الرئيسية > تاريخ > الخديعة الكبرى –الجزء الثالث
الصورة مأخوذة من موقع أخبارك

الخديعة الكبرى –الجزء الثالث

تركيع الشعوب بعد تركيع الأنظمة (الدبلوماسية الروحية )

هناك حقيقة موضوعيه تواجه الكيان الصهيوني، وتهدد وجوده من الجذور، وهي قنبلة التزايد السكاني في فلسطين والتزايد السكاني في الوطن العربي. ويُتوقع أن يفوق عدد السكان الفلسطينيين في فلسطين التاريخية السكان اليهود مع نهاية العام 2020، حيث سيصل إلى 7,2 مليون فلسطيني مقابل نحو 6,9 مليون يهودي. كما أن عدد سكان الوطن العربي سيرتفع من 370 مليون الى470 مليون عام2030 وسيصل الى 750 مليون عام 2050 مقابل 12 مليون يهودي حينئذ (من مركز الإحصاء الفلسطيني ).وإضافة للقنبلة الديموغرافية فإن إمكانية تغيير الأنظمة التي طبّعتْ معه تبقى واردة وتقلقه. وبالتالي ليضمن مصيره المستقبلي بات يعمل على تركيع الأمة بأكملها باتجاهين :

1- باستخدام العولمة وأذرعها الاقتصادية والسياسية والثقافية والتحكم بالأمن الغذائي لكل مواطن عربي مستعينا بصندوق النقد الدولي (الذي هو المحرك الأساسي للعولمة الاقتصادية)والشركات العملاقة الثلاثة التي تتحكم بتصدير القمح للعالم. إضافة لتحكمه بالأمن المائي كما ذكرنا في الجزء الرابع من سد النهضة ومبررات بناءه.

2- -باستخدام الدبلوماسية الروحية المرتبطة بدين جديد يسمى الديانة الإبراهيمية في إطار مشروع أبراهام لتصفية القضية الفلسطينية نهائياً .فالكيان الصهيوني قد أدرك أن عشرات المخططات التي طرحت منذ العام 1948 وحتى الآن قد تكسرت على جدار الرفض الوطني الفلسطيني المستند على رفض الجماهير العربية رغم كامب ديفيد وأوسلو وغيرها من المشاريع. لذا بات نخر المجتمع العربي (بعدما تم نخر الأنظمة ) هي المهمة التاريخية التي عليه أن ينجزها لأنها تشكل خشبة الخلاص له لضمان مستقبله على حد اعتقاده.

اولا :التصريحات الامريكية [[1   :

1- كشف السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، إن اتفاقية السلام بين الإمارات وإسرائيل ستعرف باسم “اتفاق إبراهيم”، حيث سميت على اسم “أب الديانات الثلاث الكبرى”، المسيحية والمسلمة واليهودية، النبي إبراهيم عليه السلام، ويجسد الاسم، ديانات الدول الثلاث المشاركة فى الاتفاقية “الإسلام (الإمارات)، اليهودية )إسرائيل)، المسيحية (الولايات المتحدة الأمريكية .(

2- أعلن جون كيري في العام 2013 عن الأرض الإبراهيمية المشتركة للأديان كما تحدث أوباما من (إسرائيل) عندما زارها في مارس 2013 وقال: “إنها التجربة الإنسانية العالمية، بكل معاناتها، ولكن أيضاّ  كل خلاصها، جزء من الديانات الثلاثة؛ اليهودية والمسيحية والإسلام التي ترجع إلى إبراهيم”. كما قام كوشنر بجولة في متحف اللوفر في أبوظبي، واضطلع على نسخة مصغرة من تصميم “بيت العائلة الإبراهيمية”، الذي يجمع بين الديانات الإبراهيمية الثلاث. كما أشار وزير الخارجية الأمريكي “بومبيو” في كلمته بالجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى أننا جميعنا أبناء إبراهيم، ما يعكس استمرار ذات النهج بل والعمل على ترويجه.

بعد هذا التمهيد الذي لابد منه نقول ان المواطن العربي بدأ يتساءل حول تفسير التصريحات التي أدلى بها أوباما وطاقمه ومن بعده ترامب وطاقمه حول الديانة الإبراهيمية الجديده. وقبل أن نوضح ماهية مخطط أبراهام، دعنا نلقي نظره على جذوره وأدواته انطلاقاً من معرفة ما يخطط له الأعداء لكي لا نقع بالشرك ونواجهه ونفشله كما تم إفشال ما سبقه من مخططات. لذا فان عرضه لا يعني قبوله أو الاستسلام له .

ثانيا- جذور المفهوم : تقول د. هبه جمال الدين* (( إن فكرة تكوين الديانة الإبراهيمية العالمية إنما تعود جذورها إلى الأصولي المصري السيد نصير المتهم بقتل الحاخام مئير كاهانا زعيم حركة «كاخ» العنصرية في العام 1990حيث قال : (إن الحل الوحيد للمشاكل القائمة بين العرب والإسرائيليين، هو الموافقة على إنشاء دولة اتحادية اسمها دولة «إبراهيم الفيدرالية». نسبة لأبينا ابراهيم أبو الأنبياء عليه الصلاة والسلام، لأنه أبو العرب واليهود على حد سواء، وهذه الدولة تتكون من دولتين أو ولايتين، وهما ولاية فلسطين العربية، وولاية إسرائيل العبرية. وقال إن مواطني الدولة الجديدة يجمعهم علم موحد وجنسية واحدة ووحدة وطنية وولاء للدولة الجديدة. ويرى نصير أن المفاوضين، يدورون داخل دائرة مغلقة لا يمكن أن تقودهم إلى الحل النهائي. وأشار إلى أنه أرسل نسخة من مشروع «الدولة الابراهيمية» إلى السيدة هيلاري كلينتون وديك تشيني. وأبلغوه أنه تم الاضطلاع عليها)) .[2] بينما أعتقد شخصياً أن جذور هذا المفهوم إنما تعود إلى فكرة الحوار بين الأديان من أجل عالم آمن الذي بات يعقد كل خمس سنوات منذ العام  1993 في فينا ومدريد والدوحة.. إلخ، وتوجه الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي بوثيقة إشبيليا في منتصف الثمانينات [3] وكان القصد من كل ذلك توحيد الأديان الثلاثة بدين عالمي واحد ظاهره مثالي يقوم على التسامح والود وباطنه براغماتي سياسي. فمؤتمرات الحوار بين الأديان كانت البوابة التي تسلل إليها مشروع أبراهام والذي غايته نحر الإسلام ونسفه من جذوره وشرعنة الوجود الصهيوني ومده بأسباب الحياة.

ثالثا – ماهية الديانه الإبراهيمية [4]: إن الدعوة لتأسيس دين جديد ليست نكتة أو خرافة تثير الضحك أو الاستهجان، بل هو مخطط بعيد المدى يطبخ على نار هادئة تبنته جامعة هارفرد وجامعة فلوريدا منذ بداية التسعينات ويتلقى الدعم بسخاء من صندوق النقد الدولي .حيث شكلت هيلاري كلنتون لجنه تضم مائة عضو في وزارة الخارجية الأمريكية لوضع الخطط المناسبة لتنفيذه. وفحوى مخطط أبراهام هذا يقول بكل بساطة ((أنه ما دام كل الأديان الثلاثة تلتقي حول سيدنا إبراهيم الخليل فعلينا أن نكون أسرة واحدة يسودها التسامح والسلام العالمي ونبذ البغضاء والصراعات الدينية المهلكة وأنه في ظل هذه الرؤية علينا أن نكافح الفقر (المحور الخدمي )ونهتم بحقوق المرأة ونهتم بالشباب من أجل عالم آمن يسوده الاستقرار. وأنه في ظل العولمة سيكون هذا الدين متماشياً مع العصر وأن يتم تفسير النص الديني في الأديان الثلاثة بما يلائم فكرة الإبراهيمية العالمية، وهنا يجب الاستعانة بعلماء الدين الأكفاء ليؤدوا الدبلوماسية الروحية على أحسن وجه حتى يكون لها كتابها المقدس الخاص بها ودور عبادة خاص بها أيضاً. والحيز الجغرافي لهذا الدين هو خريطة إسرائيل الكبرى (مسار إبراهيم ) من النيل إلى الفرات .)) وتقف المسيحية الصهيونية [5] التي ينتمي إليها ترامب بقوة وراء هذا المشروع.  للاستيلاء على الأرض المقدسة، والبقعة المباركة التي يرى اليهود فيها هيكلهم الموعود، ويحج إليها المسيحيين باعتبارها مهد ميلاد المسيح عليه السلام، ويعتقد المسلمون أنها قبلتهم الأولى، ومسرى نبيهم صلى الله عليه وسلم، وثالث المساجد المعظمة التي لا تشد الرحال إلا إليها: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.) الإسراء/1. بل يُعتبر المسجد الأقصى وما حوله من الأرض المباركة، هو معيار القوة بين أصحاب الأديان الثلاثة، فمن كانت له الدولة، وفي صالحه الجولة، كانت القدس تحت يده وسلطانه [6] ويرى “جيمس روزينوه” أن مستقبل العالم سيرتكز على السلام العالمي الذي سيتحقق عبر الديانات الإبراهيمية والعقائد المتداخلة، كمدخل جديد لحل النزاعات في العلاقات الدولية، وكطرح بديل لنظرية “هنتنجتون” حول “صدام الحضارات”، ونظرية “فوكوياما” حول “نهاية التاريخ”؛ وليعكس نهجًا جديدًا داخل علم العلاقات الدولية حيث كانت أهم ملامحه ظهور مفاهيم جديدة؛ كالتسامح العالمي، والأخوة الإنسانية، والحب، والوئام، كمفاهيم جديدة مطروحة داخل هذا الحقل    .[7]

ج- أدوات المشروع[8] : تشير الدكتورة هبه جمال الدين إلى الأدوات التالية :

1- الأمم المتحدة، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وغيرهما من المؤسسات التابعة للأمم المتحدة، لكنه ظهر بشكل أوضح مؤخرًا في المغرب، بهدف خدمة الثوابت الوطنية ودعم العلاقات الخارجية وتعزيز موقفها السياسي، وذلك عبر تسخير مختلف القنوات الدينية ولكن لم يغفل البعض أن الفكرة لها مخاطر من حيث التوظيف السياسي الأجنبي لها، وتبين لاحقًا أنه توجد إدارة خاصة داخل وزارة الخارجية الأمريكية، وأحد محاور اهتمامها هو دعم الدبلوماسية الروحية المذكورة

2- المؤتمرات والقمم الدولية ومنها الفريق العربي للحوار العربي المسيحي، والذي يقوم بتنظيم اجتماعات دورية في العديد من بلدان العالم، وتتركز لقاءاته بمصر وبيروت والسودان.

وتطلق تلك المنظمات مبادرات تدعو الفلسطينيين للتوحد مع المجتمع الإسرائيلي، ومنها مبادرة القادة المسلمين، ونظمها شخصان هما؛ الإمام عبد الله عنتبلي ويوسى كلاين هاليفي، وانطلقت في صيف 2013، وأقيمت بالتنسيق بين أكاديميين وصحفيين من شمال أمريكا وتل أبيب، وتدعو الفلسطينيين لاكتشاف المجتمع الصهيوني والاندماج به، وزيارة المعالم اليهودية، دون التطرق للديانة.

3 -القوى العظمى والمعسكر الغربي فريق وزارة الخارجية الأمريكية

4 – السياحة الدينية المشتركة .

5- مشروعات ريادة الأعمال التي تمثل مدخلًا لخلق دخل للأسر الفقيرة (الحوار الخدمي) ودعم التعاونيات النسائية والتواصل مع الشباب وظهرت العديد من المراكز الإبراهيمية ومعظمها أمريكية مثل معهد بيس آيلاند والمجلس الدولي للمسيحيين واليهود، ولهذين المجلسين دور كبير في الدعوة للدولة الإبراهيمية، ويقوم بتنظيم العديد من المؤتمرات بمشاركة الأمم المتحدة للدعوة للحوار، وللتوحيد بين الأديان الثلاثة، وبعض اجتماعاته تجري في العاصمة التركية “إسطنبول”، والعاصمة الألمانية “برلين”، حيث يقومون بدعوة شباب من جميع أنحاء العالم لتدريبهم وتهيئة الكادر القادر على الدعوة للدين الرابع بزعم أنه قادر وحده على نشر السلام وإنهاء الحروب. إضافة لمواقع متعددة لجذب الشباب مثل موقع بعنوان FRD، http://religious-diplomacy.org/chapters/sunni-islam/

6- مراكز أو مؤسسات أو برامج الدبلوماسية الروحية: الانتشار القاعدي مثّل مطلع الألفية التوجه لتأسيس فكرة «الدين العالمي» فى شكل مؤسسات عاملة على الأرض، ويمكن تسمية هذه المنظمات القائمة على الإيمان، «faith based organizations»، وهى https://en.wikipedia.org/wiki/Faith-based_organization  مؤسسات دينية بارعة فى حل المشكلات التى لا يمكن للدبلوماسية العلمانية فهمها، ومثال ذلك المصالحة التى تتم بواسطة «معهد المصالحة بكشمير»، وهناك عدد من القواسم المشتركة بين هذه المؤسسات  جميعاً[ .[9

الخلاصة : إنه مخطط خبيث مغلف بالإغراءات المادية يهدف إلى نسف الإسلام من جذوره المتغلغلة في ضمير الموطن العربي ووجدانه ودفن الشعور القومي الراسخ في نخاع المواطن العربي أيضاً. فهذه الخدعة الجديدة (الدبلوماسية الروحية ) لن تمر حتى لو تحكموا بقطرة الماء ورغيف الخبز للفرد العربي. والطريق الوحيد لإفشاله هو طريق المقاومة التي تضعضع أمن العدو وتهلكه .فركوع الأنظمة يبقى آنياً ولن يصيبنا بالإحباط وركوع الأمة مستحيل. والله غالب على أمره .

* والحقيقة إنني بذلت جهداً مضنياً على صفحات الإنترنت لأستعين بمصادر تتحدث عن هذا الموضوع ولم أجد سوى كتابات الدكتورة هبة جمال الدين ولقاءاتها المتلفزة (أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة ). وإن كل ما نشر من مقالات هي فحوى أو اقتباسات لما ذكرته الدكتورة هبة حصرا.

الهوامش

-1 وكالات الأنباء ,و,CNNو BBC

 . https://www.elwatannews.com/news/details/3159209-2

3-د. سعيد بن محمد بن معلوي رجاء جارودي والدعوة إلى وحدة الأديان الأحد 17 يناير2010 (مصدر ثري بعشرات المصادر)  http://www.tanseerel.com/main/articles.aspx?article_no=2785

-4الحوار المتمدن-العدد: 6268 – 2019 / 6 / 22 – 23:02 طلعت خيري

5-لمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة كتاب الصهيونية المسيحية –محمد السماك – رابط التحميل https://www.noor-book.com

  http://mubasher.aljazeera.net/opinion-6

-7محمد عبد الرحمن –اليوم السابع – https://www.youm7.com/story/2020/8/14/

 http://www.albadeeliraq.com/ar/node/3290-8

-9  المصدر السابق

عن د. سالم سريّة

د. سالم سريّة

شاهد أيضاً

المراسل الحربي .. صورة ونضال وقضية: الفوتوغرافي العراقي جاسم الزبيدي نموذجاً

أحمراً فوق الخنادق.. أخضراً فوق الصنوبر.. أزرقاً فوق الزمان..  أدركتُ أن تاريخًا مزيفًا سيُكتب، فبقيت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *