الاقتران الإنساني-الرقمي، فيلم Her مثالاً

من بين الكثير من الاقتباسات المتناثرة في هذا الفضاء الرقمي، هناك واحدة للفيزيائي الشهير ألبرت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *