تحت شجرة بوذا

الشاعرة السورية : فرات إسبر . ( الكتاب 300 صفحة )

الناشر : دار العرب للدراسات دمشق – سنة 2020

لا أخفي ارتباكي وأنا أكتب عن ديوان ( تحت شجرة بوذا ) للشاعرة فرات إسبر التي تخطت بشجاعة وصدق كل الخطوط الحمراء في الكتابة التي يضعها عالمنا العربي لدرجة أنني توقفت مراراً مبهورة بجرأتها وسعيدة أنها قفزت فوق الرقابة . ديوان أشبه بجدارية عن الوطن والغربة والحنين والحب واليأس والأحلام ، شعر يزخر بمشاعر غنية بالحياة والماء والزهور والأشجار والدماء ، ووجدت نفسي أمام تحد في كتابة مقال يُعبر عن روح الكتاب . لذا وجدت الأنسب أن أختار جملاً معينة من قصائد مدهشة الإبداع تختزن روح الشاعرة المبدعة . في مقطع بعنوان موت تُعبر الشاعرة عن نفسها : بقدر ما أحيا أموت – وبقدر ما أموت أحيا –تزهر حياتي مثل ربيع – وأجمع أوراقها مثل خريف . ولم أعرف لماذا تذكرت عبارة سيمون دو بوفار ( نحن لا نولد نساء بل نُصنع نساء ) لأن فرات إسبر في ديوانها ( تحت شجرة بوذا كتبت عن المرأة كإنسانة وليست كأنثى ) ورغم إعجابي الكبير بالشاعر نزار قباني وهو شاعر المرأة والحرية فإن أغلب أشعاره كانت عن افتتانه بالأنثى المثيرة والساحرة لكنه – برأيي – لم يغص كثيراً في روح المرأة كإنسانة ، بل ظهرت نرجسيته الذكورية في جمل كثيرة ( وما بين حب وحب أحبك أنت ) . لا أقارن على الإطلاق بين شعر نزار قباني ( وهو أيقونة في الشعر والإبداع وبين شعر فرات إسبر ) لكن أصابني ذهول وأنا أقرأ عبارة ( بحيضهن تخضر الأرض ) هي عبارة ثورية وفيها تحد كبير لكل المفاهيم الدينية خاصة والاجتماعية التي تعتبر المرأة في فترة الحيض مدنسة لا يجوز أن تصوم ولا تدخل الكنيسة أو الجامع وبشجاعة امرأة تتفجر الحرية في أعماقها وتقدس المرأة كواهبة للحياة والحب ، المرأة التي كانت في زمن مضى آلهة ( آلهة الخصب والحب والانتقام الخ ) تأتي عبارة ( وبحيضهن تخضر الأرض ) كإعلان ثورة لمفهوم الحيض الذي يُغني الأرض بالدم وعندها تنبت الأشجار والنباتات .

. تكتب فرات عن الله بحرية متصوف لا يحتاج لوسيط بينه وبين إلهه في مقطع بعنوان ( انهض يا قلبي الينبوع ) : سكرتُ سكرتُ ، اليوم بالدمع – قلتُ لربي : آه يا ربي ، هذا النبع قيدني بالدمع . طفتُ في الأرض سكرى من شدة الوجد – وقلت لكل زهرة عند مفرق النبع – ها قلبي – ها قلبي – أطوف به بين الدرب والدرب – بين الوهد والوجد .

تبحث فرات في كل شعرها عن مُسكن للحنين إلى وطن تعشقه ، عارفة سلفاً أن لا دواء للحنين أتأمل ما كتبت : من يؤنس وحشة الضوء بعد هذا الكسوف ؟ – في سماء كلها سفر إلى جنه أو عدم – نتقاسم الذكريات كأنها رغيف خبز – نصف لي ونصف لذاكرتي التي تنقر ذاكرتي وتُشجعني على النسيان . هذه الذاكرة طوفان والزمن رسام بديع .

لكنها تعرف أن النسيان مستحيل وأن وجع الحنين لا دواء له تعبر عن وجع الحنين :

  • لي مدينة اسمها الأسى – ولي قلب اسمه الشوق !
  • لا يفصل المحيط فرات إسبر عن مدينتا الساحلية الجميلة جبلة ، تعبر روحها المشتاقة إلى حد الوجد المحيط لتقف في موقف باصات جبلة ، وتجلس قرب بحرها وتتأمل الزهور على نوافذها ، وتحس بوجع الحنين والكارثة التي حلت بسوريا . لم تجعلها الغربة تنسى أبداً مدينتها جبلة ولا تنسى اللاذقية ودمشق وتتذكر أدق التفاصيل وباعة الكتب المستعملة في دمشق ، فرات تحس أن للأمكنة أرواح وروحها مسكونه بعشق وطن يستحيل أن يخف .
  • أنام على حلمي بدون وسادة – مسكونة بالوحدة حتى الموت .

وتعترف بهزيمتها حين تقول : أنا الغريبة التي أجيد اللغات والكتابة ولكنني لا أجيد قتل الحنين .

في مقطع بعنوان ( رجفة ) : الشجرة ترتجف أمام الباب – أنظر إليها ، تنظر إلي – غصن أخضر منها ، غصن يابس مني – اتحدنا في دورة الحياة – وكسرتنا الرياح .

ولا أخفي إعجابي بالإبداع والفكر الحر حين تكتب : – أحب الضعف كي يحبني الله

  • أحب القوة كي لا أحب الله . أهذا اختبار القوة أم اختبار الضعف يا الله ؟

. تكتب عن الحب :

  • اليأس خلق سماء بيننا أعطى معنى لي بأن لا أعود إلى المُتشابهات / أنت من طين وأنا من ماء . كلما جُبلنا ازددنا ابتعادا
  • – أيها الحب ، أغنية أنت في أذني التي لا تسمع ، وفي عيني التي لا ترى ، فاذهب إلى مصيرك حيث الصوفي والعاشق الواهمون بوجودك ، ويصورونك بالبديع من الجمل .
  • ولا ثمار في القبل .

وجع الوطن ينخر في قلب فرات ، موجع ومؤثر ما كتبته عن سوريا وعن جبلة وعن دمشق كم مؤلم أن تكتب : بلادي يُوقظها الدم من نعاسها ، يضع خنجراً في صدرها ويدعوها للصلاة .

وتكتب : شقيقان نحن يا هابيل ، شقيقان يا غراب ، الأرض سدوم كلها والإنسان جرح يقطع بطنها .

تكتب : أسمع صوت نساء الحارة الغريبات ، الوحيدات ، الحزينات . ومن رماد إلى رماد أنطفئ شوقاً ثم أموت .

كنت أتمنى لو أعيد كتابة الديوان كله ( تحت شجرة بوذا ) فمن الصعب تقطيع الإبداع ، لكني حاولت أن أنقل روح مبدعة حرة لا تعترف بالخطوط الحمر ولا بالسقف المنخفض للإبداع ، لأن الإبداع الحقيقي لا سقف له وقد يصل إلى السماء ويتجاوزها . أخيراً أختم بعبارة كتبتها فرات : ليموت الوحش لتقتله الشاعرات .قرأت الكثير من الشعر لشاعرات ومنهن مبدعات لكن كانت أغلب المواضيع التي تناولنها بشعرهن عن ظلم المرأة وآلام الحب ، وظلم القوانين والرغبة بالتحرر والحرية ، لكن ظل الخوف كوشاح يُغلف تلك القصائد ، لم تكتب شاعرة عبارة ثورية كما كتبت قرات ( بحيضهن تخضر الأرض ) ولم أقرأ لشاعرة حواراً لها مع الله بحرية دون أي اعتبار لجنات الخلد ولنار جهنم . فرات تتكلم مع رب العالمين الذي خلقها حرة أي تفكر بحرية ، وتسأل وتعترض . أحد الفلاسفة يقول ( الإنسان سؤال ) .

أخيراً حين التهمت ديوان ( تحت شجرة بوذا ) لفرات أسبر وجدتني أفكر في فيرجينا وولف ولا أعرف لم فكرت بها بعمق وهي العظيمة التي أعتبر نفسي تلميذتها ، فثمة رابط خفي بين كتابة فرات إسبر الحرة وبين كتب فيرجينيا وولف خاصة كتاب ( غرفة تخص المرء وحده ) وهو كتاب نقدي للعديد من أهم روايات بداية القرن التاسع عشر. روايات لكاتبات عظيمات اضطرهن ظلم المجتمع أن يكتبن بطريقة تحميهن من الأذى والمحاكمة وربما القتل ، كل الكاتبات اللاتي كتبت عنهن فيرجينيا وولف لجأن إلى أن تكون بطلة الرواية ( مجنونة ) لأن المجنون لا يُحاسب على أقواله وأفعاله ، وكان صوت المجنون هو صوت الكاتبات .

فرات إسبر لا تحتاج أن يكون بطل شعرها مجنون فهي تملك روحاً حرة وجرأة وربما من حظها أنها بعيدة عن العالم العربي الذي يتراجع في مجال الحرية ويدين ويُكفر .

نحن نحتاج في هذا الزمن إلى شاعرات تحديداً يقطعن الصلة مع ماضي متخلف مع جرائم الشرف والعذرية ، وربط شرف المرأة بالرجل الذي يُقرر حياتها ، نحتاج إلى ثورة فكرية أولاً ثم تلحقها الثورة الأدبية والفنية . وأحب أن أختم بعبارة عظيمة للشاعرة الإيرانية ( فروغ فرخ زاد ) التي كتبت ( أثمت إثماً مُشبعاً باللذة ) كان ثمن هذه العبارة أن طلقها زوجها وطردها والدها من البيت .

عن هيفاء بيطار

شاهد أيضاً

الذكرى الـ 76: سرديّة النكبة عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ

شهد إحياء الذكرى السادسة والسبعين للنكبة هذا العام تصعيدًا ملحوظًا مقارنة بالأعوام السابقة، وذلك من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *