أفكار منتصف النهار (28) حول قيم الجمهورية الفرنسية

بداية لا بد من الاستشهاد بالقيم الإنسانية التي تتغنى بها فرنسا ( عدالة – حرية –أخوة ) تلك القيم التي تعتبر فرنسا نفسها أنها أول ما أرستها في العالم بعد الحروب وبعد نضال طويل للشعب الفرنسي ليحقق الديمقراطية وحقوق الإنسان . في كل محطات التلفزيونات الفرنسية وقبل بداية نشرات الأخبار وفي كل البرامج نجد كتابة جميلة لقيم الجمهورية الفرنسية ( عدالة – حرية – مساواة وأخوة ) .

أعترف أنني ترددت قليلاً في كتابة هذا المقال فالناس تريد رشة أمل أو فرح مع اقتراب نهاية العام وفي عيد الميلاد . لكنني أصبت بما يُسمى حالة الاختناق من الصور ، ففي كل الشوارع الرئيسية والفخمة في باريس هناك جدران مرصوفة بصور أشخاص ( أطفال – رجال – نساء ) هي صور الأسرى الإسرائيليين الذين حررتهم حماس ، بعض هذه الصور كبيرة لدرجة أن كل صورة بمساحة صفحة من كتاب كبير . وأحياناً أجد صورة منفردة لطفل جميل نظيف بتسريحة شعر أنيقة ومبتسم عمره حوالي ثلاث سنوات أو أربع ومكتوب تحت صورته : هذا الطفل الإسرائيلي اختطفته حماس .

طوفان الأقصى أنتج طوفاناً من صور الأسرى الإسرائيليين ليس في تل أبيب بل في باريس ، لدرجة كدت أنسى زينة عيد الميلاد وأنا في كل انعطافة أو شارع  في باريس أجد جدراناً لصور الأسرى المُحررين من حماس ، وللأمانة علي أن أقول أن وجوه كل هؤلاء الأسرى كانت مبتسمة ونضرة ونظيفة وبصحة جيدة . كان بإمكاني مشاركة تلك الصور لكنني قلت سأكتفي بالكتابة .

في لحظات الانفعال القصوى أفضل عدم وصف مشاعري ، لأنني أكون أغلي بالغضب والقهر أنتظر أن تتحول جمرة الغضب في روحي إلى جمرة يكسوها رماد الألم والهدوء .

حين وقفت طويلاً أمام صورة الطفل الإسرائيلي النظيف والمبتسم الذي كان من الذين خطفتهم حماس لكن تم تحريره بتبادل الأسرى . شعرت بدوار وغاب العالم الخارجي عني ولم أعد أشعر بالضجيج والناس والاحتفالات. أحسست أن حبال حنجرتي سوف تتمزق وأنا أصرخ أين صور أكثر من ستة آلاف طفل فلسطيني قتلتهم إسرائيل وهم في المدارس أو في مراكز الأونروا أو في بيوتهم أو في مناطق نزوح يظنون أنها الأكثر أماناً فيطالهم الموت فيها . كم من أطفال غزة تعرضوا لبتر أطراف دون تخدير وعلى قماشة في الشارع حيث يجري الأطباء بلا حدود العمليات دون تخدير وبإصرار من إسرائيل ألا تدخل القفازات الجراحية للتعقيم كي تنتشر الأوبئة عن قطع الماء والطعام . موقف فرنسا الداعم بقوة لإسرائيل مُعتبراً حربها على حماس هي حرب دفاعاً عن النفس، وأحب أن أؤكد على كلمة (بقوة) التي كررها الرئيس الفرنسي ماكرون حين قال مراراً (نحن ندعم إسرائيل بقوة). وفي بداية طوفان الأقصى منعت الحكومة الفرنسية المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في غزة الذين يتعرضون لحرب إبادة . ثم تحت الضغط العالمي حيث قامت مظاهرات حاشدة تأييداً للشعب الفلسطيني سمحت الحكومة الفرنسية ببعض المظاهرات. حسب قيم الجمهورية الفرنسية خاصة مفهوم العدالة كيف يُمكن بكل تلك الكراهية وتزوير الحقيقة أن تتجاهل موت أكثر من ستة آلاف طفل فلسطيني وآلاف المدنيين ، العالم كله يتفرج على حرب وحشية لا مثيل لها والموقف الفرنسي تغير إلى ضرورة هدنة إنسانية !!!

لكن إسرائيل لا تبالي فهي تعتبر الفلسطينيين والعرب حيوانات يجب قتلهم .

صور الأسرى الإسرائيليين المُحررين في أهم شوارع باريس بكثافة كبيرة جداً قمة في الوقاحة والاحتقار لدماء أكثر من ستة آلاف طفل فلسطيني تناثرت أجسدهم الطرية على أرض فلسطين لكنها ستنبت زهور شقائق النعمان. هذا الحشد الخانق من صور الأسرى الإسرائيليين (طبعاً دوماً هناك كتابة بأن حماس اختطفتهم) يكاد يكون أشبه بضرورة تقديس صور هؤلاء الأسرى إذ حيثما تلفتت في باريس أجد صورهم لدرجة صرت أبحث قرب الكنائس خاصة عن صورة لقديس أو ليسوع المسيح !!!

مصالح فرنسا مع إسرائيل، مصالح الغرب وأميركا أيضاً، لكن أن يتم ازدراء قتل ستة آلاف طفل فلسطيني وعدم الإشارة إليه عمداً هو قمة التوحش في الإجرام في قيم الجمهورية الفرنسية التي تتباهى بها، والتي لا تبالي بصور أطفال فلسطين (من تبقى حياً منهم) تحت الأنقاض والتراب يغطيهم والجروح لا ترحم أجسادهم والجوع يعض أحشاءهم. فرنسا التي تقدم برامج تلفزيونية اجتماعية يديرها أهم علماء الإجتماع والأطباء النفسانيين ويكون موضوع الحلقة مثلاً: تعرض مراهقة في إفريقيا للاغتصاب (لا أنكر أهمية الموضوع) ويستمر النقاش ساعتين  لكن أطفال غزة الشهداء لا تقدم أي تقرير أو برنامج عنهم !!الذين حين أرفع عيني للسماء وأراها بيضاء لامعة (وليست زرقاء) تحرقني الدموع وأقول بياض السماء هو أرواح أطفال غزة الذين قتلوا وأؤمن أن بياض السماء هو أرواحهم كي أحمي عقلي من الجنون .

غابت صور يسوع المسيح وصور القديسين واحتلت صدارة الجمهورية الفرنسية صور الأسرى الإسرائيليين المُحررين، والبعض منهم لم يُحرر بعد. قيم الجمهورية الفرنسية سفسطة ونفاق وقتل مرة ثانية لأطفال غزة، فالصمت عن الجريمة هو كالجريمة أي تأييد ودعم لها.

لستُ بصدد التحدث عن سياسة فرنسا في الجزائر فقد كتب الكثير عنها لكنني أحب أن أحكي عن فيلم (les indigenes ) فيلم بالأبيض والأسود وأظن أنه وثائقي يحكي قصة شاب جزائري حارب مع فرنسا ومات الكثير من أقاربه وأسرته في الحرب لكنه حارب سنوات طويلة مع الجيش الفرنسي وحين أصبح كهلاً لم يتلقى أي تعويض، ويعيش في قبو تحت الأرض وهو مريض.

هذه هي قيم الجمهورية الفرنسية؛ قيم تتلون حسب المصالح، فما أسهل تحويل الضحية إلى جلاد والعكس أيضاً، وما أسهل تجاهل كل إجرام العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بأنه حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.

قرأت قولاً لأحد الفلاسفة: انعدام الضمير يُولد الوحوش.

لعل باريس تدخل في منافسة مع تل أبيب في حشد صور الأسرى الإسرائيليين .

لا تفارق خيالي صورة الطفل الإسرائيلي الأنيق النظيف المبتسم ابن الأربع سنوات أنظر إليه بعينين ذاهلتين فأرى جثث ستة آلآف طفل فلسطيني قتلتهم إسرائيل.

أخيراً أذكر ما قاله المفكر الفلسطيني العظيم هشام شرابي في أحد كتبه وفي مقابلة معه: أتمنى أن أموت برصاصة في فلسطين .

عن هيفاء بيطار

شاهد أيضاً

أفكار منتصف النهار (29) الضمانات للعودة إلى سوريا

لست بحاجة لإثبات كم أعشق وطني – سوريا – وكم أحن إلى اللاذقية المُنتهكة والتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *