الصراع على أوكرانيا – الجزء الثاني

في  طبيعة ترابط  السياسات الاستراتيجية للولايات المتّحدة الأمريكية تجاه أوروبا والصين  ومنطقة الخليج .

لتكريس حالة الصراع والانقسام والتهديد  داخل أوروبا  و”الشرق الأوسط”، وبما يلبّي أهداف، ويوفّر شروط سيطرة أوروبيّة وشرق أوسطيّة دائمة، مارست الولايات المتحدّة سياسات محددة، واستخدمت وسائل و أدوات متكاملة، غطّت ساحات الصراع في أوروبّا والشرق الأوسط منذ ما قبل نهاية معارك الحرب العالمية  الثانية.

إذا كان لهدف تقسيم أوروبا وبقاء دولها تحت جناح الحماية الأمريكية الأولوية في خطط وسياسات السيطرة الأمريكية العالمية، فقد عبّرت طبيعة الأدوات  التي استخدمتها من أجل ” تحييد ” الصين  وإحكام هيمنتها على قلب منطقة مثلث الطاقة الاستراتيجي العالمي ومحيطها الجيوسياسي  عن حالة  الأولوية القصوى  التي تحتلّها منطقة الخليج  ومحيطها الجيوسياسي/ المائي في سلّم خطط وسياسات السيطرة الأمريكية على العالم

أوّلا ،

من نافل القول أنّه، وفقاً لموازين القوى العسكرية التي انتهت عندها الحرب العالمية الثانية بين الولايات المتّحدة وروسيا السوفياتية، خاصة على صعيد امتلاك السلاح النووي، كانت تستطيع واشنطن إعادة جحافل ستالين إلى ضواحي موسكو، بمجرّد التهديد  بعصا “هيروشيما”، و فرض  قيام خارطة جيوسياسية أوروبية مختلفة: أوروبا، موحّدة وديمقراطية، سواء مع  روسيا أو بدونها؛ وهو ما فعلت عكسه ،ويؤكّد على موضوعية التحليل، وواقعية إدراكنا لطبيعة خطط وسياسات السيطرة الأمريكية.

فتوقيت وحيثيات  الهجوم النووي على اليابان في صيف 1945، وما أكّدته على  صعود  الولايات المتّحدة  إلى موقع الدولة الأقوى عالمياً، وقدرتها على رسم مآلات نهاية الحرب ما يحقق أهداف سياساتها الاستراتيجية، تكشف طبيعة النوايا والخطط السياسية الاستراتيجية الأمريكية المرتبطة بتكريس هيمنتها على أوروبا. فقد حرصت جميع المفاوضات والاتفاقيات التالية العسكرية والسياسية والاقتصادية مع قيادات فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي على تكريس تقسيم أوروبا ، وتثبيت عوامل صراع دائمة بين قطبيها الرئيسيين، روسيا وألمانيا، وأدّت الاتفاقيات العسكرية إلى  تقاسم أوروبا وألمانيا مع ستالين، وتفويضه بإدارة قسمها الشرقي على طريقته، ونهجه الإستبدادي في الحكم، بالتكامل مع أدوات وأهداف  مشاريعها اللاحقة، سواء لبناء “أوروبا الغربية” وفقاً لنموذج  ديمقراطيّ، يتناقض في الشكل والأدوات والصيرورة مع مشروع السيطرة  الأوروبية الستاليني ،أو في سياق صيرورة  الحرب الباردة، صانعة بذلك النهج والأدوات، وعن سابق وعي وإصرار، خارطة السيطرة الجيوسياسية لأوروبا المقسّمة بين نموذجين نقيضين،  متصارعين؛ وقد حمت تلك المنظومة من خلال تأسيس حلفها الأطلسي، وتحفيز تأسيس حلف عسكري نقيض، وإطلاق صيرورة حربا باردة ضروس  غطّت جبهاتها  قارّات العالم ، وسباق تسلّح نووي  رهيب، يهدد بفناء الحضارة والوجود  البشري؛ رغم حرصها  على بقائه تحت سقف سياسات السيطرة على العالم  .

 يُعزّز موضوعية هذه القراءة سياسات واشنطن التالية، التي عملت على احتواء دول أوروبا الرئيسية، بعد تقسيم إلمانيا، روسيا السوفياتية، من جهة في إطار  مشروع ” الاحتواء  ” الشهير ، وفرنسا وبريطانيا ، من جهة ثانية ، في إطار مشاريع  تجريدهما من مستعمراتهما السابقة ومناطق النهب والنفوذ في جنوب وشرق آسيا، وفي شرقنا المتوسّط حيث دارت المعارك الكبرى للسيطرة على  منطقة مثلث الطاقة الإستراتيجي العالمي وممرات ومضائق التجارة العالمية، وحيث بدأت دوائر التخطيط الاستراتيجي وصنّاع القرار في واشنطن العمل الدروب منذ منتصف السبعينات للوصول إلى استراتيجية أمريكية مطوّرة لضمان الهيمنة الإقليمية الأمريكية.

صحيح أنّ ترابط سياسات الهيمنة الامريكية على أوروبا ومراكز القوى في  شمال شرق آسيا، من جهة، بالسيطرة على موارد الطاقة الضخمة في قلب منطقة الشرق الأوسط، من جهة ثانية، يعود إلى نهايات الحرب العالمية الثانية، (بل وإلى بدايات اكتشاف “الذهب الأسود” في منطقة الخليج،  نهايات ثلاثينات القرن الماضي، حين فازت على بريطانيا العظمى في سباق السيطرة على المملكة السعودية، ونجحت في بناء علاقة سيطرة وحماية استراتيجية، ما تزال أهمّ مرتكزات السيطرة  الإقليمية الأمريكية)، فإنّ  طبيعة الانتصارات التاريخية اللاحقة فيما حققته جهود السيطرة الإقليمية  الأمريكية منذ مطلع التسعينات، من خلال احتلال عسكري مباشر للسعودية 1991، وأفغانستان،2001، والعراق، 2003، وتأسيس شبكة من علاقات السيطرة التشاركية مع سلطات وميليشيات “الإسلام السياسي الحركي”، تؤكّد  موضوعية الفرضية التي تقول بوجود إدراك أمريكي عميق، و رؤى استراتيجية دقيقة لأولوية السيطرة على المنطقة ليس فقط لكسب “الحرب الباردة” بل، علاوة على ذلك، من أجل مواجهة تحدّيات السيطرة الاستراتيجية العالمية للولايات المتّحدة في الحقبة التالية لتفكيك الاتحاد السوفياتي، وما توفّره من فرصة تاريخية لبناء نظام ديمقراطي روسي على النموذج الأوروبي وإمكانيات تطوير العلاقات بين روسيا وألمانيا وجعلها قاعدة ارتكاز لتعزيز مقوّمات الوحدة الأوربية الديمقراطية،  ودمج روسيا  في  منظومة  أوروبّا الموحّدة، الديمقراطية . فهل تغيب عن عقول صنّاع سياسات وخطط السيطرة الأمريكية على أوروبا والعالم  ما تشكّله تلك الصيرورة من  مخاطر على سياسات  السيطرة  الأمريكية؟

 تفسّر هذه الرؤية طبيعة الجهود التي بذلتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة قبل نهاية ثمانينات القرن الماضي، وخلال التسعينات، لقطع صيرورة بناء نظام ديمقراطي  في روسيا الجديدة، وإطلاق صيرورة “حرب باردة” ثانية ضدّ روسيا الرأسمالية  ونظامها السياسي المافيوي البديل، كما تبيّن طبيعة جبهاتها، في مكانها وأهدافها وأدواتها؛ حيث أوروبا ساحتها الرئيسة ومنطقة الخليج جبهتها الخلفية، تشنّها الولايات المتحدّة مع أوسع تحالف من الشركاء لتحجيم النفوذ الروسي في أوروبا ومنطقة الخليج، وتخوضها روسيا حرباً “دفاعية” للحفاظ على علاقاتها الإقتصادية  والسياسية مع  أوروبا ودول الخليج ومحيطه الجيوسياسي. في صراع السيطرة على النفوذ والعلاقات والمصالح الاستراتيجية بين القيادة الروسية وحلف الولايات المتّحدة الجديد، من الطبيعي أن تشكّل الطاقة وممرات ومضائق التجارة في محيطها الاستراتيجي أهمّ أسلحة الصراع التكتيكية والإستراتيجية (1)– وهو ما يؤكّد فرضية التحليل  في بقاء السيطرة على  “منطقة الخليج” على رأس  قائمة المصالح الاستراتيجية للولايات المتّحدة، واحتلالها نفس الموقع الذي تحتلّه أوروبّا، وتراجع أهميّة شمال شرق آسيا و ضعف مسوّغات أن تكون الهدف الأوّل في استراتيجيات واشنطن .

….

(١)- من  المؤسف أنّ يغيّب الدكتور سمير التقي هذه الحقيقة، التي يؤكّدها اليوم سعي واشنطن وموسكو المحموم تجاه دول منطقة الخليج، في محاولة كلّ منها لتجيير مخزون الطاقة الهائل في المنطقة في معركة كسر العظم التي يخوضها للسيطرة على اوروبا . ومما جاء في إحدى ندوات الدكتور “التقي” بهذا الخصوص : ..لم تعد قضيّة المصالح الإستراتيجية البخسة، او عفواً ، “الاقتصاديّة البخسة” هي التي توجّه الولايات المتحدة الأمريكية، بل أصبحت قضيّة الهيمنة، التي اخذت تأخذ مستويين :

١- الهيمنة على البحار ، المياه الزرقاء ، وعلى التجارة العالمية. 

٢- المستوى الثاني، هي الهيمنة في الفضاء . التنافس من اجل الهيمنة على الفضاء أصبح بمستوى الأهميّة على خطوط التجارة العالمية. ثمّ يُضيف : … الهاجس الرئيسي ، بالنسبة للأمريكان لم يعد بالأساس هو قضيّة ” الثروات”، الموجودة في المنطقة.. .

لنتساءل: إذا كانت “الهيمنة على البحار” قد شكّلت أهمّ أولويات المصالح الاستراتيجية للولايات المتّحدة  حتّى قبل انتهاء المعارك الكبرى  للحرب العالمية الثانية، كما نصّت عليها  بنود اتفاقيات “بريتون وودز “1944، فماذا تفيد “الهيمنة ” على البحار ، أو” الفضاء” ، الولايات المتحدّة في مواجهة سلاح روسيا “الطاقوي” في أوروبا  اليوم.؟!

ألم تشكّل  خطوط الإمداد البحري للطاقة  التي بنتها روسيا وألمانيا، نوردم ستريم 1+ 2 ، كسراً لقواعد “الهيمنة  الأمريكية على البحار” ، وتجعل من نفقات أساطيلها  بلا جدوى ؟!

ألا يعتمد انتصار الولايات المتحدّة في حروب تحجيم روسيا على قدرتها على تأمين مصادر طاقة بديلة لإمدادات الطاقة الروسيّة ؟

أعتقد أنّ  أهمية عامل الطاقة في سياسات واشنطن للتحكّم والسيطرة بالحلفاء قبل المنافسين ،على المستويين الأوروبّي والشمال الشرق آسيوي،حيث يشكّل الطلب عليها حاجة ماسّة لتشغيل عجلة التطوّر  الاقتصادي وتوفير  ظروف حياة  اجتماعية مستقرة، تفسّر  طبيعة موقع ضفتي الخليج في أولويات المصالح الاستراتيجية للولايات المتّحدة، كما لمنافسيها الدوليين .

عن نزار بعريني

شاهد أيضاً

القصة الحقيقية المغيّبة: “كيف أصبح ” الرئيس الأسد ” هو” الحل “؟ “ولماذا تتسابق الدول العربية وتركيا ” لطلب الود “؟

أحاول إعطاء مقاربة موضوعية ، بعيدا عن أضاليل الدعايات التي يبرع الجميع في تلفيقها وترويجها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *