أفكار منتصف النهار (19) اللاذقية ( أرملة الساحل السوري )

يتشارك كل أهالي اللاذقية والقرى القريبة منها الذكريات المُروعة ذاتها والتي امتدت لأكثر من خمسة عقود ، ويبدو أن الترويع والذل والخوف الأقرب للرهاب حين يصير نمط حياة يومي يعتاده الناس رغماً عنهم ، ويتحايلون على هول حياتهم بتهدئة أعصابهم المنهارة – أو على شفير الانهيار – بعبارة لنتحمل فربما القادم أعظم .

من أكثر المدن السورية التي تشوهت وظلمت في سوريا هي اللاذقية ، فعدا عن التشويه المكاني أو الجغرافي مثل جريمة تبليط البحر وسحق سلسلة من أجمل المقاهي البحرية التي كانت على مستوى ماء البحر تماماً ، وكانت تلك المقاهي رئة ومتنفساً لأهل اللاذقية ولسوريا كلها ، إضافة لهدم مباني أثرية عريقة رائعة وإشادة أبراج إسمنتية من ثلاثين طابقاً وفي شوارع ضيقة ، إلى الحجة المُخزية التي قدمها لي رئيس البلدية حين كتبت منذ حوالي خمسة عشرة سنه تقريباً مقالاً بعنوان : أين اللاذقية القديمة ؟ فكان رد المسؤول في البلدية وهو يصرخ ويهدد ويتوعد أن الحكومة اضطرت لهدم العديد من المباني الأثرية القديمة في اللاذقية لأن الإخوان المسلمين كانوا يختبؤون فيها !!!!

وإذا أراد أهل اللاذقية أخذ ما يُشبه الصورة البانورامية لحياتهم طوال عقود ( 1976- 2023 ) فيمكن أن تكون تلك الصورة بين اسمين (ف) و (م) كانا شقيقين بصلاحيات مُطلقة وفوق كل القوانين فهما قمة الدعم والسلطة . وقد أبدعت المُخرجة رشا شربتجي في مسلسها الذي توحد حوله كل السوريين ( غزلان في غابة من الذئاب ) على مدى ثلاثين حلقة في إعادة سرد تصرفات السيد (ف) الذي  كان مصاباً بجنون العظمة الذي يدفعه لارتكاب تصرفات يُمكن تسميتها : إبداعات الجنون ، إذ كان يسير بموكب من سياراته الفخمة في شوارع اللاذقية ويحلو له أن يترجل من سيارته ويقف خلفه شبيحته ويأمر مجموعة من الرجال الكهول الجالسين في مقهى شعبي أن ينبطحوا أرضاً تحت الطاولات ، وكانوا يمتثلون لأوامره بصعوبة ويصبح طعم الشاي مُراً مرارة الذل والسيد (ف) ينفجر ضاحكاً ويطلق الرصاص في الهواء منتشياً ، لا يخطر بباله إطلاقاً واجب احترام كبار السن . أو يحلو للسيد (ف) أن يطلب من أي رجل يختاره لا يعرف هو نفسه لماذا اختار هذا الرجل ، يأمر الرجل أن يحشر جسده في طبونة السيارة الخلفية على مرأى من أهل اللاذقية ويقود سيارته حوالي ساعة بسرعة جنونية والرجل محشوراً في الطبونة ثم يعود إلى المكان الذي أمر الرجل بأن ينحشر في سيارته يفتح طبونة السيارة ويخرج الرجل الذي يبدو كخرقة لاهثاً ذليلاً مُروعاً ويتركه وهو ينفجر ضحكاً والناس صامتون .تسبب السيد (ف) في هروب وهجرة عدة عائلات من اللاذقية لأنه بكل بساطة كان يقصد بيت الفتاة التي تعجبه بعد منتصف الليل ويطلب من والدها أن تذهب معه . وفجأة نجد أنه صار مُحامياً وفتح مكتب محاماة في أهم شارع في اللاذقية ووظف عدة محامين في مكتبه ، القصة الشهيرة التي يعرفها كل أهالي اللاذقية وسوريا أن على السيد (ف) كي يتسجل في نقابة المحامين أن يٌقسم القسم الخاص بالمحامين ، رفض أن يُقسم ، فطلب منه القاضي (كان رجلاً قمة في النزاهة) أن يُقسم احتراماً للقانون وللوطن وللحق وللقضاء العادل فأخذ السيد ( ف ) يشتم القاضي ويقول أنا لا أقسم إلا باسم شخص واحد سيدي وتاج رأسي . كان السيد (ف) غريب الأطوار إذ أراد ذات يوم أن يتنكر بشخصية بابا نويل في حفلة عيد الميلاد التي يحضرها أطفال صغار في مقهى بسيط وجميل ، كل الأطفال (من كل الأديان) كانوا ينتظرون بفرح غامر لحظة دخول بابا نويل حاملاً كيس الهدايا ، وبعد أن وزع بابا نويل عدة هدايا على الأطفال نزع ثياب بابا نويل وانفجر ضاحكاً وقد اغتال فرحة أطفال أكبرهم في الثامنة من عمره . الكثير من الأطفال بكوا وخاب أملهم ببابا نويل . ثمة حادثة محفورة في ذاكرة أهل اللاذقية هي سقوط شابة في ربيع العمر من الطابق السابع الذي كان أحد بيوت السيد (ف) . الشابة فقيرة من قرية سقطت في ظروف غامضة في المكان المُخصص لمصعد البناية (البناية لم تكن كاملة الإكساء بعد) . العديد من المُتخاصمين الذين كانوا يلجؤون إلى مكتب محاماة (السيد ف) معتقدين أنه قادر على حل كل المشاكل كانوا يعودون خاسرين بسبب استغلال لا يُمكن تخيله للسيد (ف) مطلق الصلاحيات .

كان يملك قصوراً وحراساً وسيارات فارهة طوال عقود شعب اللاذقية يعيش الذل والخوف والتوجس من تصرفات السيد (ف) وهم صامتون خوفاً على أولادهم ، لأن السيد (ف) فوق كل القوانين أي لا يُحاسب ، ثمة ومضة مضيئة في تاريخ اللاذقية حين اشتبك السيد (ف) مع شاب من أسرة عريقة من الطائفة السنية الشاب لم يسكت له وتعاركا وسمع كل أهل اللاذقية الكلام الشجاع وهو يدافع عن نفسه وعن أهل مدينته المُنتهكة ويُسخر من تهديدات السيد (ف) ويقول له أعلى ما في خيلك اركبه .  كل تصرفات السيد (ف) وجرائمه كانت تصل إلى دمشق وإلى أعلى سلطة ولا محاسبة . أخوه السيد (م) كان يتاجر بالحديد ولم يكن يريد أن يكون في الواجهة بل كان يلجأ لتوظيف أشخاص يعملون لحسابه يكونون في الواجهة ، هو من استورد كل الميكروباصات وكان يُرسل رجاله (الذين يبرم الصفقات باسمهم) إلى روسيا كل مدة يبقون في روسيا شهراً أو شهرين ويعودون بصفقات تجارية عديدة. لا نعرف عنها شيئاً  كان السيد (م) مسؤول عن إدخال كل أنواع المشروبات الروحية والسجائر من لبنان  إلى سوريا ، وقد ماتت زوجته وابنته في حا دث سيارة ، ومات إبنه ميته مُروعة إذ كان يلهو بقنبلة في سيارة والده فانفجرت فيه القنبلة ومات .

في الواقع يُمكن كتابة رواية عن السيدان الأخوين (ف) و (ن) لكن سيكون عنوان الرواية (الصمت) . شعب اللاذقية بقي صامتاً طوال عقود من الذل والتحقير والرعب والإحساس بانعدام الكرامة وأنهم لن يحصلوا على حقهم في قضاء لا يجرؤ على محاسبة الأسياد . لا ينسى أهل اللاذقية يوم تم خطف أهم أستاذ رياضيات في اللاذقية من قبل شبيحة أحد الكبار (عم السيد ف) اختفى الأستاذ وكان من الطائفة المسيحية خلوقاً وراقياً لمدة سنه ولم تعرف اسرته عنه شيئاً بل اعتقدوا أنه ربما مات ، بعد سنه رجع الأستاذ سليماً إلى أسرته ولم ينطق كلمة واحدة .

سؤال يطرح نفسه : إلى أي حد يستطيع الإنسان تحمل كل هذا الذل !؟ وهل يصير الذل نمط حياة ؟ هل يُمكن أن يعيش الشعب المُروع فاقد الكرامة والحرية والعيش الكريم إلى اللانهاية !!! ملاذه رب العالمين وحده ، مؤاسياً نفسه أن عليه أن يتحمل لأنه لو تمرد فالقادم أعظم !!!

وفعلاً جاء القادم الأعظم وتدفق نهر الدماء في سوريا ، ولم تعد اللاذقية عروس الساحل السوري بل أرملة الساحل من كثر ما دفنت رجالاً وشباباً ، جاء القادم الأعظم بنزوح أكثر من ثلث الشعب السوري في بلاد الله الواسعة أو ماتوا في مراكب الموت ، وكان القادم الأعظم بالفقر والمجاعة لأكثر من تسعين بالمئة من الشعب السوري ولا تزال اللاذقية صامته ، أصوات منافقة تدعي أنها تنتقد وتعترض على الأوضاع المعيشية هي مجرد تنفيس وإيهام الناس أن هناك من يتكلم بحرية ولا يُعتقل .

مئات الآلاف من الشبان السوريين أصبحوا معوقين ، أطفال سوريا ناقصي النمو لأنهم لا يأكلون سوى خبزاً. أو من الزبالة .

أخيراً أحب أن أختم بتلك القصة ذات الدلالة الهامة ، فمنذ أيام كنت في السوق في باريس  سوق مفتوح يُباع فيه كل شيء ورأيت بالة من دمى باربي سعر الدمية الواحدة (يورو فقط) وتذكرت أحباء قلبي أطفال سوريا فاشتريت العديد من دمى باربي وكتبت تلك القصة على صفحتي على فيس بوك ، طفلة فقيرة من اللاذقية أتصلت بي وقالت لي : خالتو هل ستهدينني دمية باربي ؟ قلت لها طبعاً حبيبتي . قالت: أرسلي لي صورتها وأرسلت لها صورة دمية باربي بشعر أسود وثياب أنيقة ، وهب أحدهم (البطل المغوار) وكتب لي ألا تلاحظين أن نجمة إسرائيل هي على فستان باربي ، وأنهى كلامه بعبارة : إسرائيليات , السيد المقاوم يستكثر مجرد فرحة طفلة سورية آكلة الخبز فرحها بدمية باربي وتطوع أحد الأصدقاء وكتب له رداً رائعاً عن تاريخ النجمة وأنها ليست نجمه إسرائيل . وأن إسرائيل التي سرقت فلسطين ستسرق نجمه . الطفلة ذات السنوات الخمس يجب أن تحكي بالصمود والتصدي لعل الصمود والتصدي يغنيانها عن اللحم والبيض والحلوى ودمية باربي

تذكرت في عام 2009 حين كانت كل الأسواق الحرة في سوريا ملكاً لشخص واحد (رامي مخلوف) كنت من وقت لآخر أقصد السوق الحرة أشتري أشياء بسيطة كانت سيارات تهريب الدخان والمشروبات الروحية والمعسل للأركيلة تقف في طوابير توضع البضائع وتحشر حشراً فيها ، يومها اشتريت سيشوار صغير (مجفف شعر) عدت إلى البيت وأخرجت السيشوار من العلبة وصعقت حين قرأت أنه صنع في إسرائيل .

إسرائيليات . ولا تزال اللاذقية صامته . صمت القبور . أمان دجاجات في قفص .

الخوف من القادم الأعظم .

عن هيفاء بيطار

شاهد أيضاً

أفكار منتصف النهار (29) الضمانات للعودة إلى سوريا

لست بحاجة لإثبات كم أعشق وطني – سوريا – وكم أحن إلى اللاذقية المُنتهكة والتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *