المرأة اليهودية عاشقة للفلسطيني: مطارحات في عناوين أربعة

استهلال

يتوجه مركز الجرمق للدراسات بالشكر الخاص للأستاذ الكبير د. عادل الاسطة للسماح بنشر مقالاته هذه على الموقع, علماً أن المادة نشرت على حلقات منفصلة في موقع https://alantologia.com/blogs/60849/?fbclid=IwAR0GQ40oM8XMLnADdnf0aqv5gMFuMh5U-K7v_Ce0_XMaMbF1FZANrcEiaW8

ونظراً بترابط المقالات ببعضها البعض فقد قمنا بنشرها هنا في مجموعة واحدة لسهولة الوصول إليها.

I

“ما دونه الغبار” لـ دينا سليم حنحن

تحفل رواية «ما دونه الغبار» الصادرة عن مكتبة «كل شيء» في حيفا (٢٠٢١) بنماذج يهودية عديدة؛ عربية وغربية، وما يلفت النظر منها شخصية “مازل” وتعني بالعربية محظوظة وقد ترجمتها الكاتبة كذلك. و “مازل/ محظوظة” يهودية من جذور فلسطينية تزوجت من يهودي متدين وأنجبت منه ابنتين، ولكنها لم تكن تحبه، وقد وقعت في حب الفلسطيني زكي غطاس، وهو مسيحي، فقررت ترك زوجها والارتباط به، على الرغم من معارضة أهلها لها في البداية. هددت «مازل» أهلها واختفت مدة وعثر عليها ولم تخضع لمجتمعها ورجال الدين فيه ولمعارضة الأهل، وحصلت على الطلاق واقترنت بالرجل الذي عشقته مشترطة عليه أن يهتم بابنتيها وأن يعاملهما كابنتيه، هو الذي لم ينجب من زواجه منها.

«مازل» نموذج للمرأة اليهودية التي برزت في الآداب الأوروبية في عصر التنوير؛ المرأة اليهودية التي تتبع هوى قلبها وتتحرر من قيود ديانتها، ومن يراجع «موتيفات» الأدب العالمي سيقرأ عما سبق، وقد توقفت أمامه في دراستي «المرأة اليهودية محبوبة في نماذج من الأدب الفلسطيني» (كتاب مؤتمر جامعة فيلادلفيا ٢٠٠٨، والدراسة أيضا على موقع جامعة النجاح).

وهذا النموذج يستثير في أذهان متابعي صورة اليهود في الرواية العربية والفلسطينية نماذج نساء يهوديات أحببن فلسطينيين وفضلنهم على رجال أبناء ديانتهن، ولعل ما يضفي بعض اختلاف في رواية «ما دونه الغبار» هو أن كاتبتها دينا سليم حنحن عرفت شخصية «مازل» والتقت بها، فقد عاشت كلتاهما في مدينة اللد بعد نكبة ١٩٤٨، وتقر الكاتبة في متنها الروائي بذلك، وتكتب عن لقائها الأول بـ “مازل” تحت عنوان فرعي.

كما لو أن سطر محمود درويش في «شتاء ريتا الطويل» «إني ولدت لكي أحبك/ وتركت أمي في المزامير القديمة تلعن الدنيا وشعبك» هو لسان «مازل» كما كان لسان ريتا، مع فارق في نهاية علاقة كل منهما. عادت ريتا إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وخدمت في الجيش، فانفصل عنها الشاعر، وظلت «مازل» وفية لعشيقها.

فما هي النماذج اليهودية السابقة لنموذج «مازل» اللاتي آثرن الفلسطيني على أبناء ديانتهن أو على مؤسساتهن العسكرية؟

النماذج عديدة في الرواية العربية والفلسطينية وقد برزت منذ ٦٠ القرن ٢٠، وكنت توقفت أمام أكثرها في دراساتي ومقالاتي، ولا بأس من التذكير بها.

كان ناصر الدين النشاشيبي في روايته «حبات البرتقال» (١٩٦٤) أول روائي فلسطيني أتى على علاقة حب بين ميريام اليهودية والفلسطيني سابا، وكانا تعارفا في ألمانيا في ميونيخ، وحين تلجأ الحركة الصهيونية إلى تهجير يهود ألمانيا الناجين من الكارثة إلى فلسطين تعصي ميريام أوامرها مؤثرة البقاء مع سابا، ما يدفع بالوكالة إلى اتهامه بالنازية. ما يهم هنا هو عشق ميريام لسابا وتفضيله على سياسة الوكالة.

في تلك الفترة، كتب محمود درويش قصيدته عن ريتا وبعده بسنوات أصدر سميح القاسم قصته الطويلة «الصورة الأخيرة في الألبوم» وفيها أتى على علاقة حب بين روتي والشاب العربي أمير. لقد اقتنعت روتي بآراء أمير ولم تعد تصدق والدها وزيف ادعاءاته العنصرية وسيعود سميح ليكتب روايته «ثلاث ملاعق سم يوميا بعد الأكل» ليكتب عن علاقة حب بين فلسطيني ويهودية.

في العام ١٩٩٦، أصدر أحمد حرب روايته «بقايا» وكتب عن علاقة آرنونا اليهودية اليمنية والفلسطيني هادي. تتعاطف آرنونا مع الفلسطينيين وتعلن إسلامها وتتسمى إيمان وتعيش في قرية فلسطينية في منطقة الخليل، ولكنها في نهاية الأمر تعود، بسبب تخلي هادي عنها، إلى يهوديتها وتحمد الله لذلك فليس أسوأ من الحياة بين العرب.

على العكس من آرنونا نجد (بيرتا) في رواية يحيى يخلف «نهر يستحم في البحيرة» (١٩٩٧). تحب (بيرتا) الفلسطيني وتفضله على غيره وتلجأ معه في نكبة ١٩٤٨ إلى لبنان وتستقر في المخيم لولا اكتشاف المباحث اللبنانية أنها يهودية. لقد أعادتها المباحث إلى فلسطين لتقيم في طبرية تعيش على ذكرى زوجها الفلسطيني

إلياس خوري في «باب الشمس» (١٩٩٨) يختار يهودية ألمانية اسمها (سارة ريمسكي) ليكتب عنها. هاجرت سارة إلى فلسطين مع أهلها قبل ١٩٤٨ وعاشت في القدس صعوبات المهاجرين الألمان ودرست في الجامعة وتعرفت إلى شاب فلسطيني وأحبا بعضهما وتزوجت منه على الرغم من معارضة أهلها، وبعد زواجهما أقاما في غزة خوفا من قتل أهلها لها، وسرعان ما تأقلمت مع وضعها الجديد، فاعتنقت الإسلام وأنجبت أطفالا ربتهم تربية إسلامية، ولا تبوح لهم بسرها إلا مع اقتراب حرب ١٩٦٧، وظلت تنظر إلى نفسها على أنها فلسطينية وهذا خيارها.

ومع أن رواية سليم بركات «ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟» (٢٠١٩) تجري أحداثها في سورية، بعيدا عن فلسطين، حيث تخلو من شخصيات فلسطينية، فإن اليهودية السورية (استير) ابنة راحيل تحب أشوريا سوريا من قاطني القرى الأشورية على ضفاف نهر الخابور جنوبا، فتهرب معه وتتزوج منه ولا تعود إلى عائلتها» (١١٩).

في مدينة نابلس حيث أقيم، عرفت عديدين من أمهات يهوديات، بعضهن ارتبطن بالفلسطيني قبل ١٩٤٨ وبعضهن ارتبطن به بعد هزيمة ١٩٦٧، وقسم من أبنائهن قاوم الاحتلال وقضى بعض سنوات عمره في السجن، وقسم آخر اتهم بتقديم خدمات للاحتلال وتمت تصفيته.

ونحن نقرأ عما سبق هل نردد مع محمود درويش:

«والحب مثل الموت (؟) وعد لا يرد… ولا يزول»؟.

هل الحب حقا مثل الموت: «وعد لا يرد… ولا يزول»؟.

II

بين المتخيّل الأدبي والواقع

بعد كتابتي «المرأة اليهودية عاشقة للفلسطيني»، وجدتني أتساءل إن كانت الصورة التي أبرزتها الروايات ضرباً من المتخيل الأدبي ليس أكثر، علماً أنني أشرت إلى معرفتي أشخاصاً ولدوا من زواج مختلط.

قادني التساؤل إلى البحث في «غوغل» عن دراسات ومقالات وتقارير وأخبار خاض كتابها ومعدوها في الموضوع، فقرأت عن حالات لا تختلف عما ورد في الروايات، ما جعلني أفكر ملياً في وصف ساخر يطلقه قسم من الناس على الروايات وقارئيها «كلام روايات»، أي ليس له في الواقع حضور، وأنه من نسج مخيلة كتاب يتوهمون، ناسين أن الرواية أنواع، منها الواقعي النقدي، والواقعي المتخيل، والواقعي الوثائقي، وهلم جرا.

بل لقد ذهبت إلى ما هو أبعد من الأدب الفلسطيني والعربي في اللحظة الراهنة، باحثاً عن علاقات حب بين أفراد من ديانات مختلفة أو شعوب مختلفة.

تذكرت في أدبنا العربي أحد أبرز شعراء نور الدين زنكي، وهو ابن القيسراني الذي تغزل في شيخوخته بالصليبيات:

«إذا ما زرت مارية، فما سعدى وما ريا

لها وجه مسيحي ترى الميت به حيا»

وتذكرت القصة الفرنسية التي نشرت تحت اسم (فيركور) وعنوانها «صمت البحر»، وهي قصة قدمها الدكتور طه حسين للقارئ العربي، وتأتي على علاقة حب بين ضابط نازي وفتاة فرنسية، وغالباً ما أشرت إليها، بل ومرة كتبت عنها في هذه الزاوية تحت عنوان «رواية فرنسية وثلاث روايات فلسطينية» (الأيام الفلسطينية 1/10/2016).

في الأسابيع الأخيرة توفي الفلسطيني فيصل حوراني، وكتب عنه خالد جمعة وأتى على زواجه الثاني من امرأة يهودية هي (باولا أبرامز)، وأشار خالد إلى كتاب فيصل «باولا وأنا» الذي يقع في ٢٦٤ صفحة، ومما كتبه أن باولا التي استضافته وزوجها فيصل في بيتهما في فيينا كانت مناضلة لا تكل ولا تكل من أجل حقوق الشعب الفلسطيني.

في٩٠ القرن ٢٠ فتحت مجلة «مشارف» التي أشرف عليها إميل حبيبي وسهام داود ملفاً خاصاً لصورة الآخر، مركزة على تصور الأدباء الفلسطينيين لليهود، وممن شارك فيه أحمد رفيق عوض الذي قدم شهادة عن يهوديات عرفهن في أثناء عمله في مطعم، وفي شهادته «وجوه من تل أبيب» يكتب عن ياعيل التي عرفها:

«وأذكر أني زرتها (يوم الاستقلال) عندهم – وهو يوم عيد يخرج فيه الناس إلى الحدائق وتجري الخمور في الشوارع وتتحول المدينة إلى سدوم وعمورة – أذكر أني زرتها في هذا اليوم، فوجدتها تلبس ثوباً فلاحياً فلسطينياً، وقالت لي: إنها لبسته لي لأنها تعتبر نفسها الصهيونية الوحيدة في إسرائيل». (عدد ١ آب ١٩٩٥ ص ٤٣)

وقد استوقفني حقاً في قصيدة درويش ما ورد على لسان ريتا تعرض عليه أن تذهب معه حيث يذهب:

«أتأخذني معك، فأكون خاتم قلبك الحافي، أتأخذني معك

فأكون ثوبك في بلاد أنجبتك… لتصرعك

وأكون ثوباً من النعناع يحمل مصرعك

وتكون لي حياً وميتاً».

وأنا طبعاً لست متأكداً من إن كان الكلام المقتبس ورد حرفياً على لسان ريتا واكتفى الشاعر بصياغته بما يتلاءم والوزن الشعري، أم أنه غيّر فيه وبدّل، أو أنه صاغ المعنى بلغته، وليس هذا عموماً بالمهم هنا.

وعودة إلى ما ينشر في الصحافة من أخبار وتقارير ومقالات، أو ما يصدر عن دارسين، عرباً ويهوداً. هنا أشير إلى ما كتب تحت عنوان «روميو الفلسطيني وجولييت اليهودية» وما نشرته أيضاً فضائية DW الألمانية عن الزواج المختلط بين العرب واليهود في دولة إسرائيل، وما أسفر عنه زواج مثل هذا. تحت العنوانين السابقين كتب عن زواج الشاب الغزي محمود من الشابة اليهودية مورال/ مارال مالكا، وما صاحب ذلك من احتجاجات يهود (لهافا/ ليهافا) ضده وتأييد يساريين له، والطريف أن الزواج تم في العام ٢٠١٤، عام الحرب على غزة. قبل هذا الزواج كتبت الصحف عن علاقة ابن مخيم جنين زكريا الزبيدي قائد كتائب شهداء الأقصى باليهودية المغربية الأصل تالي/ طالي فحيمة، وظلت الصحف تتابع الموضوع حتى العام ٢٠٠٩ تقريباً. تعاطفت تالي مع أبناء مخيم جنين، واتهمتها المحكمة العسكرية الإسرائيلية بتقديم مساعدات للمقاومة، ويتذكر المرء وهو يذكر مخيم جنين طليقة صليبا خميس (آرنا مير) ومسرح الحرية الذي أنشأته، وكان زكريا الزبيدي نفسه أحد الملتحقين به.

وحسب الدارسين (حنا هرتسوغ) أستاذة علم الاجتماع، وعزيز حيدر، فإن الزواج المختلط يتأثر بالأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية، فقد شهدته فترات، وتراجع في أخرى، وعرف في المدن المختلطة، وقلّ في البيئات الريفية، وشاع بين النخب الثقافية والسياسية وبين متعاطي المخدرات من العرب واليهود في المدن.

في قصة مبكرة عنوانها «الغلطة» كتبها عبد الله عيشان، يأتي على زواج شاب ريفي من فتاة يهودية أحبا بعضهما، ولكنهما انفصلا لإقامتها مع أهله في القرية. لقد كان سبب الانفصال الاختلاف في العادات والتقاليد، وتدخل أهل الزوج في سلوك الزوجة، ونعرف أن الكاتب في جريدة الاتحاد عضو الحزب الشيوعي صليبا خميس تزوج من (آرنا مير) وأنجبا ابنين، وانتهت علاقتهما بالانفصال، ونعرف أن (آرنا) ظلت تتعاطف مع الفلسطينيين حتى وفاتها. وعموماً فإن الموضوع لافت، ويستحق الخوض فيه في بلاد تشهد صراعاً إحلالياً يصر فيه طرف على فكرة يهودية الدولة، ويرفض كثير من أبنائه الطرف الآخر رفضاً كلياً منادين ب ـ»الموت للعرب»، ويرى كثيرون من الطرف الآخر أيضاً رأياً معاكساً.

III

الانفتاح، حلاً للصراع، لا العنصرية والانغلاق!

وأنا أكتب عن «المرأة اليهودية عاشقة للفلسطيني» أثرت السؤال الآتي:

– هل سيُحل الصراع من خلال العلاقات الإنسانية بين الشعبين؟ أي من خلال اللقاء اليومي في مجالات العمل معاً والتعليم والانفتاح على الآخر، لا من خلال الانغلاق والعنصرية؟

قبل قرون، عندما غزا الإسكندر المكدوني الشرق، حث جنوده على الزواج من فتيات البلاد، قاصداً مزج الثقافات الشرقية والغربية لتوحيد الجنس البشري، وصار ما دعا إليه يتجسد، في العقود الأخيرة، في كثير من الدول الغربية. هنا أشير إلى أن كثيراً من الدول الغربية التي كانت تقدم البعثات لأبناء العالم الثالث رمت إلى إجراء لقاءات بين ثقافات مختلفة. ومن قرأ رواية علاء الأسواني «شيكاجو» يتوقف أمام العلاقة بين المصري ناجي واليهودية (ويندي) ومخاطبتها بأن الصراع بين العرب واليهود ليس دينياً بل هو سياسي، ويذهب ناجي إلى ما هو أبعد من ذلك فيقول لها إنهما قد يكونان حفيدين لمسلم ويهودية أحبا بعضهما في الأندلس (ص ٢٧٩)، والشيء نفسه يتكرر في رواية صنع الله إبراهيم «أمريكانللي: أمري كان لي» إذ تتعمد إدارة الجامعة أن تضع الأستاذ المصري الزائر في مكتب واحد مع (استير) اليهودية، وفي الرواية نقرأ عن يهودي من أصل عربي متزوج من فلسطينية، وكنت سئلت إن كانت الرواية الفلسطينية أتت على علاقة حب بين فلسطينية ويهودي، وهذا غالباً ما كان نادراً، ولكني أشرت إلى رواية محمود شاهين «الهجرة إلى الجحيم» ولم أنس رواية اليمني علي المقري «اليهودي الحالي» التي صورت علاقة حب بين مسلمة ويهودي.

في «حالة حصار» (٢٠٠٢) عبر محمود درويش عن إصرار الفلسطيني على الصمود حتى يصاب العدو بالضجر، فلعله في النهاية يدرك أن لا بديل سوى العيش المشترك، ودعا العدو إلى شرب القهوة مع الفلسطيني فلعله – أي العدو – يدرك أننا مثل جميع البشر. (أيها الواقفون على العتبات ادخلوا/ واشربوا معنا القهوة العربية/ {قد تشعرون بأنكم بشر مثلنا}» و «سيمتد هذا الحصار إلى أن/ يحس المحاصِر، مثل المحاصَر/ أن الضجر/ صفة من صفات البشر».

ربما تبدو فكرة حل الصراع عبر الزواج المختلط أو من خلال المراهنة على الزمن والضجر من الحروب فكرة رومانسية جداً وحالمة، بخاصة أن المجتمعين اليهودي والفلسطيني يشهدان نزوعاً جارفاً نحو التديّن ويتمسكان بالماضي ويعيشان فيه! فهما، بخلاف ما تشهده المجتمعات الأوروبية، في العقود الأخيرة، من انفتاح وتقبّل الآخر والزواج المختلط، يميلان إلى العزلة، ويرفع حكام إسرائيل شعار «يهودية الدولة» ويرسخون فكرة الدم اليهودي. هذا عدا حالة العداء التي بدأت منذ قرن ويزيد، وترسخت بعد أن ألمَّ بالفلسطينيين ما ألمَّ من نفي وشتات وتشريد وطرد و… و….

هل سيشعر العدو حقاً بالضجر؟

غير بعيد عن فكرة الإسكندر المكدوني نقرأ أن ريتشارد قلب الأسد فكر في أن يزوج أخته أرملة أمير صقلية من الملك العادل أخ صلاح الدين الأيوبي حلاً للصراع، وقد قرأت هذا في كتاب أمين معلوف «الحروب الصليبية كما رآها العرب»، فبعد أن وصلت الحروب إلى طريق مسدود وكثرت خسائر الجانبين، خطرت الفكرة في ذهن ريتشارد:

« وكان الاتفاق المرتجى يقضي بأن يتزوج العادل أخت ملك انكلترا…. ويعطي الملك الأراضي التي يحكمها من عكا إلى عسقلان إلى أخته فتصبح ملكة الساحل، ويتنازل السلطان عما يملكه من الساحل لأخيه فيصبح ملك الساحل، ويُعهد إليهما بالصليب ويُطلق سراح الأسرى من الفريقين، وعندما يبرم الصلح يعود ملك إنكلترا إلى بلاده وراء البحار» (ف ١١ص ٢٦٦ ط ١٩٩٧)، فإن أنجب هذا الزواج طفلاً يغدو ملكاً على البلاد وتنتهي الحرب. وبغض النظر عما قيل عن صدق ريتشارد أو مراوغته، فإن الفكرة خطرت بباله وفكر فيها صلاح الدين، ولم يتم الزواج لأن المرأة رفضت الاقتران بالأمير الكردي إلا إذا تنصّر. هل كانت القصة حاضرة في ذهن محمود درويش؟

لا أعرف إن كان الشاعر قرأ كتاب معلوف أو بعض المصادر التاريخية التي روت القصة.

إن فكرة ارتباط الفلسطيني بيهودية من الأفكار التي تحفر عميقاً في لاوعي الشاعر، مع أنه رأى في «شتاء ريتا الطويل»؟ أن الحلمين يتقاطعان «فواحد يستلّ سكيناً وآخر يودع الناي الوصايا».

ترد فكرة زواج الفلسطيني من يهودية وإنجابه منها حلاً للصراع في قصيدة من «حالة حصار» (٢٠٠٢) نصها:

(إلى قاتل آخر): لو تركت الجنين

ثلاثين يوماً، إذاً لتغيّرت الاحتمالات:

قد ينتهي الاحتلال، ولا يتذكر ذاك

الرضيع زمان الحصار،

فيكبر طفلاً معافى، ويصبح شاباً

ويدرس في معهد واحد مع إحدى بناتك

تاريخ آسيا القديم

وقد يقعان معاً في شباك الغرام

وقد ينجبان ابنة (وتكون يهودية بالولادة)

ماذا فعلت إذاً؟

صارت ابنتك الآن أرملة

والحفيدة صارت يتيمة؟

فماذا فعلت بأسرتك الشاردة

وكيف أصبت ثلاث حمائم بالطلقة الواحدة؟».

هنا تجدر الإشارة إلى رواية راوية بربارة «على شواطئ الترحال» ( ٢٠١٥) ولعلها تستحق وقفة، فقد روتها راوية على لسان سارة اليهودية التي أنجبت من إبراهيم العربي المسلم طفلين هما لنا وفؤاد.

الأفكار كثيرة والحلول قليلة، وصعب تحققها، وكثيرون يحلمون.

IV

“ريتا وراشد حسين وغولدا مائير”

لم أكن أتوقع أن تقودني الكتابة تحت عنوان “المرأة اليهودية عاشقة للفلسطيني” إلى ما قادتني إليه، ويبدو أن ريتا شغلت أذهان العديد من الدارسين والكثيرين من قراء محمود درويش لدرجة أخذ يشعر بعض محبيه، حين يقرؤون مقالات جديدة في الموضوع، بالضجر والملل، وطالب بعض هؤلاء بأن نترك الشاعر يستريح في قبره، دون أن يدركوا أن المتنبي منذ ألف ومائة عام ما زال يشغل الدارسين ومثله أبو نواس، وقد توغل الدارسون في حياتهما الشخصية لدرجة لا تتخيل تمس النسب والشذوذ.

في العام ٢٠١٦، قرأت رواية إلياس خوري “أولاد الغيتو: اسمي آدم” التي لم تخل من استحضار درويش والكتابة عن علاقته بريتا، ويذهب مأمون الأعمى فيها، وهو أحد المفتونين بالشاعر وشعره، مثل إلياس خوري نفسه، إلى أن علاقة ريتا لم تكن مع محمود بل مع راشد حسين، ولنقرأ الآتي:

“ناجي هذا ليس إنسانا حقيقيا، إنه شخصية في كتاب، أتى بها مأمون إلى هنا كي يثبت أن الواقع أكثر خيالية من الخيال.

هذا كان لب محاضرة مأمون عن محمود درويش في الجامعة، قدم محاضرة مدهشة عن شخصية ريتا في القصيدة الدرويشية، ليستخلص بعد ذلك أن الشاعر الذي أحب ريتا وتزوجها لم يكن درويش بل راشد حسين، وأن حكاية موت هذا الشاعر في نيويورك أكثر مأساوية من كل الشعر الفلسطيني.

وهذا خطأ”.

في الشهر الماضي، كتبت عن سميح القاسم والتعاويذ المضادة للطائرات ودفعتني الكتابة إلى قراءة دراسات أنجزت عن الشاعر، قادني قسم منها إلى دراسات عن راشد حسين وزوجته وقصيدته “الحب والغيتو” (١٩٦٣).

مما قرأته دراسة نبيه القاسم “المرأة اليهودية في روايات سميح القاسم” التي أتت على راشد وزواجه من اليهودية الأميركية (Ann Lavee) زوجة أحد ضباط الجيش الإسرائيلي، وقد أحال نبيه القراء، إن رغبوا في معرفة تفاصيل القصة، إلى كتاب حسني محمود “راشد حسين من الرومانسية إلى الواقعية” (١٩٨٤).

لقد ظهرت المرأة اليهودية عاشقة للفلسطيني في شعر محمود وراشد وفي نثر سميح، فلماذا لم تذع قصة الأخيرين ذيوع قصيدة درويش وقصة حبه؟

وحول استغراب قسم من العرب عن علاقة حب بين شاعر فلسطيني وفتاة يهودية يكتب نبيه:

“يستغرب الكثيرون من المثقفين العرب قصص الحب العنيفة التي ربطت شاعرينا المرحومين راشد حسين ومحمود درويش وشاعرنا سميح القاسم بفتيات يهوديات… ولا تمحى ملامح الاستغراب، ويظل التساؤل يعذبهم: كيف؟ ولماذا؟ ولا يجدون الجواب ولن يجدوه”.

يلخص حسني محمود قصة راشد مع المرأة التي عشقته وأحبته فتركت زوجها وهاجرت إلى أميركا وهناك تزوجت من راشد وعاشا معا ثم افترقا لأسباب غير التي وردت في قصيدة درويش “ريتا”:

“بين ريتا وعيوني بندقية”.

فما فصل بينهما هو التحاق ريتا بالجيش الإسرائيلي، وهذا ما لم تقدم عليه زوجة راشد طليقة الجنرال، فقد هاجرا إلى أميركا، وكان لحياتهما هناك أن تستمر لولا أنه رغب في الإقامة في العالم العربي في حين فضلت هي البقاء في أميركا ومواصلة حياتها الأكاديمية، ولولا إسرافه في الشرب.

مثل راشد ومحمود أقام سميح القاسم غير علاقة حب مع فتاة يهودية، وقد أتى عليها في الجزء الثالث من أعماله النثرية القصصية “ملعقة سم ثلاث مرات يوميا بعد الأكل” وهذا ما توقف أمامه نبيه عموما. فلماذا شاعت قصة حب محمود وريتا واهتم بها الدارسون وغناها مارسيل وكررها مئات آلاف المستمعين والقراء العرب، فيم ظلت قصة حب راشد وزواجه وقصة حب سميح في الظل، سميح الذي حين كتب عن علاقته بفتيات يهوديات اختار النثر واختار شخصية روائية لتكون قناعا له يعبر عن تجربته من خلالها، خلافا لدرويش الذي استخدم ضمير المتكلم وأفصح في مقابلات عديدة معه أنه عرف فتيات يهوديات؟

غالبا ما يقال إن قوة قصائد المتنبي هي التي خلدت سيف الدولة الحمداني. لقد عاش في زمنه عشرات الشعراء الذين كتبوا فيه قصائد مديح ماتت بموتهم. وأعتقد أيضا أن غنائية قصيدة درويش وغناء مارسيل خليفة لها أيضا كان له إسهامه في الانتشار. هل يمكن أن نغفل الجانب السياسي في الموضوع؟

مع أن للجانب السياسي تأثيره إلا أنه لم يكن العنصر الحاسم المقرر، فحكاية درويش وحسين والقاسم فيه متشابهة تماما.

هنا آتي على رواية سليم نصيب “العشيق الفلسطيني” لغولدا مائير (الترجمة العربية مي حماد ٢٠١٠. أنظر مقالي في الأيام الفلسطينية في ٥ حزيران ٢٠١١).

كانت فاتحة الكتابة عن الموضوع ما ورد في رواية دينا سليم حنحن “ما دونه الغبار” وعليها عقبت راوية بربارة عن روايتها “على شواطئ الترحال” وذهبتا إلى أن ما كتبتا عنه لم يكن متخيلا أو مخترعا وإنما هو من الواقع، فهل ما كتبه سليم نصيب عن غولدا مائير لا يصدق؟

يذهب سليم نصيب وهو يهودي لبناني اسمه سليم تركية إلى أن غولدا أحبت الفلسطيني البير فرعون وظلت علاقتهما سرية حتى ١٩٣٧ ثم انقطعت، ولم تفصح لأحد عن حبها للدور الذي ستلعبه في الحركة الصهيونية خوفا على سمعتها. كان البير يشبه الشاب اليهودي الأوكراني الذي أحبته حين كانت في الرابعة عشرة و….

هل كانت غولدا مائير حقا عاشقة للفلسطيني، فكانت بذلك أول من خاض التجربة؟

عن د.عادل الاسطه

شاهد أيضاً

رواية “أعواد ثقاب” للروائية الفلسطينية المبدعة ( بشرى أبو شرار(..

أشعلت فينا الكاتبة)بشرى ابو شرار) ثلاثة وثلاثون عوداً من أعواد الثقاب وكأنها مشاعل الثورة التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *