أفكار منتصف النهار (23) الشعوذة

يقول عالم الإجتماع التونسي  الطاهر لبيب الذي يعيش في بيروت : ثقافتنا المعاصرة اليوم تُنتج ( اللامعنى ) أكثر مم تنتج ( المعنى ) فنجد كلاماً كثيراً في السياسة والأدب – رغم أنه يبدو مُنمقاً – لا معنى له .

ظاهرة ( اللامعنى ) تكاد تكون من أهم صفات ثقافتنا المعاصرة سواء في الرواية أو الشعر أو الرسم ، وخطورتها لا تكمن فقط في أنها ( اللامعنى ) بل بوجود أسماء مبدعين كبار ومُكرسين يعتبرون أنفسهم، ويعتبرهم كثيرون أنهم أسسوا مدارس فنية وأدبية وصار لهم أتباع ومقلدين ، ومن يجرؤ على انتقادهم ؟!

ثمة أمثلة لا تُعد ولا تحصى عن شعراء تم الاحتفاء بهم وإقامة ندوات ثقافية مهمة لهم ونالوا جوائز قيمة ، ومعظم إنتاجهم الشعري يفتقد كلياً للمعنى وللموهبة لكن فريقاً من نقاد مُهمين يطرزون لشعرهم الرديء ( اللامعنى له ) مديح كبير فيشعر القارئ العادي الذي يقوده حسه الجمالي بأن الخلل فيه وبأنه لا يجد أي إبداع في هذه الشعوذة الكلامية ، فيخجل أن يُعبر عن رأيه بل يجد نفسه مُضطراً ليحكي عكس قناعاته فيمدح شعراً لا يطيقه . أحد الشعراء المعاصرين وفي صالة كبيرة قرأ الشعر التالي : أنا والنهد طفلان يتيمان – فمن يُطعمنا حبة عيطون – النهدان طفلان مرتجان – فمن يُنزل حلمي عن بغلته . الخ . عدة قنوات تلفزيونية تصور والجمهور يُصفق تصفيقاً حاراً .

شاعر آخر كتب ديوان شعر ( طرز له المديح الكثير من النقاد ) يقول : وحيداً مثل كيلوت – مرمي على الأرض – يتأرجح . وفي مقطع آخر يقول : جئتك عاشقاً بلا قضيب . وشاعر مشهور جداً ( شوقي أبي شقرا ) يُصدر ديوان شعر بعنوان ( أسكب المطبخ على رأسي ) حتى أدونيس الأكثر شهرة بين الشعراء كثيرون لا يفهمون شعره وأغلبهم لا يجرؤون بالاعتراف أنهم لا يفهمون شعره فهو أصبح أيقونة ، في ديوانه ( مفرد بصيغة الجمع ) يستعمل إشارات هندسية مثل أكبر أو أصغر وغيرها ، لكنه أدونيس المُرشح مراراً لجائزة نوبل والذي نال جوائز كثيرة ويتهافت الكثير من الشعراء لتقليد شعره . حتى أن البعض أطلق على شعره ( المدرسة الأدونيسية ) . بالانتقال إلى حال الرسم فظاهرة ( اللامعنى ) تهيمن على كثير من الأعمال ( اللوحات والتماثيل ) ، وكما سمحت عبارة ( قصيدة النثر ) بأن يستسهل الكثير من الناس بكتابة الشعر الحديث ( اللامعنى له ) فإن عبارة ( الفن الحديث ) جعلت الكثير من الناس ( يؤمنون في أعماقهم ) أنهم أصحاب موهبة برسم لوحات لا تمت للفن والإبداع بصلة ، لوحات يمكن لطفل في الرابعة من عمره رسمها ( مكعبات ، دوائر ، خربشات ، أسماك مُضحكة كنا نرسمها ذاتها في الصف الأول أو الثاني الابتدائي ) ونجد من يطرز المديح لهذه الرسوم وللرسامين ، فهم بارعون في تسويق أنفسهم وفي إقامة علاقات شخصية مع نقاد . ويبقى النقد الأخلاقي النزيه الشجاع في الظل . لا يمكن إنكار ظاهرة أن بعض الأدباء والشعراء امتهنوا الرسم أيضاً وهو شيء جميل ( تعدد المواهب ) . لكن من يُقيم رسومهم ؟ أيه قيمة تحمل ؟ وأيه جمالية ؟ وأيه رسالة ؟ لأن كل عمل أدبي أو فني يُفترض أن يكون له رسالة في تعليم الناس تذوق الفن الأصيل وفي الرقي بالروح والإحساس ( كالموسيقى أيضاً ) .

لا يُمكن إنكار مبدع كأدونيس كتب كتباً هامة وهو مثقف ، وحقق انتشارا عالمياً ، وبالتأكيد له الكثير من المعجبين ، لكن أن يُقام معرض رسم لأدونيس في أميركا بعنوان ( هكذا يولد الحب ) و ( رقائم تتمرد على اللوحة ) وأن يستمر المعرض لمدة سنة كاملة وكاتب المقال المبدع أسامة إسبر الشاعر المبدع والمترجم الفذ ( أدونيس يكون عم أسامة أسبر ) وطرز مقالاً طويلاً في مديح رسوم عمه ، لكن الجمهور يحتاج أن يفهم ويعرف ما معنى ( الرقميات ) وفي المقال : الرُقيمة تأتي من الجذر اللغوي ) ( رقم ) والذي يعني كتب ونقش ووشى ونقط وختم . غير أن الرقمية صارت في التجربة الأدونيسية أفقاً كولاجياً يحتوي على عناصر عديدة ، كقطع الأٌقمشة الرثة  والبالية والأسلاك المعدنية وقطع حديد صدئ، والكل مُحاط برحم من الكلمات . هي في الأساس مقاطع من قصائد أدونيس . وبالتالي تكتسب الرقمية في سياق الاستخدام الأدونيسي للتسمية معنى جديداً , وتنطوي على تمرد على اللوحة كما هي معروفة ، وعلى افتراق عنها نحو آفاق جمالية غير مطروقة .

التجريب والابتكار في الفن جميل ، وكل مدرسة فنية عانت وصبرت حتى أثبتت هويتها وإبداعها ، الرسم الكلاسيكي والمدرسة الانطباعية في الرسم وحتى الفن الحديث احتاج لسنوات ولصبر وإصرار كي يثبت قيمته الإبداعية .

لكن أن يخطر ببال أي مبدع ( أو شخص ما ) أنه ابتكر ما لم يسبقه إليه أحد وأن يجد القارئ نفسه في لغز ( الرقيمة والرقيمات ) وفي فيض من قطع حديد صدئ وخشب وألبسة بالية وأبيات شعر وأشياء أخرى كلها تُدرج في تعبير ( رُقيمات  ) فمن حق المشاهد أن يفهم وأن يقرأ نقداً موضوعياً مُحايداً من قبل نقاد مبدعين وبكل نزاهة وشرف النقد حول كل عمل فني حتى لو كان أدونيس قد إبتكره .

كان من المفترض أن يُتحفنا المبدع أسامة أسبر برسوم أو رُقيمات أدونيس ، أن يعرض رُقيماته التي سيستمر عرضها سنة كاملة في أميركا .

كم كان مُحقاً عالم الإجتماع المبدع ( الطاهر لبيب ) حين قال : ثقافتنا المعاصرة هي ثقافة ( اللامعنى ) . ربما تلك العبارة تخفيف مُلطف لعبارة ( ثقافة الشعوذة ) .

عن هيفاء بيطار

شاهد أيضاً

أفكار منتصف النهار (29) الضمانات للعودة إلى سوريا

لست بحاجة لإثبات كم أعشق وطني – سوريا – وكم أحن إلى اللاذقية المُنتهكة والتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *