أفكار منتصف النهار (30) عوامل الفساد في سوريا

الفساد المُروع في سوريا هو كالسرطان المُنتشر في كل مؤسسات الدولة السورية ، خطورته أنه أصبح ضرورياً للعيش السوري أي ليتمكن معظم المواطنين من العيش ( في الحد الأدنى وتأمين مُتطلبات الحياة ) . بدأ وعيي بالفساد في سوريا قبل بداية عملي كطبيبة اختصاصية في طب العيون ، مذ طارت المنحة التي قدمتها الحكومة الفرنسية إلى سوريا لطالب متفوق في الطب بمعدل مرتفع ويتقن اللغة الفرنسية ، كنت أتمتع بالشروط وأجريت مقابلة في القنصلية الفرنسية في دمشق وأكدوا لي أنني سأنال المنحة ، لكنني فوجئت أنها طارت إلى ابن مسؤول والده أحد أهم المسؤولين يتمتع بصلاحيات مُطلقة ، الابن لا يعرف كلمة فرنسية ومعدله في كلية الطب درجة متوسطة ( رغم أن الكثير من الأساتذة كانوا يسربون له أسئلة الامتحانات ) وبمناسبة الحديث عن الامتحانات لا أنسى ( الفضيحة بجلاجل ) حين تم طرد أكثر من عشرة أساتذة من جامعة تشرين في اللاذقية لثبات فسادهم في بيع أسئلة الامتحانات للطلاب . كل أهل اللاذقية ( وكل المدن ) يعرفون أسماء الأساتذة الفاسدين الذين كانوا يبيعون الأسئلة للطلاب . أثناء عملي كطبيبة عيون في المشفى الوطني الحكومي في اللاذقية كنت شاهدة على أشكال مروعة ُمن الفساد ، من المناقصات التي كنا ( الأطباء بكل الاختصاصات ) نقدمها إلى لجان الشراء كنا مثلاُ نُحدد نوعاً مُعيناً من الخيوط الجراحية الممتازة لخياطة القرنية وفي العمليات العينية نحدد أجود أنواع الخيوط الجراحية للعمليات العينية وهي باهظة الثمن ونوقع على أوراق لجان الشراء التي تؤكد في تلك الأوراق أنها ستجلب الخيوط المطلوبة ثم نفاجأ أنها غمرتنا بخيوط سيئة جداً رخيصة الثمن غالباً صناعة باكستان وهي غير صالحة إطلاقاً لعمليات العين الجراحية . كانت لجان الشراء مع المسؤولين الكبار خلفها يحققون أرباحاً خيالية من صفقات شراء معدات جراحية لكل الاختصاصات الطبية ( جراحة عامة – جراحة صبية – جراحة نسائية الخ كذلك الأدوية ) وكانت روايتي ( هوى ) رواية توثيقية للفساد الطبي وفساد القضاء ( لا أعمم لأن هناك قضاة شرفاء حقاً وأعرفهم ) .

من أهم عوامل الفساد هي سياسة الاستيعاب التي تم العمل بها منذ الثمانينات ، فبدل من توظيف أربع أطباء ( مثلاً) في قسم الجراحة وإعطاؤهم راتب محترم يكفل لهم عيشاً كريماً ، وهم يلبون حاجة قسم الجراحة ، تقوم الدولة السورية بتوظيف عشرين طبيب اختصاصي جراحة برواتب هزيلة جداً لا تكفي نفقات أسرة ثلاثة أيام ، كان فيض الأطباء يقضون وقتهم في كافتيريا المشفى يشربون الشاي والقهوة ( كأنهم في مقهى الانشراح ) أو بعد أن يخربشوا توقيعهم على دفتر الدوام عند السكرتيرة يذهبون إلى عياداتهم الخاصة وأحياناً يعودون إلى المشفى عند الانصراف ( نهاية الدوام ) ليخربشوا توقيعهم . المُخزي أن هؤلاء الأطباء الذين درسوا الطب والاختصاص لأكثر من عشرة سنوات كانوا يضطرون أن يدسوا عنوان عياداتهم في أيدي المرضى المساكين الفقراء ليقصدونهم في عياداتهم ويدفعون المال ، بل إن العديد من الأطباء كان يرفض إجراء عمل جراحي لمريض إلا في مشفى خاص . هي منظومة فساد راسخة مترابطة الحلقات ولا يوجد حلقة مفقودة . في مجال التدريس ( المدارس والجامعات ) كُتبت مقالات كثيرة عن الغش في الامتحانات خاصة امتحان البكالوريا ، العديد من المعارف باحوا لي أنهم كانوا يدفعون مبالغ كبيرة لمراقب ( أو مُراقبة ) في فحص البكالوريا كي تسمح لابنهم أو إبنتهم أن تُخرج الكتاب المُصغر من جيبها ( كانت ولا تزال عادة تصغير الكتب لدرجة يُمكن وضع الكتاب في الجيب موجودة في سوريا ) . كل المعاهد الخاصة التي تتطلب دفع المال الكثير ليتلقى طلاب الشهادات الإعدادية والثانوية الدروس في كل المواد هي دليل فاضح لفشل تام لدور المدرسة حيث كل صفوف الشهادة الثانوية فارغة وعلى مرأى كل المسؤولين في وزارة التربية والدولة . كان مجرد نقل موظف من مكان عمله إلى مكان آخر يتطلب دفع رشوة كبيرة جداً ليتحقق طلب النقل . وصار الكثير من المدرسين يعلمون الطلاب في المدرسة بطريقة سيئة ( بالكاد يعطونهم المعلومات ليضطر الطالب أن يأخذ دروساً خصوصية تكلف الملايين لأهل مثقلين بالأعباء إذ يضطر بعضهم لأخذ قرض من المصرف أو بيع أثاث منزله ) .

أدى إنهيار الليرة السورية إلى تفاقم الفساد إلى درجة مروعة فالرواتب الوهمية لا تساوي شيئاً والمواطن السوري غير المحظوظ بابن أو إبنه أو قريب يُرسل له حوالات خارجية ليتمكن من العيش أي تأمين الطعام والشراب والأدوية الخ ) هذا المواطن يجد نفسه مُضطراً ليكون فاسداً فإذا كان موظفاً في قسم جوازات السفر يستغل وظيفته ليساوم مواطن تعيس مثله أن يدفع رشوة ليعطيه الموظف جواز السفر سريعاً ، أو إذا كان الموظف أو ( الموظفة ) تعمل في جمعية خيرية لتوزيع المعونات الغذائية ومواد أخرى للمواطنين السوريين حيث يعيش حوالي تسعين بالمئة تحت خط الفقر ، تجد نفسها تلك الموظفة التي راتبها لا يساوي شيئاً متورطة ومجبرة على سرقة بعض المعونات الغذائية وبيعها للتجار . لا أنسى يوم وصلت كمية كبيرة من أجود أنواع الحرامات ( أغطية صوفية ممتازة ) إلى إحدى الجمعيات الخيرية ، أحد معارفي اعترف لي أن الموظفة المسؤولة عن توزيع الحرامات الصوفية للمحتاجين باعته أربع حرامات سعر الحرام ألفي ليرة سورية !! قلت له : لكنك لست محتاجاً وهذه مساعدات للفقراء . سخر مني وقال : هيك البلد ماشية . فوجئت صباح اليوم التالي وأنا أمشي باتجاه سوق الخضار في مركز اللاذقية بشبان يقف كل منهم أمام بسطة عليها عشرات الحرامات الصوفية الممتازة التي وصلت كمعونات للفقراء السوريين إلى جمعية خيرية ( ربما جمعيات أخرى ) وقفت مصعوقة أتأمل طوفان حرامات الصوف والباعة يغرونني أن أشتري بسعر ممتاز ويؤكدون لي أنها من أحسن الأنواع . وكم أسرح وأستعيد ذكريات مخزية ومريرة في كل مرة أكون مسافرة من اللاذقية إلى بيروت أو العكس علي أن أدفع رشاوي لأكثر من عشرة حواجز أمنية أو جمارك أو ربما حواجزوهمية ، وإن لم أدفع يطلبون من السائق أن يتوقف ويبدؤون معه إستجواب وأسئلة لا معنى لها . لا أنسى فرح سيدة أعرفها كادت تزغرد من الفرح أن أسرتها تمكنت من دفع مليون ليرة رشوة ليكون إبنهم الشاب في حدود العريضة ( الحدود البحرية بين سوريا ولبنان ) في قسم الجمارك ( الحادثة عام 2015 ) قالت لي : تخيلي كم سيارة تمر كل يوم بين لبنان وسوريا !!! كل بضاعة ممنوعة يقبض الكثير من المال ليمررها ، بل حتى لو كانت السيارة نظامية يقبض مالاً ، قلت لها ساخرة : مبروك والله مبلغ مليون ليرة رشوة قليل تجاه هذه المهنة ( موظف جمركي على الحدود السورية اللبنانية . اليوم نعاني من تهريب شاحنات محملة بمخدر خطير الكابتاغون وولدت ( كما بذور البقلة ) طبقة من رجال كانوا فقراء صاروا بطرفة عين من أصحاب المليارات !!! والسيد الإعلامي نور حلب يتحفنا كل يوم بحلقة جديدة يتباهى فيها بأن المحافظ الفلاني دخل السجن لأنه نهب المليارات والوزير الفلاني أيضاً دخل السجن لأنه نهب المال العام على مدى أكثر من 230 حلقة يومياً يُتحفنا السيد نور حلب بمسؤولين لصوص وفاسدين وأن القضاء النزيه يعاقبهم !!!السؤال الوحيد الهام الذي يجب أن يُطرح : من أوصل هؤلاء الفاسدين إلى تلك المناصب ليبقوا سنوات طويلة ينهبون المال العام ، أجل سنوات طويلة ثم فجأة يهبوطون إلى درك الفساد وقاعه الذي لا قرار له !!! كأن المهمة الإعلامية هي كشف الفاسدين واللصوص فقط وليس السؤال : لماذا لا يوظف الرجل الشريف في المكان المناسب !!

أخيراً عمليات النهب ( التي يسمونها التعفيش ) صارت أحد أبرز خصائص المجتمع السوري ، حتى أن هناك أسواق كبيرة معروفة في معظم المدن السورية لبيع المسروقات من أدوات كهربائية إلى أثاث المنزل وكل ما يخطر بالبال . أحدهم قال لي ( في عز أزمة الغاز ) أن لديه تسع جرات غاز في منزله قالها بتباهي وقبل أن أسأله كيف ؟ ضحك وقال تعفيش .

أما الفساد الثقافي فيستحق مقالات كثيرة وكتباً . يكفي إلقاء نظرة على عناوين المحاضرات التي تقدم في سوريا كلها لا يعنيها المواطن السوري ومعاناته وكلها بهيمنة إيرانية كأن أغنية فيروز ( نحن والقمر جيران ) أصبحت في سوريا ( نحن وإيران حبايب ) .

أخيراً أحب أن أروي تلك الحادثة ولها دلالات مهمة جداً : منذ سنوات ( أكثر من عشر سنوات ) كنت قد كتبت على إضبارة مريض الأدوية التي يجب أن يتناولها قبل العملية في عينه وكتبت أن الدواء إياه ممنوع إعطاؤه للمريض لأنه قد يتسبب في موته ، لكن إحدى الممرضات ( فقيرة ومن قرية بعيدة ) أخطأت وأعطت المريض الدواء الخطر ، من حسن الحظ لم يمت لأنني سارعت بإسعافه بأدوية أخرى . يومها غضبت كثيراً وقلت لها : أين كان عقلك كاد المريض يموت ، لا أنسى نظرتها الساخرة مني وهي ترد على كلامي : يعني من أهمية الراتب !!

جوابها هذا ( أمن أهمية الراتب !!) يعني أنك لا تستطيع أن تطلب من إنسان مسحوق الكرامة وتعيس ومدقع الفقر أن يكون إنسانياً . تلك الممرضة كانت تستيقظ الخامسة فجراً وهي تسكن قرية غير بعيدة عن اللاذقية وتضطر تنتظر الميكروباص المقرقع الأول ثم تصعد في ميكروباص مقرقع ثاني وبعدها تنتظر باص الدولة الأخضر وتصل عملها في المشفى الوطني مهدودة من تعب الذل ونصف راتبها الهزيل تصرفه على المواصلات هكذا نفهم لماذا أخطأت وقالت لي ساخرة : أمن أهمية الراتب . عبارة تعني : أمن أهمية حياة التعتير والقهر . طبعاً أنا لا أبرر خطؤها الذي كان يُمكن أن يموت المريض بسببه .

لكن كي نفهم توغل الفساد والآلية التي يعمل بها وكيف صار ضرورياً لكل مواطن سوري كي لا يموت من المجاعة أو من السكتة القلبية والدماغية قهراً .

عن هيفاء بيطار

شاهد أيضاً

أفكار منتصف النهار (28) حول قيم الجمهورية الفرنسية

بداية لا بد من الاستشهاد بالقيم الإنسانية التي تتغنى بها فرنسا ( عدالة – حرية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *