أفكار منتصف النهار (26) الأدباء المحظوظون

منذ مدة طويلة أردت الكتابة بموضوع  تكريس بعض الكتاب في مجلات عديدة وبعض المواقع الإلكترونية ، رغم أنه تبادر إلى ذهني اتهامي بالغيرة مثلاً ، فأنا منذ ثلاث سنوات معظم مقالاتي تُنشر في أهم المواقع دون أي مقابل مادي !!! واسمحوا لي أن أحكي باسم الكثير من الكتاب المبدعين الذين تُنشر مقالاتهم الهامة والإبداعية دون مقابل مادي ( وأنا على تواصل معهم وهم يشعرون مثلي بالغبن ) .

لست ضد تكريس بعض الكتاب المهمين القلة الذين أحرص على متابعة مقالاتهم مثل ( الياس خوري ودلال البزري وسعيد خطيبي ) وغيرهم . طبعاً هناك كتاب مهمين لا مجال لذكر أسماؤهم كلهم . لكن تتحفنا الجرائد والمواقع الإلكترونية بحشد من مقالات لكتاب لا تُقدم شيئاً ذو قيمة فكرية أو أدبية ، يشعر القارئ أن الكاتب محتار ماذا يكتب فيرتجل مقالاً ليقبض المكافأة ( غالباً مئة يور أو أكثر ) . هؤلاء الكتاب المُكرسون الذين يقبضون على مقالاتهم التي لا تُقدم شيئاً ، مثلاً أحدهم يحكي عن حلم !! أو ذكرى افتكرها منذ ربع قرن عن بائع فلافل مثلا أو  حادثة تافهة يعتبرها قمة في الظرف والطرافة .بعض الكتاب المكرسين يعيدون الأفكار ذاتها في كل مقال مثلاً أحد هؤلاء ( كاتب أو كاتبة ) أنهك عقلنا بفكرة ( أن معظم الدول العربية تريد في سرها وضمنياً القضاء على حماس ) خمس مقالات للسيد الكاتب يكرر فيها هذه الفكرة ويقبض مبالغ كبيرة على مقالاته . ولكن هناك، في المقابل، أكثرية من الكتاب ينشرون مقالات هامة وتوثيقية ومقالات عن كتب ( وكم تستغرق قراءة كتاب والكتابة عنه من جهد فكري وأمانه وشرف الكتابة ) ولا يقبضون قرشاً. أعطي أمثلة عني فقد نشرت الكثير من المقالات في القدس العربي مجاناً !!! كذلك في ضفة ثالثة، ومع أنني أكن كل الاحترام والتقدير للمسؤول عن ضفة ثالثة والذي بذل الكثير من المساعي لتكون مقالاتي مدفوعة الأجر لكنه لم يُوفق . يُمكنني أن أعذر المجلات والجرائد كونها لا تدفع مبلغاً أو مكافأة لخاطرة مثلاً. لكن أن يكتب الكاتب عن كتاب ويقدم نقداً جيداً له وهناك ملايين القراء يقرؤون ما كتبه ولا تتم مكافأته على الجهد الفكري في قراءة الكتاب والكتابة عنه فهذا احتقار للثقافة والأدب والكاتب. لكن ثمة كتاب محظوظين ( على رأسهم ريشة أو في فمهم ملعقة ذهب ) حين يكتبون عن رواية أو كتاب أو أي موضوع يقبضون مكافأة . كل الكتاب المبدعين الأصدقاء والزملاء الذين أتحدث باسمهم والذين شجعوني على كتابة هذا المقال يتفقون على فكرة (أن النشر في الجرائد والمجلات يعتمد على العلاقات الشخصية ) أي الصداقة والمصلحة وأشياء أخرى تربط بين الكاتب وصاحب الجريدة أو الموقع الإلكتروني. عشرات المقالات كتبتها عن روايات هامة وعشرات المقالات التوثيقية عن سوريا الحبيبة نشرتها في عدة جرائد ومجلات بذلت فيها كل الجهد والإخلاص لتقديمها للقارئ (الكثير من هذه المقالات كان يتم نشرها في مواقع كثيرة) ولم أقبض أيه مكافأة.

الإهانة ليست فقط الاستخفاف بالجهد الفكري والمعرفي والثقافي للكاتب، إنما هو فساد كبير في المنظومة الثقافية التي تمسك بيدها كل الخيوط من اختيار كتاب معينين بغض النظر عن كفاءاتهم إلى تكريس نمط من الكتابة يتفق مع سياسة ونهج المجلة (أو الجريدة أو الموقع الإلكتروني) وطبعاً العلاقات الشخصية تلعب دوراً مهماً أو هي الامل الوحيد في ترسيخ هؤلاء الكتاب. بينما يتم حشر مبدعين يستحقون كل تقدير في زاوية والتعتيم عليهم واحتقار جهدهم الفكري وعدم تقديم أية مكافأة لهم .

ثمة موضوع هام أود الإشارة إليه أن الكثير من الكتاب خاصة الذين يعيشون في الداخل السوري يكتبون في مواضيع كثيرة (نظريات نقدية، بعضها انقرض أو مقالات عن فلاسفة أو مبدعين لكنهم حريصون تماماً ألا يحكوا عن مأساة الشعب السوري الحياتية وعن انعدام الحرية وعن سجناء الرأي) وأحب أن أعطي مثالاً عن كاتب سوري شاب أرسل لي روايته لأقرأها وفعلاً قرأتها وكتبت عنها مقالاً فقد قرأت روح الرواية التي وصلتني من النص الأدبي. روح الرواية هو الهول السوري والمأساة السورية وانعدام الحرية والموت والفساد. اعتقدت أن الكاتب سيفرح بالمقال لكنه قاطعني ولم يقل كلمة شكر واعتبر ما كتبته عن روايته ممكن أن يتسبب له الأذى وهو يعيش داخل سوريا.

كم هو مُهين ومُخزي أن يضطر العديد من الكتاب أن يكتبوا في مواضيع عديدة (مع الحرص الشديد ألا يقتربوا من السياسة ووجع الأحبة في سورية والمجاعة وانهيار العملة الخ) فيكتبون في مواضيع عديدة ومن أجل الحصول على المكافأة، أعذرهم فأن يقبض كاتب سوري غالباً ما يكون موظفاً راتبه يُعادل (10 إلى 16 دولار في الشهر) عن مقال يُنشر في موقع يدفع مكافأة مئة يورو (أي ما يعادل مليون و400 ألف ليرة سورية).

ورغم أنني أعذر هؤلاء الكتاب إذ يحتم الواقع عليهم تأمين الطعام ومصروف التعليم والمواصلات والطبابة لأولادهم، لكن الحالة (أن يُسخر الكاتب موهبته ويختار مقالات لا تمت لوجع الشعب السوري بصلة من أجل المكافأة المالية التي تنقذه من الجوع) مُهينة ومُخزية، لأن أساس أي إبداع هو الحرية، ولا إبداع مع الخوف، لا إبداع مع تجاهل حقيقة عيشنا. في المأساة السورية من المهم كتابة مقالات عن وجع الناس مقال عن فرط العتمة وشح الكهرباء أهم بمقال عن سقراط في جحيمنا السوري.

عالمنا العربي للأسف لا يُقدر الجهد الفكري إن لم أقل يحتقره، في أوروبا وأميركا والدول المتقدمة يستطيع كاتب متوسط الموهبة حقق كتاب واحد له شهرة متوسطة أن يعيش من مبيعات كتابه سنتين أو ثلاثة.

في عالمنا العربي أصبح العديد من الكتاب يدفعون مالاً للناشر ليطبع لهم كتاباً.

أعرف كاتبة دفعت لناشر 2300 دولار ليطبع روايتها واشترط عليها أن يرسل لها ثلاثمئة نسخة!!!

أتوقع أن يُعلق الكثيرون على ما كتبت بعبارة (على من تلقين مزاميرك).

لكنني أؤمن بالكلمة .

الكلمة التي أحسها مثل قطرة الماء لكن الماء يُمكن مع الزمن أن يُفتت الصخور والعقول المتحجرة التي تظلم وتحتقر المبدعين. بتكريس أسماء كثيرة لدعمها مادياً .

عن هيفاء بيطار

شاهد أيضاً

أفكار منتصف النهار (29) الضمانات للعودة إلى سوريا

لست بحاجة لإثبات كم أعشق وطني – سوريا – وكم أحن إلى اللاذقية المُنتهكة والتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *