تداعيات حرب ٢٠٢٣: الاحتلال الإسرائيلي الرحيم والمريح

قسوة ردة الفعل الإسرائيلية الوحشية والبربرية على أحداث ٧/ ١٠/ ٢٠٢٣ أعادتني إلى ما ورد في العهد القديم عن قوانين الحرب، وإلى ما كتبه أدباؤنا في سردياتهم عن الاحتلال الإسرائيلي.
نادراً ما أعود إلى العهد القديم أقرأ فيه إلا إذا قرأت نصاً أدبياً تناص كاتبه مع نصوص العهد القديم. مثلاً وأنا أقرأ مسرحية معين بسيسو «شمشون ودليلة»، لأكتب عن صورة اليهودي فيها، عدت إلى سفر القضاة، وأما وأنا أقرأ «جدارية» محمود درويش فقد عدت إلى نشيد الإنشاد وجامعة.
مؤخراً وأنا أصغي إلى نتنياهو سمعته يقتبس من يحزقيل، وسمعت حاخاماً آخر يتحدث عن قوانين الحرب ويستشهد بسفر التثنية ويحدد مكان ورود المقتبس ٢٥: ١٩ و٢٠: ١٦ «تمحو عماليق من الوجود» و «ليس هناك رحمة. قد تظن أنك رحيم بالطفل. هذا الطفل سوف يكبر. لا تسمح لأي شخص بالبقاء على قيد الحياة». عندما عدت إلى الترجمة العربية للعهد القديم لم أقرأ ما أوردته مطابقاً ولكن قرأت كلاماً قريباً.
وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، أعلن منذ بداية الحرب حصاراً شاملاً على غزة فلا ماء ولا كهرباء ولا وقود ولا طعام، وحجّته أنه يحارب حيوانات.
أما الأديب الإسرائيلي الطاعن في السن (عزرا ياخين) فقال عن الفلسطينيين: إنهم حيوانات يجب إبادتها. كل هؤلاء الحيوانات. وبلغ الأمر أن طالب وزير التراث الإسرائيلي (عميحاي إلياهو) بإلقاء قنبلة نووية على غزة.
في التثنية الإصحاح العشرين قرأت «وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستبق منها نسمة ما»، وفي الخامس والعشرين قرأت «فمتى أراحك الرب إلهك من جميع أعدائك حولك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك نصيباً لكي تمتلكها تمحو ذكر عماليق من تحت السماء. لا تنس».
وأنا أشاهد منذ اليوم الثالث للحرب قصف البيوت على من فيها وتسويتها بالأرض، أخذت أتذكر ما ورد في أدبيات أدبائنا عن الرحمة لدى الإنجليز واليهود الصهيونيين.
كان إبراهيم طوقان المتوفى في ١٩٤١ كتب:
«
يا قوم ليس عدوكم ممن يلين ويرحم»
وحين أعدم الإنجليز محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي، كتب قصيدته الشهيرة «الثلاثاء الحمراء» التي ورد فيها:
«
لا تعجبوا فمن الصخور نبع يفور
ولهم قلوب كالصخور بلا شعور
لا تلتمس يوماً رجاءً عند من جربته فوجدته لا يشعر».
في العام ١٩٤٨، طردت إسرائيل ٦٥٠ ألف فلسطيني، وكان عدد من ارتكبت بحقهم مجازر لا يتجاوز الآلاف. كان همّها إفراغ الأرض من سكانها، وكانت المحرقة النازية (الهولوكست) حديثة، ولم تمانع في أن ينضم إلى برلمانها (الكنيست) عرب يعترفون بالدولة ويعيشون فيها مواطنين إسرائيليين، وكان من بين هؤلاء إميل حبيبي صاحب «المتشائل» الذي اعترف في آخر أيامه أنه حين كتبها كتب عن تجربته. يورد حبيبي في الرسالة التي حملت عنوان «الإشارة الأولى من الفضاء السحيق» حواراً بين سعيد المتشائل المتسلل العائد إلى عكا وبين معلمه السابق في المدرسة يورد الآتي:
«
والحقيقة يا بني أنهم ليسوا أسوأ من غيرهم في التاريخ»
فهززت رأسي استحساناً.
فقال: حقاً، إنهم هدموا القرى التي ذكرها القوم، وشردوا أهلها، ولكن، يا ولدي، إنّ في قلوبهم لرأفة لم يحظ بها أجدادنا من الغزاة الذين سبقوهم «ويذكر ما فعله الصليبيون في عكا في سنة ١١٠٤».
وفي الرسالة التي عنوانها «حديث شطط في الطريق إلى سجن شطة»، يورد على لسان محاوره الإسرائيلي الذي يعلمه كيف يتعامل مع السجان داخل السجن الآتي:
«
ولذلك قال الوفنا الوزير، إن احتلالنا هو أرحم احتلال على وجه الأرض منذ تحرّر الجنة من احتلال آدم وحواء».
وكان سعيد أخبر السجان أن السجون الإسرائيلية في معاملة المسجونين «هي من الإنسانية والرحمة» لا تختلف عن معاملة العرب خارجها، ولكنه يسأل محاوره ساخراً:
فبأي شيء تعاقبون العرب المذنبين يا سيدي؟
في الجزء الثاني من سيرتها وعنوانه «الرحلة الأصعب»، تأتي فدوى طوقان على لقاء مجموعة من رموز نابلس مع الحاكم العسكري (فريدي زاخ) الذي احتل مكانه قبل ١٩٨٧، وتورد حواراً جرى بينها وبينه.
أراد (زاخ) أن يستمزج آراء وجوه نابلس في الأوضاع، فاستدعاهم إلى مكتبه ليستمع إلى وجهة نظرهم في الأوضاع السائدة، وبادر فدوى بسؤالها:
ما رأيك في الهدوء الشامل منذ ستة أشهر؟
فأجابته بأنه مرفوض وممجوج، وأن القمع هو سبب الهدوء، وطلبت منه ألا يصدق من يقول له، إن الناس سعداء بهذا الهدوء فيما المستوطنات تقام والأرض تنسحب من تحت أقدامنا.
وعندما يسألها عن رأيها في الحكم الذاتي، تجيبه بأنه صيغة جديدة لكلمة «احتلال» ولا يغيّر من الواقع المرفوض شيئاً، وحين يسألها عن حل وإن كانت تفضل دولة اتحادية مع الأردن أم دولة فلسطينية؟! تجيب:
سواء لدي أكانت هذه أم تلك. الأكثر أهمية هو الخلاص من الاحتلال. فيقول:
ألا ترين أنه احتلال مريح؟
لن يشعر أنه احتلال مريح من يمر بتجربة الجسر وحدها. الإذلال والتعري من الملابس والسير حفاة بلا أحذية
لم تشهد فدوى طوقان، التي توفيت في العام ٢٠٠٣، ما شهدناه منذ عشرين عاماً وما نمر به، ولا أعرف إن كان فريدي زاخ ما زال على قيد الحياة فنستمع إلى رأيه!!!

2023-11-26

تم النشر بإذن من الكاتب

المصدر: https://www.al-ayyam.ps/ar_page.php?id=165ec3f1y375309297Y165ec3f1&fbclid=IwAR1cwt0ud9Ms4M7MDvCYPwOm0E3ZsDiQnCP-e6vL_FSYqOjbQxsyswYSRI4

عن د.عادل الاسطه

شاهد أيضاً

الذكرى الـ 76: سرديّة النكبة عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ

شهد إحياء الذكرى السادسة والسبعين للنكبة هذا العام تصعيدًا ملحوظًا مقارنة بالأعوام السابقة، وذلك من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *