الرئيسية > Uncategorized > تاريخ الدولة المركزية في فلسطين

تاريخ الدولة المركزية في فلسطين

شهد تاريخ فلسطين عبر مختلف العصور تفاعلاً إنسانياً وحضارياً في مختلف المجالات، خاصةً في مجال السلطة والإدارة أو النظام السياسي بشكل عام، والذي اختلفت أشكاله ومراحل تطوره ونضوجه تبعاً للمراحل التاريخية المختلفة، وتفاعلاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية. فمنذ ظهور أريحا قبل أكثر من عشرة آلاف عام، كانت حاجة الإنسان الفلسطيني ملحّةً لخلق وابتكار شكلٍ ينظم من خلاله حاجاته ومتطلباته المعيشية، ويدافع به عن نفسه، وكان أعلى وأرقى أشكال هذا التنظيم هو الدولة المركزية الفلسطينية، والتي تعرضت قصداً أو جهلاً لتشويهٍ وتزويرٍ عبر تاريخها الممتد لنحو ثلاثة آلآف عام. ستركز هذه الدراسة على تاريخ الدولة المركزية الفلسطينية بمختلف جوانبها وتفصيلاتها، إلا أنه من الجدير أولاً تناول النظام الذي سبق ظهور الدولة المركزية، والذي شاع في فلسطين ومنطقة بلاد الشام قبل أكثر من خمسة آلآف عام، وهو ما يعرف بنظام دولة المدينة (City State )، ويمكن اعتباره النموذج الأول والممهد لظهور الدولة المركزية الفلسطينية.

أولاً: دولة المدينة الفلسطينية.

مع نهاية العصر النحاسي وبداية العصر البرونزي، أي تقريبا 3200 ق.م، شهدت فلسطين تطوراً زراعياً، أدى توسعه إلى استقرارٍ سكانيٍ تكيف فيه السكان مع هذه البيئة؛ الأمر الذي أدى الى ظهور بنىً سياسية، والتي تطورت لتوصف من قبل الدارسين والمؤرخين بظهور المدينة في فلسطين، ولكن المدينة الفلسطينية هنا لم تكن بذلك الشكل المتطور والمنتشر في سوريا كمدن ماري وابله، بل اتخذت المدينة الفلسطينية شكلاً بدائياً، وأصغر من تلك المدن المذكورة، فلم تتوفر سلطة مركزية أو إقليمية لتلك المدن، كما أن عنصر التجارة الخارجية كان غائباً في تلك الفترة (1).

مع حلول العصر البرونزي الوسيط حوالي(2000 ق.م)، نضجت البنى الأساسية للمدن الفلسطينية الرئيسية لتشكل ما يسمى بنظام دولة المدينة، والتي ظهرت قبلها بكثيرٍ في المدن السورية، ومن أشهر تلك الدول المدينية الفلسطينية شكيم (نابلس) وحاصور (تل قدح) شمال شرق صفد، ومجدو (تل المتسلم) غرب سهل يزراعيل (مرج بن عامر). يمكن وصف الدول المدينية في فلسطين بأنها مكونةٌ من مدينةٍ مركزيةٍ، ويأتي من حولها قرىً ومزارع تصل بينها الأراضي الزراعية، أي بين المدينة والقرى من حولها، مع الإشارة إلى أن هذه القرى أو المزارع كانت مستقلةً ذاتياً ومكتفيةً اقتصادياً (2).

وتشير النصوص المصرية من زمن المملكة المتوسطة أن هناك عائلاتٍ حاكمةٍ سيطرت على المدن الكبرى في فلسطين، ولم تشكل تلك المدن الفلسطينية الكبرى مراكز اقليميةً من حيث التسويق والتبادل التجاري والصناعة ومقومات الدفاع الذاتي. ورغم وجود تطورٍ جزئيٍ في التبادل التجاري وخلق تحالفاتٍ سياسيةٍ بين العائلات الحاكمة لهذه المدن، إلا أنها لا تعتبر نموذجاً متطوراً للمراكز الإقليمية لنظيراتها في سوريا ومناطق أخرى في بلاد الرافدين، كما وأنها لا تعتبر نموذجاً متطوراً للدولة المركزية والتي تتبع لها عدة مدن ضمن إقليمٍ جغرافي موحدٍ، كما هو الحال في مصر (3).

ومع نهاية العصر البرونزي الوسيط تقريباً، خضعت فلسطين للنفوذ المصري الذي لم يكن حكماً مباشراً، وإنما من خلال مشايخ وملوك الدول المدينية، والذين اعتبروا موالين للحكم المصري. حيث اعتبرت تلك الفترة، فترة استقرار سياسيٍ واقتصادي تمتعت به تلك الدول المدينية في فلسطين، رغم أنها كانت مسرحاً في بعض الأوقات للصراعات السياسية والعسكرية بين مصر في الجنوب، وممالك الحثّيين والميتانيين في الشمال، وبقي ذلك النمط للنفوذ المصري مستمراً بشكل عام حتى تلاشيه مع العصر الحديدي الثاني زمن الفرعون رمسيس الرابع(4).

مع حلول العصر البرونزي المتأخر تقريباً عام 1600 ق.م، بدأت تسود في منطقة شرق المتوسط حالةٌ من التغيرات المناخية والبيئية التي أدت الى ارتفاع درجات الحرارة، وانخفاض مستوى هطول الأمطار وتراكمها في المياه الجوفية؛ الأمر الذي أدى في النهاية إلى حالةٍ من القحط والجفاف كانت ذروتها الشديدة في عام 1200 ق.م، أي مع نهاية العصر البرونزي المتأخر، وبداية العصر الحديدي، ونتيجةً لهذه العوامل الطبيعية؛ فقد طرأ تغييرٌ كبيرٌ على الثقافة المادية للعصر البرونزي المتأخر، حيث شهدت فلسطين وسوريا هجراتٍ سكانيةٍ داخليةٍ من المناطق المصابة بالقحط والجفاف بشكلٍ مباشرٍ، إلى مناطق أخرى أقل تأثراً بتلك الحالة المناخية وتتوفر فيها مصادر المياه. ومن أمثلة التغيير في معالم الثقافة المادية هو تحول السكان إلى الرعي، بعد أن كانوا معتمدين على الاقتصاد الزراعي القروي، خاصةً في فلسطين. كما وأن هذه الحالة المناخية ساهمت في إفراغ العديد من المناطق المأهولة، وتحول السكان إلى مناطق أخرى، خاصةً في الأراضي المفتوحة المناسبة للرعي، وبالتالي فإن الكثير من المدن الفلسطينية خلت من السكان و تم هجرانها، وتعرضت للدمار بفعل العوامل الطبيعية بعد أن كانت مزدهرةً ومنتعشةً قبل حالة الجفاف تلك، حيث اعتبرت هذه المرحلة بأنها مرحلة نهاية نظام الدول المدينية، ليس فقط في فلسطين، بل في عموم بلاد الشام، ومثل ذلك منطقة المرتفعات الوسطى في فلسطين والجنوبية أيضاً، والتي أُعيد استيطانها بعد ذلك خلال العصر الحديدي الأول والثاني. وهنا في حركة الاستيطان الجديدة في تلك المنطقة فُسرت من قبل الدارسين والمؤرخين التوراتيين على أن هذا الاستيطان الجديد في الجبال الوسطى والجنوبية (السامرة ويهودا) قد جاء من قبل الإسرائيليين الأوائل مؤسسي المملكة الاسرائيلية الموحدة، رغم أن المكتشفات الأثرية تفسر أن المستوطنين في تلك المناطق قد جاءوا من النسيج السكاني المحلي في فلسطين، والذي اتّسم بملامح الثقافة المادية الكنعانية وليس من خارجه، وهذا ما سيتم تناوله بشيء من التفصيل في القسم التالي من الدراسة (5).

إن انهيار معالم الثقافة المادية والحضارية للعصر البرونزي المتأخر في منطقة شرق المتوسط قد جاء نتيجةً لهذه الكارثة البيئية والمناخية المذكورة سلفاً، وما رافقها من دمارٍ اقتصادي شاملٍ، حيث انهارت الكثير من الممالك، كمملكة الحثّيين في الأناضول، وأوغاريت بعدها في سوريا، وغيرها من المدن في فلسطين، وهذا الدمار الشامل قد دحض فرضية أنه جاء نتيجةً لغزو شعوب البحر الى المنطقة، وبالتالي، فإن العوامل الطبيعية هي من كانت وراء تلك الكارثة الحضارية على المنطقة، وذلك مع نهاية العصر البرونزي المتأخر بحلول عام 1200 ق.م. إن هذه الكارثة المناخية والاقتصادية شملت منطقة بحر إيجه وكريت، كما وأدت الى ظهور حروب داخلية في تلك المنطقة؛ ساهمت في هجرةٍ كبيرةٍ من تلك المناطق للبحث عن مناطق أخرى أكثر أمناً وغذاءً، وبالتالي، فقد تفرقت مجموعات متعددة من سكان الأرخبيل الإيجي، ومنها مجموعةٌ توجهت الى السواحل الآسيوية في الأناضول، حيث حاولت الاستيلاء على ما تستطيع الاستيلاء عليه من آثار الكارثة، إلا أنها لم تجد الكثير؛ فمعظم الممالك والمدن في بلاد الشام وما حولها قد تعرض لنفس الكارثة المناخية والمجاعة، وبالتالي توجهوا جنوباً باتجاه فلسطين عبر الساحل، وكانت وجهتهم النهائية هي مصر، إلا أن رمسيس الثالث قد صدهم في معركة كبرى عام 1191 ق.م، وقضى على معظمهم، وما تبقى منهم، وهم أعدادٌ قليلةٌ، قد استقر على الساحل الجنوبي لفلسطين والذي سمي حسب الوثائق المصرية بيليست، وحسب الأسفار التوراتية أرض الفلسطينيين. أما في الوثائق الآشورية، فأُطلقت عليها منطقة فلستيا، إلا ان هذه المجموعة من المستوطنين الجدد لم يحافظوا على تكوينٍ اثنيٍ وثقافةٍ مميزةٍ لهم لمدةٍ طويلةٍ، فسرعان ما اندمجوا في ظل الثقافة المحلية المهيمنة في المنطقة، فقد بينت المكتشفات الأثرية، وخاصة الخزفيات، أن النمط الإيجي كان يظهر لفترةٍ بسيطةٍ، ومن ثم يختفي، لتعود لذلك النمط الصفة الكنعانية المحلية في الخزفيات. أما الآثار المادية كالعمران وغيرها، والمعتقدات الدينية أيضاً، فهي تشير بشكلٍ واضحٍ إلى أن هذه المدن هي مدنٌ كنعانيةٌ فلسطينيةٌ بامتيازٍ دون أي تأثيرٍ خارجيٍ، وبالتالي فإن ذلك يدحض فرضيات إقامة شعوب البحر لممالك قويةٍ سيطرت على فلسطين بأكملها(6).

ثانياً: الدولة المركزية الفلسطينية.

إن النمط الحضاري والذي قامت عليه الدول المدينية الفلسطينية قد انتهى مع الكارثة البيئية المذكورة سلفاً، وذلك مع نهاية العصر البرونزي المتأخر وبداية العصر الحديدي، أي بحدود عام (1200ق.م)، وبعد الكارثة ظهر نمطٌ حضاريٌ جديدٌ للبنى السياسية والإقتصادية في فلسطين؛ الأمر الذي أدى بالنهاية إلى ظهور ما يسمى بالدولة المركزية الفلسطينية، والتي ظهرت أولاها مع حلول العصر الحديدي الثاني.  وسنستعرض في هذا القسم أربعة دول فلسطينية ظهرت متتاليةً من العصر الحديدي الثاني، حوالي القرن التاسع قبل الميلاد، وحتى القرن الثامن عشر ميلادي، وهي آخر دولة فلسطينية تم توثيقها في التاريخ الحديث.

الدولة الفلسطينية الأولى: مملكة السامرة (880 ق.م-721ق.م)

سادت حالة انتعاشٍ اقتصاديٍ كبيرٍ في منطقة بلاد الشام بعد انحسار موجة الجفاف الكبرى، والتي وصلت ذروتها عام 1200 ق.م، وانحسار النفوذ السياسي للقوى الإقليمية التقليدية سابقاً كمصر ومملكة الحثّيين وغيرها، كل ذلك ساهم في نشوء ممالك وقوى جديدةٍ فاعلةٍ على المسرح الإقليمي، خاصةً في بلاد الشام، أمثال الممالك الآرامية في سوريا وأشهرها مملكة دمشق، والممالك الفينيقية على الساحل اللبناني وأشهرها صور. أما في فلسطين، فمع عودة النشاط والانتعاش الاقتصادي في المنطقة، زادت وتيرة الاستيطان خاصةً في المناطق الجبلية الوسطى، فقد زادت نسبة السكان فيها، وزاد النشاط الزراعي المعتمد على اقتصاد المحاصيل النقدية كالزيوت والخمور واللحوم والأخشاب، وأصبحت سلعاَ أساسيةَ للتبادل التجاري مع المناطق المجاورة كدمشق وفينيقيا وغيرها، من خلال الطرق والممرات التجارية التي أُعيد النشاط لها. ورافق ذلك التطور نهضةٌ زراعيةٌ نوعيةٌ، فقد تم تهيئة المنحدرات شديدة الوعورة في المناطق الجبلية، وبناء ما سمي بالمصاطب الزراعية، وبالتالي توفير مساحةٍ إضافيةٍ من الأراضي الزراعية في تلك المنطقة، والتي استثمرت في البستنة و زراعة الأشجار المثمرة. وكانت الذخيرة السكانية لهذا الاستيطان الجديد في الجبال الوسطى مصدرها الوافدون من السكان المحليين الرعاة في المناطق المجاورة، بالإضافة إلى المزارعين في المناطق السهلية المجاورة من مختلف المناطق الفلسطينية، وقد بدأ المستوطنون الجدد في تلك الاراضي بتكوين وحدةٍ إثنيةٍ وجغرافيةٍ، وذلك مع بداية القرن التاسع قبل الميلاد. وفي هذا السياق، تم بناء مدينة السامرة، (وموقعها الآن قرية سبسطية شمال غرب مدينة نابلس)، على يد الملك عمري، وأصبحت عاصمةً لإقليمٍ جغرافيٍ موحدٍ تلبيةً للحاجات السياسية والإقتصادية الآخذة بالتوسع والتطور، فالحاجة أصبحت ضروريةً لإدارةٍ مركزيةٍ موحدةٍ لهذا الإقليم، ومتابعة شؤونه خاصة فيما يتعلق بالتجارة الخارجية، وذلك أن البُنى السياسية القديمة والبدائية لم تعد تلبي ذلك التطور النوعي لهذه الدولة الناشئة، ومن هنا اتخذت مملكة السامرة مكاناً لها على الساحة السياسية الدولية، وأصبحت تواجه في الشمال الغربي صور الفينيقية، بوابة التجارة البحرية، وفي الشمال الشرقي دمشق الآرامية، بوابة التجارة البرية(7).

وبالنسبة لمدينة السامرة عاصمة الدولة الجديدة، فقد بناها الملك عمري إلى الشمال الغربي من مدينة شكيم على تلة مرتفعة، وأُثبت تاريخياً وأركيولوجياً على عدم وجود أي بناءٍ سابقٍ يحتويه الموقع. وقد اختار الملك عمري ذلك الموقع لبناء عاصمته لتكون مطلةً وقريبةً من (سهل يزراعيل)، فقرّب عاصمته من طرق التجارة والتواصل الثقافي مع قوتين مرموقتين هما (صور ودمشق). وقد تابع ابن الملك عمري الملك اخاب سيرة والده، فقد قام بتطوير المدينة بشكل أخذ نموذجاً راقياً في العمارة الفلسطينية في ذلك الوقت، وقد وُجد حسب التنقيبات والمكتشفات الأثرية أن عمارة السامرة والمتمثلة بالقصور والجدران والممرات، وحتى بعض بقايا قطع الأثاث، تأخذ نمطاً فينيقياً بامتياز، وأن بعض القطع أخذت ملامح آراميةً، وهذا واضحٌ كمؤشرٍ للتواصل الحضاري والثقافي بين تلك القوى الصاعدة. كما ووُجد هذا النمط المعماري في باقي مدن المملكة مثل (حاصور ومجدو ودان). ومن أكثر الوثائق التاريخية التي ذكرت سيرة الملك عمري ومدينة السامرة هو نقش ميشع ملك مؤاب، والمكوّن من أربعةٍ وثلاثين سطراً منقوشاً بالقلم الآرامي الفينيقي بلهجةٍ مؤابيةٍ القريبة جداً من اللهجة الكنعانية الفلسطينية، والتي تعتبر لهجة مملكة السامرة، ومن بعدها مملكة يهودا. وقد دار جدلٌ تاريخيٌ حول تأويل كلمة إسرائيل الواردة في النقش، والتي وصفت بأنها هي مملكة عمري أو مملكة السامرة، و بالتالي فإنه إثباتٌ تاريخيٌ حسب الرواية التوراتية على ارتباط هذه المملكة وملكها عمري بمملكة إسرائيل الموحدة، والمذكورة في التوراة، وملوكها داوود وسليمان(8).

يُعتبر نقش ميشع من المصادر التاريخية غير التوراتية التي ذكرت مملكة إسرائيل، أو إسرائيل التاريخية، بالإضافة إلى نقوش تل دان (تل القاضي)، والنقوش الآشورية الحديثة من القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد. فأشارت هذه النقوش إلى أن إسرائيل هي مملكة عمري والتي ظهرت في العصر الحديدي الثاني، وعُرفت بشكل كبير باسم بيت خومريا، أو كور خمري (أرض عمري)، كما أُطلق عليها اسم سيريلا في النقوش الآشورية الحديثة، وهناك إثباتٌ بوجود كيانٍ اسمه إسرائيل في القرن التاسع قبل الميلاد، وذلك حسب نقش ميشع الذي يستخدم كلمة إسرائيل طوال الوقت، حيث ذُكر حاكماها الملك عمري وابنه حسب النقش. وتوضح النقوش أن مؤاب خضعت لهذه المملكة، إلا أن ميشع استعادها، حيث ذُكر في النقش بعد تحرير مؤاب بأن إسرائيل (بادت ،بادت إلى الأبد). وهنا تُدخل الرواية الصهيونية بأن إسرائيل في نقش ميشع تتحول إلى إسرائيل التوراتية اليهودية، وأنها شقيقة لمملكة يهودا في الجنوب، في حين أن الحقيقة التاريخية تبين أن مملكة إسرائيل كانت أقرب ثقافياً وحضارياً إلى جيرانها، أي الممالك الآرامية السورية والفلسطينية والفينيقية، وقد تحالفت معها عندما تهيأ الوضع السياسي لذلك(9).

وبالرجوع إلى مرحلة تأسيس المملكة الإسرائيلية الموحدة حسب المرويات التوراتية، والتي كان أساسها هو الاستيطان في المرتفعات الوسطى والجنوبية في القرنين (11-10 ق.م)،  فقد قدّمت حقائق تاريخيةً وأركيولوجيّة تثبت عدم صحة قيام هذه المملكة؛ وذلك بسبب عدم وجود قاعدةٍ سكانيةٍ ملائمةٍ في منطقة الجبال الوسطى والجنوبية من فلسطين لتأسيس دولة إقليمية كبرى تحت اسم إسرائيل التوراتية في تلك الفترة، وعدم صحة ما ورد في تلك المرويات حول انقسام تلك المملكة، بعد وفاة الملك سليمان، إلى السامرة في الشمال، والتي شملت عشرة اسباط من بني إسرائيل، ويهودا في الجنوب، والتي شملت سبطاً أو سبطين حسب بعض الروايات. وأن ذلك الافتراض قد تحقق بعد مئتي عام، أي بعد القرن التاسع قبل الميلاد عندما تأسست السامرة، وبعدها في القرن الثامن قبل الميلاد عندما تأسست مملكة يهودا، والمملكتان لم تتوافقا زمنياً، فقامت السامرة قبل يهودا بمئة عام تقريبا(10).

أطلق الباحثون والدارسون التوراتيون ضمن وصفهم تأسيس مملكة إسرائيل الكبرى على العصر البرونزي المتأخر صفة الكنعاني، وأن العصر الحديدي هو عصرٌ إسرائيليُ، وبالتالي فإن الثقافة الكنعانية المحلية قد انتهت مع نهاية العصر البرونزي المتأخر، وبدأت الثقافة الإسرائيلية مع العصر الحديدي الجديد مع تأسيس مملكة اسرائيل الكبرى. إلا أن المكتشفات الأثرية في مختلف المجالات، سواءٌ كانت الخزفيات أو الآثار المعمارية او الفنون التشكيلية أو حتى المعتقدات الدينية، قد أثبتت أن الثقافة المحلية الفلسطينية الكنعانية هي الصفة المسيطرة خلال العصر البرونزي المتأخر، واستمرت حتى العصر الحديدي، وأن الذخيرة السكانية هي ذخيرةٌ فلسطينيةٌ كنعانيةٌ مستمرةٌ من البرونزي المتأخر وحتى الحديدي. ولم تثبت وجود أي أقوامٍ خارجيةٍ طارئةٍ عليها(11).

وبالرجوع الى أسرة الملك عمري التي أسست مدينة السامرة، وتحولت الى دولةٍ يمكن وصفها بأنها هي مملكة إسرائيل حسب نقش ميشع المؤابي، وهذه الأسرة ذُكر تاريخها وأوصاف ملوكها في الوثائق الآشورية، ولا يوجد أي إثباتٍ تاريخيٍ يمكن من خلاله ربط ملوك السامرة من آل عمري بملوك المملكة الموحدة في النصوص التوراتية. وتفيد الوثائق التاريخية والأركيولوجيّة بأن إسرائيل التاريخية الحقيقية هي دولة السامرة، وليست إسرائيل المملكة الموحدة، وهذه الدولة، أي إسرائيل السامرة، هي دولةٌ فلسطينيةٌ محليةٌ أسسها الملك عمري سنة 880 ق.م واستمرت لأقل من مئتي سنة، و انتهت على يد الآشوريين عام 721 ق.م (12)، زمن سرجون الثاني، وتحولت إلى مقاطعةٍ آشوريةٍ باسم سامارينا، بعد أن بلغت مكانةً مرموقةً سياسياً واقتصادياً على المسرح الدولي، حيث شملت أراضيها معظم فلسطين، من تل عراد جنوباً وحتى حاصور شمالاً، وضمت لها في وقت من الأوقات مناطق شرق الأردن(13)، وسيطرت على معظم الطرق التجارية، سواء تلك المؤدية الى فينيقيا، أو المؤدية الى دمشق وما بعدها. وحسب النقوش الآشورية، فلم يجرِ ترحيل إلا 27 الف نسمة من سكانها، على عكس ما يشاع بأنه قد تم ترحيل معظم سكان المملكة، بل إنها حافظت على أغلب سكانها حتى بعد الحكم الآشوري، كما أنها ورغم الوجود الآشوري الكبير في هذه المقاطعة، إلا أنه لم يحدث تغييراتٍ ثقافيهِ، حسب الآثار المادية المكتشفة (14).

الدولة الفلسطينية الثانية: مملكة يهودا (735 ق.م-586 ق.م)

تتشابه ظروف نشأة مملكة يهودا وتوسعها ومن ثم دمارها مع سابقتها مملكة السامرة، كما أنها تعرضت لنفس التشويه والتزوير الذي ساقته الرواية التوراتية حول علاقة هاتين المملكتين بمملكة إسرائيل الموحدة، ولن يتم تكرار تفنيد عناصر تلك الرواية؛ حيث تم عرضها فيما سبق ضمن الحديث عن مملكة السامرة، وهذه التفنيدات تنطبق تماماً على مملكة يهودا، و سيتم الاكتفاء بعرضٍ لنشأة المملكة وتطورها وفنائها.

خلال فترة الكارثة البيئية الكبرى وانتشار القحط والمجاعة مع نهاية العصر البرونزي المتأخر، وبداية العصر الحديدي، كانت منطقة يهودا شبه خاليةٍ من السكان ما بين اورشليم في الشمال، وحبرون في الجنوب، وهي ما تسمى بمنطقة الجبال الجنوبية من فلسطين. وبعد انحسار الجفاف خلال العصر الحديدي الأول (1200-1000 ق.م)، بدأت حركة الاستيطان بالنشوء، ولو بشكلٍ بطيءٍ ومتأخرٍ عن نظيره في الجبال الوسطى، والذي سُمي فيما بعد بمملكة السامرة. وتشير المكتشفات الأثرية للمستوطنات الناشئة في تلك الفترة إلى استمرار الثقافة الفلسطينية المحلية من العصر البرونزي المتأخر، ولم يوجد أي تأثيرٍ خارجيٍ في هذه الثقافة المستمرة في تلك المستوطنات الجديدة. ومع حلول عصر الحديد الثاني ( 1000-70ق.م) ازدادت وتيرة الاستيطان بشكلٍ كبيرٍ في منطقة يهودا، وتدلّل المكتشفات الأثرية أيضاً إلى أن المخلفات المادية لأولئك المستوطنين الجدد تؤكد انتماءهم للثقافة المحلية المستمرة من العصر البرونزي المتأخر والعصر الحديدي الاول؛ وبالتالي فهم ينتمون إلى نفس النسيج الاجتماعي السائد في فلسطين،  تماماً كما المستوطنين الجدد في السامرة، فإن أصل المستوطنين الجدد في يهودا هو من نفس المصادر تقريباً؛ فهم من المزارعين المحليين أو من الرعاة من المناطق المجاورة ليهودا، خاصة السهوب الشرقية والجنوبية. فالتطور الزراعي وتحول يهودا من اقتصاد الرعي إلى اقتصاد القرية الزراعية، وما رافقه من انتعاش اقتصاديٍ متنامٍ، والذي حصل بعد انتهاء الجفاف والقحط، وكما حصل في مملكة السامرة في الشمال ايضا؛ كان عاملاً حاسماً لتكثيف وزيادة السكان في منطقة يهودا وبداية إعمارها وازدهارها في مراحل لاحقة (15).

إن تكثيف حركة الاستيطان وزيادة النشاط الاقتصادي ساهم في تطور البُنى السياسية خلال القرنين 9-8 ق.م لتشكل نسيجاً موحداً في منطقة يهودا، وقد ساعد على تحقيق هذا التطور تكثيف الزراعة في مناطق يهودا، وتأسيس شبكة تجارةٍ داخليةٍ قائمةٍ على منتجات التبادل النقدي مثل الخمر والزيوت والأخشاب. إن تلك العوامل السابقة أدت إلى تطور مكانة أورشليم بعد أن كانت بلدةً صغيرةً تسيطر على المزارع من حولها في القرن العاشر قبل الميلاد، إلا أنه مع حلول العصر الحديدي الثاني أصبحت أكثر قوةً ونفوذاً في يهودا؛ وذلك بسبب حركة الاستيطان المتزايدة، حيث غدت مركزاً لتسويق السلع التجارية في المنطقة، وبدأت هنا بفرض سيطرتها السياسية على بعض القرى في منطقة يهودا،  وقد دخلت في منافسةٍ مع حواضر أخرى في أطراف يهودا، أمثال (جازر وليخش وحبرون )، إلا أن التطور الكبير والنوعي قد حصل في الربع الأخير من العصر الحديدي الثاني، حيث شُكّلت دولةٌ مركزيةٌ ذات نفوذٍ، خاصةً بعد دمار السامرة وليخش ومدنٍ أخرى على يد الآشوريين، ونزوح سكانها إلى اورشليم ويهودا، حيث تشكلت في اورشليم نخبةٌ اجتماعية وسياسيةٌ مسيطرةٌ مما أعطى صفة العاصمة لها. إن تطور مكانة اورشليم الدولية بناءً على زيادة ثروتها وحجم تجارتها ومصالحها قد جعل تلك المملكة الصاعدة تحتل مكاناً متقدماً على المسرح الإقليمي في تلك الفترة (16).

تحالفت اورشليم مع آشور ضد مملكتي دمشق والسامرة وباقي الممالك الفلسطينية رغبةً في أن يُفضي هذا التحالف إلى زيادة نفوذها وقوتها، وهو ما جنته مباشرةً بعد دمار مملكة السامرة وتحولها إلى دولة مركزية في الإقليم، حيث أُضيفت الى أراضيها المناطق الغربية منها والمعروفة باسم شافيلا، والتي احتوت على مراكز منافسةٍ لها بالسابق من أمثال جازر وليخش ، كما وضُمت اليها المناطق الجنوبية من حبرون حتى بئر السبع. ونتيجةً لزيادة مساحة اورشليم ومملكة يهودا ودمار مملكتي دمشق والسامرة؛ أصبحت تسيطر على الطرق التجارية؛ الأمر الذي زاد من ثروتها ومكانتها السياسية؛ وزاد من تطلّعها نحو الاستقلال عن آشور أو فكّ التحالف معها. وتولى عرش مملكة يهودا العديد من الملوك، من أهمهم وأولهم الملك احاز، و حكم من (735-715 ق.م)، وآخرهم الملك صدقيا والذي تدمرت في عهده المملكة على يد البابليين عام (586 ق.م ) ، إلا أن الملك حزقيا، وهو ابن الملك احاز، والذي حكم من الفترة ( 729-686 ق.م) يُعتبر أشهر ملوك يهودا وباني نهضتها وقوتها الحقيقية، وقد حافظ على تحالفه مع آشور أسوة بأبيه، إلا أنه وبعد وفاة سرغون الثاني عام 705 ق.م، بدأ بالتفكير بالتمرد على آشور، وذلك رغبةً بالإستقلال التام والسيطرة على معظم فلسطين، مستغلاً الشعور العام الشائع في فلسطين برفض الوجود الآشوري وتوفر دعمٍ خلفيٍ من قبل فراعنة مصر الأحباش، واستغل انشغال الملك سنحاريب خليفة سرغون الثاني بقضايا داخليةٍ في آشور، إلا أن هذا التمرد، بالإضافة إلى وجود حركاتٍ تمرديةٍ أخرى على طول الساحل الفينيقي الفلسطيني، أجبر سنحاريب على القيام بحملةٍ عسكريةٍ ضخمةٍ لإخماد هذه الحركات، ونتيجةً لهذه الحملة العسكرية لسنحاريب؛ فقد أُحتلت معظم مناطق يهودا، وتم تهجير ما يقارب المئتي الفٍ من سكانها، وضُرب الحصار على اورشليم والذي سرعان ما انتهى بخضوع حزقيا وعودته لدفع الجزية إلى آشور، وذلك كان مع حلول 701 ق.م (17).

و بتوالي الأحداث، فقد خضعت يهودا لحكم بابل بعد سقوط آشور، واستمر الصراع بينها وبين ملوك بابل الجدد، مستفيدةً من الدعم المصري لها ضد بابل، حيث وصلت تلك الصراعات إلى حد إعلان الملك صدقيا التمرد على بابل، وقيام نبوخذ نصر بالهجوم على اورشليم وقتل صدقيا وأسرته، و تدمير المدينة  وسبي ما تبقى من سكانها إلى بابل عام 586ق.م (18).

الدولة الفلسطينية الثالثة: مملكة هيرودوس الكبير وأبنائه (37 ق.م- 100 م)

شهدت فلسطين في القرن الأول قبل الميلاد أحداثاً و صراعاتٍ ساهمت في محصلتها النهائية بإنشاء كيانٍ فلسطينيٍ مستقلٍ على يد أحد أبنائها، وهو هيرودوس الكبير، والذي أقام مملكةً قويةً في فلسطين اتخذت لها مكاناً مرموقاً و صاعداً في ذلك الزمان، إلا أن اللبنات الأساسية لهذه المملكة قد وُضعت من قبل والد هيرودوس الكبير (انتيباتر)، وهو فلسطينيٌ أدوميٌ من مدينة عسقلان. ويٌعتبر الأدومين جزءاً من القبائل الكنعانية التي انتشرت في جنوب فلسطين وشرق الأردن، وذلك واضحٌ من معالم الثقافة المادية لهم، خاصةً في المعتقدات الدينية التي تتركز حول الآلهة الكنعانية وسلالاتها، وذُكرت منطقتهم، أي جنوب فلسطين والأردن، في الوثائق اليونانية باسم (أدوميا)، و كانت أماكن تواجدهم منتشرةً في (القدس، الخليل، سعير، بئر السبع، غزة ومناطق شرق الأردن مثل الشوبك وصولاً إلى العقبة) (19).

لعب انتيباتر دوراً مركزياً في توثيق العلاقات الفلسطينية الرومانية، حيث خضعت المنطقة بأكملها لحكم الرومان غير المباشر، وحكمت روما الأقاليم الخاضعة لها من خلال الحكام المحليين، فجميع الإمكانيات السياسية والعسكرية لها وفّرتها لعدوها الأساسي وهو فارس، واعتمدت بذلك على الحكام المحليين لإدارة شؤون تلك البلاد مع دفع الضرائب لها في موعدها(20).

لعب انتيباتر، والذي أُعتبر الرجل القوي وصاحب النفوذ الأول في فلسطين، دوراً مركزياً في مساعدة يوليوس قيصر وحملته العسكرية على مصر لإخماد ثورةٍ قامت فيها، حيث قاد انتيباتر جيشاً من عدة آلآفٍ من الجنود، وانضم لحملة يوليوس قيصر الذي انهى بها التمرد المصري بشكل كاملٍ وجذريٍ، ونتيجةً لدعم انتيباتر وإعجاب يوليوس قيصر به؛ فقد عينه نائباً له وحاكماً على فلسطين، وفي روايات أخرى حاكماً لأدوم، وكان ذلك عام ثمانيةٍ وأربعين قبل الميلاد. وحكم انتيباتر فلسطين دون منازعٍ، وعيّن ولده فصايل والياً على القدس، وابنه هيرودوس والياً على الجليل شمال فلسطين. قُتل يوليوس قيصر بواسطة مؤامرةٍ حيكت من أصدقائه وحاشيته الأمر الذي انعكس على انتيباتر واعدائه التقليديين، الطائفة الحشمونية اليهوية وزعيمهم هركانوس، الذين تآمروا على انتيباتر وقتلوه، حيث قام ولده هيرودوس بالذهاب إلى روما واستصدار قرارٍ من مجلس الشيوخ بتعيينه ملكاً على فلسطين. وفي أعقاب مقتل يوليوس قيصر اندلعت حربٌ أهليةٌ بين القادة الرومان، وكانت نتيجتها أن قُسمت أراضي الإمبراطورية بين كلٍ من انطونيوس وأكتافيوس، حيث وقعت فلسطين ضمن مناطق حكم انطونيوس. استغل الفرس الحرب الأهلية الرومانية في الفترة من (40-38 ق.م)، وقاموا باحتلال منطقة بلاد الشام، ومن ضمنها فلسطين، بمعاونة الطائفة الحشمونية اليهوية في القدس، إلا أن انطونيوس استعاد تلك البلاد عام 37 ق.م بمساعدة هيرودوس والذي ثبته ملكاً لفلسطين، حيث أنه قام بالإنتقام من الطائفة الحشمونية اليهوية التي قتلت والده، وحجّم سلطتها وصلاحياتها، وبذلك اصبح هيرودوس الحاكم المطلق لفلسطين، من سيناء في الجنوب وحتى جبل الشيخ في الشمال، وقد شملت مملكته أيضاً مناطق في شرق الأردن ولبنان وسوريا، و بالتالي ساد حكمه بدون أي معارضةٍ له ولأبنائه من بعده (21).

وُلد حرد، والمسمى هيرودوس بالصيغة الرومانية، عام أربعةٍ وسبعين قبل الميلاد تقريبا في مدينة عسقلان الواقعة جنوب الساحل الفلسطيني، ووصف بأنه رجل دولةٍ قويٌ متمتعٌ بالحكمة والدهاء والبراجماتيه الدبلوماسية، ووصف بالعنيف والقاسي في صراعاته مع أعدائه، وقد اعتمد مبدأ فصل الدين عن الدولة، وهو مبدأٌ متقدمٌ في الحكم، وهذا ما أثار الطائفة اليهوية عليه، فحصرها في سلطتها الدينية الخاصة بطائفتها فقط دون التدخل في شؤون الدولة، وهذه الطائفة هي من أشاع سمعة العنف والقسوة بحق هيرودوس، لكن كثيراً من الباحثين يُجمع على أن شخصيته كانت جذّابةً وآسرةً، ومثالٌ على ذلك قيام هيرودوس بكسب ودّ أكتافيوس في أعقاب انتصاره على انطونيوس، وإعلانه أول امبراطورٍ لروما بإسم اغسطس عام سبعةٍ وعشرين قبل الميلاد، وتميز هيرودوس بانفتاحه على الثقافات والأديان بشكلها الواسع، وهذا واضحٌ في تأسيسه لهيكل مجمع الأديان الذي جمع بين الديانة الوثنية الكنعانية واليونانية والرومانية، بالإضافةِ إلى اليهوية (عبادة يهوه). وأُعتبر هيرودوس رجلاً قوياً حتى في مواجهته لحكام روما أنفسهم، فلم يُعتبر وكيلاً للاحتلال الروماني بقدر ما كان يتمتع باستقلاليةٍ كبيرةٍ، حيث تعامل مع حكام روما بندّيّة، ولذا، فإن فلسطين ومدينة اورشليم في عهده كانت مدينةً عالميةً، وهنا كان الأثر الكبير لتمتّع سكان فلسطين في عهده بالاستقرار، وقد عُرف عنه متابعته لشؤون مواطنيه ورعاياه، حيث يُذكر أنه في عام اثنين وعشرين قبل الميلاد أصاب فلسطين قحطٌ  كبيرٌ، فقام هيرودوس بشراء القمح على نفقته الخاصة لإطعام الفقراء في مملكته. لم يكن هيرودوس أو حتى أبوه يهويين كما يشاع، وإنما كانا من أتباع الديانة الوثنية الكنعانية، فهي ديانة معظم السكان الفلسطينيين في ذلك الوقت (22).

دشن هيرودوس عهده في حكم فلسطين بنهضةٍ عمرانيةٍ شاملةٍ ما زالت العديد من آثارها حاضرةً حتى يومنا هذا، ولا يخفى تأثّر النمط الهيرودي في الإعمار بالشكل والتصميم الروماني، فقد أُعجب هيرودوس بهذا الشكل في المعمار، وعمّمه في مختلف أنحاء فلسطين، حيث أعاد تعمير وبناء مدينة السامرة وأسماها بسبسطية إكراماً للإمبراطور أغسطس، حيث اعتبرت عاصمته، فكانت هي المدينة المحببة له، وتعني كلمة سبسطية (السعيد او المقدس)، ومن أشهر أعماله بناؤه لمدينة (قيساريا) والتي شيدها على أنقاض بلدة فينيقية اسمها (عبد عشتروت)، وأنشأ لها ميناءً كبيراً، فكانت مقراً للأسطول الروماني، واعتبرت الميناء الرئيسي لفلسطين في عهده، وزيّن قيساريا بالقصور والمسارح والهياكل والملاعب والتماثيل. كما بنى مدينة (انتيباتر)، وهي ما تعرف (خربة رأس العين)، قرب منابع نهر العوجا (يافا) نسبةً إلى أبيه. وبنى مدينة فصايل نسبةً الى أخيه، وهي في منطقة الأغوار بالقرب من (نابلس). و شيّد أيضاً القصور والملاعب والمسارح في مدينة أريحا، ويُعتبر قصر هيرودوس الشتوي في أريحا من أبرز المعالم العمرانية له في فسطين، حيث شمل على مرافق كثيرةٍ غايةٍ في الإبداع من حيث التصميم، خاصةً الغرف والحمامات والساحات العامة ونظام الري الخاص به. كما بنى هيرودوس في جنوب أريحا قلعة (قبرص) نسبة لأمه التي تقع فيما يعرف اليوم (بتل العقبة). وكان لعسقلان مسقط رأس هيرودوس نصيباً كبيراً من هذه النهضة العمرانية، فبنى فيها الساحات العامة والأروقة الفخمة، ومن أجمل تحف هيرودوس المعمارية (حصن هيروديوم) الُمقام في منطقة جنوب شرق( بيت لحم )، وهو معروف اليوم (بجبل فريديس)، بالإضافة الى بنائه لقلعة (مسادا) بالقرب من الخليل، والتي عرفت (مصعدة). ويرجّح أن يكون سور الحرم الإبراهيمي في الخليل من بقايا بناءٍ عظيمٍ شيده هيرودوس الكبير. أما القدس، فقد شيد فيها قصوراً ومدرجاتٍ وساحاتٍ، بالإضافة إلى ملعبٍ كبيرٍ، حيث رعى إقامة الألعاب والرياضات المختلفة فيه وفي جميع أنحاء فلسطين، واتخذت هذه الرياضة والألعاب الشكل الروماني الذي كان متعارفاً عليه في ذلك الوقت، خاصةً المصارعة مع الحيوانات والوحوش، بالإضافة الى بنائه الهيكل العظيم المسمى بهيكل هيرودوس، والذي يُعتبر مجمعاً للأديان في مدينة القدس، والذي سبق ذكره(23).

توفي هيرودوس الكبير عام أربعةٍ قبل الميلاد، وكان يبلغ من العمر سبعين عاماً تقريباً أمضى منها ثلاثةً وثلاثين عاماً في تأسيس وحكم مملكةٍ مزدهرةٍ في فلسطين، حيث سُمي بالكبير لما أنجزه في هذه المملكة. وقبل وفاة هيرودوس الكبير وضع وصيةً لتقسيم مملكته بين أبنائه الثلاثة ( ارخيلاوس وانتيباس وفيلبس)، وقد أقر الإمبراطور اغسطس هذه الوصية، إلا أن الرومان لم يعتبروا خلفاء هيرودوس ملوكاً كأبيهم، بل ولاةً تحت الحكم الروماني المباشر، وشملت ولاية ارخيلاوس مناطق (نابلس، القدس، الخليل وادوم)، وكانت اريحا مقر ولايته. ومن أشهر أعماله بناؤه لمدينة (ارخيلايس)، وهي ما تُعرف اليوم باسم (عوجا التحتا)، و نظراً لظلمه وبطشه في ولايته؛ فقد خلعه الرومان وجعلوا ولايته تتبع لحاكم سوريا الروماني مباشرة، وقد نفاه اغسطس إلى فرنسا حيث مات فيها، ودام حكمه عشر سنواتٍ (4ق.م-6م). أما ابن هيرودوس الكبير الثاني المعروف باسم (هيرودوس انتيباس)، فقد حكم لمدة اثنتين واربعين سنةً من (4ق.م-39م) ، وكانت ولايته تتركز في شمال فلسطين والأردن (من نهر الليطاني حتى نهر الموجب)، ومن أشهر أعماله بناؤه لمدينة طبريا، وسُميت بهذا الاسم هي وبحيرتها تكريماً للإمبراطور طيبيريوس، إمبراطور روما، وجعلها عاصمةً لولايته، وقد أُشيع عن هذا الأخير القصة المعروفة حول قتله للنبي يحيى، وزواجه من إبنة اخيه، وعند مطالبته للقب الملك من الإمبراطور (كالاغيلا) غضب عليه ونفاه إلى فرنسا حيث توفي هناك. أما الابن الثالث لهيرودوس، والمعروف بهيرودوس فيلبس، فشملت ولايته مناطق (الجولان واللجاة)، وقد حكم من(4 ق.م – 34 م)، وشيّد مدينة بانياس وجعلها عاصمةً له، وتميزت فترة حكمه بالعدل. وقد امتد حكم هيرودوس الكبير إلى أحفاده، حيث حكم اغريبا الأول لمدة ثلاث سنوات من (41-44 م)، وتوفي فجأة، و خلفه إبنه اغريبا الثاني الذي خضع مباشرةً لحكم الرومان، وقامت في عهده ثورة اليهويين عام 70م، وقد عاون الرومان في كل حروبهم في المنطقة، خاصةً القائد  الروماني تيطس، الذي أنهى تلك الثورة والتي كان من نتائجها تدمير مدينة القدس وهيكل هيرودوس، ولم يتبقَ منه إلا بقايا من الجدار الغربي الذي سُمي فيما بعد (بحائط البراق)، واستمر في الحكم حتى عام 100م حيث توفي في روما، وبذلك فقد انتهت فترة حكم سلالة هيرودوس لفلسطين (24).

الدولة الفلسطينية الرابعة: إمارة الشيخ ظاهر العمر (1730 م-1775 م)

شكّل الشيخ ظاهر العمر ظاهرةً يصعب تكرارها في التاريخ الحديث، فجميع الظروف والأحداث في زمنه لم توفر أو تُهيّء إقامة دولةً فلسطينيةً قويةً في تلك الفترة الزمنية الحرجة، إلا أنه فعل ذلك. ولتقديم وصفً لهذا الرجل، فيمكن اقتباس ما قاله الخوري قسطنطين الباشا المخلصي في تعليقه على كتاب تاريخ الشيخ ظاهر العمر لمؤلفه مخائيل الصباغ العكاوي ” لا ريب في ان الشيخ ظاهر العمر الزيداني رجلٌ عصاميٌ، يصح ان يقال عنه انه كان فريد عصره، ومن نوابغ رجال الشرق، وكفاه فخراً أنه بعقله ساد قومه، وبعدله وحُسن سياسته وجسارته وشدة بأسه أنشأ دولةً ذات شانٍ في قلب دولة بني عثمان وهي في أوج عزّها، فلا جرم أن تاريخه كله عِبَرٌ وأعمالٌ تستحق أن تخلد في سجل التاريخ الصادق..” (25). خضعت فلسطين وبلاد الشام عموماً لحكم الدولة العثمانية ابتداءً من عام 1516م، واستمر نحو اربعمئة عام حتى عام 1918م، وتميزت فترة حكم الدولة العثمانية لبلاد الشام بالاستبداد والظلم بصفةٍ عامةٍ، وشيوع نظام الإقطاع الذي يقوم على دفع التزاماتٍ مالية من قبل شيوخ وأمراء الإقطاع الذين بدورهم يجبرون الفلاحين على العمل الشاق في مساحاتٍ واسعةٍ من الأرض لدفع تلك الالتزامات للدولة العثمانية. وبالتالي، فإن حكم الدولة العثمانية قام على نهب خيرات الفلاحين وأراضيهم بواسطة أمراء الإقطاع المعينين من قبله، والذين سيحصلون على جزءٍ من تلك الخيرات؛ لذلك تميزت تلك الفترة بفقر الناس وانعدام الأمان وسوء الأوضاع الإقتصادية وغياب العدل وانتشار الظلم، حيث لم يعتنِ الحكام العثمانيون إلا بجمع المال الميري بواسطة ولاتهم المعينيين بكلٍ من دمشق وحلب وطرابلس وصيدا. قسم العثمانيون بلاد الشام الى أربع ولاياتٍ او ايالات، و كانت كما يلي: حلب وتضم شمال سوريا ، ودمشق وتضم مناطق وسط وجنوب سوريا وشرق الاردن بالإضافة الى وسط و جنوب فلسطين، و صيدا وتضم مناطق شمال فلسطين ووسط وجنوب لبنان، والولاية الأخيرة طرابلس وتضم شمال لبنان و أجزاء من غرب سوريا، ومن الجدير بالذكر أن ضمن ولاية دمشق كانت ما يعرف بمتصرفية فلسطين والتي اتخذت شكلاً من أشكال الاستقلال، كولايةٍ خامسةٍ في بعض الأحيان، وقد امتدت من يافا شمالا وحتى خان يونس جنوباً مع المناطق الداخلية لهذا الشريط الساحلي، وكانت عاصمة هذه الولاية الخامسة هي القدس، وفي بعض الأحيان تنتقل إلى غزة، كانت هذه الولايات تُقسم داخلياً إلى سناجق أو متسلميات، وكان يولّى على رأس السنجقية ما يعرف بالسنجق أو المتسلم. وبذلك فإن فلسطين في وسطها وجنوبها تشكلت من عدة سنجقياتٍ تتبع لولاية دمشق، أما شمالها والمعروف ببلاد صفد والجليل فيتبع لولاية صيدا. وُلي على رأس كل ولاية والٍ، وكانت الولاية مستقلةً إدارياً ومالياً مع وجود تنسيقٍ وتواصلٍ مع الولاية الأخرى في حالة وجود الاضطرابات أو الثورات، كان للوالي صلاحياتٌ واسعةٌ وسلطاتٌ كاملةٌ بأمر من السلطان خاصةً في الشؤون الإدارية والمالية والعدلية، وأمور الحج والشؤون الدينية، وكان والي دمشق مفوضاً بمتابعة شؤون الولايات الأخرى الشامية، حيث كان يسمى وكيلاً للسلطان في بلاد الشام(26).

رغم العديد من الروايات حول أصول و ترحال عائلة الزيادنة والمنسوبة الى كبيرهم زيدان، حيث كان لديه ثلاثة أولاد، عمر وعلي وحمزة، وكان لعمر شأنٌ كبيرٌ في التجارة، اعطاه مكانةً متقدمةً حيث نقل إخوته وعائلته من مناطق طبريا إلى سهل البطوف، واستقروا في بلدة عرابة هناك. وأصبح الشيخ عمر الزيداني وجيهاً في المنطقة وذا مالٍ ونفوذٍ في مناطق شمال فلسطين بأكملها، وقد عُهد اليه حكم صفد، وسيطر الزيادنة على مختلف المناطق في الجليل الأعلى والأسفل، فحكم علي أخو الشيخ عمر منطقة الجليل الغربي، وأما حمزة فقد حكم مناطق الناصرة وما حولها، ودخل الزيادنة في صراعٍ مع والي صيدا الذي يتبعون له، فحاول الحد من نفوذهم وقوتهم الزائدة في مناطق ولايته؛ حيث امتنعوا عن تأدية الضرائب له، إلا انه لم يستطع فعل ذلك لقوة الزيادنة في شمال فلسطين وسطوتهم(27).

كان للشيخ عمر عدة أولاد حسب الكثير من الروايات، إلا أن أشهرهم كان إبنه ظاهر الذي ولد تقريبا عام 1686م، وعُرف باسم (ظاهر العمر)، ودُرج بمناداته بظاهر العمر بزيادة ال التعريف على والده عمر، وهذه عادةٌ انتشرت في الريف الفلسطيني حتى يومنا هذا، كما وأنه عُرف ايضا ب (ضاهر العمر) حيث أن تلك عادةٌ فلسطينيةٌ بقلب الظاء الى ضاد، وترعرع ظاهر في كنف أبيه حيث تعلم القران الكريم والأدب و الفروسية وفنون القتال، وقد تولى ظاهر الزعامة بعد ابيه الشيخ عمر، وكان ذلك بحدود عام 1706م وكان يبلغ من العمر قرابة العشرين عاماً، وقد حكم صفد حكماً رشيداً، ولكنه ايضاً ورث النزاع من والده وأهله مع والي صيدا، حيث انتزع من ولاية صيدا مدينة طبريا وحصّنها لمواجهة أي هجوم لاستردادها، وفشل والي صيدا في استرجاعها، وكان ذلك في حوالي عام 1730م. ومع حلول عام 1740م، توسعت مناطق حكم ظاهر العمر، وأصبح يُلقب بشيخ صفد على الرغم من أنه نقل مقر إدارته إلى دير حنا في وسط الجليل على بعد ثلاثين كيلومتراً من عكا، وقام بضمها لحكمه عام 1745م. وبذلك فقد سيطر على منطقة الجليل بأكملها، من منطقة طبريا شرقاً وحتى شواطئ البحر المتوسط غرباً. استقر الشيخ ظاهر في عكا وشرع في إعمار المدينة وتحصينها، كما ورمم مختلف المباني والمرافق العامة في المدينة، فقد بنى بها الأبراج والأسوار العالية، وبعد حملة التعمير الشاملة للمدينة شعر سكان عكا بالأمان من هجمات القراصنة من البحر، والبدو من البر(28). ومع حلول عام 1750م ، أضحى شمال فلسطين إقليماً جغرافياً واحداً يخضع لزعيمٍ واحدٍ، وبعد حملة التعمير غدت عكا العاصمة السياسية والإقتصادية لهذا الإقليم بعد ازدهارها وعلو شانها، وقد طغت بذلك على صيدا عاصمة الولاية؛ الأمر الذي أثار حفيظة والي صيدا والنخبة العثمانية الحاكمة، ونتيجةً لذلك حاول والي صيدا استرداد بعض المناطق من ظاهر العمر، إلا انه فشل في ذلك؛ الأمر الذي أدى الى قيام ظاهر باحتلال صيدا نفسها عام 1754م. وكان للشيخ ظاهر سياسةٌ يتبعها بخصوص الأراضي التي تُضم عسكرياً بأن تصبح له بشكل شرعي من خلال الباب العالي، فلذلك خاطب السلطان بأن يوليه صيدا، وأرسل له الهدايا، والديون المترامكة على الولاية، إضافةً إلى رسالةٍ من وجهاء وشيوخ صيدا تشيد بعدالة وكرم الشيخ ظاهر وشجاعته، وقد وافق السلطان على ذلك وألحق له صيدا عام 1754م. ورغم ضم صيدا إلى حكمه، إلا أنه أبقى على عكا عاصمةً فعليةً للولاية. ومع حلول عام 1757م بدأ الشيخ ظاهر بالتفكير بتوسيع مناطق حكمه إلى الجنوب، حيث انتقل إلى حيفا والطنطورة، والمناطق الشرقية منها. كرهت النخبة الحاكمة في الأستانة ظاهر العمر، ولكنها هادنته عدة مراتً نظراً لضعفها وضعف الدولة العثمانية بشكلً عام، فتارةً تسحب منه أراضٍ، وتارةً تعيدها إليه. ومع تسلسل الأحداث بعد عام 1757م، وتحريض الدولة العثمانية لولاتها في دمشق وحلب وطرابلس، شرع هؤلاء الولاة في حرب ظاهر العمر للقضاء عليه نهائيا، إلا أنه انتصر على جيوش تلك الولايات في معركتين شهيرتين، الأولى هي معركة جسر بنات يعقوب، والثانية وقعت بالقرب من صيدا عام 1771م، وبهزيمة تلك الجيوش ومع حلول عام 1773م؛ توسعت دولة ظاهر العمر لتشمل عموم فلسطين، فقد أُلحقت له السناجق الجنوبية لولاية دمشق وسط وجنوب فلسطين، كما وأُلحقت لدولته مناطق واسعةً في لبنان تصل حتى بيروت شمالاً ومناطق أخرى في شرق الأردن، وقد حقق ظاهر العمر في تلك الفترة مكانةً دوليةً مرموقةً مكنته من التحالف مع علي بك الكبير في مصر، وسعت الإمبراطورة الروسية كاترينا الثانية وغيرها من ملوك أوروبا لكسب ودّه والتحالف معه؛ لاعتباره قوة إقليمية صاعدة، وفرض نفسه بقوة على المسرح الدولي. ومن ضمن الخطوات التي قام بها الشيخ ظاهر لتعزيز قوته وحماية سواحل دولته، قام باستئجار بعض القطع البحرية من الأسطول الروسي التي وهبته إياها الإمبراطورة كاترينا دون تردد(29).

مع حلول عام 1774م، أنهكت الحرب الروسية العثمانية الدولة العثمانية، ومحاولةٌ من السلطان مصطفى الثالث سد العجز المالي في خزائنه؛ أصدر عفواً عن ظاهر العمر مقابل تأدية كل الديون المترتبة على الولايات والسناجق التي خضعت له فعلياً، وأقرت له من قبل السلطان، وبالتالي فإن ظاهر العمر قد ثُبّت فعلياً على عموم فلسطين ومناطق شرق الأردن وجنوب ووسط لبنان، إلا أن الأمر تغير بعد عام 1774م، عندما خلف السلطان عبد الحميد الأول السلطان مصطفى الثالث، حيث عقد الهدنة مع روسيا في نفس العام، وتفرغ لمواجهة ظاهر العمر وحلفائه مستغلاً استلام حليفه محمد أبو الذهب الحكم في مصر، وهروب علي بك الكبير الى فلسطين ولجوئه إلى صديقه ظاهر العمر. لم يعترف السلطان عبد الحميد الأول بما تم الاتفاق عليه سابقاً ما بين ظاهر العمر والسلطان مصطفى الثالث، بل حدد ولاية ظاهر في مناطق عكا والجليل، وفي نفس الوقت أمر واليه في مصر محمد أبو الذهب بالسير في حملةٍ عسكريةٍ الى فلسطين للقضاء على الشيخ ظاهر العمر ودولته، فسار محمد ابو الذهب واحتل كامل مناطق فلسطين، وأثار الفزع والرعب فيها، وذلك بعد انسحاب الشيخ ظاهر العمر إلى المناطق الداخلية في حوران، وتخلي بعض حلفائه عنه، إلا ان كامل دولة ظاهر العمر عادت له بعد وفاة محمد أبو الذهب عام 1775م، وانسحاب الجنود المصريين الى مصر، وبذلك فقد قرر الباب العالي بعدها القضاء على ظاهر العمر عن طريق البحر، فأطلق الأسطول العثماني بقيادة حسن باشا الجزائرلي، وبمعاونة بعض القوات البرية من ولايات دمشق واضنه وغيرها، وبدأت تقصف عكا من البحر، وبسبب عصيان جنود ظاهر العمر المتمركزين في أبراج المدينة وخيانتهم، وعدم قيام السفن الروسية بحماية المدينة مقابل الأجر الذي تعهد به لها، وذلك بعد عقد الصلح بين الدولة العثمانية وروسيا، أدرك الشيخ ظاهر أن جنوده وحاميته بقيادة الدنكزلي قد تخلوا عنه، فحاول اخراج عائلته ومناصريه من المدينة وهو برفقتهم، إلا أن أحد الجنود المرتزقة المغاربة قد قتله رمياً بالرصاص، وقام الدنكزلي بقطع رأسه، وتسلميه إلى قائد الأسطول حسن باشا الذي كان قد نزل وجنده إلى عكا في نفس اليوم، وهو يوم الخميس الموافق 16 اب من عام 1775م، وبدوره أرسله إلى الباب العالي في الأستانة، وكان موقع قتل الشيخ ظاهر هو ما يُعرف اليوم في عكا بمنطقة الرقايق، بالقرب من مقام أبو عتبة وسط المدينة، وبذلك فقد سقطت عكا بمقتل الشيخ ظاهر، وانتهت دولته التي دامت نحو أربعين عاماً، وكان حينها يبلغ من العمر تسعين عاماً(30).

انتعشت في فلسطين زمن حكم ظاهر العمر مختلف جوانب الحياة، على عكس ما كانت زمن الحكم العثماني، حيث أن الشيخ ظاهر قام بحماية الطرق وتوفير الأمان للتجار والحجيج والمسافرين. كما أن الأوضاع الإقتصادية ازدهرت في عهده بشكلٍ كبيرٍ خاصةٍ في مجال الزراعة والتجارة، فحجم التجارة الخارجية كان متصاعداً خاصةً مع التجار الأجانب الذين انتعشت تجارتهم مع فلسطين بشكلٍ كبيرٍ بعد أن قام بتأمين الطرق البحرية ومحالفته لقراصنة مالطا. كما عُرف عن الشيخ ظاهر متابعته لشؤون رعاياه خاصةً الفقراء، فقد أسس لنظام اجتماعي تكافلي للمواطنين، حيث عُرف عنه قيامه شخصياً بجولات تفقّد للفقراء في الأحياء المختلفة لعاصمته عكا. وأهم ما ميز الشيخ ظاهر وانعكس جليا في أرجاء دولته هو التسامح الديني لمختلف الأديان والطوائف حتى أنها شملت الرعايا الأجانب من خارج فلسطين(31).

أطلق الشيخ ظاهر العمر في فلسطين نهضةً عمرانيةً ما زالت حاضرةً حتى يومنا هذا، ومن أشهر أعماله العمرانية بناء مدينة حيفا الجديدة، حيث قام بهدم حيفا القديمة وبناء مدينةٍ جديدةٍ على هضبة التي تُعرف بالبرج، وهي الهضبة المشرفة على خليج حيفا، و نقل سكان حيفا القديمة إلى الجديدة، وأحاطها بالأسوار والأبراج تحصيناً لها، وشملت المدينة الجديدة المرافق والمباني العامة والأسواق، حيث أن بعضاً منها ما زال موجوداً حتى يومنا هذا مثل جامع الجرينه. ومن ضمن أعماله الأخرى تعمير عكا وبناء سورها الحصين، وبناء الكثير من القلاع والمساجد والأديرة والمرافق العامة في مختلف أنحاء فلسطين(32).

الخاتمة

لدى استعراض و بحث تاريخ الدولة المركزية في فلسطين، والممتد على مدار 3000 عام، وشمله نماذج فريدة للدولة المركزية، فإنه يمكن التوصل الى الإستخلاصات والاستنتاجات التالية:

  1. إن الدولة الفلسطينية عبر التاريخ تميزت بأنها تكوينٌ وتشكيلٌ لمكوناتٍ فلسطينيةٍ بحتةٍ، والمقصود هنا بالمكونات هي الإدارة أو السلطة الحاكمة والإقليم والسكان، فنجد في الدول الفلسطينية الأربعة والموثقة في هذه الدراسة بأن جميعها تتمتع بسلطةٍ حاكمةٍ فلسطينيةٍ، خرجت من نفس البيئة الإجتماعية في فلسطين. وأما بالنسبة للإقليم الجغرافي، فإن جميع الدول الأربعة قد شملت الأراضي الفلسطينية ضمن إقليمها الجغرافي، مع وجود بعض الحالات لإضافة المناطق المجاورة لفلسطين ضمن الإقليم الجغرافي للدول المشار اليها. وبالنسبة للسكان فإن أغلبهم من الذخيرة السكانية الفلسطينية.
  2. تميزت الدول الأربعة رغم اختلاف الظروف والفترات الزمنية باستقلاليةٍ وإرادةٍ قويةٍ بلغت في بعض الأحيان، خاصة في الدولة الأولى مملكة السامرة، حدّ الهيمنة والسيطرة على مناطق أخرى مجاورةٍ تتسم بالضعف ولم تكن تابعةً بشكلٍ مباشرٍ لأي قوىً أخرى، باستثناء التبعية ضمن تحالفاتٍ متفقٍ عليها مع هذه القوى، وبالتالي فقد تميزت باستقلالية قرارها وإرادتها الحرة لحدٍ كبيرٍ، وكان هذا في كثير من الأحوال سبب دمارها وفنائها.
  3. تعرضت الدول الاربعة خاصة الدولتان الأولى والثانية، أي مملكة السامرة ومملكة يهودا، لتشويهٍ وتزويرٍ واضحين؛ وذلك مفهومٌ لتدخل الرواية الصهيونية؛ ونسب تلك المملكتين لمملكة إسرائيل الموحدة، كما أن الدولة الثالثة وهي دولة هيرودوس تعرضت أيضا للتشويه ولو بدرجة أقل، وخفّ ذلك في الدولة الرابعة، أي دولة ظاهر العمر نظراً لتاريخها المتأخر والقريب ووجود المراجع والمخطوطات التي توضح كل تفصيلاتها. إن هذا الأمر يتطلب تكثيف الدراسات والأبحاث حول هذه الدول، وكتابة روايةٍ فلسطينيةٍ رسميةٍ توثق بشكلٍ علميٍ تاريخ هذه الدول الفلسطينية، حيث ان معظم الدراسات التي تناولت الدولتين الأولى والثانية ساهمت في هذا التزوير والتشويه قصداً أو جهلاً، ومنها دراسات عربية وفلسطينية.
  4. وُجد في بحث تاريخ تلك الدول، خاصةً مملكتي السامرة و يهودا، تداول أسماء أشخاصٍ ومناطق جغرافيةٍ وأحداثٍ تاريخيةٍ، وكانت تبدو بأنها ليست المتعارف عليها في وقتنا الحالي، إلا أنه من الضروري الإشارة بأن تلك الأسماء والمسميات هي فلسطينيةٌ نابعةٌ من الثقافة المحلية في ذلك الزمان، وهي ذات جذورٍ آراميةٍ كنعانيةٍ، ولا يتوجب التحفظ على استخدامها تحت مبرر أنها عبريةً، حتى لو كانت كلمة إسرائيل بنفسها.
  5. ضرورة تعميم تاريخ هذه الدول على مختلف الفئات الفلسطينية وغير الفلسطينية، مع ضرورة تغيير المناهج التعليمية بحيث تشمل تاريخ هذه الدول، والتي تعتبر علاماتٍ فارقةٍ في التاريخ الفلسطيني القديم والحديث.

الهوامش

(1)  توماس طومسون. التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي. ترجمة: صالح علي سوداح، الطبعة الأولى، بيسان للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1995.  ص125.

(2) المصدر السابق، ص136.

(3) فراس السواح، أرام دمشق واسرائيل في التاريخ والتاريخ التوراتي، الطبعة الخامسة، علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، 2002، ص23-24.

(4) توماس طومسون، مصدر سبق ذكره، ص145.

(5) فراس السواح، مصدر سبق ذكره، ص79-80.

(6) المصدر السابق، ص84-85.

(7) المصدر السابق، ص204.

(8) المصدر السابق، ص205-206.

(9) أنغريد يلم، الآثار التوراتية وإسرائيل غير اليهودية، كتاب الماضي العصي دراسات في تاريخ فلسطين، ترجمة: رانية فلفل، دار الناشر، رام الله، فلسطين، ص76-77.

(10) – فراس السواح، مصدر سبق ذكره، ص157.

     – أنغريد يلم ، مصدر سبق ذكره، ص76-77.

(11) فراس السواح، مصدر سبق ذكره، ص178.

(12) المصدر السابق، ص179.

(13) أنغريد يلم، المملكة الموحدة ومفهومها المخادع منذ الأزل، الماضي العصي دراسات في تاريخ فلسطين. ترجمة: رانية فلفل، دار الناشر، رام الله، فلسطين، ص52.

(14)  – فراس السواح، مصدر سبق ذكره، ص208.

      – أنغريد يلم، الآثار التوراتية و اسرائيل غير اليهودية، مصدر سبق ذكره، ص76-77.

(15) فراس السواح، مصدر سبق ذكره، ص237.

(16) المصدر السابق، ص181-182.

(17) –المصدر السابق، ص257-253.

     – أنغريد يلم : الاثار التوراتية و اسرائيل غير اليهودية، مصدر سبق ذكره، ص76-77.

(18) فراس السواح، مصدر سبق ذكره، ص 264-265.

(19) عز الدين مناصرة، مملكة فلسطين الأدومية. الطبعة الاولى، الصايل للنشر والتوزيع ، عمان، الأردن، 2012، ص8.

(20) المصدر السابق، ص19.

(21) – مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، الجزء الاول، القسم الأول، الطبعة الثانية، مطبوعات رابطة الجامعيين، الخليل، فلسطين، 1972، ص621-622.

     – عز الدين مناصرة، مصدر سبق ذكره، ص19.

(22) – المصدر السابق، ص20

     – مصطفى مراد الدباغ، مصدر سبق ذكره، ص623.

(23)  المصدر السابق، ص626-628.

(24) المصدر السابق،  ص629-634.

(25) ميخائيل نقولا الصباغ العكاوي، تاريخ الشيخ ظاهر العمر، عني بنشره و التعليق على حواشيه الخوري قسطنطين الباشا المخلصي، الطبعة الأولى، شركة نوابغ الفكر، القاهرة، مصر، 2010، ص3.

(26) توفيق معمر المحامي، ظاهر العمر، الطبعة الثانية، مطبعة وأوفست الحكيم، الناصرة، 1990، ص9-11.

(27) قسطنطين خمار، ظاهر العمر الزيداني الثائر الوطني، الطبعة الأولى، المركز الفلسطيني للبحوث والدراسات الاستراتيجية، الناصرة، فلسطين، 2008،  ص8-9.

(28) المصدر السابق، ص10-12.

(29) المصدر السابق، ص14-17.

(30) ميخائيل نقولا الصباغ العكاوي، مصدر سبق ذكره، ص116-117.

(31) قسطنطين خمار، مصدر سبق ذكره، ص24.

(32) توفيق معمر المحامي، مصدر سبق ذكره، ص292-293.

عن فيصل زكارنة

Avatar

شاهد أيضاً

المراسل الحربي .. صورة ونضال وقضية: الفوتوغرافي العراقي جاسم الزبيدي نموذجاً

أحمراً فوق الخنادق.. أخضراً فوق الصنوبر.. أزرقاً فوق الزمان..  أدركتُ أن تاريخًا مزيفًا سيُكتب، فبقيت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *