سهرة مع إلياس خوري وروايته ” رجل يشبهني ” -القسم الثاني عشر-

XXVII

حلم العودة والموت في المنفى

ظل أهلنا ممن هاجروا في العام 1948 مكرهين ومجبرين ومخدوعين ناجين بأنفسهم، ظلوا يحلمون بالعودة إلى مدنهم وقراهم، ولكنهم لم يعودوا فماتوا في المنفى ودفنوا في مقابر مخيمات اللجوء أو حيث أقاموا. صارت المقبرة كما قال العجوز الفلسطيني المقيم في جنين هي الوطن. هجر العجوز، كما لاحظنا ونحن نحوض في دال الوطن، من عين حوض وظل يأمل بالعودة ولم يعد، وفي ربيع 2002 إبان اجتياح مدينة جنين ومخيمها توصل إلى ما توصل إليه، ويعد هذا العجوز واحدا من 700 ألف فلسطيني أصبحوا اليوم 7ملايين أنا واحد منهم وحكاية أسرتي لا تختلف عن حكاية العجوز. مات جدي في العام 1968 في مخيم عسكر وماتت جدتي بعده بعشر سنوات ثم مات أعمامي وأبي ولم يعودوا إلا زائرين. لي عم مات في الشام ولم يحضر أي من إخوته جنازته، ولي عم ثان مات في عمان عرفنا عن موته بعد فترة، فقد عاش مشرداً في المقاهي، وأما عمي الثالث فمات في اجتياح نابلس 2002 ودفن مع شهداء الاجتياح ولم نقم له بيت عزاء، لأننا كنا نعبش محاصرين في فترات منع التجول. كان أبي أوفر حظاً فقد مات في العام2006 وكذلك عمي الأصغر الذي مات في العام 2011. ماتوا ولم يعودوا.

في “رجل يشبهني” يموت راشد حسين في نيويورك. ظل راشد في العام 1948 في قريته مصمص وهاجر بإرادته في العام 1966 ليعيش مع آن المرأة اليهودية التي أحبها، ولكنه بعد تجربة مريرة هناك وفي العالم العربي قرر العودة إلى بلاده، ومات ولم يعد. (انظر الاستدراك أدناه ).

“أريد العودة” قال راشد لـ آن.

“لكنك لم تعد تستطيع العودة إلى فلسطين بعدما لبست كوفية الفدائيين”

“أريد العودة إلى الفلسطينيين كي أعود معهم إلى فلسطين”.

ومات في شقته مختنقاً. ومات آدم في نيويورك ميتة راشد. لقد ترك بلاده لأنه شعر أنه يعيش فيها في منفى، علّه يبدأ في نيويورك حياة جديدة، إلا أنه أخفق. لقد اكتشف أن جروحه لا تلتئم وهكذا يقرر: “يجب أن أعود إلى اللد” ورأى روحه هناك “تعانق أمي الأولى التي بنت عشها على أغصان شجرة زيتون تقف وحيدة في الوعر”.

وكما ذكرت من قبل فإن آدم رأى أن حكايته تكمل حكاية راشد ولكنها لم تكتمل فأخذ يبحث عن كاتب يكتبه بدلا من عذابه.

سكر آدم وذهب إلى شقته ليموت ميتة راشد بالضبط، ولم يعد إلى اللد ليبدأ من جديد، وإذا كان راشد عاد إلى فلسطين ليدفن فيها فإن آدم لم يعد حتى ميتاً. شرحت جثته في المستشفى ولم يلاحظ عليها عناصر جرمية، وسمح لشريكه اليهودي في المطعم بدفن الجثة، وبناء على وصية “آدم حسن دنون، لم تجر أي مراسم جنائزية، بل تم إحراق الجثة ونثر رمادها في نهر الهدسون، بحضور شخصين” ، وبعدما نثر الرماد، قالت (سارانغ لي) إنها ليست متأكدة من أي شيء. الرجل مات اختناقاً وقهراً. إنها حزينة، ثم اختفت ولم يرها أحد في مطعم “بالم تري” بعد ذلك.

كم فلسطيني مات في المنفى اختناقاً وقهراً؟!

مع مقال الأحد أكون كتبت الكثير عن الرواية ولكني لم أكتب كل شيء. ثمة كتابة عن البناء الفني للرواية تعرضت إلى جانب ضئيل منه، وأتمنى أن ينجزه ناقد يقرأ الرواية قراءة بنيوية تفصيلية.

استدراك

راشد حسين في ذكراه: “الفلسطيني في الرواية العربية”

في الأول من شباط 1977 توفي في نيويورك الشاعر الفلسطيني راشد حسين ابن قرية مصمص، ونقل جثمانه إليها ليدفن فيها في الثامن من الشهر نفسه.

أنجزت عن حياة الشاعر وأشعاره كتب ودراسات ومقالات كثيرة ورد ذكرها في كتاب نبيل طنوس «راشد حسين ويسكنه المكان: دراسات وقصائد مختارة» (2021)، ومنها دراسات محمود حسني وجمال سلسع وغيرهما، وكان غسان كنفاني الرائد الأول في دراسته شعر راشد في العالم العربي حين درس أشعاره في كتابيه عن أدب المقاومة.

في كتابي «الفلسطيني في الرواية العربية» (2022) توقفت أمام الأدباء والمفكرين الفلسطينيين الذين غدوا شخصيات روائية وأبرزهم إدوارد سعيد وكنفاني ودرويش وحبيبي وجبرا ومعين بسيسو.

إلياس خوري في ثلاثيته «أولاد الغيتو» كتب عن راشد حسين كما كتب عن المذكورة أسماؤهم وجعل من راشد شخصية روائية مؤثرة في حياة آدم دنون الشخصية المحورية في الثلاثية، لدرجة أن راشد عد من شخصيات ثلاث تركت أثراً كبيراً في حياة آدم، كما لو أن حياة آدم أكملت ما نقص من حياة راشد.

بوعي تام يكتب إلياس خوري عن الشخصية الروائية والشخصية الحقيقية وينطق مأمون الأعمى بما يراه في راشد.

حين يقص مأمون على آدم عن لقائه الوحيد مع طه حسين اكتشف أن الفرق بين الشخصيات الحقيقية والشخصيات الروائية المتخيلة لا وجود له، وحين يحكي عن راشد يحكي عن السجن وعن بيروت ومحاولة راشد الدراسة في جامعة نيويورك، يحكي عنه كأنه صديقه، وهنا يعقب آدم: «بدا مأمون كأنه يتحدث عن شخصية روائية، وليس عن إنسان حقيقي» ولذلك يخاطب مأمون قائلا: «تروي عنه كأنه بطل رواية».

ومع أن مأمون أعمى فإنه حين التقى براشد وأصغى إليه رأى كيف صارت الكلمات جسد الشاعر وقال: «رأيته كما أراك الآن» وروى الكثير عن راشد.

يرى إلياس خوري أن حياة راشد أكبر من شعره وأهم، وحين يقدمه شخصية روائية يجعلنا نتعاطف معه تعاطفاً كبيراً. حقاً إننا أحببنا شعره، ولكنا حين نقرأ عنه شخصية روائية نحبه أكثر. يطلب منه الضابط أن يكتب شعراً في استقلال الدولة فيرفض، ولكن الضابط يضغط على أهله لإجباره، فيتوسلون إليه حتى لا يعاقبهم وينقذ شرف العائلة (؟) فيكتب شعراً لا يشبهه.

يروي آدم عن ثلاثة مشاهد في حياة الشاعر تجعل من تعاطفنا معه تعاطفاً غير محدود:

الأول حواره مع المحقق الإسرائيلي عراقي الأصل الذي يتنكر لأصله ويعلن أنه إسرائيلي. كان المحقق قرأ قصيدة راشد «قبلك» فخاطبه:

«مش عيب هالحكي. مين هي البنت. أكيد قصدك بنت يهودية. إنتم العرب ما بتهتموا إلا بإشي واحد. استحوا»

«إنتو العراقيين أسوأ منا، فبلاش تتفصحن علي»

«أنا مش عراقي. أنا إسرائيلي»

«وأنا مش إسرائيلي، أنا فلسطيني»

«لأ، إنت مش فلسطيني. إنت عربي في أرض إسرائيل».

حير راشد المحقق فيم كان يعنيه بالقصيدة. هل كان يعني المرأة أم الأرض؟

وحاول أن يشرح له بأن كل شيء في فلسطين صار مستعاراً. كيف صارت فلسطين إسرائيل ومرج بن عامر عيمق يزراعيل؟

الثاني يتعلق بذهابه إلى بيروت فدمشق وطرده منها. لم ينجح راشد في أن يكون موظفاً في مركز الأبحاث الفلسطيني، إذ لم يضمه أنيس صايغ إلى المركز بسبب شربه الخمر وعدم انضباطه، ولم يقوَ في دمشق أن يخفض صوته تحسباً للمخابرات السورية. في العالم العربي فقد صوته فعاد إلى نيويورك ثانية.

الثالث علاقته مع زوجته اليهودية آن التي آثرت البقاء في نيويورك والتدريس في إحدى الجامعات ولم تحتمل إغراقه في شرب الخمر، وحين فكر بالعودة إلى فلسطين قالت له:

«لكنك لم تعد تستطيع العودة إلى فلسطين بعدما لبست كوفية الفدائيين» وانفصلا.

كيف نظر آدم إلى راشد الذي لم يلتقِ به إلا في المنام؟

قال آدم: «الشاعر الذي لا أعرفه جاء إلى ليلي وأخذني إلى منامه» و » وقال إنه دخل إلى منامي كي يقول لي إن حكايتي الناقصة تحتاج إلى حكايته كي يكتمل فيها المعنى» و» كان لا بد من راشد حسين كي تكتمل قصة وضاح، وكان لا بد مني، أنا آدم دنون كي تكتمل قصة راشد، أما قصتي فلن تجد من يكملها. هكذا الأدب، إنه بحث عن النقصان لا عن الاكتمال».

يثير إلياس خوري سؤالاً مهماً حول راشد هو:

– لماذا لم يكتب حكايته مع آن؟

– لماذا لم يكتب قصائد حب فيها؟

«إن الشعر عاجز عن كتابة الحب، فالشعر يكتب غزلاً، وأنا لست في باب الغزل» يقول آدم/ إلياس على لسان راشد.

 (5/2/2023. صحيفة الأيام https://www.al-ayyam.ps/ar_page.php?id=15cd737fy365785983Y15cd737f )

عن د.عادل الاسطه

شاهد أيضاً

الذكرى الـ 76: سرديّة النكبة عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ

شهد إحياء الذكرى السادسة والسبعين للنكبة هذا العام تصعيدًا ملحوظًا مقارنة بالأعوام السابقة، وذلك من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *