ذكريات قريبة عن ماضٍ بعيد..

1

كلُّ إنسانٍ يشبهُ موتَه، ولكنّ هذا الموتَ لا يشبهُ صاحبَه.
لست أذكره إلا قارئاً أو كاتباً. مذ كنّا صغاراً وصورته مرتبطةٌ في ذاكرتي بالكِتاب، فقد كان يوسف والقراءة لصيقين منذ بكور الحياة، حتى حين لم يكن لديه بعد أية إمكانيةٍ لشراء كتابٍ واحد: كان يستأجر الكتب من دكانٍ في مدينة بعلبك حيث كنّا نقيم في إحدى ضواحيها: مخيم ويفل للاجئين الفلسطينيين.
كان في الخامسة عشرة من عمره، وكنت أصغره بسبع سنوات.. وفي هذه السّن تحديداً أصبح كلانا يتيم الأب: هو في الخامسة عشرة وأنا في الثامنة فقط. ومن غير المعقول طبعاً أن تقع مسؤولية الأسرة الفقيرة على ابن الثامنة، والأمر الطبيعي في هذه الحال أن يكون العبء كله على كاهل الولد الأكبر بين أخوته. ويوسف كان الأكبر، ويوسف كان الكبير منذ طفولته وحتى مماته.
المسؤوليات التي حملها الفتى على كاهله كانت جساما: إعالةُ أسرةٍ من ستة أفراد: الجدّة العجوز، الأم، الأخوة الأربعة.. أسرةٌ ليس فيها مُنتِجٌ واحد سواه. وكان هناك أيضاً المدرسة والدراسة، وهناك أيضاً وأيضاً الهَوَس بالكتب التي ما انفك يستأجرها، والتي كان يحلم بأن يقتنيها في ذات وقت وذات مكانٍ لا يضيق فيه المنزل بالكتب والمكتبة، فلا مكتبةَ بلا منزل، وبلا مالٍ بطبيعة الحال. ونحن لم نكن نملك أياً من الاثنين، لم نكن نملك سوى الفقر وسوى حيّزٍ صغير من مساحة إسطبلٍ كبير. نعم، إسطبل بالمعنى المباشر للّفظة، وليس المعنى المجازيّ. فقد وضعونا في مكان حيواناتهم أمام المعالف في ذلك الحيّز الصغير من الإسطبل في ثكنة “ويفل” العسكرية- من مخلّفات الجيش البريطاني في لبنان. ذلك المكان الذي كنا نسميه اعتباطاً منزلنا. وهذا “المنزل” كان التعويض الوحيد الملائم عن دارنا الوسيعة في جليل المسيح. هكذا ارتأى ربُّ السماء “يهوه” وأرباب الأرض من ستالين إلى تشرشل. تعويضٌ عادل حسب تقديرات الأمم المتحدة. حسناً يا مستر تشرشل ويا رفيق ستالين، ولكن أين نضع المكتبة، حتى لو كنا نملك المال؟ أفي معالف خيول جنودكما الأشاوس؟!
المكتبة الحُلم كانت مستحيلة التحقيق قبل الرحيل عن لبنان إلى سوريا سنة 1956.. غادرنا الإسطبل إلى غير ما رجعة. نزلنا في مخيم اليرموك جنوبَ دمشق.. كان الفتى يوسف قد بلغ الثامنة عشرة من عمره. وكان المشوار إلى حلمه ليس قريباً بعد.

2

ما الشعر العظيم؟ لعلَّ هذا قد كان أهم الأسئلة الكبيرة التي انشغل بها أبو الوليد بعد أكثر من نصف قرن على اللبنة الأولى التي وضعها في أساس المكتبة العملاقة والتي كنتُ عليها من الشاهدين. حدث هذا في عام 1958. في صيف ذلك العام بالتحديد كان يوسف دون العشرين من عمره بثلاثة شهور. كان يخدم في كتيبة عسكرية تُعرف باسم (كتيبة حرستا). شيء من قبيل قوات النخبة. أو حتى نخبة النخبة، فقد كانت المهام الموكلة لهذه الكتيبة: العمل خلف خطوط العدو. كان يوسف طويل القامة، عريض المنكبين، وكان في الحقيقة صاحب قوة بدنية هائلة. في صيف عام 1958 (وما أقوله ليس تأريخا.. مجرد ذكرياتٍ بعيدة.) كان في لبنان حربٌ أهليّة. وكان النظام طرفاً في تلك الحرب، فقد كان رئيس الجمهورية الراحل (كميل شمعون) يتزعم هذا الطرف. أما الطرف المقابل، أو المعارِض فقد كان يتزعمه الراحل (كمال جنبلاط) والد السياسي اللبناني المعروف السيد (وليد جنبلاط). أعلنت الولايات المتحدة انحيازها للنظام اللبناني، وأعلنت الجمهورية العربية المتحدة (ولم يكن قد مضى على ولادتها إلا شهورٌ معدودات) انحيازها للمعارضة اللبنانية. أرسلت الولايات المتحدة أسطولها السادس إلى بيروت. ولعلّ هذه الخطوة قد أربكت حسابات جمال عبد الناصر، فالشأن السياسي شيء والعمل العسكري شيء آخر. أمرَ الرجل بإرسال قوات النخبة من ريف دمشق إلى بيروت أيضاً. وربما وجّه أمراً إلى قادة تلك القوات باستجرار المارينز إلى حرب الشوارع. وهكذا وجد يوسفٌ نفسه في شوارع بيروت فجأة. ليس لديّ تفصيلات حول القتال الذي كان يجري ذلك الصيف في بيروت. لديّ ذاكرتي الدمشقية فقط. في أحد نهارات ذلك الصيف، بين العصر والمغرب، كنت عائداً إلى منزلنا في مخيم اليرموك من مباراة طفولية خائبة بكرة القدم في ملعب المخيم. في ذلك اليوم شاهدت أمراً لم أشاهده في حياتي مرتين. لقد رأيت أمي في الطريق بلا غطاء رأس. كانت تبكي وتلطم وجهها وتنوح، بل تولول. أرعبني المنظر، فرُحتُ أبكي أنا أيضا من دون أن أعلم السبب الذي جعل أمي في هذه الحال التي لم يخطر يوماً ببالي احتمالُ وقوعها. لم تكن قد رأتني بعد. لكن وما إن وقع بصرها عليّ حتى اندفعتْ نحوي وضمّتني بقوّةِ من هو موشكٌ على فقدان أغلى ما يملك، من دون أن تتوقف عن العويل. “يمّا شو في؟” سألتُ بصوت مرتجف من الخوف الذي صرتُ له فريسةً طيّعة. أظنها لم تكن تراني، رغم أنها تضمّني إليها بعنفٍ لا علاقة له بحنان الأمومة بقدْر ما هو نابعٌ من غريزة البقاء. ولكنها مع ذلك ردّت على سؤالي. كان صوتها مرتجفا يختنق بالدموع: “يوسف مات يا حسن..أخوك مات يمّا.. أبونا مات يا حبيبي.. كمان مرّة صرنا أيتام خيّا.. شو أعمل أنا يا ربي؟!. أنا شو أعمل؟! يا جماعة الخير حدا يقوللي أنا شو أعمل..” وتوقفتْ فجأةً عن عناقي. تركتني مشلولاً من هول فكرة أن يكون أبي الثاني قد مات أيضاً، وأن أكون قد أصابني اليُتمُ مرتين في عدد قليل من السنين. رفعتْ أمي يديها إلى السماء، وراحت تحتجّ على أفعال خالقها: “إحنا شو ساوينالك يا الله؟!. شو الذنب اللي عملناه تحت عرشك تتنزل علينا كل هالمصايب؟!. “وحدي الله يا أم يوسف. إنتي مرا مؤمنة يا أم يوسف. وحدّي الله وامسحي وجهك بالرحمن.” كان الجيران يواسونها. ينصحونها بألا تكفر بالله الذي ما من أمر يصنعه إلا وله فيه حكمة. ولكنّ المرأة الثكلى لم تكن ترى أية حكمةٍ في موت ابنها البكر الذي لم يبلغ العشرين من عمره، والذي تعقد عليه الآمال كلها في انتشال أسرتها الصغيرة الفقيرة من براثن حياةٍ لا مكان فيها للرحمة الآدمية. مَنْ الذي حمل إليها نبأ مقتل يوسف في أحد شوارع بيروت؟ لا أعرف. راحت المرأة فجأةً تركض. لقد كانت ملتاثةً تماما. رحتُ أركض خلفها أحاول أن أعيدها إلى المنزل. تعلّقتُ بذيل ثوبها. اكتشفتُ أنني أكثرُ ضعفاً من عمل أيّ شيء لانتشال أمي من لجّة الأسى الذي غرقنا فيه كلانا على حين غرّة. “لوين رايحة؟ بس قوليلي لوين رايحة.. منشان الله يمّا ترجعي عَ البيت!” كنتُ أستجديها من خلال الرعب الذي أحكم عليَّ قبضته. لقد احتلني بالكامل. كنت أستجديها العودة. أستحلفها بالله. برحمة أبي في قبره. بلا فائدة. رجعتْ لا تسمعني. لا تراني. كانت تركض باتجاه حيّ الميدان. أقرب أحياء دمشق إلى المخيم. أعرف هذا الطريق على نحوٍ جيد. هناك مدرستي. لم يكن في المخيم مدارسُ تلكَ الأيام. “يمّا شو في بالميدان؟. خلينا نرجع عَ البيت.. أبوس رجلك يمّا.” لم أكن قادراً على عمل شيء غير انتظار معجزة من السماء. ولم أكن أعلم أنّ المعجزة تنتظرني على الطريق إلى حيّ الميدان. لقد ظهر خالي فجأةً أمامنا. كان رجلاً قويّ البنية. كان عائداً مشياً من المدينة. لم يكن ثمّة مواصلات تربط دمشق بمخيم اليرموك. استطاع الرجل الشاب القوي، ببعض الصعوبة، أن يسيطر على أخته التي توشك أن تفقد عقلها. كانت تقول له: “سمعت خيّا؟. سمعت شو صار فينا؟” قال لها: “سمعت، سمعت. وببشرك إنو الخبر اللي وصلك مش صحيح. يوسف بعدو طيب. موجود بالمستشفى، بس بعدو طيب. وانشالله بيرجعلك بالسلامة عن قريب.” كانت معلومات خالي أكثر صحةً من معلومات الشخص الذي حمل النبأ القاتل إلى أمي. كان يوسف يرقد في أحد مستشفيات بيروت. وكان الأطباء اللبنانيون قد أجروا له أكثر من عمل جراحي بعد أن أصيب بثلاثة أعيرةٍ نارية في إحدى المعارك الدائرة رحاها في شوارع تلك المدينة. وأمي لم تصدّق أخاها، رغم أنه أقسم لها بالله على صحة أقواله. ونذرتْ أمي أن تشعلَ شمعةً في مقام “ستنا زينب” لو كان ما يقوله أخوها صحيحاً. ربما كانت تلك هي المرة الأولى التي سمعت فيها عن “ستنا زينب”. أعرف زينب بنت الجيران التي تكبرني بخمس سنوات. كانت صبيةً جميلة مكتملة الأنوثة. وكنت أنا في ملامح الطفولة بعد. سألتُ أمي لاحقا عمن تكون “ستنا زينب” التي ستشعل شمعةً في مقامها. قالت لي: “ستنا زينب بنت سيدنا محمد.” وعندما كبرتُ قليلاً وعرفت قصة “ستنا زينب” حاولت أن أصحح لأمي معلومتها هذه. قلت لها:” ستنا زينب حفيدة سيدنا محمد، مش بنته.” قالت لي: “اخرس إنت..شو فهمك؟” وخرست طبعاً، ثم لم أعد إلى مناقشتها في الأمر. كانت النفوس قد هدأتْ. كان يوسف قد عاد إلى الدار سالماً. عاد بإجازةٍ طويلة من أجل النقاهة. وعاد بمئة ليرةٍ مكافأةً أمرَ له بها قائدُ الكتيبة تقديراً له على شجاعته في الميدان. كان نصيبي منها خمس ليرات. قطعة نقدٍ ورقية أمسكها بيدي للمرة الأولى. كان في السابق يعطيني ربع ليرة، وحين يكون كريماً يعطيني نصف ليرة. فقط في عيد الفطر وفي عيد الأضحى كان يعطيني ليرةً كاملة. وفجأةً خمس ليرات من قطعةٍ ورقية، ومن دون عيد. احتجّتْ أمي على الأمر وحاولتْ إقناعه بالعدول عنه. ولكنه لم يتراجع. وغيرُ الإجازة والليرات المئة، عاد الشاب الصغير من بيروت حاملاً صندوقين من الكتب، رأتْ فيهما أمي عبئاً على منزلنا الضيّق، ورأيتُ فيهما نوعاً من العبث. ما هذه الأسماء الغريبة؟ كنت أسأل نفسي. جان بول سارتر- ت.س.إليوت- فيدور دوستويفسكي – وليام شكسبير.. سألته مرّة: “ما هذه الأسماء؟” قال: “ألا تروقُك؟” قلت: “إنها تشبه أسماء الأدوية.” وفي الحقيقة أنني لم أكن أعرف من أسماء الأدوية شيئاً غير الأسبرين والسلفات يازول. ضحك أخي، وأصابع إحدى يديه تلعب بحلقات شعري الخرنوبي. ولا أمي ولا أنا كنا نعلم بما يضمره والدنا الصغير. لم نكن نعلم بأنه كان يضع اللبِنةَ الأولى في صرح المكتبة العملاقة التي تركها وراءه في مخيم اليرموك، حين أجبرته القنابل العشوائية على اللجوء ثانيةً. وكان لجوءاً لا عودة منه هذه المرّة. في اللجوء الأول عامَ 1948 كان في العاشرة من عمره، أو دون العاشرة بقليل، ولكنه تجاوز المحنة. كان قادراً على تجاوزها. كان قوياً بما يكفي من أجل ذلك، حتى إنه كان يحملني على كتفيه طوالَ الطرقات في البراري المختلفة. أما اللجوء شيخاً، فقد كان مهيناً إلى حدود الموت قهراً. فأين المكتبة التي أنفق بين محتوياتها أكثر من نصف الوقت الذي عاشه في هذه الدنيا غير المأسوف عليها؟! صندوق الكتب التالي جاء من العراق هذه المرّة. كان في ذلك البلد انقلابٌ عسكري ضد انقلابٍ عسكري. ربما كان هذا في عام 1960، وكان الانقلابيون الجدد في وضع ميداني لا يُحسدون عليه. وكانوا من دعاة الوحدة العربية. فاستنجدوا برائد القومية العربية. (جمال عبد الناصر) طبعاً.. قالوا لنا ونحن أطفالٌ بعد: جمال يريد أن يضمّ العراق إلى الجمهورية العربية المتحدة. وصفّقنا من الطرب.. وحدة ما يغلبها غلاّب. مصر، سوريا، وها قد جاء دور العراق. وقريباً تحرير الجزائر، ثم حفل التتويج بتحرير فلسطين السليبة.. وتغنّي أم كلثوم: بغدادُ يا قلعةَ الأسودِ. ونسكر من نشوة الحلم وهو يغدو حقيقة. الوحدة العربية يبنيها جمال حجراً حجراً. يبنيها أمام أعيننا. كان التاريخ يمشي في الطرقات بيننا. صناعته حيّة. بثٌ مباشر. وجمال لا يخذل دعاة الوحدة العربية في العراق. أرسل في مساعدتهم قوات النخبة المرابطة في ريف دمشق، وكان يوسف مازال في الخدمة. وها هو أخي الأكبر يجد نفسه مقاتلا في ضواحي بغداد، أو حتى داخل بغداد نفسها. لا أعرف.. هل جميع الدروب تقود إلى فلسطين؟ لست أدري. حتى إنني لم أفكر بهذا السؤال في ذلك الوقت. كان يشغل بالي شيء آخر: ألاّ يطرق أحدٌ بابَ منزلنا. ألاّ يأتينا من يقول لأمي: “مات يوسف.” كانت عيني على أمي طوال الوقت. وكانت أذني على باب المنزل طوال الوقت أيضا. كنت لا أنام الليل من خوفٍ يسكنني على نفسي، على أمي، وعلى أخي الذي لا نعرف عنه شيئاً سوى أنه يبني الوحدة العربية في العراق. حتى إنني قضيتُ عديد الليالي ساهراً في الحارة. أجلس على مصطبةٍ طينيةٍ صغيرةٍ بجوار باب المنزل من أجل أن أكون أنا من يتلقى الصدمة الأولى وليس أمي. لم أكن أقدر على رؤيتها ملتاثةَ العقل مرّة ثانية. وربما كانت تلك بدايات الأرق الذي مازال يعيش معي إلى اليوم. صرتُ حارس الصمت، حارس الليل، حارس الخوف. كنت أقسر نفسي على الصحو. أعدّ النجوم ليلةً بعد ليلةٍ. وأتعب من العدّ، أو يزلّ لساني وعقلي بالعدد الذي وصلت إليه، فأعاود الكرّة من جديد. في البداية كان الليل يرهبني. الخواء. العتمة. نباح كلب أظنه عواء ذئب كانوا يخيفوننا منه كثيرا. ذئب يجوب البساتين في الغوطة ليلاً. ومخيم اليرموك الحديث العهد في الوجود لم يكن إلا مجموعةً من المنازل الطينية الصغيرة المبعثرة بين تلك البساتين. والذئب يسعى إلى الثأر. يبحث عن القصاص من قاتل ابنه الوحيد الذي لا يعثر عليه إلى اليوم، وقد يأكل أحدَ الأطفال يوماً إن يئس من الوصول أخيراً إلى المجرم الحقيقي. الثأر أعمى. كانوا يقولون. وكنا نصدقهم. وكنت أشعر بالخوف. وأظل مع ذلك مرابطاً مثل كلبٍ وفيّ في حراسة المنزل من الغريب الذي قد يأتي إلينا حاملاً النبأ المشؤوم. أن يأكلني الذئب أرحم عندي ألف مرّة من رؤية أمي تائهةَ العقل، حاسرةَ الرأس في الطرقات، شاردةً، تركض وراء سرابٍ ما. كل أشياء الليل كانت ترهبني. حتى مواء القطط صار مخيفا، فأهرب إلى النجوم وأعيد عدّها. أظن أنّ مجموع النجوم التي عددتها أكبر بكثير من تلك التي نستطيع رؤيتها بالعين المجردة. ويعاودني العواء. عميقاً يأتي، بعيداً، يتردد في الأرجاء السكينة، مثل رجع الصدى. حزيناً كان يأتي، ملتاعاً، باكياً. أنصت جيداً. أحاول أن أفهم ما يقول الأب المحروق الفؤاد. إلى ماذا تراه يرمي من وراء ذلك البكاء كله؟! وأفكر: لعلّه يناديني. لعلني كنت ابنه القتيل! هل ناديتني يا أبي؟ أنا هنا، فتعال يا أبي، تعال. أنا بخير، ابنك بخير، جرْوُكَ الصغيرُ بخير، فتعال. أنا لا أستطيع الذهاب إليك. فمن ذا الذي يحرس المنزل إنْ تركتُ أنا هذه المصطبة؟! إذن، تعال يا أبي، تعال. صغيرك يا أبي في انتظار.. لم يحدث في العراق شيءٌ من ذلك الذي حدث في لبنان. رجع الشاب، الذي أوشك على الخروج من الخدمة، إلى أهله سليماً معافى. أما أنا فبقيت أميناً في حراسة الليل، متصادقاً مع السهاد، منصتاً إلى عواء الذئب يبحث عنّي أنا ابنه القتيل. مازلت إلى اليوم أسمع نواح الذئب المكلوم عليّ يتردد صداه في جنبات رأسي. رجع يوسف إلينا معافى، ولكنه جاء بما جعل أمي تُبدي المزيد من التذمر: الكتب. كان الشاب ماضياً في مشروعه بكل ثبات. ما من شيء كان يمكن أن يثنيه عن تنفيذ ما برأسه، من دون أن يعلم بأنّ القنابل العشوائية على مخيم اليرموك سوف تفعل ذلك في شيخوخته وبأنها سوف تقضي على كل ما بنى خلال أكثرَ من خمسين عاماً، وبأنها سوف تهينه إلى حدود الموت قهراً. نعم. يوسف سامي يوسف مات قهراً. هذه هي إفادة شقيقه حسن سامي يوسف. إنني أقدّم هذه الإفادة، بل هذه الشهادةَ، إلى جميع من يهمّه الأمر، فلسطينياً كان أو سوريّاً..

 3

لم تكن المكتبة العملاقة تبعد عنّي أكثرَ من سبعة كيلومترات، ولكنها كانت تبدو لي أبعدَ من الصينِ. كنت أسأل نفسي السؤال ذاته كل يوم: هل المكتبة مازالت صامدة؟ ألم تسقط على المنزل قذيفةٌ غبيّة رماها جنديٌ أعمى في لحظة ماجنة؟ ألم يقتحم اللصوص أو قاطعو الطرقات ذلك المنزلَ الواسعَ في مخيم اليرموك؟ ألم يستبيحوا جهد نصف قرن من الزمان أنفقه أبو الوليد من عمره يخدم الثقافة العربية قبل أن يجبروه على الشتات الثاني حيث مات، وحيث دُفن، وحيث وجدتني في حاجة إلى موافقة الجيش اللبناني من أجل أن أزور قبره وأقرأ الفاتحة إلى روحه التي طالما أنهكها الشتات؟ في منزله المستأجر في مخيم نهر البارد (ضواحي مدينة طرابلس اللبنانية) قادتني ابنتُه إلى الغرفة التي قضى فيها شهور الشتات الثاني اﻷليمة. الغرفة التي لفظ فيها أنفاسه اﻷخيرة. كانت الغرفةُ عاريةً تماماً. ليس فيها أثرٌ لكتاب. تملكتني قشعريرةٌ في مواجهة هذا العُرِيّ. كلُّ إنسانٍ يشبهُ موتَه، ولكنّ هذا الموتَ ﻻ يشبهُ صاحبَه. في منزله الواسع في مخيم اليرموك كان يتناول عشاءه باكرا، وعشاؤه كان صحناً صغيراً من اللبن الرائب مع كسرة خبز، أو كسرة خبز مع بضع حبات من الزيتون. وكان بعد العشاء يذهب إلى كتبه، ويغيب بينها حتى موعدِ نومه في الواحدة بعد منتصف الليل. وكان يستيقظ في السادسة صباحاً كلّ يوم، حتى وإن كان مريضاً. يشرب قهوته الصباحية ويرجع إلى كتبه. كلُّ إنسانٍ يشبهُ موتَه، ولكنّ الموجعَ في الحكاية هذه المرة أن هذا الموتَ كان قهراً. الغرفة عارية تماماً، ﻻ كرسيٌّ، ﻻ طاولةٌ، ﻻ رفٌ في حائط يحمل ولو كتاباً واحداً. ﻻ شيءَ إﻻ سريرٌ يصلح لأحد أمرين: النوم، أو الموت.. فقط. فأين الكتب؟ ربما كان هذا هو السؤال الذي ما انفكّ يلحّ عليه وسط ذلك العريّ من حوله وهو يلفظ أنفاسه اﻷخيرة. هكذا رحت أفكر وأنا أتأمل السرير العاري. كل شيء كان عارياً. حياتي كلها بدتْ لي تلك اللحظةَ عارية. لم تدمع عيناي أمام القبر الذي تُغيّبُ حفرتُه جثمانَ من صار لي أباً من بعد أن كان لي أخا. لم أشعر برهبة الغياب أمام القبر، غير أني شعرت بالرعب في مواجهة الأنفاس الأخيرة لشيخ أهانوه حتى السُكْرِ يومَ أجبروه على أن ينهي حياته مشرداً مثلما ابتدأها وهو طفل بعد. هل إهانةُ الشيخ أكثرُ قسوةً وبشاعةً من إهانة الطفل؟ لعلّي رحت أُجري مقارنةً بين إهانتين، أي الاثنتين أكثرُ رحمةً أو أقلُّ إيلاما؟! لا أعرف. جرّبت الأولى ولم أجرّب الثانية. لعلّي رحت أتصور كيف الأمر يكون، وكيف كان مع أبي الصغير. لعلّي تصورته شيئاً حيوانياً خالصاً، وليس يليق بآدميتنا نحن البشر. فليس يليق بالبشر إلا الكرامةُ. وكرامةُ الشيخ لا أثمانَ تعدلُها، فغطّتْ عينيّ غشاوة من دمعٍ سميك، وشعرتُ بوخزاتِ وجعٍ في أجناب رأسي. وجع فوق طاقتي على الاحتمال. والمرأةُ الشابّةُ بجواري أحسّتْ بما أعاني من فظيع الألم فاحتضنتني بقوة فجأة وهي تنشج وتقول وتكرر القول: “سلامة راسك عمي! سلامة راسك عمي حبيبي!” وقادتني إلى شرفة المنزل الوحيدة. كلانا كان بحاجة إلى الهواء. كلانا كان بحاجة إلى إنسانيته المغتصَبة. أخي يوسف! أرجو لكتبِك أن تصمد. أرجو لمكتبتك أن تقاوِم هذا الجهلَ وهذا القهر. سوف أوزّع الكتب على المكتبات العامّة لتبقى الثروةُ التي تركتَ في متناول جميع الناس.

عن حسن سامي اليوسف

شاهد أيضاً

قضية دير مار الياس الكرمل: الديني والسياسي (1)

القسم الأول آلاف من الحجاج المسيحيين واتباع الطوائف المسيحية العربية في الوطن يؤمّون دير مار …

2 تعليقات

  1. أحمـد عزيـز الحسيـن- ناقد سوري

    مقال شفيف ورهيف عن ناقدترك أثرا كبيرا في وعينا الجمالي، ورؤيتنا للأدب والحياة، السلام والرحمة لروحه.

  2. موسوعة علمية وثقافية نادر وجودها رحمه الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *