أفكار منتصف النهار (5): هول الفساد في سوريا

لا داعي لأن نحسب الزمن في سوريا فالزمن تجمد حول مشهد واحد ووحيد هو ( الهول ) ولم تُسعفني اللغة لأجد كلمة تُعبر أكثر من كلمة ( الهول ) . لكن ذاكرتي لا تزال متوهجة بأحداث يستحيل نسيانها ويستحيل أن يخف وهج ألمها . وسأذكر بعضاً من تلك الأحداث . وأولاً الرحمة والسلام لأرواح الشهداء الذين سقطوا في سوريا وتركيا .

منذ سنوات  2009كنت لا أزال أعمل طبيبة اختصاصية في طب العيون في المشفى الوطني ، كنت أقصد سوبرماركت جديد كبير قرب المشفى الوطني يُقال أن صاحبه رجل مُتدين ،واشتريت عدة “علب طون” ( كانت هناك إشاعات أن المواد الغذائية سوف تفقد ) وعدة علب جبنة ومنظفات الخ . في التاكسي وأنا عائدة إلى بيتي خطر لي أن أتأكد من صلاحية علب الطون والجبنة ( المثلثات ) صُعقت حين كانت عبارة ( مُخصص لمخيم الزعتري ) مكتوبة على “علب الطون| والجبنة! وبالتأكيد هناك مواد غذائية كثيرة أخرى تمت سرقتها وبيعها في كل محافظات سوريا وهي أساساً معونات غذائية وألبسة خاصة بمخيم الزعتري ، يا سلام يبدو أن البنزين كان مُتوفراً بكثرة حتى تصل المعونات الغذائية الخاصة بأسوأ مخيم ( الزعتري في الأردن ) إلى الساحل السوري . عدت إلى السوبرماركت وطلبت مقابلة صاحبه ، كل العاملين رفضوا وقالوا أنه مسافر ، فقلت لهم لكن هذه المُعلبات خاصة بمخيم الزعتري فكيف وصلت إلى اللاذقية وتُباع !! الجواب لكل الموظفين : لا نعرف ونحن ما خصنا .

بعد أيام من تلك الحادثة اتصل بي صديق وقال لي هل تريدين بطانية ( حرامات ) ممتازة من الصوف وهي مزدوجة أي البطانية بوجهين ومن الصوف الحر ، وصلت تلك البطانيات بكميات كبيرة مساعدة خاصة للنازحين من حلب وغيرها وكان سعر البطانية 2000ليرة سورية ( يومها كان الدولار لا يتجاوز 150 ليرة سورية )المساعدات وصلت لجمعية دينية ومن أكبر طائفة مسيحية في اللاذقية  طبعاً رفضت البطانية وغضبت من صديقي وقلت كيف يعني تُباع المساعدات !! رد علي : لو ترين كل المسؤولين أخذوا بطانيات لبيوتهم وأعطوا أصدقاءهم .صباح اليوم التالي لإتصال صديقي بشأن البطانية الفاخرة ب 2000 ليرة كنت أمارس رياضة المشي ورأيت في معظم شوارع اللاذقية العديد من الشبان أمام كل منهم بسطة عليها على الأقل ثلاثين بطانية من بطانيات المُساعدات للنازحين والمحتاجين ، كانوا يبيعون البطانية ب ( 3500 ليرة سورية ) وعلى مرأى من الجميع – أي في أشد شوارع اللاذقية ازدحاماً– وطلب مني أحد الشبان أن أشتري بطانية ، فسألته : هذه البطانيات للنازحين فكيف وصلت إليكم ؟ ضحك بسخرية وقال : هبطت من السما . ومشيت كالمُسرنمة وصوت الشاب يلاحقني : اسمعي مني اشتري بطانية أو أكثر والله نوعها ممتاز كأنها بطانيات إسبانية من أجود الأنواع .

تعود تلك الذكريات الآن كأنها ليست ذكرى بل واقع أبدي يستمر . الذكرى تصير ذكرى حين تشعر أنها ماتت أو صارت خلفك ، أو تمت مُحاسبة قضائية عادلة ونزيهة للصوص والمهربين الذين صاروا من أثرياء المجتمع السوري ، ثراء فاحش واحتلوا مناصباً حساسة في الدولة .

الذكرى التي تتفجر في ذاكرتي هي مقالي عن الخوذ البيضاء الذي نشرته في العربي الجديد عام 2017 وقد وضعوا له عنواناً ( الخوذ البيض وثرثرات حاقدة ) وقد كنت – ككثيرين من المشاهدين – نتابع على الفضائيات الإسعافات الإنسانية الرائعة التي يقوم بها الخوذ البيض وكيف يعرضون حياتهم للخطر من أجل إنقاذ الضحايا تحت الأنقاض . كانت الخوذ البيض تعمل في حلب ( جحيم حلب ) وقد حصل الفيلم الوثائقي ( الخوذ البيضاء ) على جائزة الأوسكار للمخرج ( أورلاندو فون إينسيدل ) وللمصور السوري من حلب الشهباء رائد صلاح ولمدير الدفاع المدني خالد الخطيب . كان الفيلم رائعاً وأذكر العبارة البليغة فيه ( إن أنقذتم حياة كأنكم أنقذتم العالم ) والغريب أنه سرت إشاعة أن مخرج الفيلم الوثائقي هو المخرج نجدت انزور ، ثم تلاشت الإشاعة بعد عرض اسم مخرج الفيلم ( أورلاندو فون إينسيدل ) . وبدأت حملة شرسة من النظام السوري والموالين له بتخوين الخوذ البيضاء وشن أحد الضباط هجوماً شرساً على الخوذ البيضاء إذ كان يكتب دوماً على صفحته أن الخوذ البيضاء يرفعون علم داعش على رأس كل ضحية ينتشلونها من تحت الأنقاض وأن لهم ارتباطات خارجية وإرهابيين !! وقد تأثر بعض المواطنين بتلك الحملة الشرسة التي قام بها النظام السوري في شيطنة الخوذ البيضاء وتخوينها وارتباطها بأجندات خارجية تؤذي سوريا . الكثير من الموالين للنظام أصحاب المراتب العالية جداً كانوا يشتمون ويخونون يومياً الخوذ البيضاء وبعد أن ينتهوا من كلام التخوين وإلصاق أحقر الصفات بالخوذ البيضاء يبدؤون بالترحم على المجندين السوريين الذين ماتوا ويا لعبارات التفخيم للشهداء ويباركون لأهل الشبان بعمر الورود الذين ماتوا دفاعاً عن الوطن ، أي انعدام حس وإنسانية أن تبارك لأب وأم فجعوا بموت ابنهم بموته !!! وبأنه نال أعلى وسام في الحياة وهو الشهادة . بينما أولاد هؤلاء المسؤولين الكبار في دول أوروبية وأميركا ويرسلون زوجاتهم ليلدن في أميركا ( الشيطان الأكبر ) كي يحصل الوليد على الجنسية الأمريكية .

بعد خمس سنوات من كتابة مقالي في مديح الخوذ البيضاء ، تمكن أحد كتبة التقارير وهو يدعي أنه فنان تشكيلي من كتابة تقرير كيدي بي وطبع أكثر من ثلاثين مقالاً من مقالاتي التي كنت أنشرها في جريدتي الحياة والسفير وقدم تلك المقالات للأمن العسكري ، وتم استدعائي إلى الأمن العسكري وكان المحقق غاضباً وأمامه كل مقالاتي وأخذ يقلبها بطريقة استفزازية كأنه يُريد أن أفهم أنه يحتقر كتاباتي ، وفجأة أخرج مقالاً ونظر إلي نظرة جمدت الدم في عروقي وقال : أنت تمتدحين الخوذ البيضاء ومعجبة بهم ولوح بالمقال في وجهي ، وجدتني أقول له : لكنني كتبت هذا المقال منذ خمس سنوات !!! فما غايتك أن تحكي عنه الآن أظن لو نحكي عن أزمة الرغيف في سوريا ( مقابل مبنى الأمن العسكري في اللاذقية ) كان طابوراً أكثر من 200 رجل وامرأة ينتظرون دورهم في الحصول على ربطة الخبز عن طريق البطاقة الذكية ، أغضبه جداً جوابي وقال: أنا هنا من أسأل أتفهمين ولست أنت . فكررت ما قلته بأنني كتبت المقال منذ خمس سنوات . فرد : لكن النظام السوري الممانع والمقاوم اعتبرهم إرهابيين . فلم أرد . حل صمت من رصاص بيننا وقلب مقالاتي وقال : كل مقالاتك هي نشر للغسيل الوسخ ( هذه العبارة موحدة في كل الأجهزة الأمنية ) قلت : أنا أكتب بنزاهة وصدق عن معاناة الأحبة السوريين . وتشجعت لأسأله : لماذا بعد خمس  سنوات من كتابتي لمقالي في مديح الخوذ البيضاء يمنعني من السفر ويستدعينني للتحقيق في مبنى الأمن العسكري المؤلف من عدة مباني والذي حين أدخل إليه أشعر أنه من الطبيعي أن يتوقف قلبي فأنا عزلاء وسط سلطة مُطلقة يتمتع بها المُحقق ، لا أنسى أن أحد المحققين قال لي مرة : أتعرفين مدى صلاحياتي أترين تلك البناية المؤلفة من عشر طوابق يُمكنني أن أستدعي كل سكانها إلى مكتبي وأحتجزهم لمدة ستة أشهر على ذمة التحقيق . كيف يُمكن في هكذا ظروف من بطش القوة أن نحس بنقطة كرامة أو حرية ، والبوط العسكري صار رمزاً مُقدساً ووضعوا فيه زهوراً ، أيه شجاعة أو نعمة تتمتع بها الزهور كي لا تموت وهي مزروعة في بوط عسكري . لكن الزهور لا تملك قلباً أو هي تعرف أنها محظوظة أن عمرها قصيراً .

أصبح المواطن السوري كالزهور ينقصف عمره من الجوع والقهر والتعتير وانعدام الحرية والكرامة .

لا يجب أن ننسى أي تفصيل في حياتنا في سوريا التي تكفي كلمة واحدة لوصفها هي ( الهول ) أو ( الذعر )

ألف وردة للخوذ البيضاء . كل المحبة والتقدير لكم . ولكم تُرفع القبعات . ولم تضعوا علم داعش على رؤوس من أنقذتوهم من تحت الأنقاض بل وضعتم تاج الحرية والكرامة .

عن هيفاء بيطار

شاهد أيضاً

أفكار منتصف النهار (29) الضمانات للعودة إلى سوريا

لست بحاجة لإثبات كم أعشق وطني – سوريا – وكم أحن إلى اللاذقية المُنتهكة والتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *