أفكار منتصف النهار (27) بين الأدب والتأريخ

استوقفتني مقابلة للسيدة بثينة شعبان تتحدث فيها بحماسة وقناعة عن المشروع الرائع الذي تم طرحه خاصة لفئة الشباب وهو كتابة قصصاً قصيرة خاصة بالسنوات من ( 2011 إلى 2023 ) والهدف من هذه القصص حيث يكتب كل شاب وشابة حادثة معينة أو حوادث كان شاهداً عليها في سنوات الحرب في سوريا ، أي كتابة قصصاً واقعية – وكم من قصص لا نهاية لها تُكتب خلال 12 سنة الأخيرة في سوريا ) لكن ثمة بعض النقاط لا بد من الإشارة إليها حول المشروع الكبير الضخم لكتابة قصص قصيرة من قبل شباب وشابات سوريا واعتبار تلك القصص كتأريخ ( أي كتابة التاريخ ) لما حصل ويحصل في سوريا . وبدت السيدة بثينة شعبان سعيدة جداً بتلقي الكثير من القصص وقالت كانت بعض القصص مجهولة الإسم ( أي الكاتب لم يكتب اسمه ) .

بداية يجب أن نُعرف معنى كلمة ( مُؤرخ ) فالمؤرخ يجب أن يتمتع بثقافة عالية في التاريخ والسياسة ( بالتأكيد لن يكون شاباً في العشرينات ) وأهم صفات المؤرخ أن يكون مُحايداً أي ممنوع على الإطلاق أن يُبدي تعاطفه مثلاً مع أحد أطراف الصراع ( أو الحرب ) رغم أنه ضمنياً قد يكون متعاطفاً مع طرف من الأطراف المتحاربة ، لكن عليه أن يكتب بموضوعية وبعيداً كلياً عن عاطفته لما يحصل في الواقع ، أي أن تحييد العاطفة أهم صفة لدى المؤرخ . وعلى المؤرخ أن يكون صادقاً وموضوعياً في كتابة الأحداث وأن يُلقي الضوء عليها في تحليل وفهم دوافع تلك الحرب وأجندة كل طرف من أطراف الصراع . أي أن كتابة التاريخ تُشبه إلى حد بعيد تصوير فيلم وثائقي لحرب لكن المؤرخ يكتب ويُحلل تحليلاً موضوعياً شفافاً صادقاً لما يحصل ولا يُغفل شيء . ولا يُدين أطلاقاً لأن الإدانة تعني أنه لم يُحييد عواطفه .

قلة من المؤرخون تمتعوا بشرف المهنة ، فكثير من المؤرخين نجح السياسيون والحكام في شراء ضميرهم ليكتبوا ما يريد المنتصر ( أحياناً المنتصر هو المجرم ) .

بالعودة لمشروع كتابة القصص القصيرة من قبل شباب سوريا وشباتها واعتبارها ( تأريخ ) لما حصل في سوريا خلال السنوات العشر الأخيرة فهذه قضية خطيرة لأسباب عديدة .

أولاً : الأدب بكل أنواعه سواء كان شعراً أو رواية أو قصة قصيرة يعتمد قليلاً أو كثيراً على الخيال ، والكاتب لا يستطيع تحييد عاطفته وحتى فكره عن ما حصل ، صحيح أن هناك روايات تاريخية عظيمة لكنها خلقت عالماً خاصاً مُوازياً للواقع ، أي لا يُمكن اعتبارها كتب تؤرخ للواقع خاصة للحروب . الكاتب لا يستطيع تحييد عواطفه إطلاقاً ، كيف يُمكن أن يكتب كاتب قصة موت أطفال غزة دون أن يدين الاحتلال الصهيوني !!! كيف يمكن لشاب سوري أو شابة سورية أن تكتب قصة عن أخ استشهد في الحرب السورية دون أن تكون الكتابة معجونه بالألم ، أي أن تحييد العواطف في الأدب مستحيل .

ثانياً : لنفترض أن مشروع كتابة القصة القصيرة في سوريا من قبل شياب وشابات في بداية العشرينات من عمرهم مشروعاً محفزاً على الكتابة وأن القصص التي سيكتبونها يُمكن اعتبارها تأريخاً لما حصل في سوريا في السنوات الأخيرة ( 12 سنة ) . أي أنهم في سنة 2011 كان عمر هؤلاء الشباب والشابات عشر سنوات إلى 13 سنة ، والعالم كله يشهد الهول الذي عاشه السوريون طوال هذه السنوات من نزوح ثلث الشعب السوري إلى بلاد الله الواسعة ومنهم ماتوا غرقاً في قوارب الموت ، إلى أزمات الكهرباء والماء والغلاء والمجازر وموت الملايين ، وكوكبة من الشهداء ، وفصائل دينية متطرفة وهيمنة إيرانية على كل شيء حتى الثقافة ، وطبعاً الوجود الروسي والوضع السياسي والمعيشي المُعقد جداً في سوريا لدرجة سُميت المأساة السورية ( مأساة القرن ) . إذا كتاب القصة القصيرة من شباب وشابات سوريا عاشوا السنوات العجاف في فقر وقهر والإحصائيات تدل على هجرة معظم الشباب إلى دول أوروبية وكندا وأستراليا كي لا يكونوا الشهداء الأبطال . ومن أين لهؤلاء المساكين الفقراء الجياع الكم الكبير من المعرفة والثقافة ليكتبوا ويفهموا حقيقة الوضع السوري !! هم أساساً يعانون من رداءة التعليم في المدارس والجامعات وانعدام تام للنشاطات الثقافية الحقيقية ، يكفي أن نلقي نظرة سريعة للمحاضرات التي يُقدمها اتحاد الكتاب العرب حتى نعرف هول التضليل ، ففي الوقت الذي يعاني الشعب السوري من المجاعة والفقر والمرض وانعدام الحرية يتحفنا كاتب في اتحاد الكتاب بمحاضرة عنوانها ( إدارة الاختلاف ) !!! وكل محاضرات اتحاد الكتاب العرب يُمكن أن نضع لها عنواناً يُعرف بها جيداً هو ( كيف نقول لا لأميركا ) .

إذاً هؤلاء الشباب والشابات مؤرخو المستقبل بقصصهم القصيرة يفتقرون للثقافة والمراجع غير المتوفرة لهم لأن الأنترنيت غالباً مقطوعاً بسبب إنقطاع الكهرباء ، ولأن الهم المعيشي والهدر الوجودي يسحقهم ويسرق كل وقتهم .

أما النقطة الأهم فهي انعدام الحرية ، هل تتوقعين يا سيدة بثينة شعبان أن أي من هؤلاء الشياب والشابات يتمتعون بحرية التعبير ؟ كيف سيكون شكل القصص وموضوعها ؟ هل سيجرؤ أحد من الشبان بالكتابة عن قصة أخ أو صديق مات تحت التعذيب في أحد الفروع الأمنية ؟ مع أن موضوع سجناء الرأي ومن ماتوا في أقبية التعذيب هو في صميم تأريخ ما حصل ويحصل في سوريا . ثم أن هنالك ملايين من الشبان الذين يعيشون خارج سوريا ترى ألا يحق لهم أن يشاركوا في كتابة قصص قصيرة عن وطنهم الذي هربوا منه مرغمين هرباً من الموت والاستشهاد والفقر والأهم انعدام الحريات . أتساءل يا سيدة بثينة شعبان لماذا أولاد المسؤولين الكبار والمناصب الكبرى لا يشاركون في المعارك . أم أن الموت للفقراء  والانتصار للأغنياء . انعدام حرية التعبير في سوريا كارثة ، مجرد كتابة على فيس بوك يُمكن أن تهبط جريمة إلكترونية على كاتبها ويُسجن . الفساد المروع وطلب الإتاوات من التجار ألا يجب أن ( يُؤرخ ) وبالأسماء . ماذا سيكتب هؤلاء المساكين شباب وشابات سوريا بعمر الورود وهم عاشوا وشهدوا الهول السوري حين كان عمرهم عشر سنوات !!

الأدب وكتابة التاريخ يستحيل أن يجتمعا ، رواية غسان كنفاني الرائعة ( رجال في الشمس ) رواية عظيمة خالدة تحكي عن مأساة الشعب الفلسطيني لكن لا يُمكن اعتبارها كتأريخ .

كتابة التاريخ تتطلب اختصاصيين ثقافتهم واسعة جداً في التاريخ والسياسة وكل العلوم ، تتطلب قدرة على تحليل الواقع والأحداث بحياد تام أي لا وجود لكلمة مثل جلاد أو ضحية . أي تحييد تام للعاطفة والرأي الشخصي .

ليت حرية الرأي تتحقق في سوريا . فأية كتابة ستكون وأيه قصص وثمة رقيب

داخلي يقبع في رأس كل سوري .

عن هيفاء بيطار

شاهد أيضاً

أفكار منتصف النهار (29) الضمانات للعودة إلى سوريا

لست بحاجة لإثبات كم أعشق وطني – سوريا – وكم أحن إلى اللاذقية المُنتهكة والتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *